ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المناهج التعليمية في سوريا:  مدخل أول للحكومة “الشرعية”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يترقّب السوريون بحذر أي حركة من حكومة تسيير الأعمال، ويشيرون لها لتصحيح مسارها، فللمرة الأولى بعد 50 عاماً من السلطة القمعية، يرى السوريون بعد سقوط الأسد فرصةً لبناء دولة حقيقية ومعتدلة تتسع للجميع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

موجة واسعة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرضت لها وزارة التربية والتعليم السورية، عقب إصدارها تعميماً يتضمن إجراء تعديلات على المناهج الدراسية، شملت الصفوف من الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي، وجاءت بقرار مفاجئ من وزير التربية الحالي نذير القادري ممثلاً عن الحكومة الانتقالية، مما أثار التساؤلات حول مدى صلاحية الحكومة “المؤقتة” في اتخاذ مثل هذه القرارات التربوية الحساسة في هذه المرحلة.

بعد ساعات من موجة انتقادات عبر السوشيال ميديا، عاد وزير التربية وأعلن أن  المناهج الدراسية في سوريا ما زالت على وضعها، حتى تُشكّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها، وأن التوجيهات اقتصرت على حذف ما يتعلّق بتمجيد نظام الأسد.

لكن ما هي التعديلات وكيف حصلت ولماذا التراجع؟ 

دخول “شرعي” عبر المناهج الدراسية

القرار الوزاري صدر في أعقاب عدة لقاءات أجراها الوزير القادري مع وفود من منظمات دولية مثل “Adra”، والمنظمة الايطالية “CESVI”، ووفد من منظمة “اليونيسيف” في مبنى الوزراة في دمشق، تضمنت الاجتماعات وفقاً لتصريحات صفحة الوزارة الرسمية على “فيسبوك” مناقشة التحديات التي تواجهها الوزارة، وآلية تطوير عملية التعليم وتنظيم ملف التربية وترميم المدارس وتأهيلها تلبيةً لاحتياجات الطلاب.

نُشر القرار على الموقع نفسه، وقد بدأ بصفحة أولى (تم حذفها لاحقاً لأسباب مجهولة) تضمنت التالي: بناءً على مقتضيات المصلحة العامة، يُقرر ما يأتي:

تُحذف الصور والعبارات والدروس التي تمجد النظام البائد وبعض الملاحظات الأخرى وفق الآتي:

-اعتماد عَلم الثورة بدلاً من العلم القديم أينما وُجد.

_اعتماد عبارة الحكم العثماني بدلاً من الاحتلال العثماني أينما وُجدت.

_حذف مادة التربية الوطنية كاملة.

ثم أُرفق القرار بجداول مطوّلة عن التغييرات الطارئة على المواد الدراسية في كل صف على حدة.

أبرز هذه التعديلات استبدال مادة “التربية الوطنية” بمادة “التربية الدينية” وإدخالها ضمن المجموع النهائي في الشهادة الثانوية، حيث كان على الطالب اختيار فرعه الجامعي، بعد استبعاد علامة مادة التربية الدينية (إضافة إلى إحدى اللغات) من مجموعه العام.

لا شك في أن سعادة الطلاب بخلاصهم من مادة التربية الوطنية (القومية سابقاً) بمصطلحاتها الثقيلة وتشويهها تاريخ سوريا وفق تطلعات نظام الأسد، شابها نوع من القلق تجاه إدخال مادة الديانة وأي محتوى ستتضمنه ووفق أي تفسيرات، عدا أن إصدار هكذا قرار في منتصف العام الدراسي من شأنه خلق حالة إرباك.

امتدّ القرار الوزاري حتى شمل عدة طروحات علمية وتاريخية تمت إزالتها بالكامل أو تعديلها بصيغة رخوة بأفضل الحالات، من بينها، ما ورد في كتاب التربية الدينية للصف الأول، حيث تم تغيير مصطلحات محايدة مثل “الصراط المستقيم” و”طريق الخير” وحصرها بـ “طريق الإسلام”، أما الأكثر إثارة للجدل فكان استبدال توصيف “المغضوب عليهم” و”الضالين” و”ابتعدوا عن طريق الخير” بـ “اليهود والنصارى” (أي المسيحيين) كتسمية مباشرة، ما اعتبره كثيرون تكريساً لخطاب طائفي واضح يُقصي مكونين أساسيين من مكونات المجتمع السوري، ويُهدد التعددية التي شكّلت جزءاً من الهوية السورية عبر تاريخها.

تباينت ردود الفعل حيال هذه التعديلات لكن أصواتاً سورية كثيرة خرجت علناً لتبدي ملاحظات نقدية على هذه التعديلات التي اعتبرها البعض أنها يمكن أن تُؤسس داخل الطلاب مفاهيم الإقصاء والتمييز فيما بينهم.

عائشة الدبس وتجسيد الرؤية الإقصائية

لم تقتصر هذه التعديلات على المصطلحات اللفظية فحسب، بل امتدت لتشمل تغييرات رمزية مثل استبدال عبارة “الشجاع يدافع عن تراب الوطن” بـ “في سبيل الله”، وتحويل “عطاء الطبيعة” إلى “عطاء الله”، أما في الصفوف الأعلى، فقد تم حذف موضوعات أساسية تتعلق بنظرية التطور العلمي، ابتداء من درس “أصل الحياة وتطورها على الأرض” من منهاج الصف الثامن، وصولاً إلى حذف فقرة تحت عنوان “تطوّر الدماغ” من منهاج البكالوريا، إذ تنافي هذه الحقائق السردية الدينية في نشأة الحياة والإنسان، وقد تم تغليبها على النظريات والدراسات العلمية الحديثة وفق رؤية الوزارة!.

شمل التعديل أيضاً حذف عدد من الأبيات الشعرية، وشطب قصص الآلهة القديمة وصور المسلات (التماثيل) وفقرات اللغات التاريخية كالهيروغليفية، إضافة إلى حذف دور المرأة الحاكمة والآلهة في الحضارات القديمة، مثل زنوبيا وخولة بنت الأزور، من كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث، لاعتبارها؛ حسب وصفهم، شخصية خيالية، وهو ما رآه كثيرون تمادياً لمحو دور المرأة من الموروث الثقافي والتاريخي للبلاد.

تتقاطع هذه الأفعال بشكل أو بآخر مع خطاب عائشة الدبس مديرة مكتب شؤون المرأة السورية في الحكومة الانتقالية، كأحد مظاهر هذه الرؤية الأحادية، التي أعلنت تمثّلها لرؤية القيادة، وعدم فتح المجال لأي فكر مخالف لها، هذه التصريحات التي جاءت بلهجة حادة وصريحة جسّدت نموذجاً يحاول فرض أيديولوجية “قُبيسية” تُقصي كل من لا يتماشى معها.

التناقض لا يقتصر على مضمون التصريح ومهمة المكتب فقط، بل يظهر أيضاً في استراتيجيتها الخطابية، التي بدت أشبه بتبرير مُسبق لأي اعتراض، وكأنها تملك الحقيقة والأحقية المطلقة لتُغلق الباب أمام أي محاولات لنقاش شامل حول الهوية الوطنية الجديدة.

لماذا القلق؟

قد تبدو التعديلات في ظاهرها تغييرات بسيطة في النصوص، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً مقلقة، فالمناهج الدراسية ليست مجرد أدوات تعليمية، بل وسيلة فعّالة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للأجيال القادمة، في بلد متنوع مثل سوريا، يعكس هذا النهج رؤية تسعى لتكريس الدين كمرجع وحيد، وتهميش كل ما يتعارض مع هذه الرؤية من مفاهيم علمية، أدبية، أو تاريخية.

ولو تجاوزنا تساؤلنا الأول عن أحقية الحكومة وجداراتها في إصدار هكذا قرارات، فسؤالنا الأهم… ماذا عن الوعود والتطمينات التي تبنّتها الحكومة تجاه الديانات الأُخرى؟! 

حذف “القانون” والإبقاء على الشريعة

من بين البنود التي وردت في القرار الوزاري، جاء حذف كلمة “القانون” من عبارة “الالتزام بالشرع والقانون” في كتاب التربية الدينية للثاني الثانوي، لتُصبح “الالتزام بالشرع”، يبدو أن هذه الخطوة تختزل ما تسعى الهيئة إلى قوله، ففي حين يطالب السوريون بفصل الدين عن الدولة، تتجه الحكومة بالمقابل لفصل القانون عن الشريعة، ولتعزيز هذا التوجه، ألحقت هذا البند باستبدال وصف “الأخوة الإنسانية” بعبارة “الأخوة الإيمانية”.

هذه المعطيات يمكنها منحنا تخيلاً عن شكل البلد الذي تسعاه السلطة الجديدة في سوريا، حيث يتحول فيه النظام من اتصال بين الدولة والمواطنين إلى اتصال بين الدولة والدين، إلصاق الدين بصلب الدولة قد يبدو محاولة لأنسنة البلاد وإعطائها بعداً إيمانياً، لكن هذا النهج يغفل حقيقة أن المشكلات لا يمكن حلها إلا بالنظر إلى الواقع مباشرة، وبناء حلول تستند إلى القانون والوعي والتجربة.

ما يثير القلق ليس مضمون القرار وحده، إنما الجرأة في طرحه بهذا الوضوح، والسرعة دون أي رد اعتبار أو تحفّظ للشارع السوري المتشنج أصلاً.

أمام هذا القرار وازدياد الممارسات الفردية تبرز أهمية وجود دولة مدنية تضمن حرية الجميع وتعددية معتقداتهم، دولة ذات قانون “إنساني” يضع الأديان جميعها في اصطفاف واحد من دون وصاية على الآخر، فاليوم مفهوم القانون فوق الجميع في حالة الحكومة الحالية يطفو بـ”الاسلام السياسي” على السطح، الذي يحمل خطر تفضيل ديانة واحدة على حساب باقي المكونات المجتمعية، وهذا ما بدا واضحاً في التعديلات الأخيرة على المناهج الدراسية.

نصف خطوة إلى الوراء

ورداً على الضجة التي أحدثها القرار، أعلنت صفحة الوزارة في اليوم التالي 2 كانون الثاني/ يناير، تصريحاً إلكترونياً باسم القادري، مفاده أن المناهج الدراسية في سوريا ما زالت على وضعها، حتى تُشكّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها، وأن التوجيهات اقتصرت على حذف ما يتعلّق بتمجيد نظام الأسد، كما أشار التصريح إلى أن التعديلات المُعلنة تهدف فقط إلى تصحيح بعض المعلومات المغلوطة في مناهج التربية الإسلامية واعتماد شرحها الصحيح، كما ورد في كتب التفسير.

إلا أن هذا التصريح لم يأتِ بصيغة قرار رسمي موقّع ومختوم مثل قرار التعديل، واكتفى بتبرير المداخلات على مادة التربية الدينية فقط، من دون الإشارة إلى التعديلات الأخرى التي طالت كتب اللغة والتاريخ والعلوم، فيما اعتبره البعض محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، من دون تراجع صريح عن القرارات بعد أن جرى تعميمها علناً على جميع المدارس.

الشعب السوري يترصّد الحكومة

يبدو أن الاعتدال ما زال غائباً عن المشهد السوري منذ احتكام الأسد حتى الآن، وما حدث كان كافياً لجعل السوريين يفقدون ثقتهم بالسلطات الأحادية، فاليوم بدلاً من أن تراقب السلطة الجديدة مصلحة مواطنيها، يترقّب السوريون بحذر أي حركة من حكومة تسيير الأعمال، ويشيرون لها لتصحيح مسارها، فللمرة الأولى بعد 50 عاماً من السلطة القمعية، يرى السوريون بعد سقوط الأسد فرصةً لبناء دولة حقيقية ومعتدلة تتسع للجميع.     

ردود الفعل الشعبية المتفاوتة على هذه القرارات، من الانتقادات الإلكترونية إلى الوقفات الاحتجاجية، تكشف عن أزمة ثقة عميقة، فلأول مرة منذ سنوات، يشعر السوريون أنهم بحاجة إلى مراقبة حكومتهم بحذر، وكأنها طرف خارجي لا يشبه الداخل، هذه الفجوة تُظهر بوضوح أن إعادة بناء الثقة بين الحاكم والشعب يتطلب شفافية حقيقية وآليات ديمقراطية تشاركية، تُعيد للسوريين الشعور بأنهم جزء من القرار وليسوا مجرد متلقين له.

من الضروري الانتباه إلى أن التجربة السورية تحتاج إلى وقت كافٍ للتعافي مما مرت به من عسف واستبداد حكم البعث وآل الأسد، وإن كان تشكيل دستور جديد للبلاد يحتاج  إلى 3 سنوات وفق تقدير الحكومة، فإن تعديل المناهج التعليمية يحتاج إلى أكثر من ذلك حتماً، باعتباره مدخلاً  أولاً لبناء فكر سوريا القادم.

تتشابك اليوم التحديات التي تواجه تشكيل الهوية التي يريدها الجميع، بين سياسة حكومية تحاول إعادة هيكلة المجتمع وفق ما تراه مناسباً من جهة، وبين سياسات شعوبية متعددة تمثّل أطياف المجتمع السوري من جهة أخرى، محاولات الحكومة الإمساك برأس الخيط لا تكفي لنسج دولة جديدة، بل يستجدي حدوثها عبور الخيط داخل إبرة المجتمع وإرادته، وإلا ستتحول هذه الإبرة إلى أداة وخز لكل من يظن أن سوريا مُلكية فردية يمكن تطويعها.

03.01.2025
زمن القراءة: 7 minutes

يترقّب السوريون بحذر أي حركة من حكومة تسيير الأعمال، ويشيرون لها لتصحيح مسارها، فللمرة الأولى بعد 50 عاماً من السلطة القمعية، يرى السوريون بعد سقوط الأسد فرصةً لبناء دولة حقيقية ومعتدلة تتسع للجميع.

موجة واسعة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرضت لها وزارة التربية والتعليم السورية، عقب إصدارها تعميماً يتضمن إجراء تعديلات على المناهج الدراسية، شملت الصفوف من الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي، وجاءت بقرار مفاجئ من وزير التربية الحالي نذير القادري ممثلاً عن الحكومة الانتقالية، مما أثار التساؤلات حول مدى صلاحية الحكومة “المؤقتة” في اتخاذ مثل هذه القرارات التربوية الحساسة في هذه المرحلة.

بعد ساعات من موجة انتقادات عبر السوشيال ميديا، عاد وزير التربية وأعلن أن  المناهج الدراسية في سوريا ما زالت على وضعها، حتى تُشكّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها، وأن التوجيهات اقتصرت على حذف ما يتعلّق بتمجيد نظام الأسد.

لكن ما هي التعديلات وكيف حصلت ولماذا التراجع؟ 

دخول “شرعي” عبر المناهج الدراسية

القرار الوزاري صدر في أعقاب عدة لقاءات أجراها الوزير القادري مع وفود من منظمات دولية مثل “Adra”، والمنظمة الايطالية “CESVI”، ووفد من منظمة “اليونيسيف” في مبنى الوزراة في دمشق، تضمنت الاجتماعات وفقاً لتصريحات صفحة الوزارة الرسمية على “فيسبوك” مناقشة التحديات التي تواجهها الوزارة، وآلية تطوير عملية التعليم وتنظيم ملف التربية وترميم المدارس وتأهيلها تلبيةً لاحتياجات الطلاب.

نُشر القرار على الموقع نفسه، وقد بدأ بصفحة أولى (تم حذفها لاحقاً لأسباب مجهولة) تضمنت التالي: بناءً على مقتضيات المصلحة العامة، يُقرر ما يأتي:

تُحذف الصور والعبارات والدروس التي تمجد النظام البائد وبعض الملاحظات الأخرى وفق الآتي:

-اعتماد عَلم الثورة بدلاً من العلم القديم أينما وُجد.

_اعتماد عبارة الحكم العثماني بدلاً من الاحتلال العثماني أينما وُجدت.

_حذف مادة التربية الوطنية كاملة.

ثم أُرفق القرار بجداول مطوّلة عن التغييرات الطارئة على المواد الدراسية في كل صف على حدة.

أبرز هذه التعديلات استبدال مادة “التربية الوطنية” بمادة “التربية الدينية” وإدخالها ضمن المجموع النهائي في الشهادة الثانوية، حيث كان على الطالب اختيار فرعه الجامعي، بعد استبعاد علامة مادة التربية الدينية (إضافة إلى إحدى اللغات) من مجموعه العام.

لا شك في أن سعادة الطلاب بخلاصهم من مادة التربية الوطنية (القومية سابقاً) بمصطلحاتها الثقيلة وتشويهها تاريخ سوريا وفق تطلعات نظام الأسد، شابها نوع من القلق تجاه إدخال مادة الديانة وأي محتوى ستتضمنه ووفق أي تفسيرات، عدا أن إصدار هكذا قرار في منتصف العام الدراسي من شأنه خلق حالة إرباك.

امتدّ القرار الوزاري حتى شمل عدة طروحات علمية وتاريخية تمت إزالتها بالكامل أو تعديلها بصيغة رخوة بأفضل الحالات، من بينها، ما ورد في كتاب التربية الدينية للصف الأول، حيث تم تغيير مصطلحات محايدة مثل “الصراط المستقيم” و”طريق الخير” وحصرها بـ “طريق الإسلام”، أما الأكثر إثارة للجدل فكان استبدال توصيف “المغضوب عليهم” و”الضالين” و”ابتعدوا عن طريق الخير” بـ “اليهود والنصارى” (أي المسيحيين) كتسمية مباشرة، ما اعتبره كثيرون تكريساً لخطاب طائفي واضح يُقصي مكونين أساسيين من مكونات المجتمع السوري، ويُهدد التعددية التي شكّلت جزءاً من الهوية السورية عبر تاريخها.

تباينت ردود الفعل حيال هذه التعديلات لكن أصواتاً سورية كثيرة خرجت علناً لتبدي ملاحظات نقدية على هذه التعديلات التي اعتبرها البعض أنها يمكن أن تُؤسس داخل الطلاب مفاهيم الإقصاء والتمييز فيما بينهم.

عائشة الدبس وتجسيد الرؤية الإقصائية

لم تقتصر هذه التعديلات على المصطلحات اللفظية فحسب، بل امتدت لتشمل تغييرات رمزية مثل استبدال عبارة “الشجاع يدافع عن تراب الوطن” بـ “في سبيل الله”، وتحويل “عطاء الطبيعة” إلى “عطاء الله”، أما في الصفوف الأعلى، فقد تم حذف موضوعات أساسية تتعلق بنظرية التطور العلمي، ابتداء من درس “أصل الحياة وتطورها على الأرض” من منهاج الصف الثامن، وصولاً إلى حذف فقرة تحت عنوان “تطوّر الدماغ” من منهاج البكالوريا، إذ تنافي هذه الحقائق السردية الدينية في نشأة الحياة والإنسان، وقد تم تغليبها على النظريات والدراسات العلمية الحديثة وفق رؤية الوزارة!.

شمل التعديل أيضاً حذف عدد من الأبيات الشعرية، وشطب قصص الآلهة القديمة وصور المسلات (التماثيل) وفقرات اللغات التاريخية كالهيروغليفية، إضافة إلى حذف دور المرأة الحاكمة والآلهة في الحضارات القديمة، مثل زنوبيا وخولة بنت الأزور، من كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث، لاعتبارها؛ حسب وصفهم، شخصية خيالية، وهو ما رآه كثيرون تمادياً لمحو دور المرأة من الموروث الثقافي والتاريخي للبلاد.

تتقاطع هذه الأفعال بشكل أو بآخر مع خطاب عائشة الدبس مديرة مكتب شؤون المرأة السورية في الحكومة الانتقالية، كأحد مظاهر هذه الرؤية الأحادية، التي أعلنت تمثّلها لرؤية القيادة، وعدم فتح المجال لأي فكر مخالف لها، هذه التصريحات التي جاءت بلهجة حادة وصريحة جسّدت نموذجاً يحاول فرض أيديولوجية “قُبيسية” تُقصي كل من لا يتماشى معها.

التناقض لا يقتصر على مضمون التصريح ومهمة المكتب فقط، بل يظهر أيضاً في استراتيجيتها الخطابية، التي بدت أشبه بتبرير مُسبق لأي اعتراض، وكأنها تملك الحقيقة والأحقية المطلقة لتُغلق الباب أمام أي محاولات لنقاش شامل حول الهوية الوطنية الجديدة.

لماذا القلق؟

قد تبدو التعديلات في ظاهرها تغييرات بسيطة في النصوص، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً مقلقة، فالمناهج الدراسية ليست مجرد أدوات تعليمية، بل وسيلة فعّالة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للأجيال القادمة، في بلد متنوع مثل سوريا، يعكس هذا النهج رؤية تسعى لتكريس الدين كمرجع وحيد، وتهميش كل ما يتعارض مع هذه الرؤية من مفاهيم علمية، أدبية، أو تاريخية.

ولو تجاوزنا تساؤلنا الأول عن أحقية الحكومة وجداراتها في إصدار هكذا قرارات، فسؤالنا الأهم… ماذا عن الوعود والتطمينات التي تبنّتها الحكومة تجاه الديانات الأُخرى؟! 

حذف “القانون” والإبقاء على الشريعة

من بين البنود التي وردت في القرار الوزاري، جاء حذف كلمة “القانون” من عبارة “الالتزام بالشرع والقانون” في كتاب التربية الدينية للثاني الثانوي، لتُصبح “الالتزام بالشرع”، يبدو أن هذه الخطوة تختزل ما تسعى الهيئة إلى قوله، ففي حين يطالب السوريون بفصل الدين عن الدولة، تتجه الحكومة بالمقابل لفصل القانون عن الشريعة، ولتعزيز هذا التوجه، ألحقت هذا البند باستبدال وصف “الأخوة الإنسانية” بعبارة “الأخوة الإيمانية”.

هذه المعطيات يمكنها منحنا تخيلاً عن شكل البلد الذي تسعاه السلطة الجديدة في سوريا، حيث يتحول فيه النظام من اتصال بين الدولة والمواطنين إلى اتصال بين الدولة والدين، إلصاق الدين بصلب الدولة قد يبدو محاولة لأنسنة البلاد وإعطائها بعداً إيمانياً، لكن هذا النهج يغفل حقيقة أن المشكلات لا يمكن حلها إلا بالنظر إلى الواقع مباشرة، وبناء حلول تستند إلى القانون والوعي والتجربة.

ما يثير القلق ليس مضمون القرار وحده، إنما الجرأة في طرحه بهذا الوضوح، والسرعة دون أي رد اعتبار أو تحفّظ للشارع السوري المتشنج أصلاً.

أمام هذا القرار وازدياد الممارسات الفردية تبرز أهمية وجود دولة مدنية تضمن حرية الجميع وتعددية معتقداتهم، دولة ذات قانون “إنساني” يضع الأديان جميعها في اصطفاف واحد من دون وصاية على الآخر، فاليوم مفهوم القانون فوق الجميع في حالة الحكومة الحالية يطفو بـ”الاسلام السياسي” على السطح، الذي يحمل خطر تفضيل ديانة واحدة على حساب باقي المكونات المجتمعية، وهذا ما بدا واضحاً في التعديلات الأخيرة على المناهج الدراسية.

نصف خطوة إلى الوراء

ورداً على الضجة التي أحدثها القرار، أعلنت صفحة الوزارة في اليوم التالي 2 كانون الثاني/ يناير، تصريحاً إلكترونياً باسم القادري، مفاده أن المناهج الدراسية في سوريا ما زالت على وضعها، حتى تُشكّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها، وأن التوجيهات اقتصرت على حذف ما يتعلّق بتمجيد نظام الأسد، كما أشار التصريح إلى أن التعديلات المُعلنة تهدف فقط إلى تصحيح بعض المعلومات المغلوطة في مناهج التربية الإسلامية واعتماد شرحها الصحيح، كما ورد في كتب التفسير.

إلا أن هذا التصريح لم يأتِ بصيغة قرار رسمي موقّع ومختوم مثل قرار التعديل، واكتفى بتبرير المداخلات على مادة التربية الدينية فقط، من دون الإشارة إلى التعديلات الأخرى التي طالت كتب اللغة والتاريخ والعلوم، فيما اعتبره البعض محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، من دون تراجع صريح عن القرارات بعد أن جرى تعميمها علناً على جميع المدارس.

الشعب السوري يترصّد الحكومة

يبدو أن الاعتدال ما زال غائباً عن المشهد السوري منذ احتكام الأسد حتى الآن، وما حدث كان كافياً لجعل السوريين يفقدون ثقتهم بالسلطات الأحادية، فاليوم بدلاً من أن تراقب السلطة الجديدة مصلحة مواطنيها، يترقّب السوريون بحذر أي حