في الدول التي تنشأ من رحم الأزمات، وتُبنى على توازنات هشّة بين السلاح والدستور، تظلّ سيادة القانون مجرّد عنوان مفرّغ من مضمونه، وتتحوّل المؤسّسات إلى واجهات شكلية تُخفي خلفها شبكات من النفوذ والولاءات المتقاطعة.
في مثل هذه الدول، لا تُقاس قوّة الدولة بمدى التزامها بالدستور، بل بقدرتها على كتم الأصوات، وترويض الأفراد، وتقييد الفضاء العامّ باسم الأمن أو المصلحة العليا، وحين يكون الخصم امرأة تتضاعف الرغبة بالتهشيم وتشويه السمعة.
العراق في صيغته الحالية، لا يعيش أزمة مؤسّسات فحسب، بل أزمة هوّية قانونية وأخلاقية، أزمة تتجلّى في كلّ مرّة يُنتزع فيها حقّ فردي، أو تُخترق فيها الخصوصيات، أو يُجرّم فيها الموقف، والمؤلم أن هذا يحدث لا على يد جماعات متمرّدة خارج الدولة، بل على يد من يُفترض أنهم يمثّلونها، ويحملون هوّيتها الرسمية.
في هذا السياق، لم تكن واقعة المحامية زينب جواد مجرّد حادثة فردية، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومة أخلاقية وقانونية تحكم علاقة المواطن بالمؤسّسة الأمنية، وتفضح عمق التناقض بين الدولة كفكرة، والدولة كواقع يمارسه أصحاب السلاح والسطوة.
في 29 حزيران/ يونيو 2025، أُوقفت المحامية زينب جواد عند نقطة تفتيش تابعة لجهاز أمن “الحشد الشعبي” في منطقة الشعب في بغداد، وتمّت مصادرة أجهزتها الإلكترونية دون أمر قضائي، واقتيدت إلى جهة غير معلومة، وانقطعت عن العالم الخارجي لأيّام، ولم يصدر أي توضيح رسمي عن سبب الاعتقال، ولا عن طبيعة التهمة، إن وُجدت.
لاحقاً فوجئ الرأي العامّ العراقي بانتشار صور شخصيّة للمحامية جواد، وهي بملابس منزلية، نُشرت على نطاق واسع من قِبل حسابات معروفة بارتباطها بمؤسّسات “الحشد الشعبي”. لم تكن هذه الصور مجرّد تسريب خبيث، بل استعراض فجّ لسطوة أجهزة لا ترتدع عن استخدام المساحات الشخصيّة، والاعتداء على خصوصية امرأة عراقية، دون أن تخشى محاسبة أو عتباً.
التسريبات أثارت موجة واسعة من الغضب في الأوساط الحقوقية والصحافية، واعتُبرت انتهاكاً فجّاً لأبسط معايير الأخلاق والقانون وحقوق الإنسان.
النائب سجاد سالم عضو مجلس النواب العراقي، وصف ما حدث بأنه: “سقطة أخلاقية كبيرة لجهاز أمن الحشد”، مضيفاً في موقف واضح وصريح: “لم يتبقَّ مشترك بينهم وبين العراقيين اليوم، لا مواطنة ولا شرع ولا خُلق ولا عُرف”.
تُمارَس الانتهاكات عادةً في الأنظمة الاستبدادية من خلف جدران سرّية، لكن في العراق، باتت علنية، موثّقة، ومروّجة عبر حسابات تابعة لجهات رسمية، إنها ليست تجاوزات فردية، بل ممارسة ممنهجة لسحق الخصوصية، وترويع الأصوات الحرّة، ورسالة واضحة إلى كلّ من يفكّر في الخروج عن الطاعة: “نستطيع أن نهدمك اجتماعياً، وندمّرك معنوياً”.
هذه ليست دولة قانون، هذا جهاز سلطوي منفلت، يتخفّى خلف شرعية زائفة ويُمارس الترهيب بدل إنفاذ العدالة، حين تتحوّل مؤسّسات الأمن إلى أدوات إذلال، فإننا لا نعيش في دولة، بل في ظلالها المهترئة.
لا وجود لمواطنة حقيقية إن كان المواطن يشعر أن بياناته، هاتفه، وصوره، عرضة للنهب والتشهير، لا من قِبل قراصنة، بل من مؤسّسات تتقاضى رواتبها من المال العامّ. حين تسقط حرمة الفرد في ظلّ غياب المساءلة، فإن الحديث عن “دولة” يصبح أقرب إلى نكتة سمجة في مشهد تراجيدي.
حين نراجع ما جرى مع زينب جواد، وما سبقه من انتهاكات بحقّ نشطاء وصحافيين وأصوات مستقلّة، يحقّ لنا أن نسأل: بِمَ تختلف هذه الأساليب عن ممارسات نظام البعث الذي فتك بالمعارضة وسحق المخالفين؟
أليست المصادرة غير القانونية، والاعتقال التعسفي، وتسريب الصور الخاصّة، والتشهير العلني، أدوات كانت ذاتها تُستخدم لإذلال الخصوم وإخضاع المجتمع؟
لقد قامت ثورات وانتفاضات رفضاً لتلك الممارسات القمعية، وخرج العراقيون على أنظمة تحكمهم بالخوف وتكمّم أفواههم بالترهيب. واليوم، نُعيد إنتاج تلك الأنماط بوجوه جديدة، وأعلام جديدة، وخطاب مزيّف يتحدّث عن “المقاومة” و”الوطنية”، بينما يمارس القمع بأبشع صوره.
ما يُمارس اليوم لا يقلّ بشاعة، بل يتفوّق في بعض الأحيان، لأنه يتمّ داخل نظام يُفترض أنه ديمقراطي، وبرعاية مؤسّسات يُفترض أنها منتخبة، هذه ليست “زلّات فردية”، بل دلائل على نظام متكامل يمارس السلطة بعقلية الحزب الواحد، مع فارق أن البعث لم يختبئ خلف عباءة الدين أو رايات التحرير.
ومن التناقضات الصارخة في المجتمع العراقي، أن الدفاع عن المرأة العراقية يُرفع عالياً إذا صدرت الإساءة من جهة أجنبية، نُستنفر حين تُمسّ كرامتها في الخارج، تُكتب المقالات، تُطلق الحملات، وتُستحضر شعارات الدين والعشيرة والوطن.
لكن ما إن تقع الجريمة من الداخل، وتُرتكب بيد جهات تنتمي إلى مؤسّسات الدولة، حتى يغيب الصوت، أو تُحمَّل الضحيّة مسؤوليّة ما جرى لها، لماذا نرفض الإساءة حين تكون أجنبية، ونمارسها بأيدينا حين تكون داخلية؟ لماذا نستنكر الشتم من الآخر، ونصمت أمام التسريب والفضيحة من القريب؟
هذا الانفصام الأخلاقي لا يعبّر فقط عن ازدواجية في المعايير، بل عن خلل بنيوي في فهم القيم، الدفاع عن كرامة المرأة لا يُجزّأ، ولا يُكيّف وفق الحسابات السياسية أو الدينية أو الفصائلية.
في مشهد كهذا، تُختطف مفاهيم “الشرف” لتُستعمل كأدوات للقمع لا للحماية، وتُستباح النساء، لا لأنهن مذنبات، بل لأنهن تجرّأن على الرفض أو رفع الصوت، تُصبح المرأة هدفاً مشروعاً فقط لأنها خرجت عن الصفّ، أو لم تُبدِ الطاعة التامّة.
من يريد حماية الشرف لا ينتهكه، ومن يدّعي الدفاع عن الأخلاق لا يُمارس أبشع صور التشهير وانتهاك الخصوصية، حقوق المرأة العراقية لا تُصان بالخطب، بل بالمحاسبة، بالقانون، وبموقف واضح لا يتغيّر تبعاً لراية الفصيل أو مزاج الزعيم.
قضيّة المحامية زينب جواد لم تفتح فقط ملفّ الانتهاكات الأمنية، بل طرحت سؤالاً وجودياً: هل في العراق دولة تُحاسب أجهزة أمنها حين تخرج عن حدودها؟ هل ثمّة قانون يُلزم الجميع دون استثناء؟ أم أن “الخصوصية” و”الكرامة” و”العدالة” مجرّد شعارات تُستخدم حين نريد، وتُرمى جانباً حين تمسّ مصالح أصحاب السلطة؟
إن كنّا نريد دولة، فلا بدّ أن نقف مع زينب، لا لأنها ضحيّة، بل لأنها تمثّل المبدأ، إن كنّا نطمح لمستقبل، فلا بدّ أن نواجه هذا النمط من الإذلال بوعي قانوني وأخلاقي لا يُهادن ولا يُساوم، فلا كرامة لأمّة تسكت على فضيحة كهذه، ولا هيبة لدولة تشرعن خيانة الخصوصية.










