تسبّبت المقالع والكسارات بتدهور كبير في الغطاء الحرجي ووضع التربة، نتيجة نحت الجبال وما نتج منه من تلوّث في المياه الجوفية. وتقدر كلفة الأضرار البيئية من المقالع والكسارات بنحو 2.4 مليار دولار.
لطالما كانت المقالع والكسارات مرتبطة بشبكات مصالح سياسية، إذ يحصل بعض النافذين على “غضّ نظر” من الجهات الرسمية أو يفرضون نفوذهم في الاستحصال على الرخص وتجاوز القانون.
وبعد سنوات من تراخي الحكومات المتعاقبة في معالجة هذا الملف، شهد هذا القطاع تطورات رئيسية أخيراً، أبرزها قرار حكومة الرئيس نواف سلام بإلغاء شرعنة المقالع والكسارات، وصدور أوامر تحصيل بحق مخالفين من وزارة البيئة في حكومة تصريف الأعمال السابقة.
اليوم يُطرح السؤال مجددًا: هل بدأت فعلاً المساءلة البيئية؟ وهل تمثّل هذه الأوامر خطوة حقيقية نحو المحاسبة وتحمّل الملوّثين كلفة الضرر البيئي؟
وزيرة البيئة تمارا الزين في مقابلة مع “درج”، أوضحت أنّ “الوزارة راسلت وزارة المالية طالبةً التريث في تنفيذ أوامر التحصيل”، مشيرةً إلى أنّ “وزارة المالية كانت أعادت ربط هذه الأوامر بكتاب رسمي موجّه إلى وزارة البيئة، طالبةً استخدام النماذج المعتمدة وإيداعها لدى مديرية الخزينة بكتاب مسجّل، مرفق بجدول مفصّل يتضمّن أوامر التحصيل، المبالغ المترتبة، أسماء المخالفين وعناوينهم بشكل واضح”. وبرّرت وزارة المالية هذا الإجراء بـ”الحفاظ على حقوق الخزينة وتمكين وحدات التحصيل من القيام بمهام التبليغ وتحصيل المبالغ المستحقة”.
وأضافت الزين أنّ “طلب التريث جاء نتيجة وجود مغالطات جوهرية وشكلية في أوامر التحصيل، تتعلّق بتقدير الضرر البيئي، طريقة احتسابه، ومدى قانونيته”. وأوضحت أنّ “التقرير الذي يُقدّر كلفة التدهور البيئي تضمّن خطأً تقنيًا، إذ تطرّق إلى الأثر على الصحة العامة، وهو ما لا يدخل ضمن صلاحيات وزارة البيئة، التي يقتصر دورها على تقييم الأثر البيئي، بينما تعود مسألة الأثر الصحي إلى وزارة الصحة”.
وتابعت الزين أنّ “طلابًا عملوا ضمن “برنامج شباب للحوكمة” على هذا الملف من دون العودة إلى المصلحة المعنية بقطاع المقالع والكسارات في الوزارة، واعتمدوا على صور الأقمار الصناعية أو ما يُعرف بـGEO AI (خوارزميات نظم المعلومات الجغرافية GIS)، لكن هذه التكنولوجيا تتطلب صورًا عالية الدقة لم تكن متوافرة لديهم، ما يضعف دقة النتائج”. وأضافت: “من الناحية القانونية، المسح الميداني من صلاحية الجيش اللبناني، وليس أي جهة أخرى”. وأشارت إلى أنّ “أوامر التحصيل وُجّهت إلى أصحاب الأراضي بدلاً من المستثمرين الفعليين في المقالع والكسارات”، لافتةً إلى أنّ “شكل أوامر التحصيل جاء عبر شركات تحويل الأموال مثل OMT وشركات البريد مثل Liban Post، في حين توجد آلية رسمية واضحة داخل الدولة لتبليغ المكلفين، ما يطرح علامات استفهام إضافية حول آلية الإجراء”.
كلفة التدهور البيئي لقطاع المقالع والكسارات
في حزيران/ يونيو الماضي، أطلقت وزارة البيئة في حكومة تصريف الأعمال السابقة تقريراً عن مستحقات قطاع المقالع والكسارات والمرامل للخزينة. وقال الوزير السابق ناصر ياسين خلال طاولة حوار حول “تفعيل القوانين البيئية في لبنان، “إن الدراسة هي الأولى من نوعها لناحية شموليتها ودقتها، إذ احتسبت الرسوم والضرائب وكلفة التدهور البيئي وكلفة إعادة التأهيل، بناءً على تحليل لـ 1235 موقعًا على كامل الأراضي اللبنانية، استنادًا إلى المسح الميداني الذي نفذه الجيش اللبناني.
ووفق التقرير، قُدّرت مستحقات الخزينة من هذا القطاع بنحو 2.394 مليار دولار أميركي كحد أدنى. وساعد طلاب متدربون ضمن “برنامج شباب للحوكمة” وزارة البيئة في تطوير منصة رقمية تمكّن من تحديد عدد الكسارات، عناوينها، وأسماء مستثمريها، بحيث تُصدر أوامر التحصيل ويوقّعها الوزير/ة تمهيدًا للتبليغ.
وقد عُقدت الاجتماعات التحضيرية لإطلاق هذا المشروع بحضور الجهات المعنية، منها هيئة القضايا في وزارة العدل، وزارة البيئة، وقيادة الجيش، وفقاً لطالبة شاركت في البرنامج.
إقرأوا أيضاً:
برنامج الحوكمة
نُفّذ مشروع “العملاق الصامت: قطاع المقالع في لبنان” ضمن “برنامج الشباب للحوكمة Youth4Governance Y4G” الذي تنفذه شركة “Siren Associates” بالتعاون مع جامعة القديس يوسف. يهدف البرنامج إلى تعزيز دور الشباب في الشأن العام عبر دعم الإدارة بمشاريع مبنية على الحوكمة الرشيدة. وقالت رئيسة قسم الأبحاث في “Siren” والمحاضرة في الجامعة اليسوعية كارول الشرباتي لـ”درج”، إن “الفكرة الأساسية هي إشراك الطلاب مع الوزارة المعنية لتنفيذ مشروع يخدم مصلحتها ويحوّل المعرفة الأكاديمية إلى تجربة ميدانية”.
وأضافت عميدة كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية، ماري كلود نجم، أنّ “طلابًا من اختصاصات متعددة، منها الحقوق، والعلوم السياسية، والهندسة، وعلوم الكمبيوتر، والإعلام، قدموا دعمًا ملموسًا لإدارات عامة، منها وزارة الشؤون الاجتماعية، وهيئة إدارة السير، ووزارة البيئة”. وعن مشروع المقالع، قالت نجم: “انطلقت الفكرة من وزارة البيئة عام 2024، استنادًا إلى المادة 61 من قانون الموازنة لعام 2019 والمادة 51 من قانون حماية البيئة رقم 444/2002، اللتين ترتّبان على الوزارة مسؤولية المطالبة بالتعويضات الناتجة من الأضرار اللاحقة بالبيئة”.
ويتضمن المسح الميداني للمقالع والكسارات سلسلة من الإجراءات التي يحدّدها المرسوم 6569/2020 وهو المرسوم التطبيقي لموازنة عام 2019 والذي ينصّ على أن محاضر المخالفات تُنظّم من قبل قوى الأمن الداخلي، ويتم إحالتها إلى وزارة البيئة، كونها الجهة المخوّلة متابعة هذا الملف. وأضافت نجم: “وفقاً لهذا المرسوم، تقوم وزارة البيئة بتقييم الضرر البيئي وتحديد قيمة التعويض الذي يتوجب على المستثمر المخالف تسديدة، وذلك بموجب أوامر تحصيل تصدر عن وزارة البيئة. وتشمل هذه الأوامر تكلفة التدهور البيئي وكلفة التأهيل، ويتم استيفاؤها استناداً إلى قانون المحاسبة العمومية المنفذ بالمرسوم رقم 14969 الصادر عام 1963 الذي ينص على إن تحصيل الديون والواردات التي لم تعين القوانين النافذة طرق تصفيتها وتحصيلها، وإجراء الملاحقة بشأنها، تصفى بموجب أوامر تحصيل يصدرها رئيس الإدارة المختصة”. على هذا الأساس قامت وزارة البيئة بإرسال أوامر تحصيل، بناءً على نموذج صادر عن وزارة المالية التي كانت وزارة البيئة تنسق معها لحاجات متابعة عملية التحصيل.
على هذا الأساس قامت وزارة البيئة بإرسال أوامر تحصيل، بناءً على نموذج صادر عن وزارة المالية التي كانت وزارة البيئة تنسق معها لحاجات متابعة عملية التحصيل.
وانطلاقاً من الصلاحية الموكلة إليه بموجب المادة الثامنة من المرسوم 6569/2020، ارتأى وزير البيئة السابق ناصر ياسين لتقييم الضرر الاعتماد على دراسة تقنية علمية أعدّها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وقد ترك الوزير ياسين للقضاء، بحال تم الاعتراض أمامه على أوامر التحصيل، كلمة الفصل لناحية قانونية هذا التقييم.
وأوضحت نجم أنّ “تحصيل هذه التعويضات يتطلب آلية إدارية معقدة، ما أوجد حاجة الى مساندة الطلاب، بخاصة في ظل ضعف الموارد البشرية والوضع الاقتصادي الصعب”.
وأكّدت الشرباتي لـ”درج” أنّ “الطلاب طوّروا نظامًا رقميًا متكاملًا يقدّم بيانات تفصيلية عن الكسارات باستخدام Google Earth وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يتيح إصدار أوامر التحصيل تلقائيًا ومتابعة الإجراءات القانونية والمالية”.
بين التحديات القانونية والإدارية… هل تستعيد الدولة حقوقها؟
أشار تقرير “برنامج الحوكمة” إلى أنّ عدد المقالع في لبنان بلغ 1247، في حين أنّ مقلعًا واحدًا فقط يعمل بموجب ترخيص. لكن وزيرة البيئة تمارا الزين أوضحت لـ”درج” أنّ “العدد الفعلي يصل إلى نحو 1700 مقلع وكسارة، بينها فقط 300 مرخّصة”.
وحول خطة الوزارة، قالت الزين إنّها وقّعت خلال الشهر الأول من استلام مهامها على أكثر من 70 شكوى ضد المخالفين، مؤكدةً أنّ “المسار القضائي طويل، ما يستدعي تعيين مدعين عامين بيئيين لتسريع الإجراءات”.
وسبق أن استعرضت الوزيرة خطة الوزارة ورؤيتها الإستراتيجية للمرحلة المقبلة (2025-2026) خلال لقاء مع سفراء ومنظمات دولية. وأشارت في حديثها مع “درج”، إلى أنّ الوزارة تعمل على إعداد قانون جديد لتنظيم القطاع، يتناول آليات المراقبة، عمل شركات الترابة، الانبعاثات، وتنفيذ المرسوم 8303/2002، إضافةً إلى تصحيح آليات التأهيل واحتساب كلفة التدهور البيئي.
ختامًا، لفتت الزين إلى أنّ “الحكومة الحالية قد لا تتمكّن من تحصيل المستحقات قبل إعادة المسح الميداني الذي نفّذه الجيش عام 2019، لضمان دقة الأرقام”، مضيفةً: “قانونًا، يجب أن يُجري الجيش اللبناني الكشف الميداني، وقد يتأخر، لكن ما إن نحصل على رقم دقيق 100 في المئة، عندئذ يمكن المضي قدمًا في تحصيل المستحقات”.












