كان قرار الفصل بين الطلاب الذكور والإناث أقلّ ما نتوقعه من مدير مدرسة عريقة مثل اللاييك، “معهد الحرية” حالياً، عندما يكون مسؤولو التربية والتعليم يسعون فقط إلى مجاراة أصحاب المناصب الحكومية بالاتّجاه نحو التشدّد الديني.
أُنشئ معهد اللاييك عام 1929 بالاتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية. وافتُتح رسمياً عام 1932. تقع المدرسة على مساحة أرض واسعة مُنحت للبعثة في شارع بغداد، وبُنيت على الطراز الفرنسي مع إدخال عناصر معمارية دمشقية على يد شركة “إيرلانجية”. ويُعدّ المبنى حتى اليوم من أعرق الصروح في قلب العاصمة.
مع تغيير اسم المعهد مرات عدة، ظلّ اسم “اللاييك” هو المتداول على لسان أهل العاصمة حتى الساعة، علماً أن النظام سماه “معهد الشهيد باسل الأسد” وقد كان ولفترات طويلة قاعدة لتصدير “الشباب المفاتيح” الذين كانوا دينامو المدينة في كل المجالات: الطب والهندسة والسياسة. وكان يكفي أن يقال عن أحد إنّه “خرّيج لاييك” حتى يعطي انطباعاً محدّداً عن مستواه العلمي والثقافي والاجتماعي،ولكن… ماذا تبقّى من هذا المعهد اليوم؟
هناك المبنى، وهو قائم من الخارج بحجارته البيضاء، لكنّه مستهلك تماماً من الداخل. فبعمر يناهز المائة عام، لم يسبق أن تمّت صيانة بنيته التحتية بشكل جدّي منذ إنشائه. وهو مصمّم أصلاً للطلّاب الذكور، ثم انتسبت إليه الفتيات في ما بعد بخجل. ففي ذاكرتي، وأنا خريجة المعهد عام 1976، لم تكن فيه أماكن مخصصة للفتيات، مثل دورات المياه أو غرف المشالح الخاصة بحصص التربية البدنية. وهذا تاريخ قديم لم تحدث بعده تغييرات جوهرية.
وهناك الإدارة، وقد خُرقت سياساتها الصارمة في التعليم والتربية، والتي حافظت عليها منذ تأسيسها، عندما تدخّلت الحكومة البعثية عام 1967 وقامت بـ”تأميم” المدرسة، حسب تعبيرها، بعد حرب حزيران/ يونيو الشهيرة، وهو إجراء سياسي كان بداية لتخريب منظومة تعليمية بقيت لأجيال تُخرّج طلاباً وطالبات حملوا على عاتقهم تطوير المجتمع المحلّي.
والمقصود بالتأميم كان إلحاق المدرسة بوزارة التربية والتعليم والإشراف عليها. ترتّب على هذا الإجراء إدخال مديرين إلى المراحل التعليمية كافة، وإجراء تعديلات في النظام الداخلي، وإدخال منهاج حكومي أُضيف إلى المنهاج المعمول به، ما أدى إلى إضعافه شيئاً فشيئاً.
ثم دخل أطفال الحكام الجدد ليتلقّوا التعليم فيه، واضطر القائمون عليه لتقديم تنازلات مختلفة، وتلقّوا في المقابل بعض الامتيازات بالحفاظ على معلمين وموجّهين وإداريين قدماء، وعلى سياسة تحييد مادة التربية الدينية.
وهكذا استمرّ تبنّي سياسة “علمانية” المعهد طوال فترة حكم الأسد وخليفته الذي كان وإخوته من خرّيجي المعهد العريق، ولم تمنعه تربيته العلمانية من احتكار منصب الديكتاتور الدموي لعشرين سنة متتالية.
إقرأوا أيضاً:
وقد حافظ المعهد على توازنه ردحاً من الزمن، ولكن التهالك كان قادماً بكل الأحوال. واليوم يعلن مديره قرار فصل الطلاب عن الطالبات في خطوة جريئة تحدّى فيها تاريخ المعهد، لكنها ليست مفاجئة في بلد يتّجه نحو التشدّد الديني بخطى متسارعة، مدعوماً بشريحة جماهيرية واسعة متعطّشة لإعادة اعتباراتها الدينية التقليدية وأوهام “باب الحارة” التي تعتّز بها.
لم يكن هذا القرار اعتباطياً، فقد مُهّد له منذ سنة بنشر وثيقة “لأعيان ولجنة حي ساروجة” في تموز/ يوليو 2025، تطالب فيها مديرية التربية بضرورة الفصل بين الطلاب الذكور والإناث استناداً إلى مبادئ الشريعة الإسلامية.
وبغضّ النظر عن كون أهالي هذا الحي لا يرسلون أبناءهم إلى هذا المعهد، وعن استقلال موقع المعهد وعدم ارتباطه المباشر مكانياً بسكنهم، وعن أن مدير المدرسة الحالي قد أقرّ مراراً بأن القرار صدر بمبادرة شخصية مستقلّة عن إرادة مديرية التربية، لتلافي بعض المشكلات “الأخلاقية”، حسب تعبيره، فإن هذا القرار يتلاءم مع المناخ المرضي عنه حالياً في دمشق وسوريا كلها.
خلاصة الكلام أن المعهد لم يعد له دور قيادي لا علمياً ولا اجتماعياً. وكانت خطوة المدير استفزازية وليست مؤثّرة في سوق التعليم حالياً، فالمعهد لم يعد لخرّيجي النخبة بأي معنى لهذا التعبير.
اليوم يتخوّف أصحاب المدارس الخاصة المختلطة في دمشق أن يطاولهم مثل هذا القرار قريباً. فلكل شيء بداية. وقد انتشرت في الفترات الماضية مدارس خاصة انتسب إليها طلاب وطالبات طبقة معينة في دمشق قادرة على تحمّل نفقاتها المرتفعة. توفّر إدارات هذه المدارس مناهج تعليمية بمستويات مقبولة مع ضمان تعليم اللغة الإنكليزية، بالتوافق مع مناهج الدولة الدراسية ونظام الشهادات التعليمية.
لقد استفزّ قرار الفصل بين الذكور والإناث خريجي المعهد القدماء وبعض دعاة العلمانية، وأثار موجة من الاستياء العام بينهم. لكن ردود أفعالهم لم يكن لها صدى يُذكر. إذ إن علمانيّي دمشق لا يمتلكون مشروعاً يُعتمد عليه. لقد هُزموا في كل المواقع، وبقيت أصواتهم متفرّقة وضعيفة ولا ترقى إلى مستوى الأحداث المتسارعة.
وفيما تفتقر البلد إلى مدارس حكومية كافية، ويُستقبل طلاب الأرياف في مدارس من دون نوافذ وأبواب وأحياناً من دون مقاعد دراسية، إذ انتشرت صور لأطفال يفترشون الأرض في مدارس القرى، وبُثّت أنباء عن انصراف الطلاب في مدارس مختلفة لعدم توفّر كادر تدريسي، يصبح النقاش عن فصل الجنسين في معهد في العاصمة آخر هموم مديريات التربية والتعليم.
لقد تركتنا الحرب الطويلة ضعفاء ومن دون سلاح ندافع به عن القضايا الكبرى. والسؤال اليوم: كيف نعرّف أولوياتنا الثقافية ومن أين نبدأ؟
إقرأوا أيضاً:












