في مهرجان موازين الفنّي، وعلى منصّة السويسي، حيث كان صدى الأصوات يعلو بكلّ جسارة، اعتلى مغنّي الراب المغربي الغراندي طوطو خشبة العرش، لا كضيف في أرض ليست له، بل كمالك قادم لتسلّم مفاتيح عهد صاخب… عهد “جيل طوطو”، بلفافة حشيش وعبارة “سلگوط”، وهي تعبير محلّي يعني أي شخص فوضوي، يائس، أو مهمّش بالمعنى الشعبي.
تدفّقت الجماهير كالسيل، آلاف من الشباب والمراهقين، معتكفين على خشوع كلمات تعبق بروائح الحشيش، الرفض، والسخط المقدّس. كان منهم من راح يغنّي “ألو البزناس”، وهي أغنية تعني “مرحباً يا تاجر المخدّرات”، كأنها ترنيمة نجاة من واقع خانق؛ واقع مات فيه الأمل، يهربون منه عبر تأشيرات “البزناس” التي باتت كناية عن الهجرة غير النظامية، أو العمل في التهريب وتجارة الممنوعات.
لماذا العجب؟
من يتعجّب من “طوطو”، يبدو أنه لا يعيش ظروف هذا الجيل، جاهل حدّ التلف بدقّات جيل لا تصفه سوى عبارة “دقّة مورا دقّة”، أي “ضربة تلو الأخرى”، وهي مقولة شعبية من أغنية لفرقة “ناس الغيوان”، تعني استمرار المعاناة بلا توقّف.
جيل عاش في ظلّ دولة تقول “اللهم كثّر حسّادنا”، لكنّها لم تكثر الخبز في أيدي الفقراء… لم تجد لهم جواباً عن سؤال: “شكون يحد الباس؟”، أي: من يرفع عنا الشدة؟ ولم تبحث لهم عن التوعية، بل عمّقت هاوية السقوط.
هو جيل يهرب من المدارس كما يهرب من الموت في الحياة، لأنه لم يرَ في التعليم طوق نجاة، بل زنزانة أخرى! جيل وُلد في ظلّ “العهد الجديد”، ثم وجد نفسه ضحيّة سياسات تُنفق بسخاء على المهرجانات، وتبخل في تمويل التعليم العمومي.
المنصّات تُعلي من نريد أن نُسكتهم
لم يكن صعود “طوطو” إلى منصّة السويسي مجرّد حفلة، بل علامة؛ لقد انتهى عهد الاحتكار الذي كان يخصّص المنصّات للفنّانين الأجانب، وها هو فنّان مغربي يفرض شروطه ويتصدّر المشهد، وتحجّ إليه الجماهير كأنه مزار مقدّس. لكن بأي ثمن؟
قدّم عرضه بـ”البلاي باك”، ومع ذلك ردّد الجمهور كلّ كلمة، بما في ذلك الكلمات النابية! رأى البعض في ذلك انحداراً أخلاقياً، ورآه آخرون تعبيراً حرّاً.
لكنّ السؤال الأعمق ليس “هل نسمح بطوطو؟”، بل “كيف أنجبنا طوطو؟”، كيف أنجبنا جيلاً يرى في أغاني المخدّرات والعنف خلاصاً؟ وكيف أصبح “الراب” لغة رسمية لجيل يرفض لغة الوطن؟
جيل الهروب الكبير
هذا الجيل الذي صدم الجميع، هو نفسه الذي تسلّق الأسوار في محاولة لعبور مدينة سبتة، لعلّ في الضفّة الأخرى معنى للحياة.
خرج يومها الناطق باسم الحكومة، مفتخراً بأن الأمن منع 3000 شابّ من العبور، وكأنه يفاخرنا بفشلهم في الهرب! لكن من يُخبرنا كم منهم كان يحمل في قلبه جملة محمود درويش في “حالة حصار”: “نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل. نربّي الأمل”.
إنه جيل يربّي الأمل في الزنازين، فكيف لا يحاول النجاة، ولو بركوب “قشرة موز”؟ لكنّهم لم يركبوا الموز، بل واجهوا الأمواج بأجسادهم العارية، مدفوعين بحلم لم تعد الأرض تسعه.
لم يحجّوا إلى “طوطو”، بل إلى صوت يترجم ضياعهم بكلمة “سلگوط” المكتوبة على قميصه، وهي بالمناسبة دعوة للرجوع إلى ابن خلدون، الذي يرى أن “اختلاف الأجيال إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش”.
إقرأوا أيضاً:
جيل NEET… جيل لا مستقبل له
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وصفهم بدقّة: “شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، خارج المدرسة، خارج التكوين، خارج العمل”.
إنه جيل “نيت” (NEET: Not in Education, Employment, or Training) جيل مكسور من الداخل، يصرخ بالراب في الخارج، ولأن لا أحد يُصغي، صعد ليُسمِع صوته من أعلى المنصّات.
ربع المغاربة لا يزالون غرباء عن الأبجدية. في بلد يرفع شعار “التحوّل الرقمي”، نجد واحداً من كلّ أربعة فوق سنّ العاشرة لا يجيد القراءة والكتابة. ومن تجاوزوا الخامسة والعشرين، الغالبية توقّف تعليمهم عند مراحل أوّلية. جيل تركته الدولة يتآكل، بين مدارس لا تُعلّم ومناهج لا تُفكّر.
إحصاء 2024 أكّد أن 25% من المواطنين لا يزالون في العتمة، رغم انخفاض النسبة عن سنة 2014 (32%).
لكن ما لم تقله الأرقام هو أن الأميّة ليست فقط نقصاً في المهارات، بل نفي للكرامة، وتجذير للفوارق الطبقية.
بين منصّة السويسي وسياج سبتة… من المسؤول؟
ليس “طوطو” المشكلة، بل هو مرآة. مرآة لربع قرن من سياسات خدّرت الشعب بالشعارات، ورفعت الكؤوس على نجاحات وهمية.
جيل حلم بالحياة، فقوبل بالهراوات، بالسجون، بالشعارات الجوفاء. فهل نلوم “طوطو” لأنه صعد على منصّة ترعاها الدولة، أم نلوم الدولة لأنها أنزلت جيلاً بكامله؟
جيل محمّد السادس
لقد انفجرت فقاعة “العهد الجديد”، وثقبتها صور القاصرين يطاردهم الأمن، لا لأنهم مجرمون، بل لأنهم أرادوا الرحيل.
جيل “طوطو” ليس انحرافاً عابراً، بل تجسيد صارخ لهشاشة دولة ربّت أبناءها على الخوف، ثم استغربت حين كبروا خائفين، غاضبين، صارخين.
هو الابن الشرعي لسنوات طُبعت فيها التنمية بالشعارات، والتعليم بالإصلاحات المخرّبة، والثقافة بالريبة، والفنّ بالوصاية. جيل وُلد في أكمة الإحباط، وتربّى على نصال اليأس المتكسّرة على جدران الاستبداد.
يا صاحب الجلالة، إنهم جيلك؛ عمرهم من عمر عرشك، وهم نتاج عهدك.
جيل “طوطو” ليس سؤالاً عن الذوق، بل عن العدالة، ليس تمرّداً على النظام، بل على الفراغ اللزج… فإن لم يُفهم اليوم، سيكون انفجاره القادم خارج الأغاني، وفي صلب الواقع ذاته.
إقرأوا أيضاً:












