ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الله في نسخه المتعدّدة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لطالما كانت فكرة الله سوطاً بيد السلطان ليتحكم برقابنا، سواء آمن معنا بالفكرة نفسها – ولمَ لا يؤمن أصلاً وهو نفسه الإله؟!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كنت مسلماً سنياً لفترة طويلة من حياتي، ولا أزال، بشكل أو بآخر، رغماً عن إلحادي المستجدّ. الجانب السني يبقى، بالنسبة إلي، جزءاً من هوية أحاول أن أجعلها أوسع ما يمكن، خصوصاً كلاجئ، منذ الولادة، لا يعرف في أي أرض سيُدفن. 

خلال الجزء السنّي من رحلة العمر هذه، تعرفت إلى نسخ متعددة من إله يُفترض أنه واحد أحد. ولأني، وخلال سنوات طويلة من حياتي، كنت مؤمناً ورعاً، فإن الاعتراف بوجود هذه النسخ، كان بالنسبة إلي كمن يرمي نفسه في هاوية لا قرار لها. ولكن ما العمل، مع شيطان يوسوس لي، فقط لأخرج من صندوق الأمان اليقيني، إلى تيه المعرفة؟ 

البداية كانت مع شخص أكنّ له مودة وحباً كبيرين. جودت سعيد، وذلك “الإله” الذي كان يتحدث عنه بطريقة، لا يمكن إلا أن تجذبك إلى الإيمان به، بكل ما أوتيت من حب واقتناع. مشكلة هذا الإله كانت في أمر واحد فقط: كان أكثر نضجاً ورحمة، وبكثير، من إله محمد! 

احتجت إلى وقت لأتجرأ على القيام بتلك المقارنة. بين إلهين، أحدهما أقرب إلى الشخصية البارانوية، المُثقِل على عباده بطقوس غير مفهومة أو مبررة. إله يقول إنه ليس بحاجة إلينا، ومع ذلك يطلب منا الصلاة له خمس مرات في اليوم، والصيام ثلاثين يوماً في السنة (ألا يشبه هذا علاقة دونالد ترامب مع الناتو؟! ليس بحاجة إليهم في حربه الأخيرة مع إيران، ولكنه في المقابل لا يقدر على المضي في هذه الحرب بأي اتجاه من دون تلك التغطية والمؤازرة اللتين يمنحهما له هذا الحلف، الذي هو ليس بحاجة إليه!)؛ وبين إله يركز على جوهر الحالات التي تجسدها التجربة البشرية في عمومها، ويحاول دفعنا الى التعلم منها. 

للوصول إلى هذه المرحلة، وطرح السؤال بهذه الطريقة، احتجت إلى وقت طويل، لم تكفِني فيه رحلة عمر كاملة، منذ اليفاعة المبكرة، حيث تعرفت إلى سعيد وما كتبه، وصولاً إلى النضج، ومحاولة الاطلاع على ما يدور حولي، ليس في المنطقة التي أعيش فيها بالذات، بل وخارجها، وبفضول كبير. على الرغم من هذا كله، لم أتجرأ وأطرح على نفسي السؤال المتعلق بتطور شخصية الإله، بل وباختلاف نسخه المتعددة بشكل كامل، حسب شخصية المبشِّر به، إلا بعدما فرضت عليّ الظروف أن أغادر بلادي قسراً، كلاجئ… مرة أخرى. 

إله خفيف الظل 

متأخراً، بل ومتأخراً جداً، بدأت أدرك أن فكرة الإله هذه قد خضعت لتحويرات عدة، بعضها بلغ مرحلة ما عاد معها من الممكن التعرف من خلالها على ملامح الإله الأولي- الإله الطفل النزق، حسب الصيغة العبقرية التي اقترحها ريدلي سكوت في فيلمه “الخروج: آلهة وملوك”. إذ كيف يمكنك أن تجد أي وجه تشابه بين إله يهدد المثليين بالإعدام (دَمُهما عليهما، اللاويين 13.20) والنار والكبريت (سفر التكوين، الإصحاح 19)، وبين موقف كنائس عدة، أميركية وكندية وأوروبية، من المثلية بصفتها أمراً يمكن تقبّله، إن كان قائماً على الحب والتفاهم وليس الإكراه؟ 

كان عليّ، كلاجئ هذه المرة، أن أتعامل مع أكثر من منظمة كنسية في أوروبا، لأرى بعيني كيف يمكن لهذه الفكرة، فكرة الإله، أن تتطور، بعدما أدرك المبشِّرون بها أنها إن بقيت راسخة جامدة، مطابقة للنسخة الأولية الخام، فإن مآلها الموت، كأفكار كثيرة سبقتها. طبعاً هذا في مجتمعات حية وحيوية وحرة، وليس في مجتمعات محكومة بحديد العقيدة ونار الطاغية. 

