ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المفاوضات المباشرة: بين نموذجَي تسويات الماضي والدولة الجدّية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يجوز ترك النقاش رهينة التسريبات الإعلامية أو الحملات التحريضية أو التحليلات التضليلية من الصحافة الصفراء او الزرقاء. بل يفترض بالسلطة السياسية أن تضع إطاراً عاماً واضحاً يطمئن اللبنانيين إلى أن أي مقاربة لهذه الملفات ستُجرى تحت سقف السلم الأهلي والدستور ومؤسسات الدولة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“يفاوض لبنان اليوم لمستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصراً عبر مؤسساته الشرعية، ويتمكّن شعبه من العيش في أمن وسلام دائمين”.

ليست هذه العبارة الواردة في ختام بيان الوفد اللبناني في واشنطن مجرد خاتمة دبلوماسية اعتيادية، بل تشكّل عنواناً سياسياً جامعاً بالغ الأهمية لمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلد، إذا نجح الوفد اللبناني، ومعه الدولة اللبنانية، في ترجمة هذا العنوان من كونه نصاً في بيان إلى أفعال سياسية واضحة، وإلى ممارسة جدية ونتائج ملموسة.

أما إذا بقيت النصوص مجرد شعارات مناقضة أو منفصلة عن الواقع، فسيُحكم بالفشل على ملف بهذه الحساسية، كملف التفاوض مع إسرائيل، إذ لا يمكن أن يُدار بعقلية الالتباس والغموض والتشاطر نفسها التي أُديرت بها ملفات مصيرية أخرى مثل ملف التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومعالجة الانهيار المالي على سبيل المثال.

من هنا، وحرصاً على إنجاح مسار التفاوض المباشر، الذي نؤيده بوصفه مساراً يفترض أن يحصل بأمان ويحقق نتائج ملموسة تعزّز الثقة بمشروع الدولة، وتستوعب في الوقت نفسه المخاطر والتحديات التي قد ترافق هذا المسار، بما يفضي فعلياً إلى ما وعد به بيان الوفد، تبرز مجموعة من الأسئلة والملاحظات الأساسية.

أولى هذه الملاحظات تتعلق بالشفافية. فالصياغات المموّهة لا تساعد في خلق بيئة سياسية داعمة لهذا المسار، بل تفتح الباب أمام الالتباس والشكوك. الوضوح، والشفافية، والالتزام بصورة الدولة ومؤسساتها، تبقى عناصر ضرورية لأي عملية تفاوضية جدية، وهي عناصر بدا أنها غابت عن البيان.

فالبيان لم يتحدث بوضوح عن الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار منذ اللحظات الأولى لإعلانه، ولا عن تدمير القرى أو الإنذارات المتواصلة أو طبيعة الاعتراضات اللبنانية على هذا الواقع. واكتفى بالإشارة إلى تمديد وقف إطلاق النار، من دون توضيح ما إذا كان الجانب اللبناني قد ربط هذا التمديد بشروط أو ضمانات أو اعتراضات واضحة. وفي غياب هذا الوضوح، يصبح الرأي العام مضطراً لملء الفراغ عبر التسريبات والشائعات والتفسيرات المتناقضة.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالفارق الواضح بين لغة “مرتكزات الموقف السياسي اللبناني” الواردة في الفقرة الأخيرة من البيان، وبين اللغة المستخدمة في فقرة “أبرز المخرجات/ النتائج”. فالمرتكزات بدت واضحة ومتماسكة وتعكس أهدافاً وطنية جامعة، بينما جاءت النتائج ضبابية وفضفاضة، بما يوحي بأن ما تحقق لا يوازي سقف الخطاب السياسي المعلن. وإذا كانت النتائج غير مرضية فعلاً، فمن حق اللبنانيين أن يُقال لهم ذلك بصراحة، لا أن يُطلب منهم استنتاجه بين السطور.

كذلك، يطرح الحديث عن إطلاق “مسار أمني” جديد علامات استفهام كثيرة، خصوصاً أن البيان لم يقدّم أي شرح حقيقي لطبيعة هذا المسار أو أهدافه أو حدوده السياسية. ومن الواضح أن أي مسار أمني من هذا النوع يرتبط مباشرة بملفات شديدة الحساسية، وفي مقدّمها سلاح حزب الله ومستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية. 

وهنا تحديداً، لا يجوز ترك النقاش رهينة التسريبات الإعلامية أو الحملات التحريضية أو التحليلات التضليلية من الصحافة الصفراء او الزرقاء. بل يفترض بالسلطة السياسية أن تضع إطاراً عاماً واضحاً يطمئن اللبنانيين إلى أن أي مقاربة لهذه الملفات ستُجرى تحت سقف السلم الأهلي والدستور ومؤسسات الدولة.

في المقابل، تبدو مسؤولية رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام مضاعفة في هذه المرحلة. فإدارة هذا المسار لا يمكن أن تقتصر على بيانات مقتضبة أو رسائل دبلوماسية عامة، بل تحتاج إلى خطاب مباشر وصريح مع اللبنانيين، يشرح طبيعة التحديات والمخاطر والتوقعات الواقعية، ويؤسس لثقة سياسية وشعبية بهذا المسار.

كما أن حماية التفاوض لا تتحقق إلا عبر الالتزام بالدستور والأطر وآليات العمل في المؤسسات الدستورية، وإظهار صورة الدولة المسؤولة التي تقنع أبناءها وتكتسب ثقتهم بالممارسة، إذ يتطلب نقل نقاش بشكل جدي إلى داخل الحكومة ومجلس النواب، بما يحصّنه وطنياً ويمتنه ويمنع تحوّله إلى مادة انقسام أو تفجير داخلي، من دون أن يعرّضه الى التعطيل والعرقلة. فلبنان لم يعد يحتمل إعادة إنتاج النموذج السياسي نفسه القائم على “التذاكي” والتسويات الغامضة وإدارة الأزمات بالإنكار، تحديداً في إدارة هذا الملف، وهو النموذج الذي انتهجه زعماء الحكم الطوائفي ومسؤولوه، والذي أوصل الدولة إلى الانهيار الشامل.

في النهاية، تبدو هذه المفاوضات من أكثر المحطات مصيرية في تاريخ لبنان الحديث. فإما أن تقود إلى استقرار فعلي واستعادة تدريجية لفكرة الدولة والأمن للجميع، وإما أن تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة وكلفة على كل اللبنانيين. إنها لحظة تأسيسية بكل معنى الكلمة: إما أن تنجح الدولة في استعادة نفسها، وإما أن ينفجر هذا المسار بين يدي الرئيسين عون وسلام والبلد بكامله.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
19.05.2026
زمن القراءة: 3 minutes

لا يجوز ترك النقاش رهينة التسريبات الإعلامية أو الحملات التحريضية أو التحليلات التضليلية من الصحافة الصفراء او الزرقاء. بل يفترض بالسلطة السياسية أن تضع إطاراً عاماً واضحاً يطمئن اللبنانيين إلى أن أي مقاربة لهذه الملفات ستُجرى تحت سقف السلم الأهلي والدستور ومؤسسات الدولة.

“يفاوض لبنان اليوم لمستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصراً عبر مؤسساته الشرعية، ويتمكّن شعبه من العيش في أمن وسلام دائمين”.

ليست هذه العبارة الواردة في ختام بيان الوفد اللبناني في واشنطن مجرد خاتمة دبلوماسية اعتيادية، بل تشكّل عنواناً سياسياً جامعاً بالغ الأهمية لمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلد، إذا نجح الوفد اللبناني، ومعه الدولة اللبنانية، في ترجمة هذا العنوان من كونه نصاً في بيان إلى أفعال سياسية واضحة، وإلى ممارسة جدية ونتائج ملموسة.

أما إذا بقيت النصوص مجرد شعارات مناقضة أو منفصلة عن الواقع، فسيُحكم بالفشل على ملف بهذه الحساسية، كملف التفاوض مع إسرائيل، إذ لا يمكن أن يُدار بعقلية الالتباس والغموض والتشاطر نفسها التي أُديرت بها ملفات مصيرية أخرى مثل ملف التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومعالجة الانهيار المالي على سبيل المثال.

من هنا، وحرصاً على إنجاح مسار التفاوض المباشر، الذي نؤيده بوصفه مساراً يفترض أن يحصل بأمان ويحقق نتائج ملموسة تعزّز الثقة بمشروع الدولة، وتستوعب في الوقت نفسه المخاطر والتحديات التي قد ترافق هذا المسار، بما يفضي فعلياً إلى ما وعد به بيان الوفد، تبرز مجموعة من الأسئلة والملاحظات الأساسية.

أولى هذه الملاحظات تتعلق بالشفافية. فالصياغات المموّهة لا تساعد في خلق بيئة سياسية داعمة لهذا المسار، بل تفتح الباب أمام الالتباس والشكوك. الوضوح، والشفافية، والالتزام بصورة الدولة ومؤسساتها، تبقى عناصر ضرورية لأي عملية تفاوضية جدية، وهي عناصر بدا أنها غابت عن البيان.

فالبيان لم يتحدث بوضوح عن الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار منذ اللحظات الأولى لإعلانه، ولا عن تدمير القرى أو الإنذارات المتواصلة أو طبيعة الاعتراضات اللبنانية على هذا الواقع. واكتفى بالإشارة إلى تمديد وقف إطلاق النار، من دون توضيح ما إذا كان الجانب اللبناني قد ربط هذا التمديد بشروط أو ضمانات أو اعتراضات واضحة. وفي غياب هذا الوضوح، يصبح الرأي العام مضطراً لملء الفراغ عبر التسريبات والشائعات والتفسيرات المتناقضة.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بالفارق الواضح بين لغة “مرتكزات الموقف السياسي اللبناني” الواردة في الفقرة الأخيرة من البيان، وبين اللغة المستخدمة في فقرة “أبرز المخرجات/ النتائج”. فالمرتكزات بدت واضحة ومتماسكة وتعكس أهدافاً وطنية جامعة، بينما جاءت النتائج ضبابية وفضفاضة، بما يوحي بأن ما تحقق لا يوازي سقف الخطاب السياسي المعلن. وإذا كانت النتائج غير مرضية فعلاً، فمن حق اللبنانيين أن يُقال لهم ذلك بصراحة، لا أن يُطلب منهم استنتاجه بين السطور.

كذلك، يطرح الحديث عن إطلاق “مسار أمني” جديد علامات استفهام كثيرة، خصوصاً أن البيان لم يقدّم أي شرح حقيقي لطبيعة هذا المسار أو أهدافه أو حدوده السياسية. ومن الواضح أن أي مسار أمني من هذا النوع يرتبط مباشرة بملفات شديدة الحساسية، وفي مقدّمها سلاح حزب الله ومستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية. 

وهنا تحديداً، لا يجوز ترك النقاش رهينة التسريبات الإعلامية أو الحملات التحريضية أو التحليلات التضليلية من الصحافة الصفراء او الزرقاء. بل يفترض بالسلطة السياسية أن تضع إطاراً عاماً واضحاً يطمئن اللبنانيين إلى أن أي مقاربة لهذه الملفات ستُجرى تحت سقف السلم الأهلي والدستور ومؤسسات الدولة.

في المقابل، تبدو مسؤولية رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام مضاعفة في هذه المرحلة. فإدارة هذا المسار لا يمكن أن تقتصر على بيانات مقتضبة أو رسائل دبلوماسية عامة، بل تحتاج إلى خطاب مباشر وصريح مع اللبنانيين، يشرح طبيعة التحديات والمخاطر والتوقعات الواقعية، ويؤسس لثقة سياسية وشعبية بهذا المسار.

كما أن حماية التفاوض لا تتحقق إلا عبر الالتزام بالدستور والأطر وآليات العمل في المؤسسات الدستورية، وإظهار صورة الدولة المسؤولة التي تقنع أبناءها وتكتسب ثقتهم بالممارسة، إذ يتطلب نقل نقاش بشكل جدي إلى داخل الحكومة ومجلس النواب، بما يحصّنه وطنياً ويمتنه ويمنع تحوّله إلى مادة انقسام أو تفجير داخلي، من دون أن يعرّضه الى التعطيل والعرقلة. فلبنان لم يعد يحتمل إعادة إنتاج النموذج السياسي نفسه القائم على “التذاكي” والتسويات الغامضة وإدارة الأزمات بالإنكار، تحديداً في إدارة هذا الملف، وهو النموذج الذي انتهجه زعماء الحكم الطوائفي ومسؤولوه، والذي أوصل الدولة إلى الانهيار الشامل.

في النهاية، تبدو هذه المفاوضات من أكثر المحطات مصيرية في تاريخ لبنان الحديث. فإما أن تقود إلى استقرار فعلي واستعادة تدريجية لفكرة الدولة والأمن للجميع، وإما أن تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة وكلفة على كل اللبنانيين. إنها لحظة تأسيسية بكل معنى الكلمة: إما أن تنجح الدولة في استعادة نفسها، وإما أن ينفجر هذا المسار بين يدي الرئيسين عون وسلام والبلد بكامله.