يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المساعدات القاتلة: كيف ابتكرت إسرائيل فكرة “مؤسسة غزة الإنسانية”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تم تسويق مؤسسة غزة الإنسانية كبديل سريع الاستجابة لتوزيع المساعدات في غزة، متجاوزة الأمم المتحدة. وهي عملية تديرها شركات متعاقدة ذات طابع عسكري غالباً، إذ يتم توزيع المساعدات تحت تهديد السلاح مع إخضاع الفلسطينيين لنظام تحقق بيومتري يمكّن الجيش الإسرائيلي أيضًا من تحديد أهداف جديدة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“كنا كالحيوانات التي تنتظر فتح ساحة التغذية في حظيرة خالية من الأخلاق أو الرحمة. لقد دفعنا الجوع إلى  طلب الطعام من عدونا- طعامٍ يغلفه الإذلال والمهانة – بعدما كنّا نعيش بكرامة”.

محمود الكفارنة (48 عاماً)، لمجلة +972، يصف الوضع في أحد مواقع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية – 15 حزيران/ يونيو

قبل ساعات من بدء مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF) عملها في 26 أيار/مايو 2025، استقال مديرها التنفيذي جيك وود في بيان قال فيه: “من الواضح أنّه لا يمكن تنفيذ هذه الخطة (الإغاثية) مع الالتزام الصارم، في الوقت نفسه، بالمبادئ الإنسانية المتمثلة في الحياد وعدم التحيّز والاستقلالية، وهي مبادئ لن أتخلى عنها”. وقد خَلَفه جون أكري – وهو مسؤول سابق في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) – الذي تولّى بدايةً رئاسة بعثة GHF بصفة مديرٍ تنفيذيٍّ مؤقت.

وصفتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنها آلية إغاثةٍ مُعَسْكَرة بشدة على نحوٍ قاتل، تحوّلت إلى ساحةٍ متكرّرةٍ لمجازرَ واسعةِ النطاق بحقّ المدنيين؛ وتؤدّي “مؤسّسة غزة الإنسانية” (GHF) دورَ قناةٍ إضافية للجرائم والممارسات الإسرائيلية المُبلَّغ عنها. وفي 5 آب/ أغسطس، دعا خبراءُ الأمم المتحدة إلى التفكيك الفوري للمؤسّسة، محذّرين بالقول: “في أيّ ظرفٍ كان، عندما يتم التغاضي عن جرائم الحرب مقابل إغاثةٍ مؤقّتة، يمكن أن يتكرّس الإفلات من العقاب. ومع ذلك، في هذه الحالة، نُوكل إلى دولةٍ متَّهَمةٍ بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية مسؤوليّةَ إطعامِ السكّان المتأثّرين بتلك الإبادة من دون رقابةٍ وبإفلاتٍ من العقاب. هذا النفاقُ الصارخ مُقلق”.

إنشاء مفهوم مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF):

على مدى العامين الماضيين، وجّه الكثير من المسؤولين الإسرائيليين اتهامات إلى الأمم المتحدة بالتحيّز المؤسسي ونشر “معلومات مضللة”، زاعمين أنها تصوّر إسرائيل بشكل “غير عادل” وتقلّل من شأن التهديدات الصادرة عن حركة حماس. علاوة على ذلك، قُتل أكثر من 200 من موظفي الإغاثة التابعين للأمم المتحدة في غزة نتيجة ضربات إسرائيلية، اعتبرها المسؤولون الإسرائيليون عواقب غير مقصودة للحرب. كما فرضت إسرائيل قيودًا على تأشيرات دخول موظفي الأمم المتحدة، ما أعاق دخول المساعدات الإنسانية. وفي 2 آذار/ مارس 2025، أوقفت إسرائيل دخول جميع المساعدات الإنسانية إلى غزة. وتحت ضغط دولي لفتح ممرات إنسانية، تم ابتكار فكرة مؤسسة غزة الإنسانية (GHF).

تم تسويق مؤسسة غزة الإنسانية كبديل سريع الاستجابة لتوزيع المساعدات في غزة، متجاوزة الأمم المتحدة. وهي عملية تديرها شركات متعاقدة ذات طابع عسكري غالباً، إذ يتم توزيع المساعدات تحت تهديد السلاح مع إخضاع الفلسطينيين لنظام تحقق بيومتري يمكّن الجيش الإسرائيلي أيضًا من تحديد أهداف جديدة. وفي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، اعترف بنيامين نتانياهو بأن المؤسسة هي مبادرة إسرائيلية بدعم أميركي. وقد واجهت انتقادات حادة من المجتمع الدولي، الذي رأى أن المؤسسة تستبدل التوزيع المحايد للمساعدات بسيطرة مركزية مسيّسة تزيد من المخاطر على المدنيين المنهكين أصلًا.

ابتداءً من عام 2024، بدأ المسؤولون الإسرائيليون بالعمل على مفهوم مؤسسة غزة الإنسانية بالتعاون مع فيليب ريلي، وهو ضابط برلماني سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ترأس فريقًا مكوّنًا من خمسة أشخاص لتطوير آلية إغاثة تحل محل ممارسات الأمم المتحدة في غزة. ركّزت رسائل المشروع على تعزيز البنية الأمنية المسلحة أكثر من التركيز على جوهر عملية تقديم المساعدات. وبما يعكس اعتمادها على المتعاقدين من القطاع الخاص، عيّن الفريق المؤسس شركة جديدة باسم سيف ريتش سوليوشنز (Safe Reach Solutions) التي يديرها ريلي نفسه كمزوّد خارجي لخدمات الأمن والدعم اللوجستي لمراكز توزيع المساعدات التابعة للمؤسسة، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست.

ضمّ الفريق المؤلَّف من خمسة أعضاء كلاً من ليران تانكمان، رائد أعمال تقني إسرائيلي واحتياطي في وحدة 8200 التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي؛ وآريه لايتستون، الذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لمعهد اتفاقات إبراهام للسلام، وكان يقود اجتماعات مع منظمات غير حكومية لتسويق وتعديل مفهوم “مؤسّسة غزة الإنسانية” (GHF)؛ وديفيد بيرك، المدير التنفيذي للعمليات خلال مرحلة إطلاق GHF، والذي استقال أيضاً في 26 أيار/مايو من دون بيان علني؛ ومايكل آيزنبرغ، مستثمر رأس مال مغامر أميركي – إسرائيلي زعم أنّ مساعدات الأمم المتحدة تدعم حماس.

يتولّى الآن منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي جونّي مور، وهو مدير تنفيذي في مجال العلاقات العامة ومن التيار الإنجيلي المسيحي الأميركي وله انحيازات سياسية. وقد أيّد مور علنًا مقترح الرئيس دونالد ترامب بأن تتولّى الولايات المتحدة إدارة الجيب الفلسطيني والإشراف على الخطط الاقتصادية لغزة ما بعد الحرب، باتجاه تحويل القطاع إلى “ريفييرا الشرق الأوسط“.

وفقًا لمقالة في صحيفة واشنطن بوست، عبّر أشخاص (لم يتم الكشف عن هويتهم) ممن شاركوا في التخطيط لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، عن أهمية تطوير نماذج تشغيلية لتوزيع المساعدات في غزة بدعم من إسرائيل، لكنهم في مراحل لاحقة أبدوا “تحفظات” أخلاقية. وذكرت المقالة أنه “في كل حالة، قال هؤلاء الأشخاص إنهم شعروا بعدم الارتياح تجاه نموذج عسكري الطابع يستخدم قوات أمن خاصة ويتحقق من مستحقي المساعدات عبر تقنيات بيومترية وربما تمييز الوجوه. كما شعروا أن خطة إنشاء أربعة مواقع توزيع فقط في جنوب غزة ستجبر المدنيين على السفر لساعات للوصول إليها، أو قد تسهّل حملة الجيش الإسرائيلي لدفع سكان غزة نحو الجنوب – وهي تكتيك يمكن أن يصل إلى حد التهجير القسري، ما يعد جريمة حرب”.

وبعد أسبوع من بدء عمل المؤسسة، قُتل أكثر من 27 شخصًا من طالبي المساعدات، وأصيب 150 آخرون في مواقع مؤسسة غزة الإنسانية.

على الرغم من تلك التصريحات المبكرة التي صدرت قبل 24 أيار/ مايو 2025 بقليل ونشرتها “واشنطن بوست” قبل يومين من إطلاق مبادرة توزيع المساعدات، لم تُجرَ أي تعديلات على الممارسات التشغيلية. وما واجهه الغزّيون منذ بدء عمل GHF هو، في ما يبدو، نتيجةٌ متوقَّعة لدى واضعي هذا المفهوم.

تصاعدٌ في الأزمة الإنسانية بسبب “فخاخ الموت” لـ GHF

في مقابلةٍ مع مجلة +972، يرقد محمد البسيوني (22 عامًا)، متعافيًا من إصابةٍ بطلقٍ ناري في ظهره. وقد أُصيب في 25 أيار/مايو أثناء محاولته جمع الطعام في منطقة الشكّوش برفح.

“كنّا نعلم أننا قد نموت. لكن ما الخيار المتاح لنا؟ الجوع قاتل. نريد أن تنتهي الحرب والحصار. نريد أن ينتهي هذا الكابوس. عدتُ مُصابًا ولم أجلب شيئًا إلى البيت. والآن فقد والدي المريض مُعيله الوحيد”.

سجّلت جهاتُ رصدٍ مستقلة وفيّاتٍ ناجمة عن استخدام القوّة المميتة ضدّ طالبي المساعدة، قبل إطلاق مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF) وفي الأشهر التي تلت ذلك. ومنذ البداية، أظهرت مواقعُ توزيع المساعدات التابعة لـ GHF تعاملًا لا إنسانيًا مع طالبي المساعدة.

بين 27 أيار/ مايو و31 تموز/ يوليو 2025 – أي خلال 66 يومًا – “قُتل ما لا يقلّ عن 1,373 فلسطينيًا جائعًا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات، أكثر من 850 في محيط المواقع الأربعة لـ GHF، وأكثر من 500 على طول مسارات قوافل الغذاء”، وفقًا للأمم المتحدة. وتُفيد التقارير بأنّ معظم عمليات القتل ارتكبها الجيش الإسرائيلي.

كما هو موضح في الصورة التي نشرتها BBC، فإن تموضع مراكز توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية بالنسبة إلى أماكن وجود سكان غزة، يدفع حتماً بهذا الشعب الجائع نحو الجنوب. تلك “الممرات الإنسانية” المزعومة تضيف مسافة سفر غير ضرورية لهذه الفئة المنهكة. والنتيجة متوقعة: من هم في أمسّ الحاجة قد لا يتمكنون حتى من الوصول إلى المساعدات، مثل المسنين والأطفال والنساء وأصحاب حالات سوء التغذية الحاد. إنه صراع للبقاء للأقوى.

في تقريرها الصادر في الأول من آب/ أغسطس بعنوان “غزة: قتل الإسرائيليين فلسطينيين يبحثون عن الطعام يُعدّ جريمة حرب“، أقرت منظمة هيومن رايتس ووتش باستخدام التجويع كسلاح ضد الحشود، واعتبرت الوسائل المميتة لتوزيع المساعدات جرائم حرب أيضاً، داعية إلى التخلي عن هذه الخطة الفتاكة المدعومة من الولايات المتحدة، ومطالبة إسرائيل بإنهاء التجويع الجماعي.

قال فيليب لازاريني، رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا): “الآلية المستحدثة المزعومة هي عمل شائن يهين  أشخاصاً يائسين ويُذلهم. إنها فخ موت يحصد أرواحاً أكثر مما ينقذ”.

الذكاء البيومتري في مواقع تقديم المساعدات

ليران تانكمان، أحد المؤسسين الخمسة الرئيسيين لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، هو رائد أعمال في مجال التكنولوجيا واحتياطي في وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200، وقد وضع مفهوم التحقق البيومتري منذ عام 2015. ويبدو أن المؤسسة، في عملياتها، تجمع بيانات من المدنيين من خلال فحصهم في مواقع تقديم المساعدات، بهدف تحديد “الأشخاص محل الاهتمام” لاحقاً. ووفقاً لما أوردته وكالة رويترز في 28 أيار/ مايو 2025، قال مسؤولون إسرائيليون إن من مزايا نظام المساعدات الجديد إمكانية فحص المستفيدين لاستبعاد أي شخص يثبت ارتباطه بحركة حماس. وبعد أكثر من شهر على بدء مؤسسة غزة الإنسانية عملياتها الميدانية، نشرت وكالة أسوشييتد برس في 3 تموز/ يوليو 2025 تقريراً يوضح فيه أحد المتعاقدين في الموقع كيف يستخدم الجيش الإسرائيلي نظام توزيع المساعدات لجمع البيانات من دون أن يعرف الغرض النهائي من استخدامها.

المؤمنون بـ”مهمتها”

مع احتفاظ الشركة بسجلاتها المالية بشكل سري وإصرار الداعمين على عدم الكشف عن هوياتهم، فإن ما هو معروف عن تمويل مؤسسة غزة الإنسانية مصدره تسريبات، ووثائق حكومية أميركية، وتحقيقات إعلامية، وقليل من التصريحات العلنية الصادرة عن المؤسسة نفسها.

وفقاً لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، قال عضو الكنيست المعارض يائير لابيد أن الحكومة كانت تموّل سراً مجموعة المساعدات GHF عبر “شركات وهمية” أجنبية، لكن سرعان ما رد عليه المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء، عومر دوستري، قائلاً: “إسرائيل لا تموّل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة”. وعلّق وزير المالية سموتريتش بالشيء نفسه. 

ووفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”، أكدت مؤسسة غزة الإنسانية أنها حصلت على أكثر من 100 مليون دولار كتمويل تأسيسي من حكومة ترفض الكشف عن هويتها.

لا يزال هناك نقص في الشفافية بشأن الصندوق وتفاصيل تخصيصه. وفي تصريح آخر، نقلته صحيفة “جيروزاليم بوست”، أضاف لابيد: “إذا كانت أموال ضرائبنا تشتري بالفعل مساعدات إنسانية، وتموّل الغذاء والدواء للأطفال في غزة، فلنحصل على الأقل على اعتراف دولي بذلك. وللمرة الأولى، دعونا نحظى بعناوين عالمية تبرز شيئاً إيجابياً قامت به إسرائيل في غزة”.

بينما لا تزال بقية المعلومات غير مؤكدة، فإن مساهمة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) البالغة 30 مليون دولار لمؤسسة غزة الإنسانية مؤكدة، على رغم المخاوف المتعلقة بالعنف. وفي 31 تموز/ يوليو، أعلنت إسرائيل بشكل علني أنها ستضاهي الولايات المتحدة بمبلغ إضافي قدره 30 مليون دولار لصالح المؤسسة.

ما رآه أنطوني أغيلار

لتوظيف وتأمين المراكز الأربعة للمساعدات ونقطة تفتيش نتساريم، تم التعاقد من الباطن مع شركة UG Solutions تحت المقاول الرئيسي SRS. وهي شركة تأسست عام 2023 ويقع مقرها في ديفيدسون، بولاية كارولاينا الشمالية. ووفقاً لما أوردته وكالة رويترز في بداية عام 2025، فإن اتفاقية التوظيف الخاصة بها في غزة كانت تعرض معدل أجر يومي يبدأ من 1,100 دولار، مع دفعة مقدمة قدرها 10,000 دولار للمحاربين القدامى الذين يتم توظيفهم.

الملازم أول في الجيش الأميركي، أنطوني أغيلار، وهو من قدامى قوات النخبة “القبعات الخضر” في الجيش الأميركي، والذي عمل كمتعاقد أمني فرعي مع شركة UG Solutions في أحد مواقع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، صرّح بجرأة في مقابلة مع قناة “فرانس 24”: “أعتقد أن مؤسسة غزة الإنسانية متواطئة في جرائم حرب، وأنها تشارك في مشروع فاشل منذ البداية”.

ثم يواصل أنطوني أغيلار سرد تجربته في أحد تلك المواقع، حيث وصف قيام متعاقدين من شركة UG Solutions، إلى جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، بإطلاق الذخيرة الحية على الحشود الفلسطينية:

“كان الرصاص يطلقه متعاقد من شركة UG Solutions في البرج الجنوبي للموقع رقم 4، من رشاش آلي بالكامل، وعلى دفعات، والمطلق الثاني كان متعاقداً آخر من الشركة ذاتها يقف على سترة ترابية ويطلق النار من بندقيته الفردية، على الوضع الآلي الكامل أيضاً، باتجاه الحشد… ما وصفوه بأنه طلقات تحذيرية، لكنها كانت تُطلق عند الأقدام، وفوق الرؤوس، وفي وسط الحشود من الفلسطينيين المغادرين… في الوقت نفسه كان متعاقدو UG Solutions يطلقون الطلقات التحذيرية ويرمون القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، بينما كانت قوات الدفاع الإسرائيلية في الموقع عند التقاطع تطلق النار عليهم… صعدت على الساتر الترابي وتمكنت من رؤية الفلسطينيين المدنيين، وكانت أكياسهم البيضاء ملقاة على الأرض، وأغراضهم مبعثرة… عندها رأيت ذلك وأدركت أنني لا أريد أن أكون جزءاً من هذا”.

وتضيف قناة “فرانس 24” أن شركة UG Solutions نفت هذه الاتهامات.

وفي مقابلة أخرى مع محرر الشؤون الدولية في الـBBC، جيريمي بوين، أضاف أغيلار:

“تقييمي المهني للطريقة التي أُنشئت بها هذه المواقع هو أنها، في أفضل توصيف، هاوية، غير مدرّبة، تفتقر إلى الخبرة، ولا فكرة لديها عن كيفية إدارة عمليات بهذا الحجم. أما في تقييمي الأكثر صراحة، فسأقول إنها إجرامية. طوال مسيرتي المهنية لم أشهد هذا المستوى من الوحشية والاستخدام العشوائي وغير الضروري للقوة ضد سكان مدنيين، سكان جائعين عزّل، لم أشهد ذلك في أي من الأماكن التي أُرسلت للعمل فيها، إلا في غزة، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي والمتعاقدين الأميركيين”.

الإدانات لهذه المؤسسة غير الربحية لم تكن يومًا أكثر حدّة، ومع ذلك فهي ما زالت نشطة باعتبارها الخطة الميدانية الوحيدة المعتمدة من إسرائيل لتقديم المساعدات داخل القطاع. ما كان يُقدَّم كعملية إنسانية لتوزيع المساعدات بات يُنظر إليه اليوم كخطة نموذجية لتسليح المساعدات. مؤسسة غزة الإنسانية لا تزال قائمة، متحصّنة بغطاء سياسي ثقيل.

السماح لمؤسسة غزة الإنسانية بالعمل لا يعني فقط التواطؤ في معاناة الفلسطينيين، بل أيضاً إدخال معيار جديد للمساعدات يتم تقديمها تحت تهديد السلاح، بعد فحص بيومتري، وبمقايضتها بالخضوع.

تم تسويق مؤسسة غزة الإنسانية كبديل سريع الاستجابة لتوزيع المساعدات في غزة، متجاوزة الأمم المتحدة. وهي عملية تديرها شركات متعاقدة ذات طابع عسكري غالباً، إذ يتم توزيع المساعدات تحت تهديد السلاح مع إخضاع الفلسطينيين لنظام تحقق بيومتري يمكّن الجيش الإسرائيلي أيضًا من تحديد أهداف جديدة.

“كنا كالحيوانات التي تنتظر فتح ساحة التغذية في حظيرة خالية من الأخلاق أو الرحمة. لقد دفعنا الجوع إلى  طلب الطعام من عدونا- طعامٍ يغلفه الإذلال والمهانة – بعدما كنّا نعيش بكرامة”.

محمود الكفارنة (48 عاماً)، لمجلة +972، يصف الوضع في أحد مواقع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية – 15 حزيران/ يونيو

قبل ساعات من بدء مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF) عملها في 26 أيار/مايو 2025، استقال مديرها التنفيذي جيك وود في بيان قال فيه: “من الواضح أنّه لا يمكن تنفيذ هذه الخطة (الإغاثية) مع الالتزام الصارم، في الوقت نفسه، بالمبادئ الإنسانية المتمثلة في الحياد وعدم التحيّز والاستقلالية، وهي مبادئ لن أتخلى عنها”. وقد خَلَفه جون أكري – وهو مسؤول سابق في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) – الذي تولّى بدايةً رئاسة بعثة GHF بصفة مديرٍ تنفيذيٍّ مؤقت.

وصفتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنها آلية إغاثةٍ مُعَسْكَرة بشدة على نحوٍ قاتل، تحوّلت إلى ساحةٍ متكرّرةٍ لمجازرَ واسعةِ النطاق بحقّ المدنيين؛ وتؤدّي “مؤسّسة غزة الإنسانية” (GHF) دورَ قناةٍ إضافية للجرائم والممارسات الإسرائيلية المُبلَّغ عنها. وفي 5 آب/ أغسطس، دعا خبراءُ الأمم المتحدة إلى التفكيك الفوري للمؤسّسة، محذّرين بالقول: “في أيّ ظرفٍ كان، عندما يتم التغاضي عن جرائم الحرب مقابل إغاثةٍ مؤقّتة، يمكن أن يتكرّس الإفلات من العقاب. ومع ذلك، في هذه الحالة، نُوكل إلى دولةٍ متَّهَمةٍ بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية مسؤوليّةَ إطعامِ السكّان المتأثّرين بتلك الإبادة من دون رقابةٍ وبإفلاتٍ من العقاب. هذا النفاقُ الصارخ مُقلق”.

إنشاء مفهوم مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF):

على مدى العامين الماضيين، وجّه الكثير من المسؤولين الإسرائيليين اتهامات إلى الأمم المتحدة بالتحيّز المؤسسي ونشر “معلومات مضللة”، زاعمين أنها تصوّر إسرائيل بشكل “غير عادل” وتقلّل من شأن التهديدات الصادرة عن حركة حماس. علاوة على ذلك، قُتل أكثر من 200 من موظفي الإغاثة التابعين للأمم المتحدة في غزة نتيجة ضربات إسرائيلية، اعتبرها المسؤولون الإسرائيليون عواقب غير مقصودة للحرب. كما فرضت إسرائيل قيودًا على تأشيرات دخول موظفي الأمم المتحدة، ما أعاق دخول المساعدات الإنسانية. وفي 2 آذار/ مارس 2025، أوقفت إسرائيل دخول جميع المساعدات الإنسانية إلى غزة. وتحت ضغط دولي لفتح ممرات إنسانية، تم ابتكار فكرة مؤسسة غزة الإنسانية (GHF).

تم تسويق مؤسسة غزة الإنسانية كبديل سريع الاستجابة لتوزيع المساعدات في غزة، متجاوزة الأمم المتحدة. وهي عملية تديرها شركات متعاقدة ذات طابع عسكري غالباً، إذ يتم توزيع المساعدات تحت تهديد السلاح مع إخضاع الفلسطينيين لنظام تحقق بيومتري يمكّن الجيش الإسرائيلي أيضًا من تحديد أهداف جديدة. وفي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، اعترف بنيامين نتانياهو بأن المؤسسة هي مبادرة إسرائيلية بدعم أميركي. وقد واجهت انتقادات حادة من المجتمع الدولي، الذي رأى أن المؤسسة تستبدل التوزيع المحايد للمساعدات بسيطرة مركزية مسيّسة تزيد من المخاطر على المدنيين المنهكين أصلًا.

ابتداءً من عام 2024، بدأ المسؤولون الإسرائيليون بالعمل على مفهوم مؤسسة غزة الإنسانية بالتعاون مع فيليب ريلي، وهو ضابط برلماني سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ترأس فريقًا مكوّنًا من خمسة أشخاص لتطوير آلية إغاثة تحل محل ممارسات الأمم المتحدة في غزة. ركّزت رسائل المشروع على تعزيز البنية الأمنية المسلحة أكثر من التركيز على جوهر عملية تقديم المساعدات. وبما يعكس اعتمادها على المتعاقدين من القطاع الخاص، عيّن الفريق المؤسس شركة جديدة باسم سيف ريتش سوليوشنز (Safe Reach Solutions) التي يديرها ريلي نفسه كمزوّد خارجي لخدمات الأمن والدعم اللوجستي لمراكز توزيع المساعدات التابعة للمؤسسة، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست.

ضمّ الفريق المؤلَّف من خمسة أعضاء كلاً من ليران تانكمان، رائد أعمال تقني إسرائيلي واحتياطي في وحدة 8200 التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي؛ وآريه لايتستون، الذي يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لمعهد اتفاقات إبراهام للسلام، وكان يقود اجتماعات مع منظمات غير حكومية لتسويق وتعديل مفهوم “مؤسّسة غزة الإنسانية” (GHF)؛ وديفيد بيرك، المدير التنفيذي للعمليات خلال مرحلة إطلاق GHF، والذي استقال أيضاً في 26 أيار/مايو من دون بيان علني؛ ومايكل آيزنبرغ، مستثمر رأس مال مغامر أميركي – إسرائيلي زعم أنّ مساعدات الأمم المتحدة تدعم حماس.

يتولّى الآن منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي جونّي مور، وهو مدير تنفيذي في مجال العلاقات العامة ومن التيار الإنجيلي المسيحي الأميركي وله انحيازات سياسية. وقد أيّد مور علنًا مقترح الرئيس دونالد ترامب بأن تتولّى الولايات المتحدة إدارة الجيب الفلسطيني والإشراف على الخطط الاقتصادية لغزة ما بعد الحرب، باتجاه تحويل القطاع إلى “ريفييرا الشرق الأوسط“.

وفقًا لمقالة في صحيفة واشنطن بوست، عبّر أشخاص (لم يتم الكشف عن هويتهم) ممن شاركوا في التخطيط لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، عن أهمية تطوير نماذج تشغيلية لتوزيع المساعدات في غزة بدعم من إسرائيل، لكنهم في مراحل لاحقة أبدوا “تحفظات” أخلاقية. وذكرت المقالة أنه “في كل حالة، قال هؤلاء الأشخاص إنهم شعروا بعدم الارتياح تجاه نموذج عسكري الطابع يستخدم قوات أمن خاصة ويتحقق من مستحقي المساعدات عبر تقنيات بيومترية وربما تمييز الوجوه. كما شعروا أن خطة إنشاء أربعة مواقع توزيع فقط في جنوب غزة ستجبر المدنيين على السفر لساعات للوصول إليها، أو قد تسهّل حملة الجيش الإسرائيلي لدفع سكان غزة نحو الجنوب – وهي تكتيك يمكن أن يصل إلى حد التهجير القسري، ما يعد جريمة حرب”.

وبعد أسبوع من بدء عمل المؤسسة، قُتل أكثر من 27 شخصًا من طالبي المساعدات، وأصيب 150 آخرون في مواقع مؤسسة غزة الإنسانية.

على الرغم من تلك التصريحات المبكرة التي صدرت قبل 24 أيار/ مايو 2025 بقليل ونشرتها “واشنطن بوست” قبل يومين من إطلاق مبادرة توزيع المساعدات، لم تُجرَ أي تعديلات على الممارسات التشغيلية. وما واجهه الغزّيون منذ بدء عمل GHF هو، في ما يبدو، نتيجةٌ متوقَّعة لدى واضعي هذا المفهوم.

تصاعدٌ في الأزمة الإنسانية بسبب “فخاخ الموت” لـ GHF

في مقابلةٍ مع مجلة +972، يرقد محمد البسيوني (22 عامًا)، متعافيًا من إصابةٍ بطلقٍ ناري في ظهره. وقد أُصيب في 25 أيار/مايو أثناء محاولته جمع الطعام في منطقة الشكّوش برفح.

“كنّا نعلم أننا قد نموت. لكن ما الخيار المتاح لنا؟ الجوع قاتل. نريد أن تنتهي الحرب والحصار. نريد أن ينتهي هذا الكابوس. عدتُ مُصابًا ولم أجلب شيئًا إلى البيت. والآن فقد والدي المريض مُعيله الوحيد”.

سجّلت جهاتُ رصدٍ مستقلة وفيّاتٍ ناجمة عن استخدام القوّة المميتة ضدّ طالبي المساعدة، قبل إطلاق مؤسّسة غزة الإنسانية (GHF) وفي الأشهر التي تلت ذلك. ومنذ البداية، أظهرت مواقعُ توزيع المساعدات التابعة لـ GHF تعاملًا لا إنسانيًا مع طالبي المساعدة.

بين 27 أيار/ مايو و31 تموز/ يوليو 2025 – أي خلال 66 يومًا – “قُتل ما لا يقلّ عن 1,373 فلسطينيًا جائعًا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات، أكثر من 850 في محيط المواقع الأربعة لـ GHF، وأكثر من 500 على طول مسارات قوافل الغذاء”، وفقًا للأمم المتحدة. وتُفيد التقارير بأنّ معظم عمليات القتل ارتكبها الجيش الإسرائيلي.

كما هو موضح في الصورة التي نشرتها BBC، فإن تموضع مراكز توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية بالنسبة إلى أماكن وجود سكان غزة، يدفع حتماً بهذا الشعب الجائع نحو الجنوب. تلك “الممرات الإنسانية” المزعومة تضيف مسافة سفر غير ضرورية لهذه الفئة المنهكة. والنتيجة متوقعة: من هم في أمسّ الحاجة قد لا يتمكنون حتى من الوصول إلى المساعدات، مثل المسنين والأطفال والنساء وأصحاب حالات سوء التغذية الحاد. إنه صراع للبقاء للأقوى.

في تقريرها الصادر في الأول من آب/ أغسطس بعنوان “غزة: قتل الإسرائيليين فلسطينيين يبحثون عن الطعام يُعدّ جريمة حرب“، أقرت منظمة هيومن رايتس ووتش باستخدام التجويع كسلاح ضد الحشود، واعتبرت الوسائل المميتة لتوزيع المساعدات جرائم حرب أيضاً، داعية إلى التخلي عن هذه الخطة الفتاكة المدعومة من الولايات المتحدة، ومطالبة إسرائيل بإنهاء التجويع الجماعي.

قال فيليب لازاريني، رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا): “الآلية المستحدثة المزعومة هي عمل شائن يهين  أشخاصاً يائسين ويُذلهم. إنها فخ موت يحصد أرواحاً أكثر مما ينقذ”.

الذكاء البيومتري في مواقع تقديم المساعدات

ليران تانكمان، أحد المؤسسين الخمسة الرئيسيين لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، هو رائد أعمال في مجال التكنولوجيا واحتياطي في وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200، وقد وضع مفهوم التحقق البيومتري منذ عام 2015. ويبدو أن المؤسسة، في عملياتها، تجمع بيانات من المدنيين من خلال فحصهم في مواقع تقديم المساعدات، بهدف تحديد “الأشخاص محل الاهتمام” لاحقاً. ووفقاً لما أوردته وكالة رويترز في 28 أيار/ مايو 2025، قال مسؤولون إسرائيليون إن من مزايا نظام المساعدات الجديد إمكانية فحص المستفيدين لاستبعاد أي شخص يثبت ارتباطه بحركة حماس. وبعد أكثر من شهر على بدء مؤسسة غزة الإنسانية عملياتها الميدانية، نشرت وكالة أسوشييتد برس في 3 تموز/ يوليو 2025 تقريراً يوضح فيه أحد المتعاقدين في الموقع كيف يستخدم الجيش الإسرائيلي نظام توزيع المساعدات لجمع البيانات من دون أن يعرف الغرض النهائي من استخدامها.

المؤمنون بـ”مهمتها”

مع احتفاظ الشركة بسجلاتها المالية بشكل سري وإصرار الداعمين على عدم الكشف عن هوياتهم، فإن ما هو معروف عن تمويل مؤسسة غزة الإنسانية مصدره تسريبات، ووثائق حكومية أميركية، وتحقيقات إعلامية، وقليل من التصريحات العلنية الصادرة عن المؤسسة نفسها.

وفقاً لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، قال عضو الكنيست المعارض يائير لابيد أن الحكومة كانت تموّل سراً مجموعة المساعدات GHF عبر “شركات وهمية” أجنبية، لكن سرعان ما رد عليه المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء، عومر دوستري، قائلاً: “إسرائيل لا تموّل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة”. وعلّق وزير المالية سموتريتش بالشيء نفسه. 

ووفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”، أكدت مؤسسة غزة الإنسانية أنها حصلت على أكثر من 100 مليون دولار كتمويل تأسيسي من حكومة ترفض الكشف عن هويتها.

لا يزال هناك نقص في الشفافية بشأن الصندوق وتفاصيل تخصيصه. وفي تصريح آخر، نقلته صحيفة “جيروزاليم بوست”، أضاف لابيد: “إذا كانت أموال ضرائبنا تشتري بالفعل مساعدات إنسانية، وتموّل الغذاء والدواء للأطفال في غزة، فلنحصل على الأقل على اعتراف دولي بذلك. وللمرة الأولى، دعونا نحظى بعناوين عالمية تبرز شيئاً إيجابياً قامت به إسرائيل في غزة”.

بينما لا تزال بقية المعلومات غير مؤكدة، فإن مساهمة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) البالغة 30 مليون دولار لمؤسسة غزة الإنسانية مؤكدة، على رغم المخاوف المتعلقة بالعنف. وفي 31 تموز/ يوليو، أعلنت إسرائيل بشكل علني أنها ستضاهي الولايات المتحدة بمبلغ إضافي قدره 30 مليون دولار لصالح المؤسسة.

ما رآه أنطوني أغيلار

لتوظيف وتأمين المراكز الأربعة للمساعدات ونقطة تفتيش نتساريم، تم التعاقد من الباطن مع شركة UG Solutions تحت المقاول الرئيسي SRS. وهي شركة تأسست عام 2023 ويقع مقرها في ديفيدسون، بولاية كارولاينا الشمالية. ووفقاً لما أوردته وكالة رويترز في بداية عام 2025، فإن اتفاقية التوظيف الخاصة بها في غزة كانت تعرض معدل أجر يومي يبدأ من 1,100 دولار، مع دفعة مقدمة قدرها 10,000 دولار للمحاربين القدامى الذين يتم توظيفهم.

الملازم أول في الجيش الأميركي، أنطوني أغيلار، وهو من قدامى قوات النخبة “القبعات الخضر” في الجيش الأميركي، والذي عمل كمتعاقد أمني فرعي مع شركة UG Solutions في أحد مواقع المساعدات التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، صرّح بجرأة في مقابلة مع قناة “فرانس 24”: “أعتقد أن مؤسسة غزة الإنسانية متواطئة في جرائم حرب، وأنها تشارك في مشروع فاشل منذ البداية”.

ثم يواصل أنطوني أغيلار سرد تجربته في أحد تلك المواقع، حيث وصف قيام متعاقدين من شركة UG Solutions، إلى جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، بإطلاق الذخيرة الحية على الحشود الفلسطينية:

“كان الرصاص يطلقه متعاقد من شركة UG Solutions في البرج الجنوبي للموقع رقم 4، من رشاش آلي بالكامل، وعلى دفعات، والمطلق الثاني كان متعاقداً آخر من الشركة ذاتها يقف على سترة ترابية ويطلق النار من بندقيته الفردية، على الوضع الآلي الكامل أيضاً، باتجاه الحشد… ما وصفوه بأنه طلقات تحذيرية، لكنها كانت تُطلق عند الأقدام، وفوق الرؤوس، وفي وسط الحشود من الفلسطينيين المغادرين… في الوقت نفسه كان متعاقدو UG Solutions يطلقون الطلقات التحذيرية ويرمون القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، بينما كانت قوات الدفاع الإسرائيلية في الموقع عند التقاطع تطلق النار عليهم… صعدت على الساتر الترابي وتمكنت من رؤية الفلسطينيين المدنيين، وكانت أكياسهم البيضاء ملقاة على الأرض، وأغراضهم مبعثرة… عندها رأيت ذلك وأدركت أنني لا أريد أن أكون جزءاً من هذا”.

وتضيف قناة “فرانس 24” أن شركة UG Solutions نفت هذه الاتهامات.

وفي مقابلة أخرى مع محرر الشؤون الدولية في الـBBC، جيريمي بوين، أضاف أغيلار:

“تقييمي المهني للطريقة التي أُنشئت بها هذه المواقع هو أنها، في أفضل توصيف، هاوية، غير مدرّبة، تفتقر إلى الخبرة، ولا فكرة لديها عن كيفية إدارة عمليات بهذا الحجم. أما في تقييمي الأكثر صراحة، فسأقول إنها إجرامية. طوال مسيرتي المهنية لم أشهد هذا المستوى من الوحشية والاستخدام العشوائي وغير الضروري للقوة ضد سكان مدنيين، سكان جائعين عزّل، لم أشهد ذلك في أي من الأماكن التي أُرسلت للعمل فيها، إلا في غزة، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي والمتعاقدين الأميركيين”.

الإدانات لهذه المؤسسة غير الربحية لم تكن يومًا أكثر حدّة، ومع ذلك فهي ما زالت نشطة باعتبارها الخطة الميدانية الوحيدة المعتمدة من إسرائيل لتقديم المساعدات داخل القطاع. ما كان يُقدَّم كعملية إنسانية لتوزيع المساعدات بات يُنظر إليه اليوم كخطة نموذجية لتسليح المساعدات. مؤسسة غزة الإنسانية لا تزال قائمة، متحصّنة بغطاء سياسي ثقيل.

السماح لمؤسسة غزة الإنسانية بالعمل لا يعني فقط التواطؤ في معاناة الفلسطينيين، بل أيضاً إدخال معيار جديد للمساعدات يتم تقديمها تحت تهديد السلاح، بعد فحص بيومتري، وبمقايضتها بالخضوع.

|

اشترك بنشرتنا البريدية