ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المحميّات الطبيعية في الجنوب إلى أين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تتطلّب إعادة الحياة إلى المحميّات الطبيعية في الجنوب، تعاوناً وثيقاً بين مؤسّسات الدولة المركزية والبلديات، إلى جانب الجمعيّات البيئية الناشطة والمجتمعات المحلّية، من خلال الالتزام بالقوانين، وبعيداً عن المصالح السياسية الفئوية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تمثّل المحميّات الطبيعية مطلباً أساسياً وجزءاً محورياً من استراتيجية حفظ الطبيعة وحمايتها، لكنّ هذا التوصيف القانوني وقرارات الإنشاء وحدها لا تكفي، فالعامل الحاسم هو الإدارة السليمة التي تضمن انتعاش المحميّات وازدهارها، بما يمكّنها من توفير الخدمات البيئية للمجتمعات المحلّية والمحيط. من دون إدارة فعّالة تتدهور المحميّات وتفقد توازنها البيئي، وهو ما ينعكس ضرراً على المحيط والمجتمعات المحلّية.

الإدارة السليمة لم تكن متوفّرة في معظم المحميّات في لبنان، بل كانت تخضع لتيّارات القوى السياسية المسيطرة في الجنوب، وتشكيل لجانها كان يخضع لقرارات قوى الأمر الواقع في كلّ منطقة حيث وجدت محميّات، ولتضمّ أفراداً ينفّذون سياسة أصحاب القرار، ويجيّرون المحميّات لهم، كي يستخدموها وفق مصالحهم ورؤيتهم لدورها في المنطقة.

 كما أن البلديات المعنيّة، التي هي أدوات إنتاج وتجديد علاقات استزلام سياسي، لم تلعب الدور المطلوب بالإشراف على اللجان، ولم تسعَ إلى تأمين الشروط اللازمة كي تنجح المحميّات في تحقيق أهدافها.

لذلك، شهدت بعض المحميّات استخداماً من قِبل بعض القوى السياسية في أمور لا تخدم أهداف المحميّات، كما أن بعض الأهالي لم يدخلوا المحميّات، ولم يعرفوا ما تحتويه سوى ما تتحدّث عنه بعض وسائل الإعلام.

وتحوّل بعضها إلى مساحات لقطع الأشجار، وبعضها الآخر إلى مخيّمات “كشفية وشبابية” لا علاقة لها بدور المحميّات، في حين تحوّل بعض اللجان إلى غطاء لسياسة الانتهاكات التي كانت تحصل، وكلّ هذا، عوامل أدّت إلى الوضع الراهن الذي تعيشه المحميّات في الجنوب.

في الجنوب ثماني محميّات هي: محميّة النميرية، محميّة دبل، محميّة بيت ليف، محميّة رامية، محميّة كفرا، محميّة وادي الحجير. 

وكلّها محميّات برّية، إلى جانب محميّة شاطئ العبّاسية الطبيعية، ومحميّة شاطئ صور الطبيعية.

-محميّة النميرية:

تقع في قضاء النبطية، على مساحة تصل إلى ١٠،٢هكتار، وترتفع نحو ٣٠٠ متر عن سطح البحر، تتميّز بطابع حرجي متوسّطي وتضمّ أشجار السنديان، والصنوبر، والزعرور، بالإضافة إلى تنوّع بيولوجي يشمل النباتات والحيوانات والطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٦٩، بتاريخ ٨ أيّار/ مايو ٢٠٢٠، لحماية مواردها الطبيعية من التعدّيات مثل قطع الأشجار والرعي الجائر.
تعرّضت إلى عمليّات قصف خلال الحرب، مما أدّى إلى حرائق، والآن  يتجنّبها المواطنون المقيمون في المنطقة.

– محميّة دبل:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٥ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٠٠ متر عن سطح البحر، تضمّ المحميّة غابات من أشجار السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، وهي موطن للحيوانات البرّية، وتعشّش فيها الطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون ٢٠٠، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١، وتعرّضت خلال الحرب الأخيرة إلى قصف شديد وحرائق عديدة بالإضافة إلى الفوسفور الأبيض.

يقول مختار دبل بيار الراعي: “تعرّضت المحميّة إلى حريق كبير لا نعرف طبيعته ولا حجمه، والآن لا إمكانية للوصول إليها بسبب الوضع الأمني، ولا نعرف ماذا سيحصل بعد انتخاب مجلس بلدي جديد”.

– محميّة بيت ليف:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٥٥٠ متراً عن سطح البحر، تضمّ غابات من السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، بالإضافة إلى أنواع نادرة من النباتات المستوطنة، وهي ملاذ للحيوانات البرّية، وتعيش فيها أنواع مختلفة من الطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ٢٠١، تاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تقول مسؤولة لجنة المحميّة مريم حسن: “لا جديد في وضع المحميّة، الوضع الأمني يمنعنا من متابعتها، ولا أحد يستطيع الاقتراب منها”. إلا أن أحد المواطنين المقيمين في البلدة، يشير إلى “قيام بعض الأشخاص بقطع أشجار اللبلاب من أطراف المحميّة، وهي المحميّة التي لم يُعلن عنها، ولا يدخلها أحد منذ تاريخ الإنشاء، بسبب الوضع الأمني قبل الحرب وبعدها، لكن يجب الإشارة إلى تحوّل أحد أطرافها إلى مكبّ للنفايات”.

– محميّة رامية الطبيعية:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٥٠ متراً عن سطح البحر، تضمّ مناطق حرجية من السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، تعيش فيها أنواع من الحيوانات البرّية والطيور.

 تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٩٩، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تعرّضت إلى أضرار كبيرة بسبب الحرب الأخيرة، وحصلت فيها حرائق كبيرة، والآن لا يستطيع أحد دخولها، أو الاقتراب منها بسبب الوضع الأمني الخطير.
وقد حاولنا الاتّصال بأحد أعضاء لجنة المحميّة بناء على اقتراح مسؤولة في وزارة البيئة، لكنّه نفى أن يكون الشخص المعنيّ، وأنه من منطقة أخرى، ويبدو أنه لا يريد الحديث في الموضوع.

-محميّة كفرا: 

تقع في قضاء بنت جبيل، وتبلغ مساحتها نحو ٤٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٥٠ متراً عن سطح البحر، وتضمّ مناطق حرجية مكوّنة من السنديان، والملّول، الخرّوب، والقطلب، والبطم، إلى جانب حيوانات برّية وطيور مختلفة. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون ١٩٨، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تعرّضت إلى أضرار جسيمة وحرائق كبيرة جرّاء القصف والعدوان الأخير، وقد حاولنا الاتّصال بالشخص المعني المعيّن من وزارة البيئة، لكنّه لم يردّ على اتّصالاتنا، ولدى مراجعة أحد المواطنين من البلدة نفسها، أفاد أنه كان ممنوعاً الدخول إلى المحميّة قبل الحرب، والآن صار الوضع الأمني عاملاً أساسياً بمنع الاقتراب منها.

– محميّة وادي الحجير: 

وهي محميّة طبيعية تقع في قضاء بنت جبيل، وقد شهدت مشكلة قطع الأشجار، وجرى توثيق عمليّات القطع فيها خلال الأشهر الأولى التي تلت وقف الأعمال القتالية في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، وعلى الرغم من تحرّك إدارة المحميّة، كانت الإجراءات القضائية التي اتُّخذت بحقّ المتورّطين مخفّفة، الأمر الذي أضعف الأثر الردعي، وأبقى التهديد بقطع الأشجار قائماً من قِبل أفراد يبدو أنهم يحظون بحماية أمنية وسياسية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنه في تمّوز/ يوليو  ٢٠٢٤، تدخّلت إدارة المحميّة لإيقاف ورشة بناء تجاري على أرض المحميّة، حصلت على رخصة من التنظيم المدني وبلدية شقرا، حسب ما قال مسؤول جمعيّة “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس.

-محميّة شاطئ العبّاسية الطبيعية: 

تقع على قسم من المنطقة الساحلية البحرية لبلدة العبّاسية في قضاء صور، تبلغ مساحتها نحو ٥٥ هكتاراً، وتحوي أفضل الشواطئ الرملية، والكثبان الناعمة غير المرتفعة، ما يوفّر بيئة مؤاتية لتكاثر أنواع عديدة من النباتات والحيوانات، وتشكّل امتداداً طبيعياً لشاطئ مدينة صور. 

تتميّز بيئة هذه المحميّة بانتشار أنواع من النباتات والطيور والحشرات والزواحف المختلفة فيها، وتشكّل محطّة لاستراحة الطيور المهاجرة؛ منها ما هو مهدّد ونادر، كما تشكّل المحميّة موقعاً لتوالد السلحفاة الضخمة الرأس، والسلحفاة الخضراء المهدّدتين بالانقراض عالمياً.

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٧٠، بتاريخ ٨ أيّار/ مايو ٢٠٢٠.
تقول عضوة لجنة محميّة شاطئ العبّاسية فاطمة جعفر: “عملنا من خلال مجموعة من الناشطين وبالتعاون مع بلدية العبّاسية على إنشاء المحميّة منذ العام ٢٠١٦، إلى حين صدور قرار الإنشاء في عام ٢٠٢٠، ونشره في الجريدة الرسمية، وفي عام ٢٠٢٢، تشكّلت لجنة إدارة المحميّة، وضمّت ممثّلين عن بلدية العبّاسية وجمعيات بيئية ناشطة، وأشخاص من ذوي الاختصاصات العلمية”.

وتضيف: “بدأنا بإقامة محميّة تضمّ مساحات زراعية بعيدة عن التعدّي، لاحظنا أن بعض مالكي عقارات ملاصقة، يقوم بتنفيذ مشروع يخالف الأثر البيئي المطلوب، وقد تواصلنا مع الوزير الدكتور ناصر ياسين وتمّ إيقاف المشروع. كما تابعنا المحافظة على نشاط للسلاحف لإيجاد تنوّع بيولوجي نباتي في المحميّة، التي شهدت دخول آليات جرف، كما أن آليّات تعدّت على الكثبان الرملية، ممّا أدّى إلى تخريب جمالي وبيئي، كذلك شهدت المحميّة دخول سيّارات دفع رباعي وصيد برّي جنوني، واستطاعت اللجنة وقف كلّ هذه التعدّيات من خلال التعاون مع قوى الأمن”.

وعن الوضع الراهن بعد الانتخابات البلدية الأخيرة، توضح جعفر: “إننا نسعى مع البلدية الجديدة، وبانتظار تشكيل اللجنة الجديدة لإدارة المحميّة، إلى مراقبة مداخل المحميّة، كي لا يحدث أي نشاط قد يؤذّي الحياة النباتية والحيوانية الموجودة، إلى جانب حماية جوهر المحميّة، وهي واجهة بحرية تشكّل رئة لبلدة العبّاسية”.

وتأمل جعفر أن “تتابع الدولة موضوع المحميّات، وأن يكون أعضاء لجان الإدارة من أهل الاختصاصات، وأن تحظى المحميّات بمستحقّات مالية من خلال الموازنة العامّة، وأن تعمل وزارة البيئة على تأمين مشاريع تمويلية للمحميّة، ومشاركة الجامعات المعنيّة في ذلك”.

ويلاحظ المراقبون أن هناك محاولات قضم أراضٍ من المحميّة، خصوصاً من مالكي عقارات ملاصقة، أو من أشخاص يحاولون الاعتداء على أملاك عامّة للاستثمار غير القانوني. كما تواجه محميّة شاطئ العبّاسية خطراً آخر، يتمثّل بمياه المجارير التي تصبّ في البحر من دون أي معالجة، خصوصاً بعد توقّف محطّة تكرير المياه المبتذلة عن العمل.

-محميّة شاطئ صور الطبيعية:

يُعتبر شاطئ صور الرملي محميّة طبيعية مهمّة بالنسبة إلى لبنان، وهو يقسم إلى منطقة مخصّصة للاستجمام والسباحة، ومنطقة يُمنع استغلالها، ومخصّصة للحفاظ على الحياة البرّية فحسب، وبشكل خاصّ السلاحف البحرية والأسماك.

وتقع محميّة صور الطبيعية في الجزء الجنوبي من مدينة صور، وهو الشاطئ الأكبر في لبنان، وقد تمّ الإعلان عن المحميّة بموجب  القانون ٧٠٨، بتاريخ ١٩٩٨، الذي نصّ على إنشاء “محميّة شاطئ صور الطبيعية” في جفتلك ـ رأس العين، وتعود ملكيّتها للدولة اللبنانية وتحت وصاية وزارة البيئة، وتبلغ مساحة أراضيها ٣٨٠ هكتاراً.

تضمّ المحميّة آخر الكثبان الرملية المتبقيّة والوحيدة المحميّة في لبنان، وموقعاً مهمّاً لتعشيش السلاحف البحرية المهدّدة بالانقراض عالمياً، كما تضمّ مناطق رطبة كموقع رامسار رقم ٩٨٠/١٩٩٩، بوصفها ملجأ ومكاناً أليفاً للطيور المائية، والمحميّة الطبيعية هي جزء من مدينة صور، التي أعلنتها اليونسكو موقعاً تراثياً في العام ١٩٨٤.

إذا كان هذا هو الوضع المهمّ للمحميّة، فماذا يحصل بجانبها وقد يؤثّر على مستقبلها؟

قبل عام، شهدت العقارات الملاصقة للمحميّة أعمال بناء تهدف إلى إقامة محلّات تجارية وأخرى غير تجارية، ممّا دفع عدداً من الناشطين البيئيين والاجتماعيين إلى التحرّك، والقيام بحملة إعلامية وتشكيل مجموعة ضغط، أدّت إلى توقّف الأعمال الإنشائية. 

يقول نائب رئيس جمعيّة “فكر وإنسان” الدكتور حسن حجازي: “الأشغال متوقّفة الآن، ولكن لا ضمانات فعلية لاستمرار توقّفها، لقد حصل حريق في المحميّة قضى على القسم العلمي الذي يحوي الأعشاب النادرة، والتعدّيات ما زالت موجودة، خصوصاً من الشركة متعهّدة البناء، كما أن الردم الناتج عن الحرب يُرمى بمحاذاة المحميّة، إلى جانب نفايات منزلية، وسط تجاهل من البلدية، والغريب في الموضوع هو الصمت المخيف الذي يمارسه مسؤولو لجنة إدارة المحميّة، وعدم القيام بأي خطوة دفاعاً عن المحميّة وأهدافها، خصوصاً أن إدارة المحميّة لم تُعدّ تقريراً عن الحريق الذي حصل، وبالتالي فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نبدأ بها هي تفعيل إدارة المحميّة، ووضع خطّة لحمايتها وإعداد مشاريع نشاطات توعية حول أهمّية المحافظة على المحميّة”.

ويرى ناشط بيئي آخر ضرورة تأمين  الحماية الجغرافية للمحميّة ويقترح قائلاً: “هناك أهمّية لبناء سياج لحماية المنطقة العلمية، خصوصاً أن المحميّة تشهد خروقات مثل سباق خيول ودرّاجات وتخريب أعشاش السلاحف، كما أن الحريق الأخير أتى على ٢٥% من المنطقة العلمية. وهذا ما دفع الإعلام إلى التحرّك، ونقل صورة واضحة عمّا يحصل في المحميّة من حريق وسحب رمول ورمي ردم الحرب، وبالتالي لم يعد هناك حماية للمحميّة التي باتت تواجه مشكلات عديدة، منها أن الإدارة لم تأخذ خطوات جدّية لحمايتها، بالإضافة إلى المجارير التي تصبّ على شاطئ المحميّة والمدخل، عدا ضرورة وجود إدارة جدّية للمحميّة”.

بعد هذه الصورة العامّة لأوضاع محميّات الجنوب، التي عانت وتعاني الكثير من سوء الإدارة وضعف الإمكانات والحرب العدوانية، لا بدّ من نظرة عامّة وشاملة على أوضاع المحميّات.

