في تطوّر جديد يعكس هشاشة ما يُسمى بـ”التعايش”، قررت بلدية حيفا منع الفنانة الفلسطينية لينا مخول من المشاركة في أي فعالية تموّلها، فقط لأنها كتبت “حيفا – فلسطين” على بوستر حفلتها. رئيس البلدية اعتبر ذلك إساءة للدولة الإسرائيلية، وأصدر قرارًا يعكس الإقصاء الذي يتعرض له الفنانون الفلسطينيون في الداخل.
ليست هذه المرة الأولى التي تُواجه فيها مخول هذا النوع من الإقصاء بسبب تمسّكها بهويتها الفلسطينية. لكنها تأتي لتؤكد ما عبّرت عنه مرارًا في أعمالها الأخيرة: أن مجرد رفع الصوت الفلسطيني، ولو كان بالموسيقى، يُعد خطرًا على المنظومة. فهل يُمكن بعد اليوم فصل الفن عن الموقف؟ وهل يُمكن محاكمة فنانة على بداياتها، وقد اختارت أن تصطدم بالسائد وتشق طريقًا حرًّا؟ علمًا أن لينا مخول لا تزال تواجه الإقصاء من الجانب العربي بسبب الخطوات الأولى التي سارتها في رحلتها، واستقلالها الفنيّ الذي جعلها صوتاً لافتاً للانتباه، إذ شاركت أخيراً في مهرجان ترانزيت في باريس إلى جانب عدد من الفرق العربيّة.
شوي شوي علي
“قلبي يا قلبي/ بحاجة إنك تضمني/ بلا ما تحكمني”، بهذه الكلمات تبدأ لينا مخول أغنية “شوي شوي”. بوصفها مواجهة ذاتية صريحة، تعود فيها إلى لحظة ضعف وإنكار وارتباك، لحظة كانت فيها، كما تقول، “مديرة على أحلامي، مش ع اللي حوالي”.
تعترف لينا مخول بالأغنية التي صدرت عام 2022، بأنها كانت “ساذجة”، تصدّق أن الموسيقى كفيلة بإصلاح العالم، وأن الجميع متساوٍ في الحلم والفرص. لكنها اصطدمت بواقع أكثر قسوة، واقع مزدوج المعايير، تتزين واجهته بشعارات الحب والسلام، بينما يخفي منظومة تستثمر في البراءة وتُحكم السيطرة على الطموح، لتقول: “طلع في سيستم ابن كلبة”.
“شوي شوي” كانت بمثابة رد صريح ومتأخر على الانتقادات المتواصلة التي لاحقتها منذ فوزها بالنسخة الإسرائيلية ببرنامج “ذَا فويس” عام 2013، حيث أصبحت أول فلسطينية تحقّق هذا الإنجاز. كانت في التاسعة عشرة من عمرها فقط، حصدت حينها 62 في المئة من أصوت الجمهور في النهائي، بعدما لاقت على مدار البرنامج، إشادة جماهيرية واسعة بفضل موهبتها، لكن ذلك لم يمنع أن تُستخدم تجربتها لاحقاً كذريعة لتقويض انتمائها، أو لتوجيه اتهامات مبطنة بشأن الاختيار الخاطئ.
تُكرّر لينا مخول في الأغنية: “فشوي شوي شوي علي/ أنا كنت صغيرة كنتش أفهم شو اللي حولي”، في محاولة للشرح، لا التبرير، للدفاع، لا للهرب. ولعل هذا الاعتراف بهذه الصيغة الموسيقية الصادمة أحياناً، يفتح الباب لفهم أكبر: أن الخيارات الأولى لا تعني بالضرورة اتفاقاً مع النظام، بل قد تكون أحياناً مجرّد محاولة للبقاء وسط واقع معقّد.
لكن هذا الغضب لم يبقَ في خانة الاستذكار، بل تحوّل إلى تمرد فعلي على الهيكلية التي حكمت تجربتها الأولى. رفضت لينا الانصياع لقواعد الصناعة الفنية المكرّسة في إسرائيل وبما يتعداها من معايير عالمية، واتخذت قراراً جذرياً بالاستقلال الكامل عن مؤسسات الإنتاج الكبرى، لتبدأ منذ 2020 مسيرة جديدة كفنانة حرة، تتبنى صوتاً ناقداً ورافضاً الحياد الإجباري. صارت أكثر وضوحاً في مواقفها السياسية، وأكثر التزاماً بفن يعكس انتماءها الكامل، كما تعبّر اليوم عن هوية فلسطينية لا تقبل التجزئة، ناهيك بأنها تكتب أغانيها وتلحّنها بنفسها، وتشارك أيضًا بالإنتاج الموسيقي لأغانيها. فضلًا عن ذلك، تقوم بإخراج الكليبات بنفسها، فكلماتها الصادمة والجريئة تعكس هواجسها الحقيقية وتجاربها الذاتية.
كسر المركزية: الفن كهوية وموقف
منذ استقلالها الفني عام 2020، بدأت لينا مخول مسارًا مختلفًا، ليس فقط خارج المنظومة الموسيقية التقليدية، بل ضدّها بالكامل. رفضت المفهوم الكلاسيكي لـ”العالمية” الذي يرتبط بالجوائز أو التقدير الغربي، وبدأت بإعادة تعريف النجاح من منطلق المحتوى والهوية، وصارت تهتم أكثر بتقديم أغانٍ تتوجه للجمهور العربي، لتبني قاعدة جماهيرية مع جمهور يفصل بينها وبينه حاجز.
في أغنية “3 سنين”، الصادرة عام 2020، تستعيد لينا تجربة شخصية قاسية مع الصناعة الفنية، تكشف الغلاف الخارجي البراق للحياة “العالمية على مية”، لتفضح ما وراءه من استغلال وتشييء، إذ تُستبدل الأحلام بالعقود، والموهبة بأرقام المشاهدات. تغني ساخرة: “خمس نجوم فيرست كلاس/ مع نجوم هوليوود برفع كاس/ أربع دول بأسبوعين / بكتب 3 أغاني بفاكنغ يومين”، لكن سرعان ما تنقلب الصورة، لتعلن تمردها على هذا النموذج: “أنا وحدة ووحيدة ومش تزوير أنا أصلية”. هنا لا تعود العالمية هدفاً، بل تصبح أداة تفكيك. هي لم تعد تطلب مقعداً على الطاولة، بل تصنع طاولتها الخاصة، بمفردها.
أما في أغنية “فِش مصاري” الصادرة عام 2023، فهي تنتقل من الشخصي إلى الجماعي. العمل يُشكّل بيانًا سياسيًا-اقتصاديًا، يلامس الأزمة البنيوية في المجتمعات التي “تعيش الفخامة على دين”، بينما الواقع مليء بالقهر والفقر والمراقبة. الأغنية تفضح “الاستعراض”، وتعلن أن قيمة الفنان لا تُقاس بعدد الرعاة: “الفن بغذي الملايين/ بس ما بطعمي خبز”. تكرر باللازمة: “ما فش فش فش مصاري” وكأنها تُسائل المنظومة برمّتها: من يملك الصوت؟ من يحق له الحكي؟ ومتى تتحرر الكلمة من سيطرة رأس المال والمنصات؟
وفي هذه الأغاني التي تسخر فيها من المركزية العالمية، تطرح لينا مخول بديلًا، بالتوجه نحو الجمهور العربي، وتؤكد أن هذا الجمهور لا يقل بالمكانة والأهمية عن غيره، مع إعلان الرغبة في التوجه لمنصاته، التي تغزو العالم: “مش رح نوصل MTV، بس كمان Anghami عالمية”. هنا تؤكد أنه لا حاجة لمنصات غربية مثل “MTV ” لتثبيت شرعية الفنان، بل يمكن للمنصة العربية أن تحمل الصوت والرسالة، وأن تغزو بها العالم. هي لا تكتفي بالرفض، بل تطرح بديلاً حقيقيًا: المنصات العربية قد تكون عالميتنا نحن، لا نسختنا من غيرنا.
بهذه الأغاني تمكنت لينا مخول من صياغة أسلوبها الموسيقي الفريد، الذي يصعب تصنيفه. منذ استقلالها كفنانة في 2020، بدأت تميل إلى الراب الغنائي، وقدمته بصوت يحمل إرثًا شرقيًا واضحًا، ويُطوّع تقنيات غربية من دون أن يذوب فيها.
الإنتاج الموسيقي في أعمالها الأخيرة يستمد ثقله من النغمات العربية الأصيلة، بخاصة تلك المأخوذة من التراث الفلسطيني الشعبي. في أغنية “فش مصاري”، تستحضر لينا صوت الزغاريد وأهازيج الأعراس الفلسطينية، وتضعها في مواجهة مباشرة مع بيئة موسيقية إلكترونية متوترة، لتخلق صدامًا مذهلًا بين الفرح التقليدي والمشهد الاجتماعي المحتقن. أما في أغنية “3 سنين”، فتبدأ الإيقاعات بتركيب غربي سلس، لكنه يُكسر فجأة بدخول صوت المجوز، الآلة التي تحمل نكهة الاحتفال القروي، لتتحول الأغنية إلى ساحة مواجهة بين الإيقاع الغربي والصوت التراثي، مع تحياتها لأهالي مدينتها عكا، التي تغازل بها جمهورها المحلي، وكأنها تعيد توجيه البوصلة: فالعالمية تبدأ من البيت، من الجذور.
“راضية”: من الصراع إلى التصالح
في أغنيتها الأخيرة “راضية”، تُقدّم لينا مخول صورة جديدة لنفسها: ليست فقط الفنانة الغاضبة أو الصادحة بالرفض، بل المرأة التي اختارت أن ترى المعنى وسط الانهيار. بعد سنوات من التمرّد والتجريب والتحطيم المتعمد للقوالب، تُغني بلغة التصالح، لا الانهزام.
“بنتبه لكل التفاصيل أنا/ لكل إشي صغير وكبير أنا/ حاملة ع كتافي كتير أنا/ هُش ما تحكيش”. منذ مطلع الأغنية، تُعلن عن وعيها الكامل بثقل الحمل، لكنها في الوقت ذاته تطلب الصمت، وكأنها تقول: لا أحتاج الى الشفقة، فقط المساحة. ثم يأتي السؤال المفصلي الذي تسرح فيه بخيالها لتفترض لو أنها كانت فنانة نشأت بظرف آخر: “لو معي ملايين/ لو قلبي مش حزين / لو شعبي مش رهين / لو كان هيك شو بصير؟” إنها لا ترغب بأن تفقد جذورها أو تفرّط في الواقع، ولا تبحث عن مهرب، بل تُواجه السؤال الأصعب: هل كنت سأبقى أنا؟
وعلى رغم الوعي بثقل الهوية، تغني لينا عن التصالح معها ومع كل ما ساهم بتكوينها الفني الذي لولاه، لما كانت لينا مخول على ما هي عليه اليوم: “أنا راضية/ شو ما صار فيّ”، وتعكس الأمل بتغيير الواقع وانقلاب المعايير حين تغني: “لا يوجد مستحيل مع الإيمان/ and karma is a bitch”، إنها تخرج أخيرة من قوقعة اليأس التي كادت أن تطبق عليها، لا سيما بعد أحداث غزة الأخيرة التي دفعتها لتقدم أغنية صامتة، لتبني قناعاتها الجديدة، بأن العدل وإن تأخر فهو قادم. وبذلك تنتقل لينا مخول بأغنية “راضية” من فنانة تسائل العالم إلى فنانة تعيد صياغة ذاتها من الداخل. والأهم، أنها ما زالت تفعل ذلك بصوت لا يشبه أحدًا، وموسيقى تعرف طريقها جيدًا: من الجرح العميق إلى النجاح المتفرد.
إقرأوا أيضاً:










