ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المساحات العامّة في الجنوب اللبناني: مسالك ودروب نحو المواطنة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خلّفت الحروب الكثير من الدمار، وما المساحات العامّة سوى مكان للُحمة الاجتماعية، ومنبع للأفكار الإنسانية من أجل السلام ضد الموت، ومن أجل الإعمار ضد الدمار، ومن أجل استدامة الموارد ضد الإضرار بالبيئة، ومن أجل المواطنة ومشروع الدولة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكن المساحات العامّة والحدائق بمفهومها المديني الحديث المتعارف عليه اليوم، موجودة في الأرياف اللبنانية قديماً، إذ كانت المواسم الزراعية كفيلة بتجميع أهل القرية الواحدة في البيادر والحقول من أجل الحصاد، وفي الساحات للاحتفالات والأعياد والمناسبات الوطنية، وتبادل الإنتاج.

أستعيد من جدّتي، التي عاشت ما يقارب المئة عام، روايات عن القرية التي كانت تفرغ من سكّانها في شهر آب/ أغسطس، إذ كان الأهالي يمضون هذا الشهر في حقول التين: “كنا نتيّن”، يقطفون التين ويسطحونه لأيام ليجفّ من أجل مؤونة الشتاء. في الليل، كانت تُعقد السهرات، وترتفع أصوات الغناء والدبكة، كما أن زيجات كثيرة كانت تتم في هذا الشهر. في ذلك الزمن “كانت العيشة هنيّة يا ستي”.

توازي الحقول والبيادر في ذلك الزمن ما يمكن اعتباره اليوم مساحات عامّة تفتقدها معظم قرى الجنوب اللبناني، التي لحقها من التدمير والخراب ما لم تشهده في أي من الحروب السابقة، التي طالت ما يقارب الخمسين عاماً.

ربما يكون اقتراح إنشاء مساحات عامّة في القرى الجنوبية اليوم أمراً مستغرباً، فبمجرد ذكر هذا المرفق، يتم استدعاء صور مطبوعة في الذاكرة عن هذه القرى، بما هي فضاء مفتوح لا حدود له من المساحات الخضراء والحدائق والحقول والساحات. إلا أننا اليوم نقف أمام حقيقة ما خلّفته الحروب والاجتياحات المتكررة لقرى الجنوب اللبناني وبلداته ومدنه، التي أدّت إلى فقدان معالم عدد كبير من المساحات العامّة التي كان الناس يرتادونها للتنزّه والترفيه وقضاء العطل، والتي لم تكن مصنّفة أصلاً تحت الاسم المذكور كالحدائق، وعددها قليل جداً، وتفتقد النشاطات المنظّمة والتشجير، كما هي حال المصاطب النهرية، ومعظمها مستثمر من منتفعين، والدخول إليها مكلف لذوي الدخل المحدود، وصولاً إلى المحميات البحرية التي شهدت تعديات كبرى، كان آخرها على “حمى المنصوري”، الشاطئ الأهم لتعشيش السلاحف البحرية في لبنان.

أما الحرائق التي نشبت في عدد من الغابات والحقول، سواء بسبب القصف الإسرائيلي أو نتيجة الاستهانة بالغطاء الأخضر، فقد أدّت إلى تقلّص المساحات الخضراء، وفق آخر إحصاء للمجلس الوطني للبحوث العلمية، الذي بيّن أن الاعتداءات الإسرائيلية أدّت إلى حرق أكثر من 7.9 في المئة من الأراضي الحرجية والزراعية.

حدث ذلك كله بين حرب وأخرى، وبين هدنة وأخرى، وكان أهل القرى والمدن الجنوبية يستكملون بناء منازلهم ومؤسساتهم التي تمدّدت ونمت بشكل هجين وعشوائي من دون تخطيط أو رقابة، تلازم ذلك مع غياب التنظيم المدني، وتقاعس عمل البلديات، ونقص التمويل والمحاصصة والانقسامات السياسية. وقد أظهر النمو العمراني الذي شهدته القرى الجنوبية فوضى في التنظيم، وعدم توازن وظائف الوحدات العمرانية، حيث غاب الاهتمام بأي من المساحات العامّة.

المساحات العامّة وشرط التعافي

مع خطّة إعادة الإعمار للتعافي من آثار الحرب، التي وضعتها الدولة اللبنانية في عام 2024، والتي تفوق كلفتها السبعة مليارات دولار، تُحسب أولوية التعويضات للمنشآت السكنية والاقتصادية التي تمكّن السكان من إعادة بناء منازلهم والعودة إلى قراهم، ولا تلحظ الخطّة المذكورة أي اهتمام أو وضع مخططات للمساحات العامّة أو الحدائق، كونها شأناً بلدياً داخلياً.

ونحن نرى أن التعافي من الحرب لا يقوم على بناء الحجر فحسب، بل إن تعافي البشر من آثار الحروب هو البناء الذي سيشغلنا لوقت طويل. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى استحداث مساحات عامّة وإنشاء حدائق ضمن الأراضي المتاحة في كل قرية، خصوصاً أن هناك قوانين خاصة بها، من بينها مثلاً قانون إنشاء الحدائق الصادر عن وزارة الزراعة رقم 208/1، الذي يسمح للبلدية بتحديد عقار بمساحة خمسة دونمات لإقامة حديقة، شرط أن يكون تابعاً لملك عامّ، على أن يتمّ الحصول على مستند رسمي من صاحب العقار (ملك بلدي – ملك جمهوري).

طرح موضوع إنشاء مساحات عامّة في القرى والمدن والبلدات الجنوبية ضمن خطّة إعادة الإعمار، ليس مجرد عمليّة شكلية تجميلية، على رغم أن هذا الجانب جوهري وأساسي، فهذه المساحات ليست محايدة، بقدر ما هي واحات للتعافي من آثار الحرب، وأماكن للالتقاء والتواصل والحوار، وتبادل الآراء ووجهات النظر بين مختلف الطبقات المجتمعية، وهو ما يحوّلها إلى مساحات سوسيو-مكانية لتفاعل الجماعات على اختلافها، ويؤسّس لذاكرة جمعية مشتركة.

وإذا كان تعريف الحدائق والمساحات يصنّفها كمجال عمومي أكثر مما هي مجال خصوصي، فإن تشاركية العمل القائم على الدراسة والتخطيط وفق حاجات المجتمع الأهلي، واستدامة النشاطات ضمنها على اختلافها الثقافية والفنية والاجتماعية والرياضية، يعزّز انتماء الجماعة إلى المكان، كما يدمج المكان ببصمة الجماعة، وفق عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبوكس.

مساحات من أجل السلام

أولى مهندسون بيئيون عالميون أهمية كبرى للمساحات والحدائق، واعتبروا أن انعدامها يؤدي إلى تفتّت المجتمع. وتوضح نظرة بانورامية سريعة أن معظم الدول الغربية أدرجت المساحات العامّة والحدائق ضمن عمليّة إعادة الإعمار كبداية للتعافي من الآثار العنيفة التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، كـ”حديقة السلام التذكارية” التي أنشأتها السلطات في هيروشيما، التي قُصفت في العام 1945 بقنبلة ذرية، قتلت وشوّهت أكثر من مئتي ألف ياباني، وأدّت إلى تدمير 70 في المئة من مباني المدينة.

وإذا كانت بدايات القرن العشرين حملت إنذاراً لما ستصبح عليه المدن في البلدان الصناعية: تلوّث، اكتظاظ، وانحسار في المساحات الخضراء، وضعف الشعور الإنساني بين الذين يعيشون على هذه الأرض، فقد تلازم ذلك مع إنشاء المزيد من المساحات العامّة في الدول الغربية كتعويض عن الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السكان. وقد أصبح عدد منها أماكن ثقافية بامتياز، من بينها المهرجانات الكبرى التي تُقيمها مدينة سيت (Sete) الفرنسية كل عام، في عدد من الحدائق والأرصفة وفي القوارب البحرية المركونة على ضفاف الأنهر، تتحوّل فيها الأماكن على مدى تسعة أيام إلى مسرح لمختلف أنواع الفنون من حكايات شفهية، ورسم، وإلقاء قصائد، وعزف. ويستقطب هذا المهرجان فنّانين وشعراء من مختلف البلدان، كان آخرها بين 19-26 2024، وحمل عنوان “أصوات حيّة من المتوسط”، وكان معظم المشاركين فيه من العرب.

كما يتحوّل كل عام عدد من المساحات العامّة في مدينة ميديين الكولومبية إلى واحات للفن، ويتردّد إليها سنوياً مئات الشعراء والفنّانين والموسيقيين من مختلف أنحاء العالم، آخرها كان مهرجان شعري أُقيم بين 5 و12 تموز/ يوليو، حمل شعار “من أجل إعادة بناء الروح الإنسانية”، ردّاً على الموت والحروب وتدمير الطبيعة الذي يشهده العالم اليوم.