يقول الدكتور هشام يونس: “قبل العام ٢٠٢٤ نظّم بعض المحميّات أنشطة وفعّاليات وبرامج بعضها هادف ومهمّ، حيث أسهمت في رفع الوعي البيئي بأهمّية التنوّع البيولوجي، غير أن حال المحميّات لا تُقاس بالأنشطة فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على التنوّع البيولوجي، ومراقبة نشاط الأنواع، ومواجهة التعدّيات، وضمان استدامة الخدمات البيئية. لكنّ غياب الشفافية في العمل يجعل من الصعب التمييز الفعلي في الأداء بين المحميّات، وبشكل عامّ، تبقى المحميّات في الجنوب ضعيفة في مواجهة الانتهاكات”.

وبعد السؤال عن أوضاع المحميّات بعد الحرب الأخيرة وما نتج عنها، يجيب: “تعيش المحميّات في الجنوب حالة حرجة بعد تعرّضها لأعمال عدوانية خلال الحرب، وما زالت أزمة المكبّات العشوائية قائمة على أطراف العديد من البلدات، وبعضها ملاصق للمحميّات، وهو ما يفاقم الضغوط على التنوّع البيولوجي، عبر تلويث المياه السطحية وزيادة احتمالات اندلاع الحرائق. وعلى الرغم من أن جميع المحميّات تواجه تحدّيات مشتركة، إلا أن طبيعتها تتمايز من موقع إلى آخر. فهناك ضغوط ناتجة عن التمدّد العمراني والتعدّيات بمشاريع غير مستوفية للشروط القانونية، وأخرى تتعلّق بـالتلوّث وقطع الأشجار الجائر أو الرعي الجائر، إضافة إلى آثار التغيّر المناخي على سلوك الأنواع ومواسم التعشيش. هذا التنوّع في التحدّيات يعكس التحدّيات المختلفة التي تواجه النظم البيئية في الجنوب، وضرورة تكييف التدخّلات بحسب خصوصية كلّ محميّة”.

وعن الخطوات العاجلة التي على الدولة اللبنانية اتّخاذها لحماية المحميّات بحسب “ظروفها”، يرى أن “المرحلة الراهنة تتطلّب تحرّكاً عاجلاً يبدأ بـتقييم شامل للأضرار عبر إجراء مسوحات ميدانية دقيقة، لتحديد حجم الخسائر في الغطاء النباتي والتنوّع الحيواني نتيجة القصف، والحرائق، والتلوّث بالذخائر. ويجب البناء على هذه المسوحات لوضع خطط لمعالجة آثار الفوسفور الأبيض، والمعادن الثقيلة حيث تقتضي الحاجة، بالتوازي مع التعاون مع الجيش والدفاع المدني لإزالة الذخائر غير المنفجرة داخل نطاق المحميّات ومحيطها. كما أن معالجة أزمة المكبّات العشوائية الملاصقة للمحميّات تمثّل أولوية قصوى، سواء من خلال نقلها أو إقفالها، مع منع تصريف مياه الصرف الصحّي أو النفايات داخل المحيط الحيوي، إلى جانب ضرورة تشديد الرقابة على عمليّات قطع الأشجار، والصيد الجائر، والرعي غير المنظّم، وضمان أن تكون الأحكام القضائية بحقّ المخالفين رادعة وفعالة”.

ويشير إلى أنه “من المهمّ إعلان مواسم حماية خاصّة لتعشيش السلاحف البحرية وعبور الطيور المهاجرة، بحيث يُمنع أي نشاط بشري مضرّ خلالها. كما ينبغي على الدولة تأمين موازنات عاجلة لتغطية حاجات التشغيل الأساسية (الحراس، المراقبة الميدانية، معدّات الإطفاء والإسعاف البيئي)، بما يضمن بقاء المحميّات فاعلة على الأرض. وأخيراً، يبقى تشكيل لجان إدارة فاعلة قادرة على ضمان إدارة سليمة ومستدامة لكلّ محميّة، شرطاً جوهرياً للحفاظ على فعّاليتها البيئية والاجتماعية”.

ويؤكّد “ضرورة تعليق الصيد لفترة لا تقلّ عن خمس سنوات، بما يمنح النظم البيئية فرصة للتعافي، خصوصاً في ظلّ غياب تقييم شامل ودقيق للأنواع، يحدّد قائمة الطرائد والأذونات، وانعدام آليّة عمليّة لمراقبة الصيد وملاحقة المخالفات ومعاقبة المخالفين. إذ لا تتوافر حالياً أيّ أسس علمية أو إدارية سليمة يمكن البناء عليها لإدارة نشاط الصيد بشكل منظّم”.

وحول التوصيات التي يمكن أن تقترحها الجمعيّات الناشطة لاستثمار هذه المحميّات، يوضح “من منظورنا كجمعية بيئية ناشطة؛ الجنوبيون الخضر، فإن استثمار المحميّات لا ينبغي أن يقوم على الاستغلال المفرط، بل على الإدارة السليمة والاستخدام المستدام الذي يحافظ على النظم البيئية، ويعود بالفائدة على المجتمعات المحلّية. ويشمل ذلك تطوير أنماط السياحة البيئية المنظّمة مثل المسارات التعليمية وجولات مراقبة الطيور والسلاحف، وتشجيع الحرف والمنتجات المحلّية وربطها بعلامة “منتج من المحميّة” ما يعزّز قيمتها الاقتصادية”.

ويُوصي بـ”تعزيز برامج الرصد المجتمعي التطوّعي، التي تُشرك الأهالي وأصحاب المصلحة في متابعة التنوّع البيولوجي وحمايته، إلى جانب ضرورة إنتاج تقرير سنوي للأداء يكون متاحاً للعامّة، ويُبنى عليه في تحديد أولويات الحماية ومشاريعها. ولضمان استمرارية العمل، من الضروري تأمين موازنات عاجلة تغطّي حاجات التشغيل الأساسية، مثل رواتب الكوادر الإدارية والمشرفين والحرّاس الميدانيين، إضافة إلى توفير معدّات الإطفاء والإسعاف البيئي، بما يضمن بقاء المحميّات فاعلة على الأرض. ويبقى تأسيس لجان إدارة فاعلة قادرة على تطبيق إدارة مستدامة وسليمة لكلّ محميّة عنصراً محورياً في نجاح هذه الجهود”.

وكي يستقيم الوضع، لا بدّ من خطوات تستخدمها الدولة عند إدارة المحميّات مثل الشفافية، المشاركة، تعزيز المواطنة، وفي هذا الإطار يقول يونس: “برأينا، إن نجاح الدولة في إدارة المحميّات يتطلّب اعتماد مبادئ الحوكمة البيئية الرشيدة، بما يضمن حماية النظم الطبيعية ويعزّز ثقة المجتمع المحلّي. وتشكّل الشفافية نقطة الانطلاق، من خلال نشر الموازنات والتقارير الدورية والقرارات الإدارية بشكل علني، بما يتيح مساءلة واضحة حول الموارد والنتائج. كما أن المشاركة تبقى عنصراً أساسياً، إذ ينبغي إشراك البلديات والجمعيّات البيئية والمحلّية، في عمليّة صنع القرار، وتوسيع دائرة الاستشارات بما يعزّز الشراكة المجتمعية في حماية المحميّات”.

ويضيف: “على المستوى الإداري، يصبح اعتماد مبدأ المساءلة والمهنية في عمل لجان إدارة المحميّات ضرورة ملحّة، عبر وضع توصيفات وظيفية دقيقة، وإقرار آليّات تقييم دورية لأداء اللجان تضمن جودة الأداء وفاعليته. كما يجب أن تستند الإدارة إلى العلم والمعرفة بالقانون والموقع المناط إدارته، من خلال اعتماد الدراسات العلمية والمسوحات البيئية والأنشطة الميدانية، وهو ما يستدعي تطوير برامج رصد مستمرّة للتنوّع البيولوجي. إلى جانب ذلك، لا بدّ من التشدّد في إنفاذ القانون وعدم التساهل في مسألة تقييم الأثر البيئي، بحيث يُمنع تنفيذ أيّ مشروع داخل نطاق المحميّات، أو في محيطها من دون دراسات علمية دقيقة ومراجعة مستقلّة وشفافة”.

ويختم يونس “في السياق نفسه، ومن خلال التعاون مع البلديات، تبرز الحاجة إلى تعزيز مفهوم البرّية الحضرية الذي ما زال مغيّباً بالكامل، ونشدّد عليه في الخطط والمنهجيات باعتبارها رافعة أساسية لدمج المحميّات والموارد الطبيعية في صميم التخطيط الحضري، وضمان أن تكون الطبيعة جزءاً من البيئة الحياتية اليومية للمواطنين، لا مجرّد مساحات معزولة خارج المدن”.

من جهة أخرى يرى الخبير البيئي في شؤون المحميّات جورج متري، أنه “من الضرورة تقديم توصيات، إن كان على الصعيد الوطني أو الجنوبي، وهي توصيات للسلطات الوطنية والمحلّية من أجل حفظ المحميّات الطبيعية”.

 ويقول: “على المستوى الوطني أي السياسات والتشريعات والتمويل، لا بدّ من تطبيق القانون رقم 130/2019، بشكل كامل ومنسّق، عبر:
-إصدار أو تحديث الأنظمة الداخلية الخاصّة بكلّ محميّة، وخرائط المناطق وآليّات الردع والعقوبات.

-تثبيت صلاحيّات الحرّاس كمساعدين للضابطة العدلية.
-فرض إعداد خطط إدارة متوافقة مع المعايير الدولية للمحميّات.
-إلزام كلّ محميّة برّية كانت أم ساحلية بخطّة إدارة مدّتها خمس سنوات تتضمّن: الأهداف، والتنظيم المكاني والرصد والمتابعة، وتطبيق القوانين، وتعزيز منافع المجتمع المحلّي.
-مواءمة إدارة المحميّات الساحلية مع اتّفاقية برشلونة (بروتوكلا التنوّع البيولوجي البحري ومصادر التلوث البرّية).
-اعتماد تدابير وطنية لمناطق حماية تعشيش السلاحف البحرية، وضبط مصادر التلوّث القادمة من اليابسة.
-تأمين تمويل مستدام، من خلال:
-إنشاء صندوق وطني دائم للمحميّات الطبيعية وتفعيله، بشرط أن يموّل من رسوم بيئية مخصّصة، ومن عائدات التراخيص السياحية الساحلية، والغرامات البيئية والمساهمات الدولية.
-تطوير منظومة وطنية للرصد والمتابعة.
-إنشاء وحدة وطنية لمراقبة أوضاع المحميّات، وتطوير مؤشّرات موحّدة بيولوجية واجتماعية- اقتصادية، وإصدار تقرير سنوي حول “حالة المحميّات الطبيعية.
-اعتماد نهج بيئي حسّاس للنزاعات، من خلال إدماج إرشادات علمية لحماية الطبيعة أثناء النزاعات وبعدها، وآليّات سريعة لتقييم الأضرار، وتنسيق إزالة الذخائر غير المنفجرة قبل العمل الميداني، وتدابير طوارئ للحدّ من التدهور البيئي  وإعادة التأهيل.
ـ تطبيق صارم لمناطق الحماية وتوسيع نطاق الحماية الفعّالة”.

أما على مستوى المواقع (البلديات، ولجان إدارة المحميّات، والجمعيّات المحلّية)، فيوصي متري بالآتي:

” ـ تعزيز الجاهزية التشغيلية عبر توظيف الحرّاس وتدريبهم، وتطوير بروتوكولات مشتركة مع قوى الأمن والجيش والدفاع المدني، وإنشاء منصّة إلكترونية لتقارير التعدّيات.
-إدارة التنزّه في المحميّات.
– تحديد القدرة الاستيعابية لكلّ محميّة، وإعداد لوحات توجيهية للسلوك البيئي، وتشجيع المرشدين البيئيين المحلّيين، وتطوير أنشطة مدرّة للدخل تتوافق مع حماية الطبيعة.
-إدارة مخاطر الحرائق وإدارة الأراضي في المحميّات البرّية.
– تطوير خطط وقاية من الحرائق وتنفيذها، وتفعيل الإنذار المبكّر، وتشكيل فرق متطوّعين بالتنسيق مع البلديات.
-مكافحة الأنواع الغازية وضمان الأمن البيولوجي.
– إجراء مراقبة دورية للأنواع الغازية البرّية والبحرية، وضع إجراءات استجابة سريعة.
-تعزيز البحث والمشاركة المجتمعية.
– التعاون مع الجامعات لإجراء بحوث طويلة الأمد حول التنوّع البيولوجي، وإشراك المواطنين في جمع البيانات (مثل تتبّع السلاحف أو التبليغ عن التلوث أوالتعدّيات).
‎-اقتراح مناطق جديدة أو موسّعة للحماية الخاصّة في مواقع ذات أولوية إيكولوجية”.

ولا تقتصر توصيات متري على السلطات الوطنية والمحلّية، بل تقدّم توصيات للمنظّمات غير الحكومية العاملة في مجال حفظ المحميّات الطبيعية، ويوضح ذلك بالقول: “لا بدّ من دعم تنفيذ خطط إدارة المحميّات الطبيعية، من خلال التعاون المباشر مع هيئات إدارة المحميّات ووزارة البيئة، لتفعيل خطط الإدارة القائمة، والمساعدة في تطبيق أنظمة المناطق، وتدريب الكوادر، ومتابعة فعّالية الإدارة والرصد البيئي، وذلك عبر:

1-تعزيز نهج الإدارة المشتركة:

ـ تشجيع توقيع اتّفاقيات إدارة مشتركة رسمية بين المنظّمات غير الحكومية والبلديات، والمجموعات المحلّية (لتقاسم المسؤوليّات في المراقبة، والسياحة البيئية، والتوعية البيئية).

2-الدعوة إلى وضوح الإطار القانوني والمساءلة:

ـ المطالبة بالتطبيق الكامل للقانون رقم  130/2019، وضمان الشفافية في تشكيل هيئات إدارة المحميّات، وتنظيم استخدام الإيرادات.
ـ رفع مستوى الوعي البيئي، من خلال تنظيم برامج مدرسية، وحملات تنظيف للشواطئ، ومبادرات علمية يشارك فيها المواطنون؛ الشباب والعائلات، في مراقبة الحياة البرّية ورصد التعدّيات البيئية.
ـ تعزيز مشاركة النساء والشباب بإنشاء برامج تطوّع ومنح صغيرة موجّهة للفئتين، لتنفيذ مشاريع صغيرة في مجالات استعادة الموائل الطبيعية، والحدّ من النفايات، أو تطوير السياحة البيئية.
ـ دعم شبكات الحرّاس وتدريبهم، والتعاون مع الأجهزة الأمنية في الإبلاغ عن الجرائم البيئية والمخالفات، مثل البناء غير القانوني، والصيد الجائر، والتلوّث البيئي.

3-تنفيذ إجراءات الوقاية من الحرائق وأعمال الاستعادة:

ـ إنشاء أنظمة إنذار مبكر، وصيانة خطوط العزل حول المناطق الحسّاسة وإشراك المتطوّعين.
-إعداد مقترحات مشاريع مشتركة مع منظّمات غير حكومية وبلديات ومؤسّسات بحثية.
-دعم الاستعادة البيئية في المناطق المتأثّرة بالحروب، قيادة أنشطة لإعادة تأهيل التربة، واسترجاع الغطاء النباتي، واستعادة الحياة البرّية في المناطق المتضرّرة من الحروب ومن الحرائق ومن التلوّث”.

ختاماً، تتطلّب إعادة الحياة إلى المحميّات الطبيعية في الجنوب، تعاوناً وثيقاً بين مؤسّسات الدولة المركزية والبلديات، إلى جانب الجمعيّات البيئية الناشطة والمجتمعات المحلّية، من خلال الالتزام بالقوانين، وبعيداً عن المصالح السياسية الفئوية.

دورنا نحكي

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
07.11.2025
زمن القراءة: 14 minutes

تتطلّب إعادة الحياة إلى المحميّات الطبيعية في الجنوب، تعاوناً وثيقاً بين مؤسّسات الدولة المركزية والبلديات، إلى جانب الجمعيّات البيئية الناشطة والمجتمعات المحلّية، من خلال الالتزام بالقوانين، وبعيداً عن المصالح السياسية الفئوية.

تمثّل المحميّات الطبيعية مطلباً أساسياً وجزءاً محورياً من استراتيجية حفظ الطبيعة وحمايتها، لكنّ هذا التوصيف القانوني وقرارات الإنشاء وحدها لا تكفي، فالعامل الحاسم هو الإدارة السليمة التي تضمن انتعاش المحميّات وازدهارها، بما يمكّنها من توفير الخدمات البيئية للمجتمعات المحلّية والمحيط. من دون إدارة فعّالة تتدهور المحميّات وتفقد توازنها البيئي، وهو ما ينعكس ضرراً على المحيط والمجتمعات المحلّية.

الإدارة السليمة لم تكن متوفّرة في معظم المحميّات في لبنان، بل كانت تخضع لتيّارات القوى السياسية المسيطرة في الجنوب، وتشكيل لجانها كان يخضع لقرارات قوى الأمر الواقع في كلّ منطقة حيث وجدت محميّات، ولتضمّ أفراداً ينفّذون سياسة أصحاب القرار، ويجيّرون المحميّات لهم، كي يستخدموها وفق مصالحهم ورؤيتهم لدورها في المنطقة.

 كما أن البلديات المعنيّة، التي هي أدوات إنتاج وتجديد علاقات استزلام سياسي، لم تلعب الدور المطلوب بالإشراف على اللجان، ولم تسعَ إلى تأمين الشروط اللازمة كي تنجح المحميّات في تحقيق أهدافها.

لذلك، شهدت بعض المحميّات استخداماً من قِبل بعض القوى السياسية في أمور لا تخدم أهداف المحميّات، كما أن بعض الأهالي لم يدخلوا المحميّات، ولم يعرفوا ما تحتويه سوى ما تتحدّث عنه بعض وسائل الإعلام.

وتحوّل بعضها إلى مساحات لقطع الأشجار، وبعضها الآخر إلى مخيّمات “كشفية وشبابية” لا علاقة لها بدور المحميّات، في حين تحوّل بعض اللجان إلى غطاء لسياسة الانتهاكات التي كانت تحصل، وكلّ هذا، عوامل أدّت إلى الوضع الراهن الذي تعيشه المحميّات في الجنوب.

في الجنوب ثماني محميّات هي: محميّة النميرية، محميّة دبل، محميّة بيت ليف، محميّة رامية، محميّة كفرا، محميّة وادي الحجير. 

وكلّها محميّات برّية، إلى جانب محميّة شاطئ العبّاسية الطبيعية، ومحميّة شاطئ صور الطبيعية.

-محميّة النميرية:

تقع في قضاء النبطية، على مساحة تصل إلى ١٠،٢هكتار، وترتفع نحو ٣٠٠ متر عن سطح البحر، تتميّز بطابع حرجي متوسّطي وتضمّ أشجار السنديان، والصنوبر، والزعرور، بالإضافة إلى تنوّع بيولوجي يشمل النباتات والحيوانات والطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٦٩، بتاريخ ٨ أيّار/ مايو ٢٠٢٠، لحماية مواردها الطبيعية من التعدّيات مثل قطع الأشجار والرعي الجائر.
تعرّضت إلى عمليّات قصف خلال الحرب، مما أدّى إلى حرائق، والآن  يتجنّبها المواطنون المقيمون في المنطقة.

– محميّة دبل:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٥ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٠٠ متر عن سطح البحر، تضمّ المحميّة غابات من أشجار السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، وهي موطن للحيوانات البرّية، وتعشّش فيها الطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون ٢٠٠، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١، وتعرّضت خلال الحرب الأخيرة إلى قصف شديد وحرائق عديدة بالإضافة إلى الفوسفور الأبيض.

يقول مختار دبل بيار الراعي: “تعرّضت المحميّة إلى حريق كبير لا نعرف طبيعته ولا حجمه، والآن لا إمكانية للوصول إليها بسبب الوضع الأمني، ولا نعرف ماذا سيحصل بعد انتخاب مجلس بلدي جديد”.

– محميّة بيت ليف:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٥٥٠ متراً عن سطح البحر، تضمّ غابات من السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، بالإضافة إلى أنواع نادرة من النباتات المستوطنة، وهي ملاذ للحيوانات البرّية، وتعيش فيها أنواع مختلفة من الطيور. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ٢٠١، تاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تقول مسؤولة لجنة المحميّة مريم حسن: “لا جديد في وضع المحميّة، الوضع الأمني يمنعنا من متابعتها، ولا أحد يستطيع الاقتراب منها”. إلا أن أحد المواطنين المقيمين في البلدة، يشير إلى “قيام بعض الأشخاص بقطع أشجار اللبلاب من أطراف المحميّة، وهي المحميّة التي لم يُعلن عنها، ولا يدخلها أحد منذ تاريخ الإنشاء، بسبب الوضع الأمني قبل الحرب وبعدها، لكن يجب الإشارة إلى تحوّل أحد أطرافها إلى مكبّ للنفايات”.

– محميّة رامية الطبيعية:

تقع في قضاء بنت جبيل، تبلغ مساحتها نحو ٢٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٥٠ متراً عن سطح البحر، تضمّ مناطق حرجية من السنديان، والملّول، والخرّوب، والقطلب، والبطم، تعيش فيها أنواع من الحيوانات البرّية والطيور.

 تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٩٩، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تعرّضت إلى أضرار كبيرة بسبب الحرب الأخيرة، وحصلت فيها حرائق كبيرة، والآن لا يستطيع أحد دخولها، أو الاقتراب منها بسبب الوضع الأمني الخطير.
وقد حاولنا الاتّصال بأحد أعضاء لجنة المحميّة بناء على اقتراح مسؤولة في وزارة البيئة، لكنّه نفى أن يكون الشخص المعنيّ، وأنه من منطقة أخرى، ويبدو أنه لا يريد الحديث في الموضوع.

-محميّة كفرا: 

تقع في قضاء بنت جبيل، وتبلغ مساحتها نحو ٤٠ هكتاراً، وترتفع نحو ٦٥٠ متراً عن سطح البحر، وتضمّ مناطق حرجية مكوّنة من السنديان، والملّول، الخرّوب، والقطلب، والبطم، إلى جانب حيوانات برّية وطيور مختلفة. 

تمّ إنشاؤها بموجب القانون ١٩٨، بتاريخ ١٨ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١.
تعرّضت إلى أضرار جسيمة وحرائق كبيرة جرّاء القصف والعدوان الأخير، وقد حاولنا الاتّصال بالشخص المعني المعيّن من وزارة البيئة، لكنّه لم يردّ على اتّصالاتنا، ولدى مراجعة أحد المواطنين من البلدة نفسها، أفاد أنه كان ممنوعاً الدخول إلى المحميّة قبل الحرب، والآن صار الوضع الأمني عاملاً أساسياً بمنع الاقتراب منها.

– محميّة وادي الحجير: 

وهي محميّة طبيعية تقع في قضاء بنت جبيل، وقد شهدت مشكلة قطع الأشجار، وجرى توثيق عمليّات القطع فيها خلال الأشهر الأولى التي تلت وقف الأعمال القتالية في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، وعلى الرغم من تحرّك إدارة المحميّة، كانت الإجراءات القضائية التي اتُّخذت بحقّ المتورّطين مخفّفة، الأمر الذي أضعف الأثر الردعي، وأبقى التهديد بقطع الأشجار قائماً من قِبل أفراد يبدو أنهم يحظون بحماية أمنية وسياسية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنه في تمّوز/ يوليو  ٢٠٢٤، تدخّلت إدارة المحميّة لإيقاف ورشة بناء تجاري على أرض المحميّة، حصلت على رخصة من التنظيم المدني وبلدية شقرا، حسب ما قال مسؤول جمعيّة “الجنوبيون الخضر” الدكتور هشام يونس.

-محميّة شاطئ العبّاسية الطبيعية: 

تقع على قسم من المنطقة الساحلية البحرية لبلدة العبّاسية في قضاء صور، تبلغ مساحتها نحو ٥٥ هكتاراً، وتحوي أفضل الشواطئ الرملية، والكثبان الناعمة غير المرتفعة، ما يوفّر بيئة مؤاتية لتكاثر أنواع عديدة من النباتات والحيوانات، وتشكّل امتداداً طبيعياً لشاطئ مدينة صور. 

تتميّز بيئة هذه المحميّة بانتشار أنواع من النباتات والطيور والحشرات والزواحف المختلفة فيها، وتشكّل محطّة لاستراحة الطيور المهاجرة؛ منها ما هو مهدّد ونادر، كما تشكّل المحميّة موقعاً لتوالد السلحفاة الضخمة الرأس، والسلحفاة الخضراء المهدّدتين بالانقراض عالمياً.

تمّ إنشاؤها بموجب القانون رقم ١٧٠، بتاريخ ٨ أيّار/ مايو ٢٠٢٠.
تقول عضوة لجنة محميّة شاطئ العبّاسية فاطمة جعفر: “عملنا من خلال مجموعة من الناشطين وبالتعاون مع بلدية العبّاسية على إنشاء المحميّة منذ العام ٢٠١٦، إلى حين صدور قرار الإنشاء في عام ٢٠٢٠، ونشره في الجريدة الرسمية، وفي عام ٢٠٢٢، تشكّلت لجنة إدارة المحميّة، وضمّت ممثّلين عن بلدية العبّاسية وجمعيات بيئية ناشطة، وأشخاص من ذوي الاختصاصات العلمية”.

وتضيف: “بدأنا بإقامة محميّة تضمّ مساحات زراعية بعيدة عن التعدّي، لاحظنا أن بعض مالكي عقارات ملاصقة، يقوم بتنفيذ مشروع يخالف الأثر البيئي المطلوب، وقد تواصلنا مع الوزير الدكتور ناصر ياسين وتمّ إيقاف المشروع. كما تابعنا المحافظة على نشاط للسلاحف لإيجاد تنوّع بيولوجي نباتي في المحميّة، التي شهدت دخول آليات جرف، كما أن آليّات تعدّت على الكثبان الرملية، ممّا أدّى إلى تخريب جمالي وبيئي، كذلك شهدت المحميّة دخول سيّارات دفع رباعي وصيد برّي جنوني، واستطاعت اللجنة وقف كلّ هذه التعدّيات من خلال التعاون مع قوى الأمن”.

وعن الوضع الراهن بعد الانتخابات البلدية الأخيرة، توضح جعفر: “إننا نسعى مع البلدية الجديدة، وبانتظار تشكيل اللجنة الجديدة لإدارة المحميّة، إلى مراقبة مداخل المحميّة، كي لا يحدث أي نشاط قد يؤذّي الحياة النباتية والحيوانية الموجودة، إلى جانب حماية جوهر المحميّة، وهي واجهة بحرية تشكّل رئة لبلدة العبّاسية”.

وتأمل جعفر أن “تتابع الدولة موضوع المحميّات، وأن يكون أعضاء لجان الإدارة من أهل الاختصاصات، وأن تحظى المحميّات بمستحقّات مالية من خلال الموازنة العامّة، وأن تعمل وزارة البيئة على تأمين مشاريع تمويلية للمحميّة، ومشاركة الجامعات المعنيّة في ذلك”.

ويلاحظ المراقبون أن هناك محاولات قضم أراضٍ من المحميّة، خصوصاً من مالكي عقارات ملاصقة، أو من أشخاص يحاولون الاعتداء على أملاك عامّة للاستثمار غير القانوني. كما تواجه محميّة شاطئ العبّاسية خطراً آخر، يتمثّل بمياه المجارير التي تصبّ في البحر من دون أي معالجة، خصوصاً بعد توقّف محطّة تكرير المياه المبتذلة عن العمل.

-محميّة شاطئ صور الطبيعية:

يُعتبر شاطئ صور الرملي محميّة طبيعية مهمّة بالنسبة إلى لبنان، وهو يقسم إلى منطقة مخصّصة للاستجمام والسباحة، ومنطقة يُمنع استغلالها، ومخصّصة للحفاظ على الحياة البرّية فحسب، وبشكل خاصّ السلاحف البحرية والأسماك.

وتقع محميّة صور الطبيعية في الجزء الجنوبي من مدينة صور، وهو الشاطئ الأكبر في لبنان، وقد تمّ الإعلان عن المحميّة بموجب  القانون ٧٠٨، بتاريخ ١٩٩٨، الذي نصّ على إنشاء “محميّة شاطئ صور الطبيعية” في جفتلك ـ رأس العين، وتعود ملكيّتها للدولة اللبنانية وتحت وصاية وزارة البيئة، وتبلغ مساحة أراضيها ٣٨٠ هكتاراً.

تضمّ المحميّة آخر الكثبان الرملية المتبقيّة والوحيدة المحميّة في لبنان، وموقعاً مهمّاً لتعشيش السلاحف البحرية المهدّدة بالانقراض عالمياً، كما تضمّ مناطق رطبة كموقع رامسار رقم ٩٨٠/١٩٩٩، بوصفها ملجأ ومكاناً أليفاً للطيور المائية، والمحميّة الطبيعية هي جزء من مدينة صور، التي أعلنتها اليونسكو موقعاً تراثياً في العام ١٩٨٤.

إذا كان هذا هو الوضع المهمّ للمحميّة، فماذا يحصل بجانبها وقد يؤثّر على مستقبلها؟

قبل عام، شهدت العقارات الملاصقة للمحميّة أعمال بناء تهدف إلى إقامة محلّات تجارية وأخرى غير تجارية، ممّا دفع عدداً من الناشطين البيئيين والاجتماعيين إلى التحرّك، والقيام بحملة إعلامية وتشكيل مجموعة ضغط، أدّت إلى توقّف الأعمال الإنشائية. 

يقول نائب رئيس جمعيّة “فكر وإنسان” الدكتور حسن حجازي: “الأشغال متوقّفة الآن، ولكن لا ضمانات فعلية لاستمرار توقّفها، لقد حصل حريق في المحميّة قضى على القسم العلمي الذي يحوي الأعشاب النادرة، والتعدّيات ما زالت موجودة، خصوصاً من الشركة متعهّدة البناء، كما أن الردم الناتج عن الحرب يُرمى بمحاذاة المحميّة، إلى جانب نفايات منزلية، وسط تجاهل من البلدية، والغريب في الموضوع هو الصمت المخيف الذي يمارسه مسؤولو لجنة إدارة المحميّة، وعدم القيام بأي خطوة دفاعاً عن المحميّة وأهدافها، خصوصاً أن إدارة المحميّة لم تُعدّ تقريراً عن الحريق الذي حصل، وبالتالي فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نبدأ بها هي تفعيل إدارة المحميّة، ووضع خطّة لحمايتها وإعداد مشاريع نشاطات توعية حول أهمّية المحافظة على المحميّة”.

ويرى ناشط بيئي آخر ضرورة تأمين  الحماية الجغرافية للمحميّة ويقترح قائلاً: “هناك أهمّية لبناء سياج لحماية المنطقة العلمية، خصوصاً أن المحميّة تشهد خروقات مثل سباق خيول ودرّاجات وتخريب أعشاش السلاحف، كما أن الحريق الأخير أتى على ٢٥% من المنطقة العلمية. وهذا ما دفع الإعلام إلى التحرّك، ونقل صورة واضحة عمّا يحصل في المحميّة من حريق وسحب رمول ورمي ردم الحرب، وبالتالي لم يعد هناك حماية للمحميّة التي باتت تواجه مشكلات عديدة، منها أن الإدارة لم تأخذ خطوات جدّية لحمايتها، بالإضافة إلى المجارير التي تصبّ على شاطئ المحميّة والمدخل، عدا ضرورة وجود إدارة جدّية للمحميّة”.

بعد هذه الصورة العامّة لأوضاع محميّات الجنوب، التي عانت وتعاني الكثير من سوء الإدارة وضعف الإمكانات والحرب العدوانية، لا بدّ من نظرة عامّة وشاملة على أوضاع المحميّات.

