ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المعارضة الإيرانية في مرآة الحرب

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بالتوازي مع الغارات الجوّية ودويّ الصواريخ والانفجارات، تدور في إيران رحى حرب أخرى بين المهلّلين للحرب الإسرائيلية ورافضيها. هي حرب مواقف تعكس الصراع بين الرؤى السياسية حول مستقبل إيران ومصير شعبها وشكل الحكم الذي يناسبها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أظهرت ردود الفعل العاطفية والسياسية للإيرانيين على الحرب، الخلاف العميق بين مؤيّدي النظام ومعارضيه من جهة، وبين الجماعات المعارضة والناشطين السياسيين والمجتمع المدني وشرائح مختلفة من الشعب الإيراني من جهة أخرى، وكشفت مرّة أخرى حجم الانقسام العمودي في المجتمع الإيراني، إضافة إلى التناقض الحادّ حول أي إيران يريد الإيرانيون.

يمكن تصنيف ردود الفعل هذه ضمن ثلاث فئات:

مرحّب متطرّف: وهي الفئة التي تأمل أن تؤدّي هذه الحرب إلى سقوط النظام، وأن تكون بداية لإنقاذ الشعب من 46 عاماً من الديكتاتورية الدينية، وإعادة إيران إلى مسارها الإنساني الحضاري.

رافض متطرّف: وهي الفئة التي تتكوّن من مؤيّدي النظام، الذين لم يتغيّر موقفهم رغم الضربات الموجعة التي تلقّوها، وما زالوا يفضّلون الموت على تقديم أي نوع من التفاوض أو التنازل. على هامشهم تجلس فئة أقلّ حدّة وأكثر دبلوماسية، تتمسّك بالنظام، لكنّها توافق على تقديم بعض التنازلات مثل وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.

بين هاتين الفئتين المتطرّفتين، تحرص فئة ثالثة على إظهار موقف وطني متوازن، وتعمل على استنهاض المشاعر الوطنية للقواعد الشعبية، وتدعو إلى التمسّك بوحدة الأراضي الإيرانية، والدفاع عنها في مواجهة العدوان الخارجي، وتعد بمحاسبة النظام على ارتكاباته، لكن ليس الآن، إنما بعد أن تهدأ أصوات الحرب ويزول الخطر. هذه الفئة، تتكوّن من طيف واسع من المعارضين على اختلافاتهم الفكرية، وتجتمع على عداء إسرائيل وأميركا، بغض النظر عن مدى عدائها للنظام.

المواقف المعارضة التي تجمع بين الفئة الأولى والثالثة، تصدر عن خمسة أطياف أساسية:

1 ـ أنصار البهلوية (الملكيون) الذين يرون أن إيران باتت قريبة من تحقيق حلم العودة إلى النظام الملكي، ويشكرون إسرائيل علناً، لأنها تعمل على تحرير بلادهم من “الجمهورية الإسلامية”.

يمكن رصد حركة رضا شاه الثاني وارث عرش البهلوية الأخير الدبلوماسية، وزياراته المكثّفة لعواصم القرار، حيث يطرح نفسه كبديل للنظام، رغم افتقاره إلى الشرعية الشعبية واندثار إرث عائلته، كذلك تصريحاته التي يشجّع فيها إسرائيل على تكثيف ضرباتها، بغضّ النظر عمّا تخلّفه من ضحايا مدنيين ودمار، ويحثّ فيها الناس على العصيان المدني وإسقاط النظام في الشارع، أما زوجته ياسمين فدعت في منشور على “فايسبوك” إسرائيل إلى الاستمرار في ضرب إيران. 

2 ـ منظّمة “مجاهدي خلق” بقيادة مريم رجوي، التي اعتبرت أن “هذه الحرب بمثابة بداية تاريخ جديد لإيران”، وخلال مشاركتها في جلسة البرلمان الأوروبي الأخيرة قالت “إن الحرب الإسرائيلية على إيران تبشّر بالإطاحة بالديكتاتورية الدينية، ونحن بتنا نرى ذلك بأمّ أعيننا، بخاصّة أننا رأينا ما حدث في سوريا ونهاية بشّار الأسد العام الماضي، التي لم يتوقّعها أحد، لكنّها كانت حدثاً حقيقياً بالفعل”.

3ـ  الشخصيّات السياسية المستقلّة: يشمل هذا الطيف المتنوّع مجموعة من الفنّانين والحقوقيين والمبعدين من السلطة، والمفكّرين والمثقّفين الدينيين مثل عبد الكريم سروش ومحسن كديور وصادق زيبا كلام، الذين يلتقون عند حرمة النفس البشرية، ورفض التعدّي على السيادة، وتدمير البنية التحتية، إلى المخاوف من تفكّك البلاد وانهيارها، وتوقّع حصول فوضى عارمة، وهم يعارضون الحرب كمعارضتهم النظام.

ومنذ أيّام نشطت حركة توقيع بيانات لشخصيّات مؤثّرة في الداخل والخارج، تدور في هذا النطاق، ضمّت أمثال: نرجس محمدي وشيرين عبادي الحائزتين على جائزة نوبل للسلام، والمخرجين السينمائيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، ومجموعة من المثقّفين والأكاديميين والمُؤيّدين للانتقال السياسي، دانت حكومتي الجمهورية الإسلامية وإسرائيل بالتساوي، ودعت إلى وقف إطلاق النار وحلّ النزاعات بالطرق الدبلوماسية.

وعقّب بناهي على توقيع البيان: “من المؤكّد أن سياسة الحكومة المعادية لإسرائيل وإصرارها على تطوير برنامجها النووي، قد أوصلتنا إلى هنا، أما غزو أراضي البلاد وإدانته، فأمر آخر. مشكلتنا مع النظام مشكلة داخلية، والهجوم العسكري الأجنبي هو هجوم على أراضي بلدنا”.

في حين سرّبت الصحافة تسجيلاً صوتياً لعضوة حزب “جبهة المشاركة” فائزة رفسنجاني قالت فيه: “نحن نحصد ما زرعناه”، في إدانة غير صريحة لسياسات النظام التي استدرجت الحرب.

4 ـ فلول اليسار: الذين ينتمون إلى خلفيّات فكرية متعدّدة، ولديهم آراء متضاربة بشأن الحرب، وهم أساساً منقسمون على ذاتهم. بعضهم عاد إلى الأدبيات والخطابات اليسارية الكلاسيكية، وأظهر حماسة في إدانة إسرائيل ووجوب الدفاع عن الوطن، من دون أن يوجّه انتقاداً إلى مؤسّسة الحكم، وبعضهم وجد في الهجوم الإسرائيلي فرصة تاريخية للإطاحة بالنظام، وآخرون أعربوا عن خشيتهم من أن يؤدّي انتصار إسرائيل ومن خلفها أميركا إلى هيمنة غربية على إيران، فرفعوا شعاراً ذا حدّين: “لا للحرب، لا للجمهورية الإسلامية”.

5 ـ الأقليّات القومية والعرقية والدينية: لم يصدر عن ممثّليها وأحزابها أي تعليق سلبي أو إيجابي حتى الآن، رغم أن مناطقها لم تسلم من الاستهداف، مثل كرمنشاه وتبريز، وأغلب الاعتقاد أنها ما تزال صامتة خوفاً من اتّهامها بالخيانة، وإحياء النوايا الانفصالية، كما تجري العادة، رغم أنها الأكثر قلقاً بشأن تداعيات هذه الحرب، فإذا اختلّ توازن الحكومة المركزية، ستكون أكثر الأمكنة عرضة للفوضى والانفلات الأمني.

الشعب الإيراني

اللافت أنه على الصعيد الشعبي، لم تظهر أية ردّة فعل على الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت قادة النظام الإسلامي ومؤسّساته إلى الآن، فرغم مرور أسبوع على بدء الهجمات، لم تشهد أي منطقة في إيران مسيرات دعم للنظام، ولا استنكارات لما تقوم به إسرائيل، مقابل طيف واسع لم يُخف فرحته بالاغتيالات التي جرت، وعبّر عنها على وسائل التواصل الاجتماعي مواربة أو صراحة.

من المؤسف القول إن الشعب الإيراني بغالبيته، يجد أن هذه الحرب ليست حربه، وهو إن سكت على انتهاكات إسرائيل، فليس انسجاماً مع اعتداءاتها، بل انطلاقاً من كراهيته للنظام، فلا يكاد يوجد إيراني لم يؤذه هذا النظام، ولشدّة ما كتمت النساء وأهالي القتلى والسجناء والمبعدين الظلم والقهر في قلوبهم، يشعرون وكأن أرواحهم قد شُفيت برؤية قادة النظام يتألّمون ويشعرون بالذل والمهانة، فالإيرانيون كما يقول أحد المعارضين: “قبل أن يصبحوا ضحايا إسرائيل كانوا ضحايا النظام… فعندما يستبدّ حاكم بشعبه، ويجعل القتل عادة، تصبح إهانته أمراً مستحبّاً”.

21.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes

بالتوازي مع الغارات الجوّية ودويّ الصواريخ والانفجارات، تدور في إيران رحى حرب أخرى بين المهلّلين للحرب الإسرائيلية ورافضيها. هي حرب مواقف تعكس الصراع بين الرؤى السياسية حول مستقبل إيران ومصير شعبها وشكل الحكم الذي يناسبها.

أظهرت ردود الفعل العاطفية والسياسية للإيرانيين على الحرب، الخلاف العميق بين مؤيّدي النظام ومعارضيه من جهة، وبين الجماعات المعارضة والناشطين السياسيين والمجتمع المدني وشرائح مختلفة من الشعب الإيراني من جهة أخرى، وكشفت مرّة أخرى حجم الانقسام العمودي في المجتمع الإيراني، إضافة إلى التناقض الحادّ حول أي إيران يريد الإيرانيون.

يمكن تصنيف ردود الفعل هذه ضمن ثلاث فئات:

مرحّب متطرّف: وهي الفئة التي تأمل أن تؤدّي هذه الحرب إلى سقوط النظام، وأن تكون بداية لإنقاذ الشعب من 46 عاماً من الديكتاتورية الدينية، وإعادة إيران إلى مسارها الإنساني الحضاري.

رافض متطرّف: وهي الفئة التي تتكوّن من مؤيّدي النظام، الذين لم يتغيّر موقفهم رغم الضربات الموجعة التي تلقّوها، وما زالوا يفضّلون الموت على تقديم أي نوع من التفاوض أو التنازل. على هامشهم تجلس فئة أقلّ حدّة وأكثر دبلوماسية، تتمسّك بالنظام، لكنّها توافق على تقديم بعض التنازلات مثل وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.

بين هاتين الفئتين المتطرّفتين، تحرص فئة ثالثة على إظهار موقف وطني متوازن، وتعمل على استنهاض المشاعر الوطنية للقواعد الشعبية، وتدعو إلى التمسّك بوحدة الأراضي الإيرانية، والدفاع عنها في مواجهة العدوان الخارجي، وتعد بمحاسبة النظام على ارتكاباته، لكن ليس الآن، إنما بعد أن تهدأ أصوات الحرب ويزول الخطر. هذه الفئة، تتكوّن من طيف واسع من المعارضين على اختلافاتهم الفكرية، وتجتمع على عداء إسرائيل وأميركا، بغض النظر عن مدى عدائها للنظام.

المواقف المعارضة التي تجمع بين الفئة الأولى والثالثة، تصدر عن خمسة أطياف أساسية:

1 ـ أنصار البهلوية (الملكيون) الذين يرون أن إيران باتت قريبة من تحقيق حلم العودة إلى النظام الملكي، ويشكرون إسرائيل علناً، لأنها تعمل على تحرير بلادهم من “الجمهورية الإسلامية”.

يمكن رصد حركة رضا شاه الثاني وارث عرش البهلوية الأخير الدبلوماسية، وزياراته المكثّفة لعواصم القرار، حيث يطرح نفسه كبديل للنظام، رغم افتقاره إلى الشرعية الشعبية واندثار إرث عائلته، كذلك تصريحاته التي يشجّع فيها إسرائيل على تكثيف ضرباتها، بغضّ النظر عمّا تخلّفه من ضحايا مدنيين ودمار، ويحثّ فيها الناس على العصيان المدني وإسقاط النظام في الشارع، أما زوجته ياسمين فدعت في منشور على “فايسبوك” إسرائيل إلى الاستمرار في ضرب إيران. 

2 ـ منظّمة “مجاهدي خلق” بقيادة مريم رجوي، التي اعتبرت أن “هذه الحرب بمثابة بداية تاريخ جديد لإيران”، وخلال مشاركتها في جلسة البرلمان الأوروبي الأخيرة قالت “إن الحرب الإسرائيلية على إيران تبشّر بالإطاحة بالديكتاتورية الدينية، ونحن بتنا نرى ذلك بأمّ أعيننا، بخاصّة أننا رأينا ما حدث في سوريا ونهاية بشّار الأسد العام الماضي، التي لم يتوقّعها أحد، لكنّها كانت حدثاً حقيقياً بالفعل”.

3ـ  الشخصيّات السياسية المستقلّة: يشمل هذا الطيف المتنوّع مجموعة من الفنّانين والحقوقيين والمبعدين من السلطة، والمفكّرين والمثقّفين الدينيين مثل عبد الكريم سروش ومحسن كديور وصادق زيبا كلام، الذين يلتقون عند حرمة النفس البشرية، ورفض التعدّي على السيادة، وتدمير البنية التحتية، إلى المخاوف من تفكّك البلاد وانهيارها، وتوقّع حصول فوضى عارمة، وهم يعارضون الحرب كمعارضتهم النظام.

ومنذ أيّام نشطت حركة توقيع بيانات لشخصيّات مؤثّرة في الداخل والخارج، تدور في هذا النطاق، ضمّت أمثال: نرجس محمدي وشيرين عبادي الحائزتين على جائزة نوبل للسلام، والمخرجين السينمائيين جعفر بناهي ومحمد رسولوف، ومجموعة من المثقّفين والأكاديميين والمُؤيّدين للانتقال السياسي، دانت حكومتي الجمهورية الإسلامية وإسرائيل بالتساوي، ودعت إلى وقف إطلاق النار وحلّ النزاعات بالطرق الدبلوماسية.

وعقّب بناهي على توقيع البيان: “من المؤكّد أن سياسة الحكومة المعادية لإسرائيل وإصرارها على تطوير برنامجها النووي، قد أوصلتنا إلى هنا، أما غزو أراضي البلاد وإدانته، فأمر آخر. مشكلتنا مع النظام مشكلة داخلية، والهجوم العسكري الأجنبي هو هجوم على أراضي بلدنا”.

في حين سرّبت الصحافة تسجيلاً صوتياً لعضوة حزب “جبهة المشاركة” فائزة رفسنجاني قالت فيه: “نحن نحصد ما زرعناه”، في إدانة غير صريحة لسياسات النظام التي استدرجت الحرب.

4 ـ فلول اليسار: الذين ينتمون إلى خلفيّات فكرية متعدّدة، ولديهم آراء متضاربة بشأن الحرب، وهم أساساً منقسمون على ذاتهم. بعضهم عاد إلى الأدبيات والخطابات اليسارية الكلاسيكية، وأظهر حماسة في إدانة إسرائيل ووجوب الدفاع عن الوطن، من دون أن يوجّه انتقاداً إلى مؤسّسة الحكم، وبعضهم وجد في الهجوم الإسرائيلي فرصة تاريخية للإطاحة بالنظام، وآخرون أعربوا عن خشيتهم من أن يؤدّي انتصار إسرائيل ومن خلفها أميركا إلى هيمنة غربية على إيران، فرفعوا شعاراً ذا حدّين: “لا للحرب، لا للجمهورية الإسلامية”.

5 ـ الأقليّات القومية والعرقية والدينية: لم يصدر عن ممثّليها وأحزابها أي تعليق سلبي أو إيجابي حتى الآن، رغم أن مناطقها لم تسلم من الاستهداف، مثل كرمنشاه وتبريز، وأغلب الاعتقاد أنها ما تزال صامتة خوفاً من اتّهامها بالخيانة، وإحياء النوايا الانفصالية، كما تجري العادة، رغم أنها الأكثر قلقاً بشأن تداعيات هذه الحرب، فإذا اختلّ توازن الحكومة المركزية، ستكون أكثر الأمكنة عرضة للفوضى والانفلات الأمني.

الشعب الإيراني

اللافت أنه على الصعيد الشعبي، لم تظهر أية ردّة فعل على الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت قادة النظام الإسلامي ومؤسّساته إلى الآن، فرغم مرور أسبوع على بدء الهجمات، لم تشهد أي منطقة في إيران مسيرات دعم للنظام، ولا استنكارات لما تقوم به إسرائيل، مقابل طيف واسع لم يُخف فرحته بالاغتيالات التي جرت، وعبّر عنها على وسائل التواصل الاجتماعي مواربة أو صراحة.

من المؤسف القول إن الشعب الإيراني بغالبيته، يجد أن هذه الحرب ليست حربه، وهو إن سكت على انتهاكات إسرائيل، فليس انسجاماً مع اعتداءاتها، بل انطلاقاً من كراهيته للنظام، فلا يكاد يوجد إيراني لم يؤذه هذا النظام، ولشدّة ما كتمت النساء وأهالي القتلى والسجناء والمبعدين الظلم والقهر في قلوبهم، يشعرون وكأن أرواحهم قد شُفيت برؤية قادة النظام يتألّمون ويشعرون بالذل والمهانة، فالإيرانيون كما يقول أحد المعارضين: “قبل أن يصبحوا ضحايا إسرائيل كانوا ضحايا النظام… فعندما يستبدّ حاكم بشعبه، ويجعل القتل عادة، تصبح إهانته أمراً مستحبّاً”.

21.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية