ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المكارثيّة الأكاديميّة في فرنسا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الغليان الذي شهده الوسط الأكاديمي الفرنسي خلال الأيام الماضية، يعيد إلى الأذهان تصريحاً للبروفيسور في علم الاجتماع التاريخي، جان فرنسوا بايار، في آذار/ مارس 2024 ، قال فيه: “تعيش فرنسا حالة من المكارثية الفكرية”. وقد تفاقمت هذه الحالة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليزداد منسوب التضييق الأكاديمي على الجامعات والباحثين. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“التهجم على الجامعات، هو تهجم على الديمقراطية”، بهذه العبارة لخص جان فرنسوا هوشيه، رئيس المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، في مقابلة إذاعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رؤيته لتصاعد الضغوط على المؤسسات الأكاديمية في فرنسا. وجاء تصريحه في سياق نقاش حول تقرير صدر بعنوان “الدفاع عن الحرية الأكاديمية وتعزيزها… تحدٍّ عالمي وضرورة طارئة لفرنسا وأوروبا”.

التقرير أعدته ستيفاني بالم بناءً على طلب “تجمع رؤساء الجامعات الفرنسية” لرصد العراقيل التي تحول دون حرية العمل الأكاديمي في البلاد.  التقرير أوضح أن عدداً من الأنظمة الديمقراطية باتت هي الأخرى مصدر تهديد لحرية العمل الأكاديمي، بعدما كان التضييق حكراً على الأنظمة التسلّطية. 

آخر فصول التضييق الأكاديمي في فرنسا تجلّى في محاولة منع انعقاد مؤتمر بعنوان “فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة”، الذي كان يحضِّر له قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي بالشراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس. 

كان يفترض عقد المؤتمر يومي 13 و14 تشرين الثاني/ نوفمبر في حرم “كوليج دو فرانس”، وهو من أعرق المؤسسات العلمية الفرنسية، لكن ضغوطاً مارستها صحف وأساتذة باحثون ووزير التعليم العالي، دفعت بمدير “كوليج دو فرانس” إلى إلغاء فعالياته، لتُنقل في اللحظة الأخيرة إلى مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

استند قرار الإلغاء الصادر عن مدير “كوليج دو فرانس”، في 9 تشرين الثاني، إلى حجتين: عدم استيفاء المعايير العلمية – الأكاديمية، ومخاوف تتعلق بسلامة المشاركين والمكان بسبب الجدل الذي أثاره انعقاد المؤتمر. 

في حديث إلى موقع “درج”، وصف سلام الكواكبي، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذه المبررات بالضعيفة، بدليل تقديم “كوليج دو فرانس” اقتراحاً أولياً بعقد المؤتمر خلف الأبواب المغلقة، وهو ما رفضه المنظمون. اقتراح رآه الكواكبي “سخيفاً” وتأكيداً على انتفاء أي حجة متينة، فالمدير كان يسعى إلى تفادي “وجع الرأس” ليس إلا. 

كما يثير التذرع بالحرص على سلامة المشاركين جملة أسئلة: هل حاولت إدارة “كوليج دو فرانس” اتخاذ ما يلزم من الإجراءات لضمان سلامة الحضور قبل اللجوء إلى قرار الإلغاء؟ وهل ستُلغى مستقبلاً أي فعالية أكاديمية مثيرة للجدل؟ سلام الكواكبي وضع هذه الحجة في خانة “الحياد السلبي”، ما يمنح أي تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على إجهاض نشاط أكاديمي. 

بخصوص غياب “التعددية والنزاهة العلمية” الواردة في بيان “كوليج دو فرانس”، لم توضح الإدارة ماهية مآخذها وملاحظاتها على برنامج المؤتمر. وحتى لو افترضنا أن البرنامج انطوى على خلل أكاديمي، لماذا اقتُرحت إقامته على نحو مغلق؟ 

في المقابل، أصدرت الجهات المنظمة للمؤتمر بياناً مشتركاً أكدت فيه التزامها بمعايير أكاديمية واضحة: فالمشاركون ينتمون إلى خلفيات أكاديمية متعددة، ودعوتهم كانت نتيجة “سمعتهم العلمية”، كما راعت الجلسات التنوع في الاختصاصات والتيارات الأكاديمية.

برنامج المؤتمر يدعم مضمون البيان، إذ عُرضت سير الباحثين المشاركين التي تشير إلى اختيارهم بناء على معرفتهم الأكاديمية لا تحزّبهم المفترض. من جانب آخر، تجد مضامين جلسات المؤتمر أرضية أكاديمية – بحثية (تاريخ العلاقات الدولية، دراسات ما بعد الكولونيالية، العلاقات الأوروبية – الشرق أوسطية …). يتوسع الكواكبي في هذا السياق موضحاً التالي: “المؤتمر ليس مناظرة إعلامية وسياسية” بل فعالية علمية متخصّصة.

قرار إلغاء انعقاد المؤتمر قوبل بسخط واسع في الوسط الأكاديمي الفرنسي، ليُحمّل وزير التعليم العالي والبحث الفرنسي، فيليب باتيست، المسؤولية الرئيسية عن انتهاك الحرية الأكاديمية، خصوصاً بعد نشره تغريدة لم يخفِ فيها تواصله مع مدير “كوليج دو فرانس” لهذا الغرض. سلام الكواكبي كشف لـ”درج” عن إرسال باتيست رسالة إلى مدير “كوليج دو فرانس” تضمنت “تهديداً مهذباً” و”أمراً مبطناً” بإلغاء المؤتمر بذريعة “غياب الموضوعية”، وهي رسالة اطلع عليها منظمو المؤتمر عبر مصدر من داخل الوزارة.  على إثر ذلك، تداعى أكاديميون في فرنسا إلى توقيع عريضة تطالب باستقالة الوزير المذكور بعد تعمّده “منع البحث الأكاديمي حول إسرائيل – فلسطين”. 

شبكة “بلاست” الإعلامية كشفت من جهتها عن دور لتجمع من الباحثين يعرف باسم ““شبكة الأبحاث حول العنصرية ومعاداة السامية”، مصنفة ما حدث في خانة “المناورة الجامعية الموالية لإسرائيل”.

الغليان الذي شهده الوسط الأكاديمي الفرنسي خلال الأيام الماضية، يعيد إلى الأذهان تصريحاً للبروفيسور في علم الاجتماع التاريخي، جان فرنسوا بايار، في آذار/ مارس 2024 ، قال فيه: “تعيش فرنسا حالة من المكارثية الفكرية”. وقد تفاقمت هذه الحالة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليزداد منسوب التضييق الأكاديمي على الجامعات والباحثين. 

سلام الكواكبي قارب المسألة من زاوية “محاربة البحث العلمي من النيو ليبراليين المقربين من إسرائيل”، ما يفرض طرح سؤال حول دوافع الخشية الفرنسية من الأصوات الأكاديمية في هذا التوقيت؟

في سياق رصدها واقع الحريات الأكاديمية بعد 7 أكتوبر، أشارت ستيفاني بالم في تقريرها الى أن الحروب تُحدث تحولات في مختلف المجالات، بما فيها المجال الأكاديمي: “في هذه الظروف تختلف النظرة إلى الباحثين، بحيث يتحولون رغماً عنهم من مجرد مراقبين إلى أطراف فاعلة حقيقية”. المقصود بهذه العبارة هو قدرة الباحث الأكاديمي على التأثير في الرأي انطلاقاً من معرفته ونظرته النقدية التي توفر له الأدوات اللازمة لتصويب السجال. 

يضيف التقرير أن الحاجة إلى هذه الخبرات الأكاديمية في أوقات العنف، تجعل أصحابها عرضة لمحاولات التطويع السياسي، التي تهدف إلى فرض قيود على عمل الباحثين وتوجيه إنتاجهم المعرفي، ما يؤدي إلى “تشققات” داخل الكليات والأقسام: “ليس لأسباب داخلية إنما لمحاولات تطويعها من جهات سياسية وإعلامية”.  

الباحث السياسي المتخصص في شؤون العالم العربي، لوران بونفوا، اعتبر في مقالته المعنونة “الوسط الأكاديمي الفرنسي، غزة وإسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 … تقييم نقدي”، أن الحروب تعد أوقاتاً عصيبة على الباحثين، إذ يخلق المناخ السياسي والهوية الشخصية والمسيرة المهنية مساحات التقاء بين الباحثين المتخصصين في الدراسات الفلسطينية أو الإسرائيلية من جهة والناشطين في الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني من جهة أخرى، ما يدفع البعض إلى وصفهم بـ”الباحثين الناشطين”. علاوة على ذلك، مكانة الباحثين العلمية تدفع إلى الاستعانة بخبراتهم للمشاركة في المناظرات الإعلامية أو لتقديم استشارات للمؤسسات الرسمية (وزارة الخارجية، رئاسة الجمهورية)، ما يجعل الحد الفاصل بين المعرفة العلمية والتعليق السياسي أقل وضوحاً بنظر الرأي العام الفرنسي. 

ما ورد في مقالة بونفوا وتقرير بالم، إلى جانب الانقسام الشعبي والسياسي الحاد في فرنسا بعد 7 أكتوبر، يساهم في تفسير محاولات تقييد أنشطة الباحثين الذين لا يتبنون السرديات الإسرائيلية.

لكن التضييق لم يبدأ بطبيعة الحال مع محاولة منع المؤتمر الأكاديمي “فلسطين وأوروبا”. 

ففي 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وجهت سيلفي روتايو، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي السابقة، رسالة إلى رؤساء الجامعات الحكومية الفرنسية تطلب منهم فيها التبليغ عن أي شخص (أستاذ، باحث، إداري، طالب) يُشتبه بتأييده حركة حماس. 

رسالة لاقت أصداء، ليبادر أساتذة وباحثون إلى التبليغ عن زملائهم، ما أدى إلى “انحدار النقاش الأكاديمي”، وفق تقرير ستيفاني بالم. دفع ذلك بعض الباحثين إلى ممارسة رقابة ذاتية، فيما اضطر آخرون إلى الاستقالة من مناصب يتولّونها لاتهامهم “بتغذية معاداة السامية”. كما بلغت الأمور حد تسريب مقاطع مصورة وصوتية للأساتذة خلال إلقاء محاضراتهم لتنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما اعتبره التقرير منهجية وتنظيماً في عملية التبليغات.

مقالة بونفوا تناولت حالة باحثة خضعت لتحقيق من “المركز الوطني للبحث العلمي”، على خلفية التبليغ عنها لأسباب سياسية، ليُسرَّب مضمون التحقيق، ما عرّضها لموجه من الشتائم والتهديدات. 

من الأمثلة التي يجدر أيضاً التوقف عندها هو الإصرار على التذكير بالتحقيق مع الباحث الفرنسي المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية فرنسوا بورغا، من جانب الشرطة الفرنسية في تموز/ يوليو 2024، على خلفية شكوى قُدمت بحقه بتهمة محاباة الإرهاب. استمرار تناول قضيته رغم تبرئته من هذه التهمة في أيار/ مايو 2025 يعكس أن معيار الإدانة بنظر هذا الفريق لم يعد الحكم القضائي بل مجرد توجيه التهمة، في رفض لأبسط القواعد القانونية والقضائية. 

إلى جانب التبليغات، شهد الوسط الجامعي والأكاديمي تأجيل أو إلغاء عدد من الأنشطة من المنظمين أو الهيئات الإدارية، كما سحبت دار النشر فايارد النسخة الفرنسية من كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، وذلك في كانون الأول/ ديسمبر 2023.

كذلك، سُجل تدخل سياسي مباشر حين حضر رئيس الوزراء السابق غابريال أتال — من دون دعوة — اجتماع مجلس إدارة معهد العلوم السياسية في آذار/ مارس 2024 ليعلن رفع الحكومة دعوى قضائية بحجة منع طالبة يهودية من دخول مدرج خلال نشاط تضامني مع فلسطين. خطوة دلت برأي الكثير من الأكاديميين على تدخل سياسي في الحياة الجامعية بما يتجاوز صلاحياته. 

يرصد تقرير ستيفاني بالم مناخاً من الشك والريبة في الوسط الأكاديمي الفرنسي، لا سيما عند تناول إسرائيل، ما انعكس سلباً على الحريات الأكاديمية.

الجدير بالذكر أن القوانين الفرنسية كفلت الحرية الأكاديمية: المجلس الدستوري نص في قراره رقم 165-83 الصادر في 20 كانون الثاني/ يناير 1984، على ما يلي: “طبيعة مهنتي التدريس والبحث تتطلب ضمان حرية التعبير واستقلال العاملين”. هذا القرار الذي تحول إلى مرجع سمح، أكده قانون التعليم في مادته L952-2، والتي ذكرت: “يتمتع الأساتذة والمحاضرون والباحثون باستقلالية تامة وحرية تعبير تامة في أداء واجباتهم التعليمية والبحثية… الحريات الأكاديمية هي ضمان التميز في التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي، وتمارس وفقاً للمبدأ الدستوري المتمثل في استقلالية الأساتذة والباحثين”. 

لكن وحتى قبل 7 أكتوبر، عانى باحثون في فرنسا من تضييق سياسي، كاتهام المتخصصين في دراسات ما بعد الكولونيالية بـ “التحزب ضد الغرب” و”تفتيت المجتمع”، في محاولة لنزع الصفة الأكاديمية عن أبحاثهم. اتهامات صدرت بشكل رئيسي عن وزيري التربية والتعليم العالي السابقين، جان ميشال بلانكير وفريدريك فيدال قبل نحو 4 أعوام.  وكانت فيدال أعلنت في حينها نيتها التصدي “للإسلاموية – اليسارية” واصفة إياها بـ”الحركة الفكرية الجامعية”، في محاولة للانتقاص من مكانة عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين.

كذلك الحال في ما يتعلق بالتبليغات الأكاديمية بعدما أسست مجموعة من الباحثين في العام 2021 ما بات يُعرف اليوم بمرصد الأخلاقيات الجامعية الذي يعمل، وفقاً لموقعه الإلكتروني، على رصد “الانحرافات الأيديولوجية وانتهاكات الحياد العلمي”. لكن تقرير ستيفاني بالم اتهم المرصد المذكور بإضعاف الحرية الأكاديمية وبث مناخاً من الترهيب، ما يردع الباحثين عن العمل على بعض المواضيع أو الترويج لأبحاثهم، “ما يضعف النقاش العلمي القائم على التعددية”.

وإذا كانت هذه الخطوات تسعى إلى تقييد أصوات أكاديمية محددة وإخمادها لما تحمله أبحاثها ومواقفها من نظرة نقدية للسياسة الفرنسية و/أو للسردية الإسرائيلية، فقد سجلت بالمقابل تدخلات سياسية في الوسط الأكاديمي من دون هدف واضح. أبرز ما يمكن ذكره هو اشتراط بعض رؤساء المحافظات الفرنسية توقيع الجامعات مواثيق، تضمن احترامهم قيم فرنسا ومبادئها، مقابل استمرار التعاون معها.

شرط مستغرب، فما الداعي لتذكير الجامعات بواجباتها البديهية؟ يرى تقرير بالم، أن في ذلك محاولة لفرض وصاية على الجامعات عبر الإيحاء بأن العاملين فيها لا يحترمون القوانين، وكأن المؤسسة الجامعية “قاصرة” وتحتاج إلى من يرشدها.

ستيفاني بالم اعتبرت أن النظام الجامعي الفرنسي لم يشيّد، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على أسس كافية لصد التدخلات التسلطية والحد منها: “لا يعني هذا أننا نشبه الصين أو إيران… لكن الأمور قد تتدهور سريعاً، لذا يتعين علينا الاستعداد منذ اليوم”. وعليه عرض تقريرها مجموعة اقتراحات أبرزها إدراج الحرية الأكاديمية في الدستور الفرنسي. 

14.11.2025
زمن القراءة: 8 minutes

الغليان الذي شهده الوسط الأكاديمي الفرنسي خلال الأيام الماضية، يعيد إلى الأذهان تصريحاً للبروفيسور في علم الاجتماع التاريخي، جان فرنسوا بايار، في آذار/ مارس 2024 ، قال فيه: “تعيش فرنسا حالة من المكارثية الفكرية”. وقد تفاقمت هذه الحالة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليزداد منسوب التضييق الأكاديمي على الجامعات والباحثين. 

“التهجم على الجامعات، هو تهجم على الديمقراطية”، بهذه العبارة لخص جان فرنسوا هوشيه، رئيس المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، في مقابلة إذاعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رؤيته لتصاعد الضغوط على المؤسسات الأكاديمية في فرنسا. وجاء تصريحه في سياق نقاش حول تقرير صدر بعنوان “الدفاع عن الحرية الأكاديمية وتعزيزها… تحدٍّ عالمي وضرورة طارئة لفرنسا وأوروبا”.

التقرير أعدته ستيفاني بالم بناءً على طلب “تجمع رؤساء الجامعات الفرنسية” لرصد العراقيل التي تحول دون حرية العمل الأكاديمي في البلاد.  التقرير أوضح أن عدداً من الأنظمة الديمقراطية باتت هي الأخرى مصدر تهديد لحرية العمل الأكاديمي، بعدما كان التضييق حكراً على الأنظمة التسلّطية. 

آخر فصول التضييق الأكاديمي في فرنسا تجلّى في محاولة منع انعقاد مؤتمر بعنوان “فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات معاصرة”، الذي كان يحضِّر له قسم التاريخ المعاصر للعالم العربي بالشراكة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس. 

كان يفترض عقد المؤتمر يومي 13 و14 تشرين الثاني/ نوفمبر في حرم “كوليج دو فرانس”، وهو من أعرق المؤسسات العلمية الفرنسية، لكن ضغوطاً مارستها صحف وأساتذة باحثون ووزير التعليم العالي، دفعت بمدير “كوليج دو فرانس” إلى إلغاء فعالياته، لتُنقل في اللحظة الأخيرة إلى مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

استند قرار الإلغاء الصادر عن مدير “كوليج دو فرانس”، في 9 تشرين الثاني، إلى حجتين: عدم استيفاء المعايير العلمية – الأكاديمية، ومخاوف تتعلق بسلامة المشاركين والمكان بسبب الجدل الذي أثاره انعقاد المؤتمر. 

في حديث إلى موقع “درج”، وصف سلام الكواكبي، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذه المبررات بالضعيفة، بدليل تقديم “كوليج دو فرانس” اقتراحاً أولياً بعقد المؤتمر خلف الأبواب المغلقة، وهو ما رفضه المنظمون. اقتراح رآه الكواكبي “سخيفاً” وتأكيداً على انتفاء أي حجة متينة، فالمدير كان يسعى إلى تفادي “وجع الرأس” ليس إلا. 

كما يثير التذرع بالحرص على سلامة المشاركين جملة أسئلة: هل حاولت إدارة “كوليج دو فرانس” اتخاذ ما يلزم من الإجراءات لضمان سلامة الحضور قبل اللجوء إلى قرار الإلغاء؟ وهل ستُلغى مستقبلاً أي فعالية أكاديمية مثيرة للجدل؟ سلام الكواكبي وضع هذه الحجة في خانة “الحياد السلبي”، ما يمنح أي تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على إجهاض نشاط أكاديمي. 

بخصوص غياب “التعددية والنزاهة العلمية” الواردة في بيان “كوليج دو فرانس”، لم توضح الإدارة ماهية مآخذها وملاحظاتها على برنامج المؤتمر. وحتى لو افترضنا أن البرنامج انطوى على خلل أكاديمي، لماذا اقتُرحت إقامته على نحو مغلق؟ 

في المقابل، أصدرت الجهات المنظمة للمؤتمر بياناً مشتركاً أكدت فيه التزامها بمعايير أكاديمية واضحة: فالمشاركون ينتمون إلى خلفيات أكاديمية متعددة، ودعوتهم كانت نتيجة “سمعتهم العلمية”، كما راعت الجلسات التنوع في الاختصاصات والتيارات الأكاديمية.

برنامج المؤتمر يدعم مضمون البيان، إذ عُرضت سير الباحثين المشاركين التي تشير إلى اختيارهم بناء على معرفتهم الأكاديمية لا تحزّبهم المفترض. من جانب آخر، تجد مضامين جلسات المؤتمر أرضية أكاديمية – بحثية (تاريخ العلاقات الدولية، دراسات ما بعد الكولونيالية، العلاقات الأوروبية – الشرق أوسطية …). يتوسع الكواكبي في هذا السياق موضحاً التالي: “المؤتمر ليس مناظرة إعلامية وسياسية” بل فعالية علمية متخصّصة.

قرار إلغاء انعقاد المؤتمر قوبل بسخط واسع في الوسط الأكاديمي الفرنسي، ليُحمّل وزير التعليم العالي والبحث الفرنسي، فيليب باتيست، المسؤولية الرئيسية عن انتهاك الحرية الأكاديمية، خصوصاً بعد نشره تغريدة لم يخفِ فيها تواصله مع مدير “كوليج دو فرانس” لهذا الغرض. سلام الكواكبي كشف لـ”درج” عن إرسال باتيست رسالة إلى مدير “كوليج دو فرانس” تضمنت “تهديداً مهذباً” و”أمراً مبطناً” بإلغاء المؤتمر بذريعة “غياب الموضوعية”، وهي رسالة اطلع عليها منظمو المؤتمر عبر مصدر من داخل الوزارة.  على إثر ذلك، تداعى أكاديميون في فرنسا إلى توقيع عريضة تطالب باستقالة الوزير المذكور بعد تعمّده “منع البحث الأكاديمي حول إسرائيل – فلسطين”. 

شبكة “بلاست” الإعلامية كشفت من جهتها عن دور لتجمع من الباحثين يعرف باسم ““شبكة الأبحاث حول العنصرية ومعاداة السامية”، مصنفة ما حدث في خانة “المناورة الجامعية الموالية لإسرائيل”.

الغليان الذي شهده الوسط الأكاديمي الفرنسي خلال الأيام الماضية، يعيد إلى الأذهان تصريحاً للبروفيسور في علم الاجتماع التاريخي، جان فرنسوا بايار، في آذار/ مارس 2024 ، قال فيه: “تعيش فرنسا حالة من المكارثية الفكرية”. وقد تفاقمت هذه الحالة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر ليزداد منسوب التضييق الأكاديمي على الجامعات والباحثين. 

سلام الكواكبي قارب المسألة من زاوية “محاربة البحث العلمي من النيو ليبراليين المقربين من إسرائيل”، ما يفرض طرح سؤال حول دوافع الخشية الفرنسية من الأصوات الأكاديمية في هذا التوقيت؟

في سياق رصدها واقع الحريات الأكاديمية بعد 7 أكتوبر، أشارت ستيفاني بالم في تقريرها الى أن الحروب تُحدث تحولات في مختلف المجالات، بما فيها المجال الأكاديمي: “في هذه الظروف تختلف النظرة إلى الباحثين، بحيث يتحولون رغماً عنهم من مجرد مراقبين إلى أطراف فاعلة حقيقية”. المقصود بهذه العبارة هو قدرة الباحث الأكاديمي على التأثير في الرأي انطلاقاً من معرفته ونظرته النقدية التي توفر له الأدوات اللازمة لتصويب السجال. 

يضيف التقرير أن الحاجة إلى هذه الخبرات الأكاديمية في أوقات العنف، تجعل أصحابها عرضة لمحاولات التطويع السياسي، التي تهدف إلى فرض قيود على عمل الباحثين وتوجيه إنتاجهم المعرفي، ما يؤدي إلى “تشققات” داخل الكليات والأقسام: “ليس لأسباب داخلية إنما لمحاولات تطويعها من جهات سياسية وإعلامية”.  

الباحث السياسي المتخصص في شؤون العالم العربي، لوران بونفوا، اعتبر في مقالته المعنونة “الوسط الأكاديمي الفرنسي، غزة وإسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 … تقييم نقدي”، أن الحروب تعد أوقاتاً عصيبة على الباحثين، إذ يخلق المناخ السياسي والهوية الشخصية والمسيرة المهنية مساحات التقاء بين الباحثين المتخصصين في الدراسات الفلسطينية أو الإسرائيلية من جهة والناشطين في الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني من جهة أخرى، ما يدفع البعض إلى وصفهم بـ”الباحثين الناشطين”. علاوة على ذلك، مكانة الباحثين العلمية تدفع إلى الاستعانة بخبراتهم للمشاركة في المناظرات الإعلامية أو لتقديم استشارات للمؤسسات الرسمية (وزارة الخارجية، رئاسة الجمهورية)، ما يجعل الحد الفاصل بين المعرفة العلمية والتعليق السياسي أقل وضوحاً بنظر الرأي العام الفرنسي. 

ما ورد في مقالة بونفوا وتقرير بالم، إلى جانب الانقسام الشعبي والسياسي الحاد في فرنسا بعد 7 أكتوبر، يساهم في تفسير محاولات تقييد أنشطة الباحثين الذين لا يتبنون السرديات الإسرائيلية.

لكن التضييق لم يبدأ بطبيعة الحال مع محاولة منع المؤتمر الأكاديمي “فلسطين وأوروبا”. 

ففي 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وجهت سيلفي روتايو، وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي السابقة، رسالة إلى رؤساء الجامعات الحكومية الفرنسية تطلب منهم فيها التبليغ عن أي شخص (أستاذ، باحث، إداري، طالب) يُشتبه بتأييده حركة حماس. 

رسالة لاقت أصداء، ليبادر أساتذة وباحثون إلى التبليغ عن زملائهم، ما أدى إلى “انحدار النقاش الأكاديمي”، وفق تقرير ستيفاني بالم. دفع ذلك بعض الباحثين إلى ممارسة رقابة ذاتية، فيما اضطر آخرون إلى الاستقالة من مناصب يتولّونها لاتهامهم “بتغذية معاداة السامية”. كما بلغت الأمور حد تسريب مقاطع مصورة وصوتية للأساتذة خلال إلقاء محاضراتهم لتنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما اعتبره التقرير منهجية وتنظيماً في عملية التبليغات.

مقالة بونفوا تناولت حالة باحثة خضعت لتحقيق من “المركز الوطني للبحث العلمي”، على خلفية التبليغ عنها لأسباب سياسية، ليُسرَّب مضمون التحقيق، ما عرّضها لموجه من الشتائم والتهديدات. 

من الأمثلة التي يجدر أيضاً التوقف عندها هو الإصرار على التذكير بالتحقيق مع الباحث الفرنسي المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية فرنسوا بورغا، من جانب الشرطة الفرنسية في تموز/ يوليو 2024، على خلفية شكوى قُدمت بحقه بتهمة محاباة الإرهاب. استمرار تناول قضيته رغم تبرئته من هذه التهمة في أيار/ مايو 2025 يعكس أن معيار الإدانة بنظر هذا الفريق لم يعد الحكم القضائي بل مجرد توجيه التهمة، في رفض لأبسط القواعد القانونية والقضائية. 

إلى جانب التبليغات، شهد الوسط الجامعي والأكاديمي تأجيل أو إلغاء عدد من الأنشطة من المنظمين أو الهيئات الإدارية، كما سحبت دار النشر فايارد النسخة الفرنسية من كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي، وذلك في كانون الأول/ ديسمبر 2023.

كذلك، سُجل تدخل سياسي مباشر حين حضر رئيس الوزراء السابق غابريال أتال — من دون دعوة — اجتماع مجلس إدارة معهد العلوم السياسية في آذار/ مارس 2024 ليعلن رفع الحكومة دعوى قضائية بحجة منع طالبة يهودية من دخول مدرج خلال نشاط تضامني مع فلسطين. خطوة دلت برأي الكثير من الأكاديميين على تدخل سياسي في الحياة الجامعية بما يتجاوز صلاحياته. 

يرصد تقرير ستيفاني بالم مناخاً من الشك والريبة في الوسط الأكاديمي الفرنسي، لا سيما عند تناول إسرائيل، ما انعكس سلباً على الحريات الأكاديمية.

الجدير بالذكر أن القوانين الفرنسية كفلت الحرية الأكاديمية: المجلس الدستوري نص في قراره رقم 165-83 الصادر في 20 كانون الثاني/ يناير 1984، على ما يلي: “طبيعة مهنتي التدريس والبحث تتطلب ضمان حرية التعبير واستقلال العاملين”. هذا القرار الذي تحول إلى مرجع سمح، أكده قانون التعليم في مادته L952-2، والتي ذكرت: “يتمتع الأساتذة والمحاضرون والباحثون باستقلالية تامة وحرية تعبير تامة في أداء واجباتهم التعليمية والبحثية… الحريات الأكاديمية هي ضمان التميز في التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي، وتمارس وفقاً للمبدأ الدستوري المتمثل في استقلالية الأساتذة والباحثين”. 

لكن وحتى قبل 7 أكتوبر، عانى باحثون في فرنسا من تضييق سياسي، كاتهام المتخصصين في دراسات ما بعد الكولونيالية بـ “التحزب ضد الغرب” و”تفتيت المجتمع”، في محاولة لنزع الصفة الأكاديمية عن أبحاثهم. اتهامات صدرت بشكل رئيسي عن وزيري التربية والتعليم العالي السابقين، جان ميشال بلانكير وفريدريك فيدال قبل نحو 4 أعوام.  وكانت فيدال أعلنت في حينها نيتها التصدي “للإسلاموية – اليسارية” واصفة إياها بـ”الحركة الفكرية الجامعية”، في محاولة للانتقاص من مكانة عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين.

كذلك الحال في ما يتعلق بالتبليغات الأكاديمية بعدما أسست مجموعة من الباحثين في العام 2021 ما بات يُعرف اليوم بمرصد الأخلاقيات الجامعية الذي يعمل، وفقاً لموقعه الإلكتروني، على رصد “الانحرافات الأيديولوجية وانتهاكات الحياد العلمي”. لكن تقرير ستيفاني بالم اتهم المرصد المذكور بإضعاف الحرية الأكاديمية وبث مناخاً من الترهيب، ما يردع الباحثين عن العمل على بعض المواضيع أو الترويج لأبحاثهم، “ما يضعف النقاش العلمي القائم على التعددية”.

وإذا كانت هذه الخطوات تسعى إلى تقييد أصوات أكاديمية محددة وإخمادها لما تحمله أبحاثها ومواقفها من نظرة نقدية للسياسة الفرنسية و/أو للسردية الإسرائيلية، فقد سجلت بالمقابل تدخلات سياسية في الوسط الأكاديمي من دون هدف واضح. أبرز ما يمكن ذكره هو اشتراط بعض رؤساء المحافظات الفرنسية توقيع الجامعات مواثيق، تضمن احترامهم قيم فرنسا ومبادئها، مقابل استمرار التعاون معها.

شرط مستغرب، فما الداعي لتذكير الجامعات بواجباتها البديهية؟ يرى تقرير بالم، أن في ذلك محاولة لفرض وصاية على الجامعات عبر الإيحاء بأن العاملين فيها لا يحترمون القوانين، وكأن المؤسسة الجامعية “قاصرة” وتحتاج إلى من يرشدها.

ستيفاني بالم اعتبرت أن النظام الجامعي الفرنسي لم يشيّد، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على أسس كافية لصد التدخلات التسلطية والحد منها: “لا يعني هذا أننا نشبه الصين أو إيران… لكن الأمور قد تتدهور سريعاً، لذا يتعين علينا الاستعداد منذ اليوم”. وعليه عرض تقريرها مجموعة اقتراحات أبرزها إدراج الحرية الأكاديمية في الدستور الفرنسي.