ابتدع أمويّو دمشق منبر المسجد في عهد معاوية بن أبي سفيان، زادوا على الدرجات الثلاث التي سنّها الرسول، ليعلو الخطيب على جَمْع المصلّين، لإيصال الصوت والتحديق بالحشد الذي ينصت، كما فعل وزير الثقافة السوري، الذي اعتلى منبر المسجد الأمويّ، وقفّا ثلاث أمنيات للشعب السوري وهي: سقوط النظام، وحل جيش الأسد، وأفرع الأمن.
صعود المنبر ليس فرضاً في الخطبة، بإمكان من يريد فصل الخطاب أن يتحدّث من المحراب، وفي سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تحوّل المنبر والمحراب إلى منصّتين للسلطة التنفيذية، “خطب” منهما وزير العدل، ووزير الاتصالات، ووزير الثقافة، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية بل حاكم مصرف سوريا المركزي السابق أيضاً، وبالطبع الرئيس السوري المؤقّت أحمد الشرع، كلهم خرجوا على الناس في المسجد، في مواجهة مكانية بين السلطة التنفيذية وحشد المواطنين والمصلّين.
اعتلاء الوزراء المُعيّنين المنابر وتحويل مهام الحكومة إلى خطاب وعظي، يحوّل المسجد نفسه (التابع للسلطة التنفيذية ممثّلة بوزارة الأوقاف)، إلى فضاء أشدّ سياسية ممّا هو عليه أصلاً، يعتلي منبره “ذو الأمر” في إحياء لأسلوب تفاوض مع السلطة ينتمي إلى ما قبل “الدولة الحديثة”، التي تتبنّى أسلوباً بيروقراطياً ورسمياً في علاقتها مع “المواطنين”، لنرى أنفسنا أمام “رعيّة” تتواضع أمام “ذو الأمر”، الذي هو منهم، يشاركهم العبادة والتدبّر، ويتداول أحياناً شؤون الحكم في محراب المسجد، لتعود السياسية إلى مفهومها اللغوي البحت: ساس القوم، أي قادهم!
منذ العام 2011، تكثّفت السياسية في المسجد، القوى المتصارعة طرحت تفسيرات متعدّدة للاحتشاد فيه، فنظام الأسد الذي هيمن على الفضاء العامّ وأشكال التجمّع، جعل المسجد “المكان الوحيد” الذي يمكن للسوريين أن يجتمعوا فيه، والتشكيك في هذا التفسير يترك صاحبه في خانة معاداة الثورة، التي خرجت جموعها من المساجد أفواجاً ضد الأسد هذه الأفواج، أسبغت بروباغندا النظام عليها طابعاً دينياً لا ثورياً، واشتهرت عبارة: “أهل الميدان خرجوا من المسجد لشكر ربّهم على نعمة المطر”.
اليوم، الحضور في المسجد علامة على الانتماء إلى الجماعة والتآلف مع أعرافها ومواقفها، بعكس أولئك “العلمانيين” روّاد الشارع الذي لا تعلوه الأسماء الحسنى، ولا نقصد بالحضور الصلاة فقط، بل الحضور الفيزيائي تحت القبّة، والأهمّ علاقة السلطة بوصفها الحاكم، لا بالقانون فقط بل بالأيديولوجيا، فحتى النائب في مجلس الشعب السوري المسيحي نوّار نجمة حضر خطبة الجمعة، والدرزي ليث البلعوس أمّ مصلّين أيضاً، وهنا تميع الحدود بين “طاعة الله” و”طاعة الدولة”، ليظهر (الأداء) كاستعراض للولاء في (مسرحه).
المسجد أضحى مساحة لـ”أداء الطاعة”، ونيل الاعتراف السياسي من “جمهور السلطة”، ونقول جمهور، كونهم مستهلكين للمحتوى وصانعين له، لا فاعلين سياسيين، فالولاء يُقاس باللقطة لا القيمة السياسية، ففضاء المساجد يرسم المتخيّل السياسي بين الأفراد والسلطة، والحضور فيه انتماء إلى الجماعة الحاكمة، وإلى “الثورة” نفسها بنسختها الإسلامية، مع ذلك ليس كل من صلّى في المسجد “مؤيّد للدولة”، في حين حضور “رجال الدولة” يتجاوز الديني نحو السياسة بوصفها أداء أمام من يحدّق، ونركّز على رجال هنا، لأن المرأة الوحيدة في موقع سلطة تنفيذية، مسيحيّة!
حارب نظام الأسد المساجد بعد 2011 في مناطق سيطرة المعارضة، وتعامل بحذر معها وضبطها عبر وزارة الأوقاف في مناطقه، أمعن في القصف والتقتيل ونشر المخبرين، بل سَخِر بشّار الأسد نفسه من تعمير المساجد في أحد الفيديوهات المسرّبة بعد فراره.
وبحسب وزير الأوقاف بعد سقوط النظام، تحوي سوريا أكثر من 16 ألف مسجد، هدم منها النظام بشكل كلي أو جزئي 1500. بعد بضعة أشهر، قال الوزير في كلمة ألقاها في معرض دمشق الدولي إن عدد المساجد زاد عن 18 ألف مسجد، وفي نسخة موازنة المواطن أحد أهداف وزارة الأوقاف للعام 2026، هو “إعادة إعمار المساجد المتضرّرة”.
تعمّر بيوت الله في الأرض وترتفع المآذن، لا مكان للجدل الفقهي حول مسجد الحيّ وامتلائه، بل ترسّخ مناورة الوقف من جهة ورغبة المتبرّع من جهة أخرى، وتصل أحياناً حدّ المناكفة مع سكّان المنطقة، كما الجدل حول المسجد وسط حديقة في دير الزور، الذي قال وزير الأوقاف نفسه إن الناس أخبروه “لا نريد جوامع!”، فقال لهم “ما بيصير… هوي جاية يبني الجامع ويبني الحديقة كمان”، وأكّد الوزير أنه قال له “تعال وابني الجامع…”.
ترتفع المآذن “صروحاً للانتصار”، شواهد على سقوط الأسد، وامتداداً لـ”الجماعة” وسطوة “الحكم” على التراب، وضبط الفضاء والحشد حولها، وهذا ما يتّضح في المسجد الذي بُني وسط جامعة دمشق، والآخر في المدينة الجامعية مقابلها، مساحة محميّة و”طاهرة” للاحتشاد والاجتماع، وتقسيم من في الجامعة إلى من يدخل المسجد ومن لا يدخله.
تضبط ساحة المسجد “الحشد” ضمن فضاء مغلق، يجتمع فيه الناس في سياق مضبوط ومحميّ، لا يخضع للقانون الذي يضبط “الجميع” فقط، بل للسلطة التنفيذية وسطوة الذي “يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ”، حتى إن بعضها يلعب دوراً في ضبط العنف وترسيخ صيغة الوجاهة والحوار و”تقبيل الشوارب” والاعتذارات و”التي هي أحسن”، فمجلس الصلح بعد “الحوادث” في جديدة عرطوز أُقيم في مسجد الرحمن، السياسة هنا لا تحت قبّة البرلمان ولا المحكمة، بل في المسجد!
الحشد في المسجد “”ثوري”، وفي الشارع محطّ انتقاد وريبة واتّهام، حشد المسجد لا شكّ فيه وفي ولائه، كونه تآلف وتقرّش في مساحة السكينة والمُسايسة، فإن هبط وزير إلى الشارع فلتهدئة النفوس، أما في المسجد فـ”للحوار” الآمن، الودّي، الحميمي، الخالي من “تكلّف” السلطة، حيث تتلاشى سطوة القانون أمام سكينة المحراب.
“المول”: القرين “المدني”
يدافع هاني ذهب “الشيخ الذهبي” صاحب حملة توزيع النقابات، ومؤيّدوه على الأرض ووسائل التواصل الاجتماعي، عن حقّهم بـ”الدعوى” و”إنكار المنكر”، وتحضر كلمات “حرّية التعبير” و”عدم الإجبار” في ذودهم عن نشاطهم في الفضاءات العامّة (جامعة، مسجد، مشفى، شارع…)، لكن ما يثير الانتباه، أن المكان الوحيد الذي مُنعت فيه “الحملة” هو المركز التجاري (المول)، وبحسب الذهبي وزارة الأوقاف نفسها هي التي منعته في “شام سيتي سنتر”، ليطرح هنا سؤالاً حول “حصانة” المول من الحملات الدعوية.
السؤال فعلاً مثير للاهتمام، المول نفسه (شام سيتي سنتر) استقبل مؤثّراً احتشد لأجله صبيان وبنات، وصرخوا معه و”قضوا أوقات الفراغ” محتشدين مختلطين، ومنع حملة الذهبي في هذا المكان بالذات، وما أثارته من استغراب، وعلاقة “المول” مع السلطة الحالية، يجعله أقرب إلى فضاء قرين للمسجد، بناء محصّن حتى من السياسة والدعوى، هو واجهة “الدولة” لتثبت انفتاحها لـ”الخارج”، منصّة تجارية تخضع لقواعد الاستهلاك ضمن مساحة مغلقة ومكيّفة.
هذه العلاقة مع المول كصرح طاعة، تتّضح في “تجربة إدلب” التي تنتشر فيها المولات، المثال الأوضح هو مول “الحمراء” في مدينة الدانا في إدلب، لا بوصفه واجهة تجارية فقط، بل مساحة تحاول التحرّر من “الخارج” وأسلوب إدارته. ففي عام 2023 بافتتاح مهرجانه الأوّل، وُجّهت انتقادات حول “الاختلاط” و”الموسيقا” والتبرّج”، في الوقت ذاته الذي كانت تُخاض فيه معارك مع النظام، حيث أُرسلت تعزيزات لحماية المول، ما أثار حنق إحداهن، ودفع إدارة المول لتعتذر عن “الخطأ الفردي”؛ حرفياً هذه الكلمة استُخدمت، والتأكيد أن المول لم يغلَق ولم يتوقّف المهرجان، الذي استمرّ لعشرة أيّام.
المول في إدلب، وحالياً في سوريا كلها، هو مساحة استهلاكية ذات قيمة أيدلوجية تتلخّص بـ”نزع التشدّد” حسب رأي “هيئة تحرير الشام” سابقاً، فضاء محميّ وخارج السياسة ويتيح التخفّف من سطوة الأيديولوجيا. الاحتشاد في المول، البناء ذي الواجهات الزجاجية، يضبط أيضاً الأداء، فإن كان أساس الجامع هو الخشوع والتواضع، أساس المول هو خلق الرغبة والإبهار، وكلاهما مكان مغلق، لا يتسرّب حشدهما إلى الشارع إلا أفراداً.
إقرأوا أيضاً:
الطاعة في المسجد شعائرية- سياسية، في المول هي تبادلية، استهلك أكثر لتكن مع رؤية الدولة لـ”إدارة التنوّع”، الطاعة هنا تنعكس بنمط حياة يمارَس داخل بناء تجاري، محميّ من الخارج، الطاعة الاستهلاكية هنا لا تتّضح إلا ضمن الحشد وصوره المنتشرة واتّفاقه على أعراف الاستهلاك.
لا ينفي ما سبق أن “المول” ليس بسياسي، أحد مظاهر الاحتجاج السلمي ضد نظام الأسد، شهدها مول “شام سيتي سنتر” نفسه، عُطّل زمن التسوّق، ورفع ناشطون سلميون حينها لافتات تطالب بإيقاف القتل قبل أن يتمّ إخلاؤهم، بصورة ما، حياد “المول” امتداد لطبيعته كمساحة هيمنة استهلاكية، استعراض لـ”الحياة المدنية” ضمن فضاء مسوّر، لا دعوة فيها ولا احتجاج!
أغلب المشاريع التي أُعلن عنها في سوريا تحوي “مراكز تسوّق”، يزحزح التراب، لخلق فضاءات لا يمكن للمهجّرين السكن بها، بل التجوّل في “مولاتها” فقط، تأمّل ما فاتهم وما لا يقدرون عليه، “المول” اختزال عمراني للعجز عن تأمين السكن، مكان التنزّه والتسوّق لا الاستقرار، وفيه تُباح الميوعة الأيديولوجية، ويُعاد ضبط مساحة “الحرّية الاجتماعية” المرضي عنها، لطالما هي “في الداخل” ضمن الجدران.
تختلط الطبقات الاجتماعية في المول، المستهلكون والمتنزّهون في الفضاء ذاته، والحشود تجتمع فيه لأجل “مؤثّر” أو غيره، في جوّ مُكيّف تحميه واجهات زجاجية، ورأس المال يخاطر بتمييع الأيديولوجيا على حساب الربح، لتظهر فجأة قواعد السوق و”الصورة أمام الآخر”، داخل المول النظيف إلى حدّ أن زجاجه الخارجي يعكس حطام المدينة حوله.
ماذا يحصل في “البيت العربي “؟
المسجد و”المول” قرينان بيد السلطة لضبط الحشود بعيداً عن قواعد الطبقة، وهذا أسلوب احتواء بلغة النظرية السياسية، وهناك أيضاً الاحتواء عبر النفي والتجاهل، وهذا يلحَظ أيضاً في الاحتشاد الخجول الخاصّ بالأنشطة الثقافية وشبه السياسية داخل المساحات الخاصّة: بيوت، مقاهي، صالات عرض، والأبرز، البيوت العربية.
في دمشق، تلعب “البيوت العربية” دوراً محورياً، هي مساحة تستقبل أنشطة شديدة التنوّع (حفلات موسيقية، مؤتمرات، ورشات فنّية وثقافية… إلخ إلخ)، مساحة أنيقة للاجتماع وضبط الأفكار المتداولة مع الحاضرين، لا تغادر فناء البيت العربي متقن الصيانة.
هكذا تتحوّل صورة سوريا “المدنية”، الكلمة التي تستخدَم لتفادي كلمة علمانية وديموقراطية، إلى “فعّالية” أو “نشاط” محصور في مكان ذي صبغة سياحية، بهذا يستعيد البيت العربي دوره كمساحة تراثية، ما يحصل فيها لا يغادر جدرانه وباحته، أشبه بفردوس لتخيّل سوريا مختلفة عمّا هي عليه الآن!
“الشارع” وسياسات الحشد !
الشارع، المساحة التي قُتل السوريون من أجل استعادتها كمساحة للاحتشاد والاحتجاج، تحوّل إلى مساحة مباحة وخطرة في الوقت ذاته، والسلطة الجديدة تنظّم هذا الاحتشاد عبر ضبط شروط التجمّع وحمايته من قِبل الأمن العامّ، وأيضاً إتاحة “المواجهة بين شارعين”.
يدافع الكثيرون عن حقّ السلطة في تنظيم التظاهر في الشارع، ولن ندخل في جدلية هذا الشأن، لكنّ المفارقة أن المول والمسجد هما المكانان الوحيدان اللذان يمكن فيهما الاجتماع والاحتشاد دون موافقة، في حين الشارع مساحة تصل فيها الجموع حدّ الاشتباك.
الشارع فضاء صراع لم يُحسَم بعد، يعجّ بالكتابات التي تدعو إلى “طاعة الله” والحملات الدعوية، ولا يعني ذلك هيمنتها، إذ يشهد أيضاً احتجاجات واحتفالات متواضعة. هو مساحة تفاوض “خطرة”، كونه تحوّل إلى حلبة للصيد والتشهير واغتيال الشخصيّة. علنية الشارع نفسها تحوّلت إلى سلاح ضد من فيه، لا يصطاد مؤيّدو السلطة الوجوه في صور المساجد والمولات، بل التركيز فقط على من في الشارع، أولئك الذين لا تضبطهم جدران ولا قبب.
خطورة الاتّهام في الشارع نفسه، فعّلت أداء الطاعة والولاء السياسي، عبر تعطيل الزمن اليومي/ الاحتجاجي لأجل الصلاة، التي تحوّلت من عبادة إلى شكل من أشكال تأكيد “مشروعية الحشد” بوصفه لا يعادي الدولة، وهذا ما لحظناه في إقامة صلاة الجمعة أثناء الاحتجاج على قوانين الاستملاك أمام مبنى البرلمان. تأكيد إقامة الفرض يضمن تفادي انتقاد السلطة، ونيل رضا “جمهور العهد الجديد”.
حشود المساجد والمولات غير إشكالية، “مرضيّ عنها”، والسلطة التنفيذية عبر وزارة الداخلية هي التي تضبط الشارع، لكن ماذا لو كان الاحتجاج ضد وزارة الداخلية نفسها؟ ماذا لو كانت هي المتّهمة، كما في حالة مقتل محمّد غميرة تحت التعذيب؟ هل ننتظر موافقة من المؤسّسة ذاتها المتّهمة بإباحة الإخفاء القسري والقتل تحت التعذيب؟
إقرأوا أيضاً:












