أيام عصيبة تمرّ على اللبنانيين، إثر سلسلة جرائم إسرائيلية أقل ما يقال عنها إنها “جرائم حرب”، إن لم تكن “جرائم ضد الإنسانية”، بدءاً بجريمة تفجير البايجرز مروراً باستهداف مبنيين سكنيين في حي الجاموس لاغتيال قائد عسكري وصولاً الى العدوان الوحشي على الجنوب والبقاع الذي أوقع مئات الضحايا وآلاف الجرحى وأدى الى تهجير عشرات الآلاف.
أيام زادت من شدّتها الأزمة الاقتصادية التي تمسك بخناق البلاد منذ سنوات، والتي تحدّ من بدائل الناس وملاجئهم ومصادر صمودهم.
أيام أزّمها وعقّدها الانقسام الحاد بين مكونات البلد حول معظم القضايا المصيرية، وفي مقدمها الخيار المرّ بين “مساندة” الفلسطينيين أو النأي بالنفس لتجنّب مشاركتهم المصير نفسه.
أيام وضعت اللبنانيين من مختلف الانتماءات في مواجهة أسئلة وجودية امتحنت انسانيتهم.
بدأ الامتحان بورود أخبار عن سماع أصوات انفجارات صغيرة متتالية في الجنوب، في الضاحية الجنوبية، في البقاع وفي أماكن أخرى. بداية لم يفهم أحد ما الذي يجري، لكن الحدس أنبأ متناقلي الخبر عبر وسائل التواصل بأن هنالك أمراً مريباً وحدثاً جللاً قد وقعا… دقائق وبدأت الصور والفيديوات بالتدفق.
التقطت الكاميرات المثبّتة في المحلات، وعلى مداخل البنايات، وفي الأماكن العامة وكذلك كاميرات الهواتف النقالة، مشهداً تكرّر آلاف المرات. يُسمع صوت انفجار ثم يرتمي شخص أرضاً صارخاً مضرّجاً بدمائه، فيدب الهلع بين الموجودين في المكان ويهرعون هاربين، ثم يلتفت بعضهم باتجاه المصاب ويقتربون لاستكشاف إصابته ومساعدته وسط العويل والتضعضع والحيرة.
في المقلب الآخر، البيوت، سيطر الصمت والوجوم والدهشة والذعر، وتنقّل حملة الشاشات بين منصة وأخرى علّهم يعثرون على ما يفسّر ما يشاهدونه.
شاشتي كمثيلاتها زخرت بالصور والأخبار المؤلمة، ووردت عبرها دعوات للتكاتف وتقديم المساعدة بأشكالها كافة. ثم سرعان ما بدأت التحليلات، التي انخرط فيها الذين يدرون والذين لا يدرون، وهو أمر طبيعي، فالمشهد المفجع ليس مما يمكن استيعابه دفعة واحدة، والقلق الذي يولّده ليس مما يمكن مواجهته من دون اللجوء إلى آليات دفاعية، أولها العقلنة، التي تساعد من ليس مشغولًا بالنجاة، في السيطرة على توتره وصرف انتباهه عن المشاعر المقلقة التي تجتاحه، وذلك عبر الانشغال بالعمليات العقلية والحسابات والتحليل. لذا انغمس الجميع بالتفاصيل التقنية، وأبدعوا في وضع فرضيات تشرح كيفية إحداث هذا الكم الهائل من التفجيرات في وقت واحد.
مع تقدم الوقت وورود تقارير حول نوع الإصابات وأعدادها، انخفضت حالة التأهب، إذ لم يعد هنالك من داع للاستنفار استعداداً للهرب أو المواجهة، فالخطر زال ولم يبقَ إلا الأضرار التي أوقعها.
حلّ الترقّب محل التأهّب، وبدأت تتوضّح صورة المجزرة واتساع حجمها، وبدأ التعبير عن الصدمة والحزن والغضب والاستنكار يظهر في المنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي.
الشيء الوحيد الذي بدا وكأنه يطبطب على المفجوعين والمتألمين ويطمئنهم، هو التعاطف الذي تم التعبير عنه بأشكال شتى، من هبّة الناس للتبرع بالدم، الى استنفار الطواقم الطبية وانطلاق مواكب المسعفين والأطباء من كل لبنان باتجاه المناطق التي تكثفت فيها التفجيرات، الى المنشورات التي قدمت العزاء ورفعت الصلوات والأدعية ووجّهت نداءات للترفع عن كل الخلافات وتقديم الدعم والمساعدة.
تكرّر المشهد في اليوم التالي مع تفجير أجهزة اللاسلكي، فعاد الاستنفار وانشغل الناس بالقلق من احتمال أن يتحولوا الى أضرار جانبية إذا صادف وجودهم بالقرب من أحد المستهدفين.
في اليوم الرابع، تأكدت صحة المخاوف، إذ شهدنا كيف أزالت إسرائيل مبنى سكنياً بكل ساكنيه المدنيين الأبرياء الغافلين، من أطفال ونساء وعجزة، كي لا يعيق وصولها الى عسكري مستهدف أو أكثر.
توقف الجدل الذي دار في الأيام التي سبقت حول ما إذا كان استهداف “محاربين” بتفجير أجهزة الاتصال هو من ضمن لعبة الحرب أم من خارجها. توقف أو خفت خجلاً أمام ضحكة طفلة ملأت الدنيا فرحاً، رأى فيها الجميع ابنته، وهاله أن تخطف روح الروح مرّة جديدة، ألكسندرا نجار جديدة.
تحوّلت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الى مساحة هائلة من التضامن.
وفي اليوم السادس، يوم المجزرة التي ارتكبتها الطائرات المعادية بحق أهل الجنوب والبقاع، تجسد التضامن بأشكال لا يتّسع المجال لعدّها. يكفي أن نرى كيف تحولت صفحات فيسبوك كلها الى صفحات إعلانات عن شقق وبيوت وُضعت في خدمة النازحين من كل مناطق لبنان، يميناً ويساراً، شمالاً وجبلاً. إعلانات عن وسائل نقل مجانية، عن مدراس تحولت الى مراكز إيواء، وكنائس لاذ بها نازحون…
المصيبة كبيرة والإمكانات محدودة، لكن المشاعر التي فاضت هائلة، فاضت في مختلف الاتجاهات، تجاه النازحين ومنهم، وقد تفاجأوا بردة فعل الناس وبتضامنهم وعبروا عن امتنانهم.
وبدا وكأن ذلك عزّاهم وواساهم ولو قليلاً، ولا عجب، فللتعاطف قدرة عجيبة على التخفيف من الآلام.
التعاطف، الذي يعرّف بأنه القدرة على فهم شعور الآخرين، هو عملية تتجاوز مجرد الفهم السطحي لهذه المشاعر وصولاً الى مشاركتها والإحساس بها معهم، ما يؤدي الى تعميق التواصل وتحسين فرص الاستجابة لاحتياجاتهم. الأمر الذي يساهم في تعزيز الروابط والعلاقات الاجتماعية. وينسب الى داروين القول بأن المجتمعات التي تضم عدداً أكبر من الأفراد القادرين على التعاطف، تزدهر بشكل أفضل.
يعتبر علم النفس التطوري أن التعاطف يقوم بوظيفة تكيفية ويساعد في بقاء النوع، عبر جعل البشر يساعدون المحتاجين، ويمجّدون صفات كالإيثار والتضحية، تزيد من قدرتهم على مواجهة الظروف البيئية القاسية. كما أنه يزيد من احتمالات التفاهم المتبادل، فيؤدي الى زيادة التعاون لتحقيق أهداف مشتركة وتقليل النزاعات.
نظراً الى الدور الجوهري الذي يلعبه التعاطف، فقد شكّل ظاهرة اجتماعية اهتمت العلوم الحديثة، مثل علم النفس العصبي وعلم الأعصاب الاجتماعي، بدراستها. وقد ساعد التقدم الذي شهدته تقنيات تصوير الدماغ في توسيع وتعميق المعرفة ببنية الدماغ وعملياته ووظائفه، وفي دراسة المشاعر وفهم العمليات البيولوجية التي تشكلها. وقد كان لاكتشاف الخلايا العصبية المرآتية، فضل في تأمين إجابات حول التعاطف. وهي عبارة عن خلايا عصبية تتفعّل عندما نشاهد إنساناً آخر يشعر بالألم أو الفرح، ما يتيح لنا اختبار مشاعره وأحاسيسه، كما لو كنا نعيش التجربة التي ولّدت لديه تلك الأحاسيس.
هذه الآلية البيولوجية تفسّر لماذا يمكن أن نشعر بالحزن عندما نرى شخصاً يبكي أو يتألم، ونشعر بالسعادة عندما نشاهد آخر يضحك أو يحتفل. وهي تفسّر لمَ تألم معظمنا في الأيام الماضية وهو يشاهد ما نقلته له الشاشات، من آلام المصابين وحزن أهاليهم وأحبابهم، كما لو كان هو أو أحد أحبابه قد أصيبا شخصيّاً. وتفسّر لماذا يصمد الناس في مواجهة صدمات مماثلة، ويتعافون من بعدها، إذ إنه على رغم الجراح والأسى يشعرون بأنهم بخير لأن إنسانيتهم لم تصب.
ولكن الحياة تأبى أن تكون بهذا التسطيح وهذه البساطة، إذ تحفل بالتناقضات التي يتطلب فهمها إزالة طبقات متعددة من المسلّمات ومن الغموض. تستكثر عليك أن تبقى مطمئناً الى الحس الأخلاقي السليم لدى أبناء بلدك، الذين يترفعون عن الخلافات ويتناسون الخصومات ويشعرون ويتصرفون في لحظة مفصلية مدفوعين بحسهم الإنساني المتحرر من كل الانتماءات الأخرى، فيتضامنون ويتعاطفون مع ضحايا جرائم موصوفة ضربت حتى بالقوانين التي تشرع الحرب عرض الحائط ولم تترك قاعدة إلا وانتهكتها.
تأبى الحياة أن تترك آخر معاقل الطمأنينة لديك سالماً، فترميك بمنشورات شامتة متشفّية ساخرة بينما دماء الآلاف سائحة.