يقول الدكتور هشام يونس: “قبل العام ٢٠٢٤ نظّم بعض المحميّات أنشطة وفعّاليات وبرامج بعضها هادف ومهمّ، حيث أسهمت في رفع الوعي البيئي بأهمّية التنوّع البيولوجي، غير أن حال المحميّات لا تُقاس بالأنشطة فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على التنوّع البيولوجي، ومراقبة نشاط الأنواع، ومواجهة التعدّيات، وضمان استدامة الخدمات البيئية. لكنّ غياب الشفافية في العمل يجعل من الصعب التمييز الفعلي في الأداء بين المحميّات، وبشكل عامّ، تبقى المحميّات في الجنوب ضعيفة في مواجهة الانتهاكات”.

وبعد السؤال عن أوضاع المحميّات بعد الحرب الأخيرة وما نتج عنها، يجيب: “تعيش المحميّات في الجنوب حالة حرجة بعد تعرّضها لأعمال عدوانية خلال الحرب، وما زالت أزمة المكبّات العشوائية قائمة على أطراف العديد من البلدات، وبعضها ملاصق للمحميّات، وهو ما يفاقم الضغوط على التنوّع البيولوجي، عبر تلويث المياه السطحية وزيادة احتمالات اندلاع الحرائق. وعلى الرغم من أن جميع المحميّات تواجه تحدّيات مشتركة، إلا أن طبيعتها تتمايز من موقع إلى آخر. فهناك ضغوط ناتجة عن التمدّد العمراني والتعدّيات بمشاريع غير مستوفية للشروط القانونية، وأخرى تتعلّق بـالتلوّث وقطع الأشجار الجائر أو الرعي الجائر، إضافة إلى آثار التغيّر المناخي على سلوك الأنواع ومواسم التعشيش. هذا التنوّع في التحدّيات يعكس التحدّيات المختلفة التي تواجه النظم البيئية في الجنوب، وضرورة تكييف التدخّلات بحسب خصوصية كلّ محميّة”.

وعن الخطوات العاجلة التي على الدولة اللبنانية اتّخاذها لحماية المحميّات بحسب “ظروفها”، يرى أن “المرحلة الراهنة تتطلّب تحرّكاً عاجلاً يبدأ بـتقييم شامل للأضرار عبر إجراء مسوحات ميدانية دقيقة، لتحديد حجم الخسائر في الغطاء النباتي والتنوّع الحيواني نتيجة القصف، والحرائق، والتلوّث بالذخائر. ويجب البناء على هذه المسوحات لوضع خطط لمعالجة آثار الفوسفور الأبيض، والمعادن الثقيلة حيث تقتضي الحاجة، بالتوازي مع التعاون مع الجيش والدفاع المدني لإزالة الذخائر غير المنفجرة داخل نطاق المحميّات ومحيطها. كما أن معالجة أزمة المكبّات العشوائية الملاصقة للمحميّات تمثّل أولوية قصوى، سواء من خلال نقلها أو إقفالها، مع منع تصريف مياه الصرف الصحّي أو النفايات داخل المحيط الحيوي، إلى جانب ضرورة تشديد الرقابة على عمليّات قطع الأشجار، والصيد الجائر، والرعي غير المنظّم، وضمان أن تكون الأحكام القضائية بحقّ المخالفين رادعة وفعالة”.

ويشير إلى أنه “من المهمّ إعلان مواسم حماية خاصّة لتعشيش السلاحف البحرية وعبور الطيور المهاجرة، بحيث يُمنع أي نشاط بشري مضرّ خلالها. كما ينبغي على الدولة تأمين موازنات عاجلة لتغطية حاجات التشغيل الأساسية (الحراس، المراقبة الميدانية، معدّات الإطفاء والإسعاف البيئي)، بما يضمن بقاء المحميّات فاعلة على الأرض. وأخيراً، يبقى تشكيل لجان إدارة فاعلة قادرة على ضمان إدارة سليمة ومستدامة لكلّ محميّة، شرطاً جوهرياً للحفاظ على فعّاليتها البيئية والاجتماعية”.

ويؤكّد “ضرورة تعليق الصيد لفترة لا تقلّ عن خمس سنوات، بما يمنح النظم البيئية فرصة للتعافي، خصوصاً في ظلّ غياب تقييم شامل ودقيق للأنواع، يحدّد قائمة الطرائد والأذونات، وانعدام آليّة عمليّة لمراقبة الصيد وملاحقة المخالفات ومعاقبة المخالفين. إذ لا تتوافر حالياً أيّ أسس علمية أو إدارية سليمة يمكن البناء عليها لإدارة نشاط الصيد بشكل منظّم”.

وحول التوصيات التي يمكن أن تقترحها الجمعيّات الناشطة لاستثمار هذه المحميّات، يوضح “من منظورنا كجمعية بيئية ناشطة؛ الجنوبيون الخضر، فإن استثمار المحميّات لا ينبغي أن يقوم على الاستغلال المفرط، بل على الإدارة السليمة والاستخدام المستدام الذي يحافظ على النظم البيئية، ويعود بالفائدة على المجتمعات المحلّية. ويشمل ذلك تطوير أنماط السياحة البيئية المنظّمة مثل المسارات التعليمية وجولات مراقبة الطيور والسلاحف، وتشجيع الحرف والمنتجات المحلّية وربطها بعلامة “منتج من المحميّة” ما يعزّز قيمتها الاقتصادية”.

ويُوصي بـ”تعزيز برامج الرصد المجتمعي التطوّعي، التي تُشرك الأهالي وأصحاب المصلحة في متابعة التنوّع البيولوجي وحمايته، إلى جانب ضرورة إنتاج تقرير سنوي للأداء يكون متاحاً للعامّة، ويُبنى عليه في تحديد أولويات الحماية ومشاريعها. ولضمان استمرارية العمل، من الضروري تأمين موازنات عاجلة تغطّي حاجات التشغيل الأساسية، مثل رواتب الكوادر الإدارية والمشرفين والحرّاس الميدانيين، إضافة إلى توفير معدّات الإطفاء والإسعاف البيئي، بما يضمن بقاء المحميّات فاعلة على الأرض. ويبقى تأسيس لجان إدارة فاعلة قادرة على تطبيق إدارة مستدامة وسليمة لكلّ محميّة عنصراً محورياً في نجاح هذه الجهود”.

وكي يستقيم الوضع، لا بدّ من خطوات تستخدمها الدولة عند إدارة المحميّات مثل الشفافية، المشاركة، تعزيز المواطنة، وفي هذا الإطار يقول يونس: “برأينا، إن نجاح الدولة في إدارة المحميّات يتطلّب اعتماد مبادئ الحوكمة البيئية الرشيدة، بما يضمن حماية النظم الطبيعية ويعزّز ثقة المجتمع المحلّي. وتشكّل الشفافية نقطة الانطلاق، من خلال نشر الموازنات والتقارير الدورية والقرارات الإدارية بشكل علني، بما يتيح مساءلة واضحة حول الموارد والنتائج. كما أن المشاركة تبقى عنصراً أساسياً، إذ ينبغي إشراك البلديات والجمعيّات البيئية والمحلّية، في عمليّة صنع القرار، وتوسيع دائرة الاستشارات بما يعزّز الشراكة المجتمعية في حماية المحميّات”.

ويضيف: “على المستوى الإداري، يصبح اعتماد مبدأ المساءلة والمهنية في عمل لجان إدارة المحميّات ضرورة ملحّة، عبر وضع توصيفات وظيفية دقيقة، وإقرار آليّات تقييم دورية لأداء اللجان تضمن جودة الأداء وفاعليته. كما يجب أن تستند الإدارة إلى العلم والمعرفة بالقانون والموقع المناط إدارته، من خلال اعتماد الدراسات العلمية والمسوحات البيئية والأنشطة الميدانية، وهو ما يستدعي تطوير برامج رصد مستمرّة للتنوّع البيولوجي. إلى جانب ذلك، لا بدّ من التشدّد في إنفاذ القانون وعدم التساهل في مسألة تقييم الأثر البيئي، بحيث يُمنع تنفيذ أيّ مشروع داخل نطاق المحميّات، أو في محيطها من دون دراسات علمية دقيقة ومراجعة مستقلّة وشفافة”.

ويختم يونس “في السياق نفسه، ومن خلال التعاون مع البلديات، تبرز الحاجة إلى تعزيز مفهوم البرّية الحضرية الذي ما زال مغيّباً بالكامل، ونشدّد عليه في الخطط والمنهجيات باعتبارها رافعة أساسية لدمج المحميّات والموارد الطبيعية في صميم التخطيط الحضري، وضمان أن تكون الطبيعة جزءاً من البيئة الحياتية اليومية للمواطنين، لا مجرّد مساحات معزولة خارج المدن”.

من جهة أخرى يرى الخبير البيئي في شؤون المحميّات جورج متري، أنه “من الضرورة تقديم توصيات، إن كان على الصعيد الوطني أو الجنوبي، وهي توصيات للسلطات الوطنية والمحلّية من أجل حفظ المحميّات الطبيعية”.

 ويقول: “على المستوى الوطني أي السياسات والتشريعات والتمويل، لا بدّ من تطبيق القانون رقم 130/2019، بشكل كامل ومنسّق، عبر:
-إصدار أو تحديث الأنظمة الداخلية الخاصّة بكلّ محميّة، وخرائط المناطق وآليّات الردع والعقوبات.

-تثبيت صلاحيّات الحرّاس كمساعدين للضابطة العدلية.
-فرض إعداد خطط إدارة متوافقة مع المعايير الدولية للمحميّات.
-إلزام كلّ محميّة برّية كانت أم ساحلية بخطّة إدارة مدّتها خمس سنوات تتضمّن: الأهداف، والتنظيم المكاني والرصد والمتابعة، وتطبيق القوانين، وتعزيز منافع المجتمع المحلّي.
-مواءمة إدارة المحميّات الساحلية مع اتّفاقية برشلونة (بروتوكلا التنوّع البيولوجي البحري ومصادر التلوث البرّية).
-اعتماد تدابير وطنية لمناطق حماية تعشيش السلاحف البحرية، وضبط مصادر التلوّث القادمة من اليابسة.
-تأمين تمويل مستدام، من خلال:
-إنشاء صندوق وطني دائم للمحميّات الطبيعية وتفعيله، بشرط أن يموّل من رسوم بيئية مخصّصة، ومن عائدات التراخيص السياحية الساحلية، والغرامات البيئية والمساهمات الدولية.
-تطوير منظومة وطنية للرصد والمتابعة.
-إنشاء وحدة وطنية لمراقبة أوضاع المحميّات، وتطوير مؤشّرات موحّدة بيولوجية واجتماعية- اقتصادية، وإصدار تقرير سنوي حول “حالة المحميّات الطبيعية.
-اعتماد نهج بيئي حسّاس للنزاعات، من خلال إدماج إرشادات علمية لحماية الطبيعة أثناء النزاعات وبعدها، وآليّات سريعة لتقييم الأضرار، وتنسيق إزالة الذخائر غير المنفجرة قبل العمل الميداني، وتدابير طوارئ للحدّ من التدهور البيئي  وإعادة التأهيل.
ـ تطبيق صارم لمناطق الحماية وتوسيع نطاق الحماية الفعّالة”.

أما على مستوى المواقع (البلديات، ولجان إدارة المحميّات، والجمعيّات المحلّية)، فيوصي متري بالآتي:

” ـ تعزيز الجاهزية التشغيلية عبر توظيف الحرّاس وتدريبهم، وتطوير بروتوكولات مشتركة مع قوى الأمن والجيش والدفاع المدني، وإنشاء منصّة إلكترونية لتقارير التعدّيات.
-إدارة التنزّه في المحميّات.
– تحديد القدرة الاستيعابية لكلّ محميّة، وإعداد لوحات توجيهية للسلوك البيئي، وتشجيع المرشدين البيئيين المحلّيين، وتطوير أنشطة مدرّة للدخل تتوافق مع حماية الطبيعة.
-إدارة مخاطر الحرائق وإدارة الأراضي في المحميّات البرّية.
– تطوير خطط وقاية من الحرائق وتنفيذها، وتفعيل الإنذار المبكّر، وتشكيل فرق متطوّعين بالتنسيق مع البلديات.
-مكافحة الأنواع الغازية وضمان الأمن البيولوجي.
– إجراء مراقبة دورية للأنواع الغازية البرّية والبحرية، وضع إجراءات استجابة سريعة.
-تعزيز البحث والمشاركة المجتمعية.
– التعاون مع الجامعات لإجراء بحوث طويلة الأمد حول التنوّع البيولوجي، وإشراك المواطنين في جمع البيانات (مثل تتبّع السلاحف أو التبليغ عن التلوث أوالتعدّيات).
‎-اقتراح مناطق جديدة أو موسّعة للحماية الخاصّة في مواقع ذات أولوية إيكولوجية”.

ولا تقتصر توصيات متري على السلطات الوطنية والمحلّية، بل تقدّم توصيات للمنظّمات غير الحكومية العاملة في مجال حفظ المحميّات الطبيعية، ويوضح ذلك بالقول: “لا بدّ من دعم تنفيذ خطط إدارة المحميّات الطبيعية، من خلال التعاون المباشر مع هيئات إدارة المحميّات ووزارة البيئة، لتفعيل خطط الإدارة القائمة، والمساعدة في تطبيق أنظمة المناطق، وتدريب الكوادر، ومتابعة فعّالية الإدارة والرصد البيئي، وذلك عبر:

1-تعزيز نهج الإدارة المشتركة:

ـ تشجيع توقيع اتّفاقيات إدارة مشتركة رسمية بين المنظّمات غير الحكومية والبلديات، والمجموعات المحلّية (لتقاسم المسؤوليّات في المراقبة، والسياحة البيئية، والتوعية البيئية).

2-الدعوة إلى وضوح الإطار القانوني والمساءلة:

ـ المطالبة بالتطبيق الكامل للقانون رقم  130/2019، وضمان الشفافية في تشكيل هيئات إدارة المحميّات، وتنظيم استخدام الإيرادات.
ـ رفع مستوى الوعي البيئي، من خلال تنظيم برامج مدرسية، وحملات تنظيف للشواطئ، ومبادرات علمية يشارك فيها المواطنون؛ الشباب والعائلات، في مراقبة الحياة البرّية ورصد التعدّيات البيئية.
ـ تعزيز مشاركة النساء والشباب بإنشاء برامج تطوّع ومنح صغيرة موجّهة للفئتين، لتنفيذ مشاريع صغيرة في مجالات استعادة الموائل الطبيعية، والحدّ من النفايات، أو تطوير السياحة البيئية.
ـ دعم شبكات الحرّاس وتدريبهم، والتعاون مع الأجهزة الأمنية في الإبلاغ عن الجرائم البيئية والمخالفات، مثل البناء غير القانوني، والصيد الجائر، والتلوّث البيئي.

3-تنفيذ إجراءات الوقاية من الحرائق وأعمال الاستعادة:

ـ إنشاء أنظمة إنذار مبكر، وصيانة خطوط العزل حول المناطق الحسّاسة وإشراك المتطوّعين.
-إعداد مقترحات مشاريع مشتركة مع منظّمات غير حكومية وبلديات ومؤسّسات بحثية.
-دعم الاستعادة البيئية في المناطق المتأثّرة بالحروب، قيادة أنشطة لإعادة تأهيل التربة، واسترجاع الغطاء النباتي، واستعادة الحياة البرّية في المناطق المتضرّرة من الحروب ومن الحرائق ومن التلوّث”.

ختاماً، تتطلّب إعادة الحياة إلى المحميّات الطبيعية في الجنوب، تعاوناً وثيقاً بين مؤسّسات الدولة المركزية والبلديات، إلى جانب الجمعيّات البيئية الناشطة والمجتمعات المحلّية، من خلال الالتزام بالقوانين، وبعيداً عن المصالح السياسية الفئوية.

دورنا نحكي

07.11.2025
زمن القراءة: 14 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية