“أنا حامل في الشهر الأول. كنت مانعة الحمل تمامًا بشكل قسري بعد اللي حصل مع ابني التاني، لكن لما عرفت إني حامل عايشة في رعب وإحساس بالذنب. إزاي هطلع للطفل اللي جاي شهادة ميلاد مصرية؟ إحنا في كابوس”.
شهادة أسمرا لا تتحدث فقط عن خوف أم على طفل لم يولد بعد، بل تكشف كيف يتحول الحق في الجنسية المصرية لأبناء المعارضين في الخارج إلى عبء نفسي، وكيف تُجبر النساء على اتخاذ قرارات قسرية تمس أجسادهن وحياتهن الخاصة، خوفًا من إنجاب طفل بلا أوراق ولا هوية.
أسمرا مصرية، وزوجها مصري. كلاهما غادرا مصر في أعقاب فض اعتصام رابعة وإطاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي عام 2013. لديها طفلان، الفارق العمري بينهما عام واحد فقط، لكن مصيرهما القانوني مختلف تمامًا.
تروي أسمرا في تصريحاتها لـ”درج” أن طفلها الأول سُجِّل في السفارة المصرية وحصل على أوراقه كاملة، بينما طفلها الثاني، الذي يبلغ اليوم خمس سنوات، لم يحصل على الجنسية المصرية، ويُصنّف فعليًا كطفل “بدون”، على رغم أنه مولود لأب وأم مصريين.
وتوضح أن الرفض لم يصدر في قرار رسمي مكتوب، بل عبر ما تسميه “مزاعم الاستعلام الأمني”، حيث تظل المعاملة معلّقة إلى أجل غير مسمى، من دون رد، ومن دون مسار قانوني واضح للطعن أو الاعتراض.
بحسب شهادة أسمرا، فإن التضييق لم يكن قائمًا بهذا الشكل قبل سنوات. تقول: “قبل خمس سنين كان عادي. كنا بنقدّم نسخة واحدة من ورق المستشفى تثبت ميلاد الطفل، وتطلع شهادة الميلاد من القنصلية خلال حوالي 15 يوم. دلوقتي لازم ثلاث نسخ، واتنين منهم بيروحوا الأمن الوطني والداخلية، ولازم الموافقة الأمنية”.
وتضيف أن والدها توجّه بنفسه إلى قسم مواليد المصريين في الخارج بالعباسية، وهناك أُبلغ صراحة أن السبب في تعطيل تسجيل طفلها هو “الأمن الوطني”؛ لا قضايا جنائية، ولا أحكام قضائية، ولا اتهامات معلنة، فقط تاريخ سياسي لعائلة كانت منخرطة في العمل العام.
أسمرا وزوجها كانا عضوين في حزب الحرية والعدالة، ووالدها أحد الأعضاء المؤسسين للحزب، وقد تعرّض للاعتقال قبل الإفراج عنه لاحقًا.
هذا التاريخ وحده، بحسب أسمرا، كان كافيًا لتحويل طفلها إلى شخص بلا هوية قانونية. وتقول: “الإعلام في الفترة دي كان بيقول إن المعارضين خونة، وإن لازم تتسحب جنسياتهم، وأطفالهم ما ياخدوش الجنسية. عمرنا ما سمعنا قبل كده عن بدون مصريين. كنا بنسمع عن البدون في الكويت، بس عمرنا ما تخيلنا إن ولادنا يبقوا بدون”.
شهادة أسمرا تكشف كيف يمتد القمع من الشخص المستهدف إلى أسرته، ثم إلى أطفاله، ليصبح العقاب عابرًا للأجيال، لا يكتفي بإسكات المعارض، بل يعاقب وجوده نفسه، ويضع ذريته في حالة فراغ قانوني كامل.
ولا يتوقف الأمر عند الأطفال. فبحسب أسمرا، تعرّضت هي نفسها لسلسلة من الضغوط القنصلية والأمنية. فعندما حاولت تجديد بطاقتها الشخصية، أُبلغت بضرورة السفر إلى مصر. وعندما انتهت بطاقتها، وتقدّمت بطلب لتجديد جواز السفر، قيل لها إن الأمر يحتاج إلى “استعلام أمني”.
لاحقًا، توجّه الأمن إلى منازل أهلها وأهل زوجها في مصر، وطُلب من شقيقتها التوجّه إلى مقر الأمن الوطني، حيث أُبلغت أن على أسمرا الحضور إلى مصر لتجديد أوراقها، وأنهم “ينتظرونها”.
بالنسبة لأسرة تعرف جيدًا كلفة العودة، لم يكن هذا خيارًا. تقول أسمرا: “ليه أعرّض نفسي للخطر؟ أنا من عيلة معروفة، وناس كتير من أصحابنا اتقبض عليهم، وفي ناس ماتت. لو عاملة جناية كان زماني عارفة، بس مفيش”.
في تركيا، لا تبدو الحياة أكثر أمانًا. فالوضع القانوني للمصريين هناك هش بطبيعته. الحصول على الجنسية التركية يتطلب استثمار مئات آلاف الدولارات، وإذن عمل نظاميًا لخمس سنوات متصلة، وهي شروط لا تتوافر لغالبية المصريين الذين يعملون بشكل غير نظامي. كما أن تجديد الإقامات مرتبط بوجود جواز سفر سارٍ، وهو ما لا تملكه أسمرا ولا طفلها.
تقول: “إحنا مسجونين حرفيًا في الحي. لو غيّرنا الولاية ممكن يرحّلونا. مش قادرين نتحرك، ولا نشتغل، ولا نسافر لأي دولة تانية”.
وتضيف أن الوضع يزداد تعقيدًا مع كل تغيير في قوانين الإقامات التركية، ومع الحملات الأمنية المتكررة، ما يضاعف شعور الخوف وعدم الاستقرار.
الأخطر، كما تشير أسمرا، أن أزمة “البدون” لم تعد مقتصرة على المصريين في تركيا، بل امتدت إلى دول عدة يعيش فيها المصريون وأبناؤهم بلا هويات مصرية، “إحنا هنشتغل إيه؟ ده إقصاء للمعارض حتى لو ساكت”.
وتؤكد أن في دائرتها القريبة وحدها عشرات الأطفال المصريين بلا جنسيات، على رغم أنهم من أب وأم مصريين، وأن عددهم خلال السنوات الخمس الأخيرة بالمئات.
بعض العائلات، بحسب شهادتها، حاولت الهروب من هذا المصير بالذهاب إلى دول تمنح الجنسية بالميلاد، مثل البرازيل، قبل أن تتوقف الأخيرة عن منح التأشيرات للمصريين. تقول أسمرا: “واحد اتولد لأب وأم مصريين ومش مصري… أنا مش قادرة أستوعب”.
شهادة أسمرا، كما يوردها تقرير “أينما ذهبوا”، لا تمثل حالة فردية، بل نموذجًا مكثفًا لكيفية تحوّل السياسات القنصلية إلى أداة قمع عابر للحدود، تُستخدم لإقصاء المعارضين، ليس فقط سياسيًا، بل وجوديًا، عبر إنكار حقهم وحق أبنائهم في الانتماء القانوني.
إحنا فاكرين إننا لما مشينا خلاص خرجنا من الدايرة… بس الدايرة هي اللي خرجت ورانا”، بهذه العبارة، التي يوردها تقرير “أينما ذهبوا” الصادر حديثاً عن “المنبر المصري لحقوق الإنسان” على لسان أحد المصريين المقيمين في أوروبا، يمكن تلخيص التجربة المعاصرة للمنفى المصري. ليست العبارة توصيفًا شعوريًا فحسب، بل مدخلًا دقيقًا لفهم شكل جديد من العقاب، لا يتوقف عند حدود الجغرافيا، ولا يحتاج إلى الاعتقال المباشر كي يكون فاعلًا، بل يعمل بصمت، عبر القانون والإدارة والبيروقراطية، ليُبقي المعارض داخل دائرة الخوف، أينما ذهب.
التقرير، الذي يوثق أنماط القمع العابر للحدود خلال الفترة بين كانون الثاني/ يناير 2022 وأيلول/ سبتمبر 2025، لا يتحدث عن وقائع استثنائية، بل عن بنية متكاملة تستهدف المصريين في الخارج، وتعيد تعريف معنى المنفى نفسه. فبدلًا من أن يكون مساحة أمان، يتحول المنفى، في حالات كثيرة، إلى حالة تعليق قانوني دائم، يُحرم فيها الفرد من أبسط حقوقه، ليس بقرار قضائي معلن، بل عبر تعطيل ممنهج للخدمات القنصلية، أو إسقاط الجنسية، أو ملاحقات قضائية غيابية، أو ضغوط غير مباشرة على العائلة داخل مصر.
إقرأوا أيضاً:
في ضوء ما يوثّقه تقرير “أينما ذهبوا”، وما تكشفه شهادة أسمرا وغيرها من الشهادات المتقاطعة، يصبح المنفى المصري حالة قانونية مُعلّقة أكثر منه انتقالًا جغرافيًا. فالدولة، التي تفشل أو ترفض حماية مواطنيها داخل حدودها، لا تتردد في ملاحقتهم خارجها، لا عبر أدوات العنف المباشر، بل من خلال ما هو أكثر فاعلية وأقل ضجيجًا: الإدارة، والوثيقة، والختم، والانتظار المفتوح.
هذا النمط من القمع العابر للحدود يعمل في منطقة رمادية يصعب الطعن فيها. لا توجد قرارات مكتوبة يمكن استئنافها، ولا مواعيد زمنية يمكن محاسبة الجهة المقصّرة عليها، ولا نصوص قانونية واضحة تبرر الحرمان. فقط إجراءات مؤجلة، واستعلامات لا تنتهي، وطلب دائم للحضور إلى مصر، حيث يصبح “التجديد” فخًا، و”التحديث” تهديدًا مبطنًا.
ما يميز هذه السياسات، كما يبرز التقرير، أنها لا تستهدف المعارض بوصفه فردًا فقط، بل تُعاقَب الأسرة عبر أطفالها، ويُرهن المستقبل بورقة رسمية غائبة، ويُعاد إنتاج الخوف عبر أجيال لم تشارك في أي فعل سياسي. الطفل الذي يُحرم من شهادة ميلاد أو جنسية لا يُعاقَب على موقف، بل يُعاقَب على النسب، وعلى ذاكرة الدولة تجاه عائلته.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة “البدون” بعدًا مصريًا جديدًا. فبينما ارتبط المصطلح تاريخيًا بدول بعينها، يكشف الواقع الراهن عن نشوء فئة غير مرئية من الأطفال المصريين عديمي الجنسية، لا لخلل قانوني، بل كنتاج مباشر لسياسات إقصائية متعمّدة. هؤلاء الأطفال لا يظهرون في الإحصاءات الرسمية، ولا تُناقش أوضاعهم في الخطاب العام، لكنهم يحملون كلفة سياسية مضاعفة: كلفة إنسانية على حياتهم اليومية، وكلفة قانونية سترافقهم في التعليم، والعمل، والسفر، والاعتراف.
التقرير لا يضع هذه الوقائع في إطار مصري صرف، بل يربطها بسياق دولي أوسع، حيث تتقاطع سياسات القمع العابر للحدود مع ضعف آليات المساءلة الدولية، وتردد دول الاستقبال في الدخول في نزاعات دبلوماسية مع حكومات المصدر. في هذا الفراغ، يُترك المنفي وحده، عالقًا بين دولة ترفضه ودول لا تعترف بمأساته كقضية حقوقية قائمة بذاتها.
أخطر ما يكشفه هذا النمط، كما توضح شهادة أسمرا، ليس فقط الحرمان من الحقوق، بل إعادة تشكيل الوعي الذاتي للمنفي. فمع الوقت، يتحول الخوف من العودة إلى خوف من الحركة، ومن التسجيل، ومن السؤال. تصبح الحياة اليومية سلسلة من الحسابات الأمنية الصامتة، ويُختزل الوجود في محاولة دائمة لتفادي الظهور. هكذا ينجح القمع، لا في إسكات الصوت فقط، بل في إعادة هندسة الحياة نفسها.
مديرة المنبر المصري لحقوق الإنسان، سمر الحسيني، قالت في تصريحات لـ”درج”، إن المنتدى يعمل على الدفع نحو تشكيل لجنة دائمة تسعى الى البقاء كآلية وطنية تتعامل مع أوضاع المصريين في الخارج، بخاصة أولئك الذين يواجهون أزمات قانونية أو إنسانية معقّدة بسبب القمع العابر للحدود.
وأضافت أن كثرًا من المصريين الراغبين في العودة إلى البلاد، حتى بشكل مؤقت، يُجبرون على الدخول في وساطات وتقديم تنازلات قسرية، سواء كانت العودة بدافع إنساني مثل مرض أحد الأقارب أو وفاته، أو لأسباب عائلية ملحّة، وهو ما يضعهم في مواقف لا ينبغي أن يخضعوا فيها لأي ابتزاز سياسي أو أمني.
وأشارت الحسيني إلى أن أزمة الأوراق الثبوتية تُعد من أخطر الأزمات وأكثرها تشابكًا، لافتة إلى أن تداعياتها لا تتوقف عند الفرد، بل تمتد إلى كل تفاصيل حياته القانونية والاجتماعية، إذ يُحرم من إتمام إجراءات الزواج أو الطلاق أو التوثيق الرسمي. وأوضحت أن الأزمة تتفاقم بشكل خاص في حالات النساء، إذ توجد حالات موثقة لنساء وأطفال ظلوا ثلاث أو أربع سنوات من دون شهادة ميلاد أو أي وثائق ثبوتية رسمية
وأوضحت أنه عند مطالبة المواطنين بأوراقهم الثبوتية عبر السفارات أو القنصليات، يُحال الطلب إلى الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية، ليأتي الرد في صور متعددة، إما بعدم السماح بحضور المواطن، أو بالرفض الصريح، أو بعدم الرد نهائيًا، ما يترك الأشخاص في حالة فراغ قانوني مفتوح.
وأضافت أن هناك حالات وُضع أصحابها تحت ما يشبه الحظر داخل السجل المدني، بحيث لا يتمكن الشخص أو أي فرد يملك توكيلًا عنه، من استخراج أي أوراق رسمية، وهو ما يعمّق من عزلتهم القانونية ويجعل حياتهم اليومية شبه مستحيلة.
وفي ما يتعلق باختلاف أوضاع المصريين حسب دول الإقامة، أشارت الحسيني إلى أنه في بعض الدول الأوروبية يمكن أحيانًا استخراج وثيقة سفر مؤقتة، بينما لا يتوافر هذا الخيار في دول مثل الخليج وتركيا، حيث يفتقر كثيرون أيضًا إلى الرعاية الصحية الملائمة بسبب غياب الوثائق الرسمية.
وأكدت أن الحل الجذري لهذه الأزمة يتمثل في إيجاد آلية وطنية واضحة ومعلنة للتعامل مع مشكلات الأوراق الثبوتية للمصريين في الخارج، بدل تركهم فريسة للتقديرات الأمنية أو الحلول الفردية غير المستقرة.
وأشارت إلى أن غياب هذه الآلية يدفع كثيرين إلى اللجوء للوساطات الشخصية، إذ يتوقف مصير الملف على ما يُعرف بـ”بروفايل” الشخص، مضيفة أن بعض الحالات طُلب منها تقليل نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي كشرط غير معلن لتسهيل الإجراءات، مستشهدة بنماذج خضعت لما وصفته بـ”تنسيقات أمنية”.
وتابعت أن بعض العائدين يعودوا تحت مسمى “عودة الابن الضال”، مع الالتزام بما يُعرف بـ”الهامش الجديد” المفروض على آخرين.
ولفتت سمر الى أن العائدين يُطلب منهم غالبًا تحديد خط السير، وتقديم تذكرة الذهاب والعودة، وقد تُفرض عليهم موافقة أمنية مسبقة في حال الرغبة في التحرك بين المحافظات داخل مصر.
وفي ما يخص التوقيف أو الترحيل في المطارات، قالت الحسيني إن هناك تعاونًا أمنيًا بين عدد من الدول العربية عبر آليات مثل الإنتربول أو مجلس وزراء الداخلية العرب، كما في لبنان والأردن والمغرب والإمارات والسعودية، حيث يتم توقيف الشخص أو ترحيله فور الوصول.
وأكدت الحسيني أن المنبر المصري لحقوق الإنسان تواصل مع المجلس القومي لحقوق الإنسان وعدد من المكاتب المتخصصة، من بينها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وعدد من البرلمانيين، لنقل مضمون التقرير وتوصياته إلى صناع القرار، والتأكيد على أن هذه المطالب مشروعة وقانونية ولا تمثل استثناءً أو امتيازًا.
اعتمد البرلمان الأوروبي القرار بغالبية ساحقة، استنادًا إلى دراسة شاملة أعدتها لجنة الشؤون الخارجية التابعة للبرلمان، حول حالات القمع التي تستهدف المصريين المقيمين في الخارج، وبخاصة الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وأدرجت مصر كواحدة من أربع دراسات حالة رئيسية في دراسة اللجنة، ما يعكس الارتفاع الملحوظ لحجم الممارسات العابرة للحدود في سياقات سياسية معقدة.
وعلى الرغم من أن قرارات البرلمان الأوروبي ليست ملزمة قانونًا بشكل مباشر للدول المعنية، فإنها تتمتع بثقل سياسي قوي، بخاصة عند دمجها مع آليات الأمم المتحدة أو مع سياسات الشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول الخارجية. في حالة مصر، كما يُشير المنبر المصري، يمكن أن يؤثر هذا القرار على علاقات مصر مع المؤسسات الأوروبية وعلى شروط التعاون ـ بشرط أن يُستكمل بالتزام أوسع من المجتمع الدولي.
لا يقول تقرير “أينما ذهبوا” إن القمع المصري أصبح عابرًا للحدود فحسب، بل يشير الى شيء أعمق: لم تعد الدولة ترى في الجنسية رابطة حقوق، بل أداة ضبط، تُمنح وتُحجب وفقًا لمعادلات الولاء والذاكرة السياسية. وبهذا المعنى، لا يكون المنفى خلاصًا، بل امتدادًا لساحة السيطرة، حيث تظل الدولة حاضرة، ليس فقط عبر السجون، بل أيضاً عبر الورق.














