لم تكن تجارة الكبتاغون في سوريا خلال حكم نظام بشّار الأسد مجرّد قطاع اقتصادي موازٍ لاقتصاد الدولة، بل تحوّلت إلى استراتيجية داخل بنية النظام الأمنية والعسكرية.
فبينما ركّزت التقارير الدولية على تهريب هذه الحبوب عبر الحدود السورية نحو دول الخليج وأوروبا، بقيت العلاقة بين الكبتاغون وجيش النظام السوري شبه مغيّبة عن الضوء، رغم أنها مثّلت جانباً جوهرياً من آليّة عمل المؤسّسة العسكرية طوال سنوات الحرب.
هذا التحقيق يعتمد على شهادات جنود سابقين خدموا في وحدات عسكرية مختلفة خلال الصراع السوري، تكشف عن استخدام واسع ومنهجي للكبتاغون داخل الجيش، سواء لرفع القدرة القتالية، أو لضبط الجنود وتأطير سلوكهم داخل الوحدات. وتُظهر هذه الشهادات استخدام المخدّر ليس فقط بوصفه أداة لتسكين الجسد وإطالة اليقظة، بل بوصفه عنصراً من عناصر “صناعة الجندي” داخل الجيش السوري.
سوريا: من مركز تهريب إلى شبكة استخدام داخلية
تحوّلت سوريا منذ العام 2012 إلى أحد أكبر منتجي ومصدّري الكبتاغون في العالم، ووفقاً لتقارير أمنية بريطانية، شكّلت سوريا ما يصل إلى 80% من الإنتاج العالمي لهذه الحبوب المخدّرة بحلول العام 2023، وهي تقديرات لاقت تبايناً في بعض الأوساط الدولية، لكنّها تؤكّد حجم الصناعة المتورّطة فيها أجهزة وشخصيّات رسمية وميليشيوية مرتبطة بالنظام.
تشير تحقيقات نُشرت في موقع “درج” وتقارير صادرة عن هيئات رقابية دولية، إلى ارتباط شبكات التهريب بالقصر الجمهوري، وضلوع الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، في الإشراف على تصنيع الكبتاغون ونقله وتصديره عبر شبكات تهريب تمتدّ إلى لبنان والأردن والخليج، وقد كُشف عن معامل تصنيع في مواقع تحت السيطرة العسكرية، أبرزها في مطار المزّة العسكري وغوطة دمشق، إضافة إلى مستودعات على الحدود الجنوبية.
في مقابل هذا الوجه المعلن، بقيت دائرة استهلاك الكبتاغون داخل الجيش السوري محاطة بسرّية أمنية، لكنّها حاضرة بقوّة في شهادات الجنود الذين خدموا في وحدات القتال.
ثلاثية الجندي: البذلة، السلاح، الحبوب
بذلة عسكرية، بندقية، وحبّة كبتاغون. هذه العناصر الثلاثة كانت، بحسب شهادات جمعها “درج”، جزءاً من الحياة اليومية لكثير من الجنود داخل معظم وحدات جيش النظام السوري، خلال سنوات الحرب التي أعقبت ثورة العام ٢٠١١. فمع استمرار التجنيد الإجباري منذ 2012، وتوسيع الخدمة الاحتياطية، وتراجع أعداد الملتحقين بسبب الهجرة والتهرّب من الخدمة، لجأ النظام إلى تعويض النقص العددي بالاعتماد على ما سمّاه أحد الجنود السابقين: “التنشيط الكيميائي للجسم العسكري”.
يقول معتزّ (اسم مستعار، 36 عاماً)، وهو جندي سابق خدم في فوج الحرس: “منذ اليوم الأوّل، كانت الحبوب متاحة. لم يكن هناك أمر رسمي يفرضها، لكنّها موجودة، ومع الوقت تصبح جزءاً من حياة الجندي. حين يسلّمك صديقك حبّة في منتصف الليل لتبقى مستيقظاً خلال نوبة الحراسة، لا تفكّر كثيراً، فقط تبتلعها”.
يشير معتزّ إلى أن توزيع الحبوب كان يتمّ داخل الثكنات العسكرية وفي الجبهات الأمامية، عبر مراتب قيادية صغيرة أو متوسّطة، إما مجاناً أو مقابل مبالغ بسيطة أو سلع مختلفة: “في 2019، كنت أشتري الحبّة بـ 700 ليرة سورية، ثم ارتفع السعر إلى 3500 ليرة حسب الشحّ والكميّات، وأحياناً كنّا ندفع مقابلها أرزّاً أو علبة سجائر”.
كيف يدخل الكبتاغون إلى الجيش؟
وفق شهادات متقاطعة، تبدأ دورة الإمداد من عمليّات الإنتاج التي تشرف عليها الفرقة الرابعة وعناصر مرتبطة بالحرس الجمهوري، تُنقل كميّات من الحبوب إلى الجبهات مع المعدّات العسكرية والإمدادات، وغالباً ما يُمنح الجنود في بداية خدمتهم جرعات مجّانية، بهدف خلق اعتياد جسدي ونفسي قبل تحويل العمليّة إلى تجارة مربحة.
إقرأوا أيضاً:
يقول محمّد (اسم مستعار، 32 عاماً)، وهو جندي سابق خدم في جبهات الشمال: “فُرض علينا الكبتاغون بطريقة غير مباشرة. لم يقل لنا أحد: خذوا. لكنّه كان حاضراً دائماً، ومتاحاً عندما تحتاجه. مثل الحشيش والزولام وأدوية الأعصاب. معها، كنّا نصبح أكثر يقظة، أقلّ خوفاً، وأحياناً عدوانيين”.
ويضيف: “الأخطر أن استخدامها كان جزءاً من دائرة فساد مضاعف. الضابط يوزّع جزءاً، ويبيع جزءاً. الجندي يتعاطى ثم يدمن. وبعدها تبدأ المقايضة. كلّ شيء يتحوّل إلى تجارة: الجسد، المخدّر، القتال”.
بفعل الاعتماد المستمرّ، مرّ كثير من الجنود بتجارب خطرة، وصلت بعضها إلى الوفاة نتيجة جرعات زائدة. يقول معتزّ: “كنت أقسّم الحبّة إلى أربعة أجزاء لأخفّف أثر الإدمان. لكنّ آخرين لم يكترثوا. مات أحد أصدقائي أمامي، سقط فجأة وأخرج زبداً من فمه. في التقرير الطبّي لم يُذكر أيّ شيء عن المخدّر. كُتبت الوفاة على أنها جلطة”.
تلك الحادثة ليست فردية. إذ تكرّرت في عدّة وحدات عسكرية، في ظلّ غياب العناية الطبّية الكافية، أو وجود كوادر غير مؤهّلة. وقد برزت شهادات تفيد بأن التقارير الطبّية الرسمية كانت تزوّر لأسباب سياسية، خشية تسليط الضوء على الاستخدام الداخلي للمخدّر.
الفرقة الرابعة: المنتج والموزّع والقائد
تتربّع الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد الأخ الشقيق للرئيس المخلوع بشّار الأسد، في أعلى هرم الإمداد العسكري والاقتصادي داخل النظام السوري، فرضت الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي عقوبات على شخصيّات بارزة فيها في عام 2023، بينها ماهر الأسد وسامر ووسيم الأسد، بتهم تتعلّق بالإشراف على شبكات إنتاج الكبتاغون وتهريبه.
يقول محمّد، وهو عسكري سابق في جيش الأسد لـ”درج”: “كانت الفرقة الرابعة توزّع الكبتاغون بشكل دوري على الجبهات الهجومية. ليس فقط في الجيش، بل أيضاً في وحدات حزب الله والميليشيات الإيرانية. ثم تُهرّب كميّات إلى الأسواق الشعبية داخل مناطق النظام وخارجها، في دمشق أو السويداء أو ريف حمص”.
ويتابع: “كان التعامل مع تجارة المخدّرات داخل الجيش يجري تحت ما يسمّى ‘الإدارة المخفيّة”، لا منع واضح ولا سماح واضح. فقط ضبط المشهد كي لا يخرج عن السيطرة”.
بعد انتهاء خدمتهم، يعود الجنود السابقون إلى حياة مدنية مثقلة بآثار الإدمان والجروح النفسية. يقول محمّد: “الخوف من الاعتراف أمام العائلة أكبر من الإدمان نفسه. لا أحد يريد أن يبوح بما عايشه. لكنّ الحياة من دون الحبوب صعبة. كثيرون يعودون للبحث عنها بعد التسريح، خاصّة في مناطق الفوضى الأمنية”.
في غياب برامج تأهيل أو رعاية نفسية، يُترك هؤلاء الجنود وسط صدمة الحرب والإدمان معاً. وتبرز مخاوف من أن يتحوّل الإرث الكيميائي للحرب إلى مشكلة اجتماعية طويلة الأمد، تمتدّ آثارها إلى الأجيال.
تنصّ المادّة الثالثة من اتّفاقية الأمم المتّحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدّرات والمؤثّرات العقلية (1988) على تجريم المخدّرات أو تصنيعها أو نقلها أو بيعها خارج الاستخدام الطبّي. وعليه، فإن صناعة الكبتاغون وتوزيعه داخل الأجهزة الرسمية، وضبطه داخل الوحدات العسكرية السورية، يمثّل خرقاً صريحاً للاتّفاقية، ويضع مسؤوليّة مباشرة على النظام أمام المجتمع الدولي.
الحرب التي تسرّبت عبر الدم
لم يكن الكبتاغون في سوريا مجرّد تجارة، بل تحوّل إلى أحد أنظمة الضبط العسكري داخل ماكينة الحرب. فقد أعاد نظام بشّار الأسد صياغة أجساد جنوده ووعيهم من الداخل، ليستمرّوا في القتال بأقلّ تكلفة بشرية ممكنة، ولو بثمن مدمّر.
وحين انهار النظام وتوقّفت المدافع، وبدأ الجنود بالعودة من خطوط الجبهات، ظلّ أثر المخدّر حيّاً في الذاكرة والجسد، في عزلة يصعب التكيّف معها، وغياب أيّ برامج رسمية للعلاج أو الاعتراف بما حدث.
وهكذا أعاد الكبتاغون تشكيل ما بعد الحرب، تماماً كما صاغ تفاصيلها، ليصبح جزءاً من الجرح المفتوح في المجتمع السوري، وكما قال محمّد، وهو يستذكر خدمته: “الخروج من الحرب أصعب من البقاء فيها”.
(توضيح: يستند هذا التحقيق إلى شهادات الجنود الواردة فيه وتجاربهم الشخصية، وقد تتباين بعض التفاصيل بين الروايات تبعاً لطبيعة الخدمة وموقعها وظروف الصراع المحيطة بها).












