في 15 حزيران/ يونيو 2025، وقف عشرات الشباب من الملحقين الدبلوماسيين صفوف منتظمة داخل ساحة الأكاديمية العسكرية المصرية. ارتدى الجميع زيّاً شبه عسكري موحّداً بلون كاكي، بما في ذلك الشابّات اللواتي اضطررن لتعديل أزياء الكشّافة تلك لتناسبهن. كانوا يشكّلون دفعة 57 من الملحقين الدبلوماسيين في وزارة الخارجية، وقد أنهوا لتوّهم دورة تأهيلية استمرّت ستّة أشهر داخل أسوار الكليّة الحربية.
في حفل التخرج، اعتلى أقدم المتدربين المنصّة ليشكر القوّات المسلّحة على ما قدّمته لهم من “رعاية واهتمام خلال فترة تدريبهم في الأكاديمية”، مشيراً إلى ما اكتسبوه من “مبادئ وخبرات علمية وعملية”، تعظّم إمكاناتهم طبقاً لطبيعة عملهم الدبلوماسي المقبل.
على مقاعد الحضور، جلس مسؤولون من وزارة الخارجية يصفّقون بفخر، بينما كان مدير الأكاديمية العسكرية يتحدّث عن أهمّية هذه الدورات في “بناء كوادر مؤهّلة من العاملين في مؤسّسات الدولة… بما يمكّنهم من أداء المهامّ المكلّفين بها في خدمة الوطن”. هكذا، في مشهد يحمل رمزية عميقة، تبرز ملامح المسار المتدحرج للعسكرة في مصر: مسار يمتدّ ليشمل تأهيل الكوادر المدنية في معاقل المؤسّسة العسكرية، تحت شعار لامع “تأهيل القيادات”.
عسكرة الكوادر المدنيّة تحت شعار التأهيل
مراسم تخريج الملحقين الدبلوماسيين تلك، لم تكن سوى حلقة واحدة في سلسلة متصاعدة من إحالة الكوادر المدنية إلى الأكاديمية العسكرية. فخلال الأعوام الأخيرة، بات اعتيادياً أن نرى فئات مدنية مختلفة، تتلقّى تدريباً عسكرياً، أو شبه عسكري قبل تولّيها وظائفها. إلى جانب الدبلوماسيين الجدد، شهدنا أيضاً إخضاع مئات من المعيّنين الجدد في الهيئات القضائية لدورات في الكليّة الحربية، وكذلك الحال مع المعلّمين المتقدّمين للتعيين في وزارة التربية والتعليم، وأئمّة الأوقاف الذين بات تأهيلهم يشمل معسكرات مكثّفة في الأكاديمية العسكرية.
فعلى سبيل المثال، في تمّوز/ يوليو 2024 احتفلت الأكاديمية العسكرية بتخريج الدفعة الأولى من المعيّنين الجدد في الجهات القضائية، بعد إتمام تدريبهم في الكليّة الحربية. وفي مشهد أثار جدلاً واسعاً آنذاك، ظهر القضاة الشباب – الذين يُفترض أنهم سيباشرون عملهم في ساحات العدالة – بزيّ مموّه وسط ضبّاط جيش خلال صورة تذكارية نشرها المتحدّث العسكري على “فيسبوك”.
كذلك الأمر مع وزارة الأوقاف؛ ففي نيسان/ أبريل 2025، خرجت دفعة ثانية عدادها 550 إماماً جديداً، بعد دورة تدريبية شاملة لمدّة 24 أسبوعاً في الأكاديمية العسكرية، وأدّى هؤلاء الأئمّة قسماً غير مسبوق للولاء أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل تخرجهم.
ولم تكن وزارة التربية والتعليم بعيدة عن هذا التوجّه، إذ بات على الآلاف من المعلّمين اجتياز اختبارات لياقة وتدريبات بدنية في الأكاديمية العسكرية كجزء من شروط التعيين؛ حيث شارك الرئيس السيسي نفسه في بعض اختبارات انتقاء المدرّسين المتقدّمين لوظائف التعليم بعد تدريبهم عسكرياً.
وهكذا أصبحت مشاهد المدرّسات والمدرّسين وهم يمارسون تدريبات عسكرية في ساحات الأكاديمية، بإشراف ضبّاط جيش، واقعاً جديداً، مما أثار الكثير من القلق في أوساط تربوية، اعتبرت الأمر “عسكرةً للتعليم” أكثر من كونه رفعاً للكفاءة المهنية.
هذه الأمثلة المتعدّدة تشير إلى سياسة واضحة المعالم: دمج منهجيات التدريب العسكري في تأهيل موظّفي الدولة المدنيين. فمن الخارجية إلى القضاء والتعليم والأوقاف، يتلقّى المنضمّون حديثاً إلى هذه المجالات دورات تشمل انضباطاً عسكرياً، وتدريبات بدنية، ومحاضرات في الأمن القومي، فضلاً عن الإقامة المغلقة داخل منشآت الجيش لفترات طويلة.
ويصف مسؤولون حكوميون هذه الدورات بأنها ضرورية من أجل “رفع كفاءة القيادات الشابّة”، وغرس روح الانضباط والعمل الجماعي وخدمة الوطن. لكنّ تلك الرواية الرسمية تقابلها شكوك وتساؤلات من خبراء ومراقبين، حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التوجّه الشامل نحو عسكرة الكوادر المدنية، وحول تكلفته المؤسّسية والمعنوية على المدى البعيد.
الخلفيّات الدستورية والسياسية: الفصل بين السلطات على المحكّ
يستند المعارضون لهذه السياسة إلى جملة من الاعتبارات الدستورية والسياسية العميقة. مبدأ الفصل بين السلطات – أحد أبرز أعمدة الدستور – يتعرّض برأيهم لهزّة عنيفة عندما يتلقّى القضاة الجدد تدريبهم لدى جهة تابعة للسلطة التنفيذية (وزارة الدفاع).
فقد أكّدت مؤسّسة “دعم العدالة” في بيان لها، أن إخضاع أعضاء السلطة القضائية لتدريب متخصّص في الأكاديمية العسكرية يمثّل “انتهاكاً شديداً لاستقلال القضاء”، المؤسّسة التي يترأسها المحامي الحقوقي ناصر أمين شدّدت على أن هذه الممارسة تُخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات، وتحول دون قيام السلطة القضائية بدورها المستقلّ المنصوص عليه في الدستور، واستشهد البيان بمبادئ الأمم المتّحدة بشأن استقلال القضاء، التي تحظر أي تدخّل من السلطة التنفيذية في شؤون تعيين أو تأهيل القضاة. فالمادّة 185 من الدستور المصري (2014) تنصّ صراحة على استقلال القضاء، كما تؤكّد المادّة 186 استقلال القضاة وحظر تدخّل أي سلطة أخرى في عملهم، وعليه، ترى مؤسّسة “دعم العدالة” أن اشتراط حصول المرشّحين للقضاء على شهادة دورة عسكرية مدّتها ستّة أشهر قبل تعيينهم، هو تدخّل مرفوض يمسّ هيبة القضاء ومسلك القضاة اللاحق، وقد عبّر ناصر أمين عن ذهوله من حدوث أمر كهذا، واصفاً إيّاه بأنه “أخطر تهديد لاستقلال القضاء منذ أكثر من 70 عاماً”.
الأمر لا يقتصر على القضاء. استقلالية السياسة التعليمية هي الأخرى موضع تساؤل، حين يصبح الجيش شريكاً في اختيار المعلّمين وتأهيلهم. فالقوانين المنظّمة للتعليم، لا تتضمّن في الأصل أي اشتراط لتدريبات عسكرية، أو اختبارات لياقة أمام لجان من الضبّاط؛ إنما جاء ذلك عبر قرارات إدارية أحدثت “تدخّلاً غير دستوري” في عملية تعيين المعلّمين.
وقد انتقدت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” صراحةً، قراراً لمجلس الوزراء في كانون الأول/ يناير 2025، رسّخ دور الأكاديمية العسكرية في اختبارات اختيار المدرّسين، وفتح الباب لاعتبار شهادة التدريب العسكري ضمن مسوّغات التعيين.