لا يحضر الإله مباشرة، بكل ثقله وجبروته وأبهته، في تعاملات تلك المنظمات من خلال أنشطتها الداعمة للاجئين في دول أوروبا، أو على الأقل في سويسرا حيث أقيم. بل إن حضوره يتّسم بروح جديدة كلياً بالنسبة الى من يفترض أنه آت من البلاد التي اختُرع فيها الله نفسه. حتى أنه يمكن القول إنّ هذا الإله، الجديد، خفيف الظل في كثير من الأحيان. 

الأمر هنا، ومن خلال ملاحظتي المباشرة، لا يقتصر على العلاقة مع اللاجئين، بل مع الوسط المرتبط بالكنيسة من مواطني تلك البلاد. السلاسة والانفتاح، هما عنوانان رئيسيان لتلك العلاقة. مع التركيز على إعطاء كامل الفرصة للشباب للقيام بما يرونه مناسباً لهم، ضمن إطار الكنيسة نفسها، التي تسعى وبكل حذر، ورغبة واضحة، إلى الإبقاء عليهم وعدم تنفيرهم بأي شكل من الأشكال- هذا لأنهم أحرار في خياراتهم، ضمن حقوق كاملة يكفلها لهم الدستور وتسهر الدولة على حمايتها. أي أنه يمكنهم البقاء ضمن الكنيسة، أو مغادرتها، من دون أن يُرجموا. هنا، يمكن ملاحظة أن أنماط العلاقة المفترض أنها معتادة خارج أسوار المؤسسة الدينية، تصبح معتادة أيضاً، داخل تلك المؤسسة وبدون أسوار. 

قد يحتجّ البعض، وهذا حقّه، على أن مؤسسات دينية إسلامية، تتسم بالسمات نفسها، ويمكنها أن تكون في غاية المرونة- إلى حد ما طبعاً- مع سلوكيات الشباب المراد إبقاؤهم داخل تلك المؤسسات. الاختلاف هنا لا يتعلق فقط بممارسات تلك المؤسسات وحدها، إذ إن الرد على الادعاء أعلاه وارد جداً وبسهولة. 

وهو، أي الاختلاف، لا يتعلق فقط بالاختلاط بين الجنسين- الممنوع قطعاً والمحكوم بضوابط هائلة في الوسط الإسلامي، والمفتوح تماماً داخل الوسط المسيحي الليبرالي في أوروبا؛ ولا فقط من ناحية طبيعة “التأهيل”، العلمي، المعرفي، الاجتماعي، والثقافي، الذي تقدمه تلك المؤسسات إلى شبابها، ومن الجنسين طبعاً؛ ولا فقط من ناحية التحرك في بيئتين اجتماعيتين مختلفتين تماماً عن بعضهما؛ بل وأيضاً، والأهم، يكمن الاختلاف أصلاً في “إله” تلك المؤسسات. إله المؤسسات الغربية المسيحية الليبرالية، لا علاقة له بإله المؤسسات، التي يُفترض أنها مشابهة، في العالم الإسلامي. الفارق كبير الى درجة يمكن أن نقارنه حتى بالكنائس الشرقية المسيحية، حيث لا يزال الإله هناك قريب الشبه بذلك الذي حدثنا عنه ريدلي سكوت. 

مع ذلك، وحتى لا يقتصر فهم الكلام على أنه تعيير للمسلمين، وللمسيحيين الشرقيين، بأنهم متخلفون مقارنة بالكنائس الليبرالية الغربية، يصح السؤال: إن كان إله تلك المؤسسات، الليبرالية المسيحية، وما تمخّض عنها من أفكار وممارسات، هو نسخة في غاية الانفتاح والقدرة على التأقلم مع المستجدات في مجتمعات حرة، أليس من الطبيعي السؤال عن جدوى وجود فكرة الإله من أساسها، وفي مؤسسات باتت تمتلك مقدرات هائلة وقدرة على الاستمرار بدون أية “أوهام” كائناً ما كان حجمها وتأثيرها؟!

السؤال أعلاه ساذج، طبعاً. ولكن في المقابل، فإن المرور به أمر لا بد منه لنصل إلى تلك النتيجة، التي نعرفها جميعاً والمتعلقة بـ “الحكايات المؤسسة” لكل تجمّع بشري.. بشكل أو بآخر سنصل في النهاية إلى ذلك السلاح، اللعنة في آن معاً: الهوية. من نحن بدون إله؟! 

أن تكون أنت إله! 

كلما خطر لي هذا الموضوع، كلما عدت إلى أول تجليات فكرة الإله، بكل العظمة والأبهة التي يمكن أن يصبغها إنسان على فكرة: الحضارة الفرعونية بمعجزتها العمرانية، المعابد والأهرامات. 

الدخول السهل إلى هذه الحالة، يوصلنا إلى نتيجة بسيطة: هناك من أراد تحويل العبيد، الخاضعين للمركز المتحكم بمصائرهم، مياههم، غلالهم، من مجرد عبيد خانعين، إلى مؤمنين غيورين. وأراد تكريس هذه السلطة عبر رموز طاغية، هل هناك أكثر طغياناً وحضوراً من الأهرامات نفسها؟! إنها طاغية حتى يومنا هذا. وما كان ممكناً بناء صروح كهذه بهذه الضخامة، لولا اعتبار المشاركة في عملية البناء شرفاً كبيراً للمشاركين فيها، وأن الأثمان المدفوعة ليست سوى تضحيات وقرابين لآلهة لن تقبل بأقل منها: “على الجنة رايحين، شهداء بالملايين”. 

الدخول الأكثر صعوبة وتروياً، في آن، يقودنا إلى مدخل آخر: ماذا لو كان السيستم الفرعوني كله، بكل من عملوا فيه، في أي مستوى كان، بما فيه الإله الحي على الأرض، الفرعون نفسه، مؤمنين حقيقيين بفكرة كهذه؟ وأن الأمر بدوره تطور، من مجرد حكاية أولية جامعة ومحددة لهوية الجماعة في أطوار تشكّلها الأولى، إلى عبادة قدمت واحدة من أعظم حضارات ما قبل الميلاد. 

هذا المدخل يضعنا أمام سؤال يتعلق بالإيمان نفسه. إذ من المستحيل أن تسود فكرة فيما أتباعها مؤمنون بأن أوانها سيأتي يوماً ثم تموت لتحلّ محلها فكرة أخرى. بذلك، تفقد تجربتنا كبشر كل زخمها، ويصبح الأمر أشبه بمزحة سمجة نضحك فيها على أنفسنا قبل أي أحد آخر. 

حاجتنا إلى الإيمان، أمر لا يمكن الجدال فيه، كائنة ما كانت الفكرة التي نؤمن بها. ولكن في المقابل، فإن تطور حياتنا، أو تطور حياة جزء منا على الأقل (منا كبشر، كنوع، كهوموسابيانز) يضعنا أمام أسئلة، سنعود مرة أخرى للضحك على أنفسنا إن لم نتصدَّ لها. 

في الغرب، وصل العالم الموازي، في ما هو واضح بالمقارنة مع عالمنا- العربي، الإسلامي، العالم ثالثي..- إلى مرحلة أصبح فيها من الممكن الحديث عن الإنسان بصفته هو الإله نفسه: الهيومانيزم. كما أن الجدل هناك وصل إلى الحديث عن محاذير كثيرة حول هذه الفكرة، خصوصاً في ما يتعلق بـ “قدرات” فعلية يمتلكها هذا الإنسان في مواجهة قوى لا تني تكبر (الداتيزم، مثال) ويمكن أن تصل في النهاية إلى مرحلة تسيطر فيها على هذا “الإله” الجديد (كما فصل يوفال هراري). 

بمعزل عن هذا الجدل المتقدم كثيراً، وبالمقارنة مع حالنا، أجد أن تحدي فكرة الإله، في حالتنا الراهنة، بكل بؤسها وعقمها وانسداد الأفق المطبق على أنفاس الجميع فيها، قد يكون مقدمة لا بد منها لنقول عن أنفسنا إننا أدركنا، أخيراً، مفهوماً مختلفاً عن الحرية. 

أطيعوني…

هل هذا ضروري فيما لا يجد الناس مأوى من الغارات الإسرائيلية المدمرة، في غزة ولبنان، وتلك التي يتعرض لها مدنيون أبرياء في إيران، بلا أي تمييز، هذا من دون الحديث عن بلاد أخرى قد يقرر إله الانتقام المقيم في القدس أن يبيدها بدوره؟! قد لا يكون الوقت مناسباً أكثر من هذا… فكل بؤسنا وعجزنا يتمثل أمام أعيننا موتاً معمماً علينا جميعاً… فمتى يمكن أن نصحو لنطرح على أنفسنا أسئلة ما عاد منها مهرب؟! 

“إلهنا” تحالف مع طغاتنا، وهو، إن سقط طاغية ما، لا يلبث أن يُخرج لنا من كيسه طاغية جديداً. هل المطلوب أن نعيد الكلام نفسه عما يحدث في سوريا الآن من دون التطرق إلى ما يحدث في بلدان أخرى… حيث يفترض أن سوريا أحدث بلد عربي انتصرت فيها “الثورة”؟!

وإن بقينا متمسّكين بفكرة “الإله” كونها عزيزة علينا، وهي “الاختراع” الوحيد الذي قدمناه للبشرية، فمن باب أولى أن نعيد صياغة شخصيته بطريقة تناسب الوضع الجديد. وضعنا نحن المغرق في بؤسه، وليس وضع غيرنا، المتقدم والمزدهر والحر، حيث لا أحد يريد حتى أن يسمع بنا.      

هل نكون بهذا نضحك على أنفسنا… من جديد؟! ما يحدث أمام أعيننا من بؤس وتردٍّ، وسلطات تتّسم بوحشية وحقارة تفوق تلك التي يمتلكها المحتل، وبأضعاف مضاعفة، إن تعلق الأمر حتى بالتلميح إلى الحد من تسلّطها، ولو بعض الشيء، لا يدع مجالاً إلا للضحك، الأسود ومن باب القهر ليس إلا. فعلى من نضحك، في كل الأحوال، سوى على أنفسنا؟! 

لطالما كانت فكرة الله سوطاً بيد السلطان ليتحكم برقابنا، سواء آمن معنا بالفكرة نفسها – ولمَ لا يؤمن أصلاً وهو نفسه الإله؟!- أو استخدم الفكرة، عن وعي، كأداة للسيطرة والتحكم. في المقابل، هناك من حاول تطوير فكرة الإله متمسكاً بكونه يستمد من المصدر المقدس نفسه، وهذا غير صحيح، مع كل المحبة والاحترام لمن حاول وقدّم. التطوير لم يأت من النصوص المقدسة، بل من العلوم الجديدة التي بدأنا نطّلِعُ عليها، وتجارب الشعوب الأخرى، الناجحة منها بالذات، وهذه كلها خارج دائرة المقدس. 

وربما، وقبل أن نتحدث بأمر تمرّد جديد، نسعى من خلاله إلى الوصول إلى نتيجة مرضية، بعد كل الفشل الذي مُنينا به، ربما، لا يمكننا البدء إلا من هنا: معترفين بمحدودية فكرة الله في نصوصنا المقدسة، وبحاجتنا إلى تطوير الفكرة بالاستناد إلى ما وصلت إليه البشرية من تطور وانفتاح. الحاجة التي بلغت درجة من الإلحاح أنها تبيح الاستغناء عن فكرة الإله نفسها، إن لم تتجاوب مع فكرة التطوير هذه… 

هذه حياة، يجب أن نعيشها متقبّلين فيها كل التحديات… أو، هناك مكان، لكل من أراد الموت قبل الأوان، بين الحشود المصطفّة خلف القائد الذي يؤم الصلاة ويطيع الله فينا. 

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
26.05.2026
زمن القراءة: 8 minutes

لطالما كانت فكرة الله سوطاً بيد السلطان ليتحكم برقابنا، سواء آمن معنا بالفكرة نفسها – ولمَ لا يؤمن أصلاً وهو نفسه الإله؟!

كنت مسلماً سنياً لفترة طويلة من حياتي، ولا أزال، بشكل أو بآخر، رغماً عن إلحادي المستجدّ. الجانب السني يبقى، بالنسبة إلي، جزءاً من هوية أحاول أن أجعلها أوسع ما يمكن، خصوصاً كلاجئ، منذ الولادة، لا يعرف في أي أرض سيُدفن. 

خلال الجزء السنّي من رحلة العمر هذه، تعرفت إلى نسخ متعددة من إله يُفترض أنه واحد أحد. ولأني، وخلال سنوات طويلة من حياتي، كنت مؤمناً ورعاً، فإن الاعتراف بوجود هذه النسخ، كان بالنسبة إلي كمن يرمي نفسه في هاوية لا قرار لها. ولكن ما العمل، مع شيطان يوسوس لي، فقط لأخرج من صندوق الأمان اليقيني، إلى تيه المعرفة؟ 

البداية كانت مع شخص أكنّ له مودة وحباً كبيرين. جودت سعيد، وذلك “الإله” الذي كان يتحدث عنه بطريقة، لا يمكن إلا أن تجذبك إلى الإيمان به، بكل ما أوتيت من حب واقتناع. مشكلة هذا الإله كانت في أمر واحد فقط: كان أكثر نضجاً ورحمة، وبكثير، من إله محمد! 

احتجت إلى وقت لأتجرأ على القيام بتلك المقارنة. بين إلهين، أحدهما أقرب إلى الشخصية البارانوية، المُثقِل على عباده بطقوس غير مفهومة أو مبررة. إله يقول إنه ليس بحاجة إلينا، ومع ذلك يطلب منا الصلاة له خمس مرات في اليوم، والصيام ثلاثين يوماً في السنة (ألا يشبه هذا علاقة دونالد ترامب مع الناتو؟! ليس بحاجة إليهم في حربه الأخيرة مع إيران، ولكنه في المقابل لا يقدر على المضي في هذه الحرب بأي اتجاه من دون تلك التغطية والمؤازرة اللتين يمنحهما له هذا الحلف، الذي هو ليس بحاجة إليه!)؛ وبين إله يركز على جوهر الحالات التي تجسدها التجربة البشرية في عمومها، ويحاول دفعنا الى التعلم منها. 

للوصول إلى هذه المرحلة، وطرح السؤال بهذه الطريقة، احتجت إلى وقت طويل، لم تكفِني فيه رحلة عمر كاملة، منذ اليفاعة المبكرة، حيث تعرفت إلى سعيد وما كتبه، وصولاً إلى النضج، ومحاولة الاطلاع على ما يدور حولي، ليس في المنطقة التي أعيش فيها بالذات، بل وخارجها، وبفضول كبير. على الرغم من هذا كله، لم أتجرأ وأطرح على نفسي السؤال المتعلق بتطور شخصية الإله، بل وباختلاف نسخه المتعددة بشكل كامل، حسب شخصية المبشِّر به، إلا بعدما فرضت عليّ الظروف أن أغادر بلادي قسراً، كلاجئ… مرة أخرى. 

إله خفيف الظل 

متأخراً، بل ومتأخراً جداً، بدأت أدرك أن فكرة الإله هذه قد خضعت لتحويرات عدة، بعضها بلغ مرحلة ما عاد معها من الممكن التعرف من خلالها على ملامح الإله الأولي- الإله الطفل النزق، حسب الصيغة العبقرية التي اقترحها ريدلي سكوت في فيلمه “الخروج: آلهة وملوك”. إذ كيف يمكنك أن تجد أي وجه تشابه بين إله يهدد المثليين بالإعدام (دَمُهما عليهما، اللاويين 13.20) والنار والكبريت (سفر التكوين، الإصحاح 19)، وبين موقف كنائس عدة، أميركية وكندية وأوروبية، من المثلية بصفتها أمراً يمكن تقبّله، إن كان قائماً على الحب والتفاهم وليس الإكراه؟ 

كان عليّ، كلاجئ هذه المرة، أن أتعامل مع أكثر من منظمة كنسية في أوروبا، لأرى بعيني كيف يمكن لهذه الفكرة، فكرة الإله، أن تتطور، بعدما أدرك المبشِّرون بها أنها إن بقيت راسخة جامدة، مطابقة للنسخة الأولية الخام، فإن مآلها الموت، كأفكار كثيرة سبقتها. طبعاً هذا في مجتمعات حية وحيوية وحرة، وليس في مجتمعات محكومة بحديد العقيدة ونار الطاغية. 

لا يحضر الإله مباشرة، بكل ثقله وجبروته وأبهته، في تعاملات تلك المنظمات من خلال أنشطتها الداعمة للاجئين في دول أوروبا، أو على الأقل في سويسرا حيث أقيم. بل إن حضوره يتّسم بروح جديدة كلياً بالنسبة الى من يفترض أنه آت من البلاد التي اختُرع فيها الله نفسه. حتى أنه يمكن القول إنّ هذا الإله، الجديد، خفيف الظل في كثير من الأحيان. 

الأمر هنا، ومن خلال ملاحظتي المباشرة، لا يقتصر على العلاقة مع اللاجئين، بل مع الوسط المرتبط بالكنيسة من مواطني تلك البلاد. السلاسة والانفتاح، هما عنوانان رئيسيان لتلك العلاقة. مع التركيز على إعطاء كامل الفرصة للشباب للقيام بما يرونه مناسباً لهم، ضمن إطار الكنيسة نفسها، التي تسعى وبكل حذر، ورغبة واضحة، إلى الإبقاء عليهم وعدم تنفيرهم بأي شكل من الأشكال- هذا لأنهم أحرار في خياراتهم، ضمن حقوق كاملة يكفلها لهم الدستور وتسهر الدولة على حمايتها. أي أنه يمكنهم البقاء ضمن الكنيسة، أو مغادرتها، من دون أن يُرجموا. هنا، يمكن ملاحظة أن أنماط العلاقة المفترض أنها معتادة خارج أسوار المؤسسة الدينية، تصبح معتادة أيضاً، داخل تلك المؤسسة وبدون أسوار. 

قد يحتجّ البعض، وهذا حقّه، على أن مؤسسات دينية إسلامية، تتسم بالسمات نفسها، ويمكنها أن تكون في غاية المرونة- إلى حد ما طبعاً- مع سلوكيات الشباب المراد إبقاؤهم داخل تلك المؤسسات. الاختلاف هنا لا يتعلق فقط بممارسات تلك المؤسسات وحدها، إذ إن الرد على الادعاء أعلاه وارد جداً وبسهولة. 

وهو، أي الاختلاف، لا يتعلق فقط بالاختلاط بين الجنسين- الممنوع قطعاً والمحكوم بضوابط هائلة في الوسط الإسلامي، والمفتوح تماماً داخل الوسط المسيحي الليبرالي في أوروبا؛ ولا فقط من ناحية طبيعة “التأهيل”، العلمي، المعرفي، الاجتماعي، والثقافي، الذي تقدمه تلك المؤسسات إلى شبابها، ومن الجنسين طبعاً؛ ولا فقط من ناحية التحرك في بيئتين اجتماعيتين مختلفتين تماماً عن بعضهما؛ بل وأيضاً، والأهم، يكمن الاختلاف أصلاً في “إله” تلك المؤسسات. إله المؤسسات الغربية المسيحية الليبرالية، لا علاقة له بإله المؤسسات، التي يُفترض أنها مشابهة، في العالم الإسلامي. الفارق كبير الى درجة يمكن أن نقارنه حتى بالكنائس الشرقية المسيحية، حيث لا يزال الإله هناك قريب الشبه بذلك الذي حدثنا عنه ريدلي سكوت. 

مع ذلك، وحتى لا يقتصر فهم الكلام على أنه تعيير للمسلمين، وللمسيحيين الشرقيين، بأنهم متخلفون مقارنة بالكنائس الليبرالية الغربية، يصح السؤال: إن كان إله تلك المؤسسات، الليبرالية المسيحية، وما تمخّض عنها من أفكار وممارسات، هو نسخة في غاية الانفتاح والقدرة على التأقلم مع المستجدات في مجتمعات حرة، أليس من الطبيعي السؤال عن جدوى وجود فكرة الإله من أساسها، وفي مؤسسات باتت تمتلك مقدرات هائلة وقدرة على الاستمرار بدون أية “أوهام” كائناً ما كان حجمها وتأثيرها؟!

السؤال أعلاه ساذج، طبعاً. ولكن في المقابل، فإن المرور به أمر لا بد منه لنصل إلى تلك النتيجة، التي نعرفها جميعاً والمتعلقة بـ “الحكايات المؤسسة” لكل تجمّع بشري.. بشكل أو بآخر سنصل في النهاية إلى ذلك السلاح، اللعنة في آن معاً: الهوية. من نحن بدون إله؟! 

أن تكون أنت إله! 

كلما خطر لي هذا الموضوع، كلما عدت إلى أول تجليات فكرة الإله، بكل العظمة والأبهة التي يمكن أن يصبغها إنسان على فكرة: الحضارة الفرعونية بمعجزتها العمرانية، المعابد والأهرامات. 

الدخول السهل إلى هذه الحالة، يوصلنا إلى نتيجة بسيطة: هناك من أراد تحويل العبيد، الخاضعين للمركز المتحكم بمصائرهم، مياههم، غلالهم، من مجرد عبيد خانعين، إلى مؤمنين غيورين. وأراد تكريس هذه السلطة عبر رموز طاغية، هل هناك أكثر طغياناً وحضوراً من الأهرامات نفسها؟! إنها طاغية حتى يومنا هذا. وما كان ممكناً بناء صروح كهذه بهذه الضخامة، لولا اعتبار المشاركة في عملية البناء شرفاً كبيراً للمشاركين فيها، وأن الأثمان المدفوعة ليست سوى تضحيات وقرابين لآلهة لن تقبل بأقل منها: “على الجنة رايحين، شهداء بالملايين”. 

الدخول الأكثر صعوبة وتروياً، في آن، يقودنا إلى مدخل آخر: ماذا لو كان السيستم الفرعوني كله، بكل من عملوا فيه، في أي مستوى كان، بما فيه الإله الحي على الأرض، الفرعون نفسه، مؤمنين حقيقيين بفكرة كهذه؟ وأن الأمر بدوره تطور، من مجرد حكاية أولية جامعة ومحددة لهوية الجماعة في أطوار تشكّلها الأولى، إلى عبادة قدمت واحدة من أعظم حضارات ما قبل الميلاد. 

هذا المدخل يضعنا أمام سؤال يتعلق بالإيمان نفسه. إذ من المستحيل أن تسود فكرة فيما أتباعها مؤمنون بأن أوانها سيأتي يوماً ثم تموت لتحلّ محلها فكرة أخرى. بذلك، تفقد تجربتنا كبشر كل زخمها، ويصبح الأمر أشبه بمزحة سمجة نضحك فيها على أنفسنا قبل أي أحد آخر. 

حاجتنا إلى الإيمان، أمر لا يمكن الجدال فيه، كائنة ما كانت الفكرة التي نؤمن بها. ولكن في المقابل، فإن تطور حياتنا، أو تطور حياة جزء منا على الأقل (منا كبشر، كنوع، كهوموسابيانز) يضعنا أمام أسئلة، سنعود مرة أخرى للضحك على أنفسنا إن لم نتصدَّ لها. 

في الغرب، وصل العالم الموازي، في ما هو واضح بالمقارنة مع عالمنا- العربي، الإسلامي، العالم ثالثي..- إلى مرحلة أصبح فيها من الممكن الحديث عن الإنسان بصفته هو الإله نفسه: الهيومانيزم. كما أن الجدل هناك وصل إلى الحديث عن محاذير كثيرة حول هذه الفكرة، خصوصاً في ما يتعلق بـ “قدرات” فعلية يمتلكها هذا الإنسان في مواجهة قوى لا تني تكبر (الداتيزم، مثال) ويمكن أن تصل في النهاية إلى مرحلة تسيطر فيها على هذا “الإله” الجديد (كما فصل يوفال هراري). 

بمعزل عن هذا الجدل المتقدم كثيراً، وبالمقارنة مع حالنا، أجد أن تحدي فكرة الإله، في حالتنا الراهنة، بكل بؤسها وعقمها وانسداد الأفق المطبق على أنفاس الجميع فيها، قد يكون مقدمة لا بد منها لنقول عن أنفسنا إننا أدركنا، أخيراً، مفهوماً مختلفاً عن الحرية. 

أطيعوني…

هل هذا ضروري فيما لا يجد الناس مأوى من الغارات الإسرائيلية المدمرة، في غزة ولبنان، وتلك التي يتعرض لها مدنيون أبرياء في إيران، بلا أي تمييز، هذا من دون الحديث عن بلاد أخرى قد يقرر إله الانتقام المقيم في القدس أن يبيدها بدوره؟! قد لا يكون الوقت مناسباً أكثر من هذا… فكل بؤسنا وعجزنا يتمثل أمام أعيننا موتاً معمماً علينا جميعاً… فمتى يمكن أن نصحو لنطرح على أنفسنا أسئلة ما عاد منها مهرب؟! 

“إلهنا” تحالف مع طغاتنا، وهو، إن سقط طاغية ما، لا يلبث أن يُخرج لنا من كيسه طاغية جديداً. هل المطلوب أن نعيد الكلام نفسه عما يحدث في سوريا الآن من دون التطرق إلى ما يحدث في بلدان أخرى… حيث يفترض أن سوريا أحدث بلد عربي انتصرت فيها “الثورة”؟!

وإن بقينا متمسّكين بفكرة “الإله” كونها عزيزة علينا، وهي “الاختراع” الوحيد الذي قدمناه للبشرية، فمن باب أولى أن نعيد صياغة شخصيته بطريقة تناسب الوضع الجديد. وضعنا نحن المغرق في بؤسه، وليس وضع غيرنا، المتقدم والمزدهر والحر، حيث لا أحد يريد حتى أن يسمع بنا.      

هل نكون بهذا نضحك على أنفسنا… من جديد؟! ما يحدث أمام أعيننا من بؤس وتردٍّ، وسلطات تتّسم بوحشية وحقارة تفوق تلك التي يمتلكها المحتل، وبأضعاف مضاعفة، إن تعلق الأمر حتى بالتلميح إلى الحد من تسلّطها، ولو بعض الشيء، لا يدع مجالاً إلا للضحك، الأسود ومن باب القهر ليس إلا. فعلى من نضحك، في كل الأحوال، سوى على أنفسنا؟! 

لطالما كانت فكرة الله سوطاً بيد السلطان ليتحكم برقابنا، سواء آمن معنا بالفكرة نفسها – ولمَ لا يؤمن أصلاً وهو نفسه الإله؟!- أو استخدم الفكرة، عن وعي، كأداة للسيطرة والتحكم. في المقابل، هناك من حاول تطوير فكرة الإله متمسكاً بكونه يستمد من المصدر المقدس نفسه، وهذا غير صحيح، مع كل المحبة والاحترام لمن حاول وقدّم. التطوير لم يأت من النصوص المقدسة، بل من العلوم الجديدة التي بدأنا نطّلِعُ عليها، وتجارب الشعوب الأخرى، الناجحة منها بالذات، وهذه كلها خارج دائرة المقدس. 

وربما، وقبل أن نتحدث بأمر تمرّد جديد، نسعى من خلاله إلى الوصول إلى نتيجة مرضية، بعد كل الفشل الذي مُنينا به، ربما، لا يمكننا البدء إلا من هنا: معترفين بمحدودية فكرة الله في نصوصنا المقدسة، وبحاجتنا إلى تطوير الفكرة بالاستناد إلى ما وصلت إليه البشرية من تطور وانفتاح. الحاجة التي بلغت درجة من الإلحاح أنها تبيح الاستغناء عن فكرة الإله نفسها، إن لم تتجاوب مع فكرة التطوير هذه… 

هذه حياة، يجب أن نعيشها متقبّلين فيها كل التحديات… أو، هناك مكان، لكل من أراد الموت قبل الأوان، بين الحشود المصطفّة خلف القائد الذي يؤم الصلاة ويطيع الله فينا.