لم يكن تحرّك 20 آب/ أغسطس 2026 في وسط العاصمة التونسية مجرد تظاهرة أخرى تُضاف إلى روزنامة الاحتجاجات المتفرقة خلال السنوات الأخيرة. ففي بلد تراكمت فيه الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراجعت فيه مساحة الاحتجاج والعمل العام، حمل خروج مئات التونسيين إلى الشارع أكثر من دلالة: معارضة تحاول استعادة المبادرة، وسلطة تواجه خصومها بمزيد من التضييق، ومجتمع تتزايد أسباب غضبه، لكنه لا يزال مترددًا في تحويل هذا الغضب إلى كتلة احتجاجية واسعة.
التظاهرة التي دعا إليها تحرّك “نَفَس” انطلقت من ساحة الجمهورية واتجهت نحو شارع الحبيب بورقيبة، ورفعت مطالب سياسية واجتماعية في آن، من الدفاع عن الحريات والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، إلى التنديد بتدهور القدرة الشرائية والخدمات العمومية والنقص في الماء والدواء. وكانت أبرز الشعارات المرفوعة: “لا ماء… لا ضو… لا دواء…”، في إشارة إلى الانقطاع المتكرر للماء والكهرباء خلال الأشهر الماضية، تزامناً مع قيظ الصيف وفي ظل غياب خطاب رسمي بشأن هذه الأزمة. خرج مئات المتظاهرين في سياق اقتصادي واجتماعي شديد الصعوبة، وسط ارتفاع منسوب التذمّر من أداء السلطة.
لكن الحدث الذي أعطى للتحرك دلالة تتجاوز حجمه العددي جاء بعده مباشرة. فقد أُوقف الناشط سيف الدين العرفاوي، أحد أبرز المشاركين في التظاهرة، بعدما ظهر خلالها حاملاً مكبّر صوت ويردد شعاراً بالعامية التونسية: “هز الكازي للرازي”، في إشارة إلى ضرورة نقل قيس سعيد (الكازي) إلى مستشفى الأمراض العقلية – الرازي. ووفق ما أعلنه تحرّك “نَفَس”، اقتيد إلى فرقة مقاومة الإجرام بالقرجاني، ثم تقرر الاحتفاظ به على خلفية تدوينة مرتبطة بشعارات رُفعت خلال التظاهرة، قبل أن يصدر في حقه قرار بالإيداع في السجن، ويُحال إلى القضاء على معنى الفصل 86 من مجلة الاتصالات التونسية، وهو قانون بالٍ أصبح نظام قيس سعيد يستخدمه لتكميم الأفواه بالتوازي مع المرسوم 54.
جدل في تونس حول “أخلقة الشعارات السياسية”
قضية العرفاوي لا يمكن النظر إليها باعتبارها حادثة منفصلة عن المناخ السياسي العام، فالمسألة تتعلق بحدود ما أصبح مسموحًا به في الفضاء العام التونسي، وبالكلفة التي يمكن أن يدفعها الفرد مقابل التعبير عن موقف سياسي أو المشاركة في تحرك احتجاجي.
بالنسبة إلى “نَفَس”، يمثل إيقاف العرفاوي تصعيدًا في سياسة التضييق على الحريات، وفق بيانها الذي نشرته الاثنين 24 آب/ أغسطس، مباشرة بعد صدور بطاقة الإيداع بالسجن ضده، بخاصة أن التتبّع جاء على خلفية التعبير عن مواقفه ومشاركته في تحرك مدني سلمي.
ويجب التذكير هنا بأن النيابة العمومية التونسية تحركت بعد حملة سحل إلكتروني واسعة وتحريض تعرّض له العرفاوي ممّن يسمون بأبواق نظام قيس سعيد، الذين تُخصّص صفحاتهم لنشر خطاب الكراهية ضد المعارضين والصحافيين والناشطين. وهو أمر أثار جدلاً واسعاً حول مدى استقلالية القضاء زمن قيس سعيد، ذلك الذي تقوده صفحات أشخاص لا صفة قضائية لهم سوى أنهم “أنصار الرئيس”.
الحملة على العرفاوي تضمنت، من جانبهم، تنمراً على ملامحه وعمله: “فكيف لحارس بسيط أن يقود المئات من المواطنين في تظاهرة معارضة ضد الرئيس؟”، وكيف “نتقبل أخلاقياً وصم رئيس بالجنون والمرض النفسي؟”. وفي الجزء الثاني من الحملة، ما كان لافتاً للانتباه وما اعتبرته “حركة نَفَس” مؤسفاً هو انخراط بعض الأصوات غير المحسوبة على قيس سعيد، باعتبار شعار “هز الكازي للرازي” “غير أخلاقي وفيه وصم للمرضى الذين يرتادون ذلك المستشفى”.
والمفارقة أن من يُحسبون “أنصاراً لقيس سعيد”، بخلاف نشر شعارات البروباغندا له ومحاولة تبييض الفشل في توفير أبسط مقومات العيش الكريم، كالماء والكهرباء للتونسيين، فإنهم أكثر من مارسوا خطاباً نعته كثير من التونسيين بسبب هتك الأعراض والتنمر، وحتى تركيب صور مفبركة بالذكاء الاصطناعي، واختلاق تصريحات زائفة ونقلها على لسان الصحافيين والناشطين الناقدين للسلطة.
وبصرف النظر عن الموقف السياسي من التحرك نفسه بشكل عام، فإن توقيت التوقيف يطرح سؤالاً مشروعاً حول أثر مثل هذه الإجراءات على الحق في الاحتجاج. فالرسالة التي قد تصل إلى المواطن ليست فقط أن بعض العبارات قد تجر صاحبها إلى القضاء، بل إن مجرد الظهور في لحظة احتجاجية قد يتحول لاحقاً إلى مصدر للخوف والحذر.
وفي بلد خرج منه عشرات الآلاف إلى الشارع منذ 2011 دفاعاً عن مطالب اجتماعية وسياسية مختلفة، وكسر حاجز الخوف، ليعود هذا الأخير عاملاً سياسياً قائماً بذاته في أي تحرك أو احتجاج، أو حتى نقد الوضع العام عبر تدوينة.
وهل أن هناك “كاتالوغاً” لشعارات سياسية في بلد أصبح الجميع لا تخفى عنه حقيقة الحالة الصحية للرئيس قيس سعيد، من دون الحاجة إلى نشر تقريره الطبي، بسبب تشنجاته وغيابه المستمر بالأيام، وتقاطع ذلك مع الشهادة المسرّبة لرئيسة ديوانه السابقة نادية عكاشة، والتي أكدت بعد طردها من القصر أواخر 2021 أنه “مريض ويرفض العلاج وتأتيه نوبات عصبية وأن نهايته ستكون بشعة”.
معارضة تحاول أن تتغير
تحمل المعارضة التونسية إرثاً ثقيلاً من الانقسامات، والصراعات الحزبية، وفقدان الثقة لدى قطاعات من التونسيين. السنوات التي سبقت 25 تموز/ يوليو 2021 لم تترك صورة مثالية عن الحياة السياسية، وخصوم قيس سعيّد لم ينجحوا حتى الآن في تحويل رفضهم لمسار الحكم الحالي إلى مشروع سياسي موحد وقادر على استقطاب جمهور واسع، على رغم اختلافاتهم الفكرية والأيديولوجية وانتماءاتهم السياسية المختلفة (إسلاميين، دساترة، يسار بكل تسمياته، إلخ).
من هنا تأتي أهمية تجربة “نَفَس”. فهو يقدم نفسه كفضاء مدني يسعى إلى جمع مكونات مختلفة، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج التحالفات الحزبية التقليدية. وبعد تظاهرة 20 آب/ أغسطس، شدد التحرك على رفض منطق الإقصاء وعلى ضرورة تجاوز الانقسامات باعتبارها أحد أسباب عجز المعارضة عن فرض توازن سياسي جديد. إذ بدت قطاعات واسعة من المعارضة التونسية لوقت طويل أسيرة خطاب سياسي ونخبوي يتركز أساساً حول الدستور، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والحريات العامة، ورفض الحكم الفردي، وإطلاق سراح المساجين السياسيين ومساجين الرأي من صحافيين وناشطين. وهي قضايا أساسية بلا شك، لكنها لم تكن دائماً كافية لاختراق المزاج الشعبي أو إقناع فئات واسعة بأن هناك رابطاً مباشراً بين تراجع الديمقراطية وتدهور حياتها اليومية.
التحرك الأخير حمل مؤشراً مختلفاً. فإلى جانب الشعارات السياسية، برزت شعارات من نوع: “لا ماء، لا ضو، لا دواء”، وهي عبارات بسيطة ومباشرة، لكنها أقرب بكثير إلى قاموس الشارع وإلى المشاكل التي يعيشها المواطن في حياته اليومية.
هنا تبدو المعارضة وكأنها تحاول الانتقال من الدفاع عن قضايا تُقرأ غالباً باعتبارها قضايا نخبة، إلى تبني لغة الغضب الاجتماعي نفسه.
هذا التحول، إن استمر ولم يكن مجرد اختيار ظرفي لشعارات احتجاجية، يمكن أن يمثل خطوة مهمة في محاولة توسيع دائرة الغاضبين من نظام قيس سعيّد. فهناك فئات قد لا تتحرك دفاعاً عن توازن السلطات أو عن استقلال القضاء، لكنها قد تتحرك بسبب انقطاع الماء، وغلاء الأسعار، ونقص الأدوية أو تراجع الخدمات العمومية.
وهنا تصبح المعارضة مطالبة ببناء جسر حقيقي بين هذين المستويين، وتقديم خطاب موحد للناس، وهو أن الأزمة السياسية والاجتماعية ليستا منفصلتين.
إذاً، استطاعت المعارضة أن تجعل المواطن يرى أن أزمة الماء والدواء والأسعار ليست بعيدة عن طبيعة الحكم وطريقة إدارة الدولة، فقد تكون أمام فرصة لتوسيع دائرة الغاضبين وتحويل جزء من السخط الاجتماعي إلى فعل سياسي.
وهنا وجب التذكير بأن جزءاً من المجتمع التونسي قد يكون غاضباً من السلطة، لكنه لا يرى في القوى المعارضة الحالية بديلاً جاهزاً. وجزء آخر منهك اقتصادياً واجتماعياً إلى درجة أن السياسة لم تعد أولويته. وهناك أيضاً من يخشى ببساطة تكلفة الظهور في تظاهرة أو كتابة موقف علني في مناخ أصبحت فيه التتبعات القضائية المرتبطة بالتعبير أكثر حضوراً. هكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة تونسية واضحة: أسباب الاحتجاج تتزايد، لكن القدرة على تحويلها إلى احتجاج جماهيري واسع لا ترتفع بالنسق نفسه.
هل يوحّد القمع خصوم قيس سعيّد؟
السلطة قد تراهن على أن التتبعات والإيقافات ستدفع خصومها إلى التراجع. وقد يحدث ذلك بالفعل على مستوى الأفراد، لأن للخوف أثراً حقيقياً ومباشراً.
لكن المبالغة في استعمال أدوات الردع قد تؤدي أيضاً إلى نتيجة عكسية: توحيد خصوم كانوا عاجزين عن الاتفاق، وتحويل قضية شخص واحد إلى رمز يتجاوز انتماءه التنظيمي. وهنا ستكون قضية سيف الدين العرفاوي اختباراً.
هل ستتعامل معها المعارضة كقضية تخص “نَفَس” فقط؟ أم ستتحول إلى قضية مشتركة حول الحق في التعبير والاحتجاج؟ وهل ستتمكن القوى السياسية والمدنية من بناء تضامن يتجاوز الحسابات الحزبية القديمة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستقول الكثير عن قدرة المعارضة نفسها على التعلم من أخطائها.
بين سلطة تواجه أزمة ومعارضة تبحث عن جمهور، اليوم، لا يبدو المشهد التونسي قائماً على طرف قوي وآخر ضعيف بالمعنى البسيط.
السلطة تمتلك مؤسسات الدولة وأجهزتها، لكنها تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية وانتقادات متزايدة بشأن الحريات. وقيس سعيّد من جهته يصر على أن مساره قانوني وأن الإجراءات التي اتخذها تهدف إلى مكافحة الفساد وحماية الدولة.
أما المعارضة، فهي تمتلك أسباباً كثيرة للاحتجاج، لكنها لم تمتلك بعد الجمهور الكافي لتحويل تلك الأسباب إلى موازين قوى جديدة. وبين الاثنين يقف جزء واسع من المجتمع، متذمراً، متعباً، غاضباً أحياناً، لكنه لم يحسم بعد لمن يمنح ثقته.
لهذا لم تكن تظاهرة 20 آب/ أغسطس مهمة فقط بسبب عدد المشاركين فيها، بل لأنها أعادت طرح السؤال الأساسي: هل تستطيع المعارضة أن تتحول من مجموعة قوى تعارض قيس سعيّد إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على مخاطبة التونسيين في حياتهم اليومية؟
وإذا كان انتقالها من شعارات النخبة إلى شعارات مثل “لا ماء، لا ضو، لا دواء” بداية تحوّل حقيقي في خطابها، فقد تكون أمام فرصة لتوسيع دائرة الغاضبين الذين لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من المعارضة التقليدية، لكنهم يعيشون يومياً نتائج الأزمة.
أما إذا بقي هذا الانتقال مجرد استعارة لشعارات الشارع من دون تغيير في الخطاب والتنظيم والبدائل، فإن المسافة بين المعارضة والجمهور ستظل قائمة مهما ارتفع منسوب الغضب.
في المقابل، فإن كل توسع في ملاحقة المحتجين بسبب الكلمات والشعارات لا يختبر فقط قدرة خصوم السلطة على الصمود، بل يختبر أيضاً إلى أي مدى يمكن أن يستمر الخوف في منع الغضب الاجتماعي والسياسي المتراكم من التحوّل إلى فعل جماعي.