ترى “المبادرة” أن هذا التوجّه يشرعن تدخّل جهة أمنية في عمليّة مدنية بحتة (هيئة التعليم) بالمخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص والكفاءة، وتلفتت “المبادرة” إلى أن “تعديلات لوائح التعليم في عام 2022 وضعت بالفعل شرط اجتياز تدريب عسكري للمعلّمين الجدد، مما أدّى إلى استبعاد مئات الكوادر المؤهّلة لأسباب لا صلة لها بالكفاءة المهنية – كزيادة الوزن أو الحمل – فقط لأنهم لم يجتازوا اختبار اللياقة البدنية في الأكاديمية”.
وهكذا باتت السلطة التنفيذية؛ ممثّلة في الجيش، تضع معايير توظيف وتقييم لموظّفي وزارات مدنية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ استقلال المؤسّسات المدنية عن الهيمنة العسكرية.
أما في الشؤون الدينية، فإن استقلالية المؤسّسات الدينية، كمشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف، تتقوّض حين يُملي الجهاز الأمني أجندته التدريبية على الأئمّة والدعاة. صحيح أن الدولة تملك تنظيم الخطاب الديني، لكنّ إرسال الأئمّة الإلزامي إلى دورات عسكرية، يثير مخاوف حول خلط الدعوي بالأمني.
فقد تمّت تسمية برنامج تدريب الأئمّة في الأكاديمية العسكرية، كجزء من جهود “مكافحة التطرّف وتجديد الخطاب الديني”؛ وهذا هدف نبيل بالظاهر، بيد أن حضور الرئيس شخصياً حفل تخرّج الأئمّة، وأداءهم قسم الولاء أمامه مشهد غير مألوف، ويحمل دلالات على مدى تغلغل السلطة في تفاصيل العمل الديني.
إن الدستور يكفل حرّية الاعتقاد واستقلالية المؤسّسات الدينية (حيث نصّت المادّة 7 على استقلال الأزهر) ومع أن وزارة الأوقاف جزء من الحكومة، فإن تحويل منابر الدعوة الدينية إلى ساحة أخرى لنفوذ الجيش، يطرح إشكاليّات حول توازن الأدوار بين الديني والمدني والعسكري في الدولة.
ضبّاط في كلّ مكان: من المحافظ إلى المهندس المدني
لا تنفصل ظاهرة تأهيل المدنيين عسكرياً عن سياق أوسع، يتمثّل في تمدّد الضبّاط، لا سيّما المتقاعدين، في مفاصل الجهاز الإداري للدولة. فمن مناصب المحافظين ورؤساء الأحياء، إلى رئاسة الهيئات العامّة والشركات القابضة، صار الوجود العسكري حاضراً بقوّة.
في عام 2020، أصدر الرئيس السيسي تعديلات قانونية، تقضي بتعيين مستشار عسكري لكلّ محافظ في سائر محافظات مصر الـ27، وتشمل مهامّ هؤلاء المستشارين متابعة تنفيذ “مناهج التربية العسكرية” في المدارس الثانوية والجامعات في المحافظة.
بهذا لم يعد الدور العسكري مقصوراً على تولّي المحافظين من لواءات الجيش والشرطة – وهو تقليد قديم – بل تعزَّز بإضافة مستشارين عسكريين رسميين يراقبون الشأن المدني التعليمي أيضاً.
علاوة على ذلك، تضخّمت أدوار الهيئات العسكرية في المشروعات العامّة. أبرز مثال هو الهيئة الهندسية للقوّات المسلّحة، التي تولّت زمام مشروعات البنية التحتية والإسكان على نطاق غير مسبوق.
تشير دراسات مستقلّة إلى أن هيئة الهندسة العسكرية وشركاتها التابعة، تولّت نحو ربع إجمالي الإنفاق الحكومي على الإنشاءات والإسكان في الفترة ما بين 2013–2018، وارتفعت النسبة إلى ما بين 27% و38% بحلول آب/ أغسطس 2020.
مشاريع ضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة؛ التي تملك وزارة الدفاع 51% من شركة إدارتها، أصبحت نموذجاً لشراكة الجيش في الاقتصاد المدني. فالجيش يبني مدناً وطرقاً وجسوراً، ويدير شركات غذائية وزراعية، ويستثمر في السياحة ووسائل النقل، إلى درجة دفعت المراقبين لوصف الاقتصاد المصري بأنه بات “اقتصاداً عسكرياً موازياً”.
على مستوى الإدارات المحلّية، يتكرّر المشهد: محافظون ذوو خلفيّة عسكرية يحيط بهم سكرتيرون عامّون ومساعدون من رتبة لواء، فضلاً عن السيطرة التقليدية لخرّيجي الشرطة على مواقع رؤساء الأحياء والمدن.
حتى في الوزارات الفنّية، نجد مستشارين من الجيش في وزارة النقل والمواصلات (التي يتولاها وزير قادم من الجيش بالفعل وهو الفريق كامل الوزير) وكذلك في وزارات الإنتاج الحربي والكهرباء والإسكان، التي صارت أشبه بإقطاعيات مغلقة لضبّاط سابقين، وغالباً ما يتمّ تدوير الجنرالات المتقاعدين بين المناصب؛ فمن لا يحالفه الحظّ في منصب محافظ، قد يعيَّن رئيس هيئة عامّة أو شركة حكومية، والعكس بالعكس.
وبهذا تكوّن ما يسمّيه البعض “دولة موازية” أو “الدولة العميقة العسكرية” داخل مؤسّسات الحكم: هيكل إداري ظاهره مدني لكنّه في الواقع مقموع بالولاءات العسكرية.
يتفاخر مؤيّدو النظام بأن هؤلاء الضبّاط يجلبون خبراتهم التنظيمية وانضباطهم إلى الإدارة المدنية، فيحسِّنون الأداء ويضبطون إيقاع العمل. إلا أن الانتشار الكثيف للعسكريين في مفاصل الدولة، أدّى أيضاً إلى انكماش دور الكفاءات المدنية، وتنامي ثقافة “الأمر والطاعة” البيروقراطية بدلاً من الاجتهاد والمبادرة. لقد أصبح لكلّ وزير ظلّ عسكري يراقبه أو يوجّهه، وصار حضور الجنرالات اعتيادياً في اجتماعات اقتصادية وتقنية إلى حّد انعقاد بعضها في غياب كامل للمسئولين المدنيين المختصين.
هذا المناخ يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعزّز العسكرة كفاءة جهاز الدولة، أم تفقده مرونته واستقلال قراره؟
إقرأوا أيضاً:
أثر السياسات العسكرية على المؤسّسات والمعنويات
إن الأثر المؤسّسي والمعنوي لتحويل التأهيل والقيادة إلى الصبغة العسكرية يستحقّ دراسة متأنيّة. فعلى صعيد القضاء، يحذّر خبراء القانون من أن تدريب القضاة الجدد تحت إمرة الجيش، قد يخلق جيلاً من القضاة أقرب إلى العقيدة الأمنية منه إلى الروح القضائية المستقلّة. وقد عبّر بيان مؤسّسة “دعم العدالة” عن القلق من “المساس بالمكوّن القضائي لمسلك القاضي”، نتيجة إخضاعه لهيمنة فكرية وتنظيمية من خارج سلطة القضاء. فالخوف أن يتشرّب القاضي عقلية الضابط أكثر من إيمانه بأنه سلطة مستقلّة لا سلطان عليها سوى القانون. وإذا تآكل حياد القضاء بسبب هذا، فسوف يفقد المواطن الثقة بميزان العدالة، الذي قد يجده مائلاً نحو السلطة التنفيذية في القضايا الحسّاسة.
بالنسبة إلى المعلمين، يعتقد تربويون مصريون أن إخضاع المدرّس لتدريب عسكري، لا يمتّ بصلة إلى مهنته من شأنه قتل روح الإبداع التعليمية. فالمعلّم القدوة ينبغي أن يتحلّى بالمعرفة وسعة الأفق والتواصل الحر مع طلابه، وهي أمور لا تُكتسب بالاصطفاف في الطوابير وترديد التعليمات العسكرية.
الخبير التربوي محمد رأفت وصف الخطوة بأنها حلقة في مسلسل عسكرة مؤسّسات المجتمع، معتبراً أنها ستضمن “ولاء المدرّس للمؤسّسة العسكرية” أكثر من ضمانها تطوير مهاراته التربوية. وتساءل رأفت لماذا نتجاهل أكاديمية المعلّم التابعة لوزارة التعليم، التي يُفترض أن تضطلع بتدريب المدرسين، ونلجأ بدلاً منها إلى أكاديمية عسكرية؟ في رأيه أن تكليف مؤسّسة عسكرية بتدريب المعلمين يمثل إهانة كبيرة لوزارة التربية، وكليات التربية، ورموز الفكر التربوي، بل واعتبره مسعى للقضاء على دور المعلّم ورسالته السامية في المجتمع، محذّراً من أن النتيجة ستكون مزيداً من الجمود والتحفّظ في الفكر التربوي، بدلاً من الانفتاح والابتكار المطلوبين لمواكبة العصر.
وعلى مستوى العمل الدبلوماسي، قد يبدو تأثير التدريب الحربي أقلّ حدّة للوهلة الأولى مقارنة بقطاعات أخرى، نظراً إلى عراقة تقاليد الدبلوماسية المصرية المدنية منذ قرن. لكن مع ذلك، يخشى مراقبون من افتقاد الدبلوماسيين الجدد للمرونة والحنكة السياسية، إذا ما تمّ قولبتهم فكرياً في قوالب عقدية مغلقة خلال فترة تدريبهم العسكري.
العمل الدبلوماسي يتطلّب فهماً عميقاً للثقافات المختلفة، ومهارات في التفاوض الناعم، وقدرة على بناء جسور الثقة، وهي أمور قد لا تنسجم مع التنميط العسكري القائم على الأوامر والانضباط الصارم. هناك أيضاً بُعد الصورة الذهنية: فظهور دبلوماسيينا بزيّ عسكري موحّد؛ حتى لو كان في فترة التدريب فقط، قد يبعث برسالة خاطئة إلى الخارج بأن الدبلوماسية المصرية باتت تحت الوصاية المباشرة للعسكر، وربما تكون هذه الرسالة مقلقة في زمن تحتاج فيه مصر إلى تحسين صورتها الدولية كشريك يعتمد الحوار والمنطق في حلّ النزاعات، لا القسر والإملاء.
لا ننسى كذلك أن وزارة الخارجية تاريخياً، كانت ساحة تجاذب مع المؤسّسة العسكرية في أزمنة سابقة، أبرزها حقبة الخمسينيات والستينيات حين عُيّن عسكريون سفراء ووزراء للخارجية. تلك التجربة أفضت لاحقاً إلى إدراك القيادة (في عصر السادات) بضرورة إعادة الاعتبار لأصحاب الخبرة المدنية في السلك الدبلوماسي، فهل نعود اليوم إلى المربع الأوّل بشكل جديد؟
وفي ما يتعلّق بالمجتمع المدني ككل، فإن تغلغل الذهنية العسكرية في الحياة العامّة قد يفضي إلى انكماش مساحات النقد والمبادرة المجتمعية. عندما تصبح المناصب القيادية في التعليم والقضاء والدعوة الدينية وغيرها، مشروطة برضا الأجهزة الأمنية، سيترسّخ ولاء الموظّفين للسلطة التي أهلّتهم أكثر من ولائهم لمهنتهم ورسالتهم الأصلية. وربما يخشى هؤلاء من اتّخاذ أي مواقف أو اجتهادات تخرج عن الخطّ الرسمي، مخافة أن يُتهموا بعدم الانضباط أو نقص الولاء.
بهذا يتحوّل كثير من الكوادر إلى مجرّد تروس في آلة، همّها الأساسي تجنّب الأخطاء ورفع الشعارات الوطنية، بدلاً من الابتكار أو تلبية احتياجات الناس. حياد المؤسّسات وقدرتها على مراقبة السلطة ومحاسبتها، قد يضعفان عندما يكون جميع أفرادها قد تشرّبوا ثقافة موحّدة صاغتها الجهة المسيطرة نفسها. ومن هنا ينبع الخوف من تضاؤل مساحة المجتمع المدني المستقلّ، سواء تمثّل في قضاء قوّي ونزيه، أو أكاديميا حرّة في الجامعات، أو إعلام نقدي، أو حتى منابر دينية رحبة الفكر. العسكرة الزاحفة تهدّد بتجفيف ينابيع التنوّع وحرّية التفكير داخل بنية الدولة والمجتمع.
عودة إلى الستينيات: درس التاريخ الذي لا يُنسى
لعلّ قراءة التاريخ القريب تساعد في فهم مآلات هذا النهج. شهدت مصر تجربة شبيهة؛ وإن اختلفت في الأساليب، خلال حقبة الستينيات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
بعد ثورة 1952، تسلّلت المؤسّسة العسكرية إلى مواقع الإدارة والاقتصاد بعمق. عُيّن ضبّاط في مناصب الوزراء والمحافظين والمديرين، وتوسّعت السيطرة العسكرية على شركات القطاع العامّ الوليدة، وبحلول 1962 وصلت نسبة العسكريين في المناصب الدبلوماسية الرفيعة في وزارة الخارجية إلى 70%؛ رقم مذهل يعكس حجم الاختراق. كما كانت قيادة العديد من الشركات الصناعية والاستراتيجية في أيدي ضبّاط جيش، إما بالخدمة وإما متقاعدين، تحت شعار بناء الدولة الحديثة وحماية المنجزات.
غير أن تلك الحقبة انتهت بنكسة كارثية في حزيران/ يونيو 1967، عندما مُنيت مصر بهزيمة عسكرية ساحقة أمام إسرائيل، وبقدر ما تعدّدت أسباب الهزيمة، إلا أن كثيراً من المؤرّخين والمشاركين في الحرب، أرجعوها جزئياً إلى ترهّل الأداء القيادي والعسكري نتيجة تسييس الجيش وعسكرة الدولة المفرطة. فالمشير محمد فوزي (وزير الحربية آنذاك) قال صراحة إن القوّات المسلّحة دخلت حرب 67، وهي مثقلة بأعباء خارج إطار مهامها الاحترافية. أما المشير محمد عبد الغني الجمسي، أحد أبطال تشرين حرب الأول/ أكتوبر 73، فله مقولة شهيرة يكاد يُجمع عليها المحلّلون: “إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي قط، وإن سبب هزيمتنا في 1967، هو اشتغال وانشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدّمونه في ميدان المعركة”. هذه شهادة من قلب المؤسّسة العسكرية نفسها، تختزل دروس التجربة بمرارة واضحة.
لقد أدّى تداخل الجيش في كلّ مفاصل الحكم آنذاك، إلى فقدانه التركيز على وظيفته الأساسية – الدفاع عن الوطن – وكذلك إلى تهاوي كفاءة المؤسّسات المدنية التي تولّى إدارتها من ليسوا من أهل الاختصاص.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كلّفت الهزيمة مصر ثمناً فادحاً وفاقمت أزماتها. إذ اضطرّ البلد إلى إعادة بناء جيشه بسرعة وبكلفة هائلة، بينما كانت عجلة الإنتاج المدني قد أُصيبت بالجمود خلال سنوات الانشغال بالحكم، وتسيير الاقتصاد بأسلوب الأوامر العسكرية. انخفض معدّل نمو الإنتاج الصناعي إلى أقلّ من 3% في عام 1967، بعد أن كان ضعف ذلك قبل النكسة، ووجدت مصر نفسها في نهاية الستينيات مثقلة بديون وتحدّيات تنموية خانقة، مما هيّأ التربة لانفجار اجتماعي واقتصادي في بداية السبعينيات.
صحيح أن سياق اليوم يختلف عن سياق الستينيات من جوانب عديدة. فمصر الآن منفتحة على العالم اقتصاداً وتحالفات، ولم تعد تتبنّى النهج الاشتراكي الشمولي الذي اتّبعه ناصر، لكنّ منطق العسكرة حين يهيمن، يبقى واحداً في جوهره عبر العصور: تضخّم لدور الجيش في غير ميدانه الطبيعي، وتراجع في كفاءة الأداء العامّ، وتآكل تدريجي في قدرة الدولة على اتّخاذ قرارات رشيدة لصالح المجتمع ككلّ. والتاريخ، لمن يريد أن يعتبر، يقدّم أمثلة وفيرة على دول سار حكّامها على درب مشابه فلم يحصدوا سوى الخيبة.
الولاء قبل الكفاءة
من أخطر ما قد ينتج عن السياسات الحالية، هو ترسيخ المنطق الذي يجعل الولاء الأمني للنظام معيار التعيين والتقييم، بدلاً من الكفاءة التخصّصية والجدارة المهنية. لقد أصبحت شهادة الولاء المكتسبة عبر دورات التأهيل العسكري، بمثابة فيزا المرور إلى الوظيفة الحكومية. وبالتدريج، قد يجد الشابّ المصري نفسه مضطرّاً لإظهار أقصى درجات الامتثال والانضباط وفق المعايير العسكرية كي يحظى بفرصة عمل مرموقة، فيما تتراجع قيمة الشهادات والخبرات العملية أمام اعتبارات الثقة الأمنية.
يحذّر الخبراء من أن هذا الاتّجاه سيؤدّي إلى تفكيك مؤسّسات الدولة واستقلالها، وتحويل الولاء السياسي للنظام إلى المعيار المحدّد لأهلية الموظّف، وبمعنى آخر، سينصرف الأكفّاء الذين لا يرغبون في تملّق الأجهزة الأمنية، أو لا يناسبهم القالب الصارم، ويتصدّر المشهد من يجيد الانضباط الأعمى، وتنفيذ الأوامر بلا نقاش. هكذا يتمّ إقصاء كثير من العقول النابغة أو الأصوات المستقلّة، التي قد تُعتبر مشاغبة لمجرّد طرحها أفكاراً مختلفة.
في الإدارات والمؤسّسات، سينعكس هذا المنطق على مناخ العمل نفسه، فحين يدرك الموظّفون أن الترقية مرهونة بالولاء قبل الأداء، تصبح البيروقراطية ولّادة للمداهنين ومُحبطة للمجتهدين، وينشأ جيل من القيادات يردّد التعليمات بدلاً من ابتكار الحلول، ويحرص على أمن كرسيّه برضا رؤسائه لا برضا الجمهور عن خدمته، ولن يخفى هذا على المواطن العادي، الذي سيلمس في حياته اليومية تدنّي جودة الخدمات العامّة رغم كلّ مظاهر الانضباط الشكلي.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الولاء الأعمى لا يصنع دولاً قوّية. ففي النهاية، الولاء بلا موهبة ولا علم قد يضرّ النظام نفسه، لأنه يحجب عنه صوت الحقيقة والنصح الصادق، وإذا تحوّل الجهاز الحكومي إلى كتلة صمّاء تتحرّك بالتوجيهات الفوقية، فسيفقد مرونته وقدرته على التكيّف أمام المتغيّرات، ولن يجرؤ موظّف على دقّ ناقوس الخطر عند ظهور مشكلة حتى تستفحل. وهكذا تصبح الدولة بأسرها أقلّ ذكاءً وتبصراً، لأنها فقدت التنوّع في الرؤى داخل مؤسّساتها. نظام يجمع حوله أشخاصاً يقولون له ما يحبّ سماعه فقط، فتغيب عنه الحقيقة حتى يفاجئه الانهيار. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن بعض مظاهر هذا المنطق بدأت تتسلّل إلى واقعنا، عندما نسمع عن قرارات أو سياسات تتّخذ بشكل مفاجئ ومن دون دراسات كافية، فقط لإرضاء توجّه ما من فوق، بينما الخبراء الحقيقيون مغيّبون أو مهمّشون.
خدعة “رفع الكفاءة” بالتأهيل العسكري
يبرّر المسؤولون توجّههم هذا بعبارة مغرية ظاهرياً: “رفع الكفاءة عبر التأهيل العسكري”، يروّجون لفكرة أن جرعة من التدريب العسكري ستشحذ همم المدني، وتضبط سلوكه، وتمدّه بمهارات إضافية كالانضباط والالتزام. لكنّ المتابع للتجارب المحلّية والدولية يكتشف أن هذه الحجّة في أغلبها وهمية، أو محدودة الجدوى. فالكفاءة المهنية لأي شخص تُكتسب أساساً عبر التعليم المتخصّص والتدريب العملي في مجال عمله، وليس من خلال تدريبات بدنية أو نمط حياتي عسكري. إن دورات التربية العسكرية التي يخضع لها الملحقون الدبلوماسيون أو القضاة أو غيرهم، تتضمّن كثيراً من التدريبات البدنية والمهارية التي قد تكون جيّدة للياقة الشخص وانضباطه البدني، لكنّها حتماً ليست ما يصنع دبلوماسياً ناجحاً، أو قاضياً عادلاً، أو معلّماً مبدعاً.
الواقع يكشف أيضاً محدودية هذه البرامج. فعلى سبيل المثال، رصد قضاة مستقلّون أن العشرات من معاوني النيابة الجدد، رسبوا في اختبارات الكليّة الحربية المؤهّلة للدورة التدريبية للعام 2021، مما أدّى إلى تعطيل تعيينهم رغم اجتيازهم المسابقات القضائية الرسمية. أي أن معياراً جسدياً بحتاً (كشوف طبية ولياقة رياضية) حرم الدولة من ضمّ كوادر قانونية ربما تكون متميّزة، لمجرّد أنهم لم يستوفوا شروطاً لا علاقة لها بالقانون. وبالمثل، آلاف المعلّمين الناجحين في اختبارات التربية والتعليم، تمّ استبعادهم من مسابقة الـ30 ألف معلّم فقط لأنهم لم يجتازوا اختبارات اللياقة البدنية، أو كشف الهيئة أمام لجان عسكرية. بعض هؤلاء المستبعدين كانوا من أصحاب الوزن الزائد، أو الأمّهات حديثات الولادة، فهل هذا يجعلهم أقلّ قدرة على التدريس؟ بالطبع لا. لقد خسرت المدارس كفاءات علمية وتربوية ربما لا تُعوض، بسبب تركيز غير مبرّر على أمور شكلية، بدعوى البحث عن المعلّم القدوة الرياضي القوام! وعلّقت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصيّة” على ذلك بقولها إن “شكل أجسام المعلّمين لا يؤثّر على جودة التعليم”، وانتقدت بشدّة “إقحام معايير تمييزية وغير دستورية في عمليّة التعيين”.
إن الحقيقة المرّة هي أن كلّ ما تقود إليه العسكرة ليس بالضرورة رفعاً للكفاءة، إنما إحكام للسيطرة. فحين يُلزَم الكادر المدني بدورة عسكرية، فهو يتلقّى في جانب منها محتوى مفيداً (تنمية شخصيّة، معلومات عن الأمن القومي… إلخ) لكن في الجانب الآخر، يتلقّى جرعة مركّزة من العقيدة الرسمية ورؤية السلطة للأمور، وبالتالي يصبح مقولباً إلى حدّ بعيد وفق منظور النظام. نعم، ربما يصبح أكثر التزاماً بالمواعيد، أو أكثر معرفة ببعض قضايا الأمن القومي، لكن هل يجعله ذلك أكثر كفاءة في تخصّصه؟ غالباً لا، بشكل ملموس. الكفاءة تنبع من تخصّصه وبيئة عمله التي سيتعامل معها يومياً، وليس من حياة المعسكر التي سيغادرها بعد شهور، بل قد تؤدّي التجربة أحياناً إلى نتيجة عكسية: فالبعض قد تتولّد لديهم ردّة فعل سلبية وشعور بالامتعاض من مهنتهم نفسها، إذا فُرضت عليهم أنماط انضباط لا تتّسق مع طبيعتهم الإبداعية. وقد سمعنا عن معلّمين تركوا الوظيفة بعد فترة قصيرة، لأنهم شعروا أن المناخ العامّ في المدارس أصبح خانقاً وغير ملهم، تحت ضغط رقابة صارمة زرعتها برامج التأهيل هذه.
في التجارب الدولية، لم نجد نموذجاً ناجحاً لدولة تقدّمت في التعليم أو القضاء مثلاً عبر عسكرة كوادرها. الدول التي ارتقت بأنظمتها التعليمية، فعلت ذلك عبر تحسين المناهج، وتأهيل المعلّمين بطرق تربوية حديثة، وزيادة دخلهم لتحفيزهم، وليس عبر إرسالهم إلى الثكنات. وكذلك في القضاء، استقلال القضاة وضمان تدريبهم القضائي المتخصّص، وإبعاد السياسة عنهم، هو ما يعزّز نزاهتهم، لا وضعهم في معسكرات مغلقة. ربما تكون هناك استفادة محدودة في بعض الجوانب الشخصية والانضباطية، لكنّها كقطرة في بحر التأثيرات السلبية المحتملة على المدى الطويل.