إعادة الإعمار ودورها في المواطنة

الأمثلة الآنفة تُوضَع كمثل للاقتداء والوعي بأهمية التخطيط لإنشاء مساحات عامّة ضمن خطّة إعادة الإعمار التي وضعتها الدولة اللبنانية، بما هي خطّة تشاركية معمارية-اجتماعية-نفسية، ترتكز على استراتيجيات يتم فيها إشراك المجتمع الأهلي والمنظمات غير الحكومية لعرض المخططات الثقافية والاجتماعية، على قاعدة أن هذه المنظمات تعي الحاجات العميقة للمجتمعات الأهلية، الأمر الذي يُساهم في ترسيخ ثقة هذه المجتمعات بمؤسسات الدولة.

تُعتبر إعادة الإعمار القائمة على مبدأ التشبيك مع المجتمع الأهلي بمثابة شراكة وطنية بين المجتمع الأهلي والدولة، تحفّز الأفراد على القيام بالخدمة الاجتماعية، ما يعزّز ثقافة المواطنة التي تحمل في عمقها جوهر العبور نحو الدولة، ابتداءً من حفظ حقوق الأفراد وواجباتهم، والتمسّك بمفهوم العدالة الاجتماعية والهوية الوطنية، واحترام التنوّع وكرامة الإنسان.

توضح الاعتبارات الآنفة أن عملية إعادة الإعمار متلازمة ولصيقة، بل ضرورة لترسيخ قيم المواطنة وتعزيزها، بما تزخر به من معانٍ وأفكار تتمحور حول انتماءات المواطن، ابتداءً من الانتماء إلى الوطن الكبير من البلد الأم، إلى القرية والشارع والمدرسة والمؤسسة، والحي، والمساحات العامّة.

خلّفت الحروب الكثير من الدمار، وما المساحات العامّة سوى مكان للُحمة الاجتماعية، ومنبع للأفكار الإنسانية من أجل السلام ضد الموت، ومن أجل الإعمار ضد الدمار، ومن أجل استدامة الموارد ضد الإضرار بالبيئة، ومن أجل المواطنة ومشروع الدولة.

دورنا نحكي

خلّفت الحروب الكثير من الدمار، وما المساحات العامّة سوى مكان للُحمة الاجتماعية، ومنبع للأفكار الإنسانية من أجل السلام ضد الموت، ومن أجل الإعمار ضد الدمار، ومن أجل استدامة الموارد ضد الإضرار بالبيئة، ومن أجل المواطنة ومشروع الدولة.

لم تكن المساحات العامّة والحدائق بمفهومها المديني الحديث المتعارف عليه اليوم، موجودة في الأرياف اللبنانية قديماً، إذ كانت المواسم الزراعية كفيلة بتجميع أهل القرية الواحدة في البيادر والحقول من أجل الحصاد، وفي الساحات للاحتفالات والأعياد والمناسبات الوطنية، وتبادل الإنتاج.

أستعيد من جدّتي، التي عاشت ما يقارب المئة عام، روايات عن القرية التي كانت تفرغ من سكّانها في شهر آب/ أغسطس، إذ كان الأهالي يمضون هذا الشهر في حقول التين: “كنا نتيّن”، يقطفون التين ويسطحونه لأيام ليجفّ من أجل مؤونة الشتاء. في الليل، كانت تُعقد السهرات، وترتفع أصوات الغناء والدبكة، كما أن زيجات كثيرة كانت تتم في هذا الشهر. في ذلك الزمن “كانت العيشة هنيّة يا ستي”.

توازي الحقول والبيادر في ذلك الزمن ما يمكن اعتباره اليوم مساحات عامّة تفتقدها معظم قرى الجنوب اللبناني، التي لحقها من التدمير والخراب ما لم تشهده في أي من الحروب السابقة، التي طالت ما يقارب الخمسين عاماً.

ربما يكون اقتراح إنشاء مساحات عامّة في القرى الجنوبية اليوم أمراً مستغرباً، فبمجرد ذكر هذا المرفق، يتم استدعاء صور مطبوعة في الذاكرة عن هذه القرى، بما هي فضاء مفتوح لا حدود له من المساحات الخضراء والحدائق والحقول والساحات. إلا أننا اليوم نقف أمام حقيقة ما خلّفته الحروب والاجتياحات المتكررة لقرى الجنوب اللبناني وبلداته ومدنه، التي أدّت إلى فقدان معالم عدد كبير من المساحات العامّة التي كان الناس يرتادونها للتنزّه والترفيه وقضاء العطل، والتي لم تكن مصنّفة أصلاً تحت الاسم المذكور كالحدائق، وعددها قليل جداً، وتفتقد النشاطات المنظّمة والتشجير، كما هي حال المصاطب النهرية، ومعظمها مستثمر من منتفعين، والدخول إليها مكلف لذوي الدخل المحدود، وصولاً إلى المحميات البحرية التي شهدت تعديات كبرى، كان آخرها على “حمى المنصوري”، الشاطئ الأهم لتعشيش السلاحف البحرية في لبنان.

أما الحرائق التي نشبت في عدد من الغابات والحقول، سواء بسبب القصف الإسرائيلي أو نتيجة الاستهانة بالغطاء الأخضر، فقد أدّت إلى تقلّص المساحات الخضراء، وفق آخر إحصاء للمجلس الوطني للبحوث العلمية، الذي بيّن أن الاعتداءات الإسرائيلية أدّت إلى حرق أكثر من 7.9 في المئة من الأراضي الحرجية والزراعية.

حدث ذلك كله بين حرب وأخرى، وبين هدنة وأخرى، وكان أهل القرى والمدن الجنوبية يستكملون بناء منازلهم ومؤسساتهم التي تمدّدت ونمت بشكل هجين وعشوائي من دون تخطيط أو رقابة، تلازم ذلك مع غياب التنظيم المدني، وتقاعس عمل البلديات، ونقص التمويل والمحاصصة والانقسامات السياسية. وقد أظهر النمو العمراني الذي شهدته القرى الجنوبية فوضى في التنظيم، وعدم توازن وظائف الوحدات العمرانية، حيث غاب الاهتمام بأي من المساحات العامّة.

المساحات العامّة وشرط التعافي

مع خطّة إعادة الإعمار للتعافي من آثار الحرب، التي وضعتها الدولة اللبنانية في عام 2024، والتي تفوق كلفتها السبعة مليارات دولار، تُحسب أولوية التعويضات للمنشآت السكنية والاقتصادية التي تمكّن السكان من إعادة بناء منازلهم والعودة إلى قراهم، ولا تلحظ الخطّة المذكورة أي اهتمام أو وضع مخططات للمساحات العامّة أو الحدائق، كونها شأناً بلدياً داخلياً.

ونحن نرى أن التعافي من الحرب لا يقوم على بناء الحجر فحسب، بل إن تعافي البشر من آثار الحروب هو البناء الذي سيشغلنا لوقت طويل. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى استحداث مساحات عامّة وإنشاء حدائق ضمن الأراضي المتاحة في كل قرية، خصوصاً أن هناك قوانين خاصة بها، من بينها مثلاً قانون إنشاء الحدائق الصادر عن وزارة الزراعة رقم 208/1، الذي يسمح للبلدية بتحديد عقار بمساحة خمسة دونمات لإقامة حديقة، شرط أن يكون تابعاً لملك عامّ، على أن يتمّ الحصول على مستند رسمي من صاحب العقار (ملك بلدي – ملك جمهوري).

طرح موضوع إنشاء مساحات عامّة في القرى والمدن والبلدات الجنوبية ضمن خطّة إعادة الإعمار، ليس مجرد عمليّة شكلية تجميلية، على رغم أن هذا الجانب جوهري وأساسي، فهذه المساحات ليست محايدة، بقدر ما هي واحات للتعافي من آثار الحرب، وأماكن للالتقاء والتواصل والحوار، وتبادل الآراء ووجهات النظر بين مختلف الطبقات المجتمعية، وهو ما يحوّلها إلى مساحات سوسيو-مكانية لتفاعل الجماعات على اختلافها، ويؤسّس لذاكرة جمعية مشتركة.

وإذا كان تعريف الحدائق والمساحات يصنّفها كمجال عمومي أكثر مما هي مجال خصوصي، فإن تشاركية العمل القائم على الدراسة والتخطيط وفق حاجات المجتمع الأهلي، واستدامة النشاطات ضمنها على اختلافها الثقافية والفنية والاجتماعية والرياضية، يعزّز انتماء الجماعة إلى المكان، كما يدمج المكان ببصمة الجماعة، وفق عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبوكس.

مساحات من أجل السلام

أولى مهندسون بيئيون عالميون أهمية كبرى للمساحات والحدائق، واعتبروا أن انعدامها يؤدي إلى تفتّت المجتمع. وتوضح نظرة بانورامية سريعة أن معظم الدول الغربية أدرجت المساحات العامّة والحدائق ضمن عمليّة إعادة الإعمار كبداية للتعافي من الآثار العنيفة التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، كـ”حديقة السلام التذكارية” التي أنشأتها السلطات في هيروشيما، التي قُصفت في العام 1945 بقنبلة ذرية، قتلت وشوّهت أكثر من مئتي ألف ياباني، وأدّت إلى تدمير 70 في المئة من مباني المدينة.

وإذا كانت بدايات القرن العشرين حملت إنذاراً لما ستصبح عليه المدن في البلدان الصناعية: تلوّث، اكتظاظ، وانحسار في المساحات الخضراء، وضعف الشعور الإنساني بين الذين يعيشون على هذه الأرض، فقد تلازم ذلك مع إنشاء المزيد من المساحات العامّة في الدول الغربية كتعويض عن الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السكان. وقد أصبح عدد منها أماكن ثقافية بامتياز، من بينها المهرجانات الكبرى التي تُقيمها مدينة سيت (Sete) الفرنسية كل عام، في عدد من الحدائق والأرصفة وفي القوارب البحرية المركونة على ضفاف الأنهر، تتحوّل فيها الأماكن على مدى تسعة أيام إلى مسرح لمختلف أنواع الفنون من حكايات شفهية، ورسم، وإلقاء قصائد، وعزف. ويستقطب هذا المهرجان فنّانين وشعراء من مختلف البلدان، كان آخرها بين 19-26 2024، وحمل عنوان “أصوات حيّة من المتوسط”، وكان معظم المشاركين فيه من العرب.

كما يتحوّل كل عام عدد من المساحات العامّة في مدينة ميديين الكولومبية إلى واحات للفن، ويتردّد إليها سنوياً مئات الشعراء والفنّانين والموسيقيين من مختلف أنحاء العالم، آخرها كان مهرجان شعري أُقيم بين 5 و12 تموز/ يوليو، حمل شعار “من أجل إعادة بناء الروح الإنسانية”، ردّاً على الموت والحروب وتدمير الطبيعة الذي يشهده العالم اليوم.

إعادة الإعمار ودورها في المواطنة

الأمثلة الآنفة تُوضَع كمثل للاقتداء والوعي بأهمية التخطيط لإنشاء مساحات عامّة ضمن خطّة إعادة الإعمار التي وضعتها الدولة اللبنانية، بما هي خطّة تشاركية معمارية-اجتماعية-نفسية، ترتكز على استراتيجيات يتم فيها إشراك المجتمع الأهلي والمنظمات غير الحكومية لعرض المخططات الثقافية والاجتماعية، على قاعدة أن هذه المنظمات تعي الحاجات العميقة للمجتمعات الأهلية، الأمر الذي يُساهم في ترسيخ ثقة هذه المجتمعات بمؤسسات الدولة.

تُعتبر إعادة الإعمار القائمة على مبدأ التشبيك مع المجتمع الأهلي بمثابة شراكة وطنية بين المجتمع الأهلي والدولة، تحفّز الأفراد على القيام بالخدمة الاجتماعية، ما يعزّز ثقافة المواطنة التي تحمل في عمقها جوهر العبور نحو الدولة، ابتداءً من حفظ حقوق الأفراد وواجباتهم، والتمسّك بمفهوم العدالة الاجتماعية والهوية الوطنية، واحترام التنوّع وكرامة الإنسان.

توضح الاعتبارات الآنفة أن عملية إعادة الإعمار متلازمة ولصيقة، بل ضرورة لترسيخ قيم المواطنة وتعزيزها، بما تزخر به من معانٍ وأفكار تتمحور حول انتماءات المواطن، ابتداءً من الانتماء إلى الوطن الكبير من البلد الأم، إلى القرية والشارع والمدرسة والمؤسسة، والحي، والمساحات العامّة.

خلّفت الحروب الكثير من الدمار، وما المساحات العامّة سوى مكان للُحمة الاجتماعية، ومنبع للأفكار الإنسانية من أجل السلام ضد الموت، ومن أجل الإعمار ضد الدمار، ومن أجل استدامة الموارد ضد الإضرار بالبيئة، ومن أجل المواطنة ومشروع الدولة.

دورنا نحكي

|

اشترك بنشرتنا البريدية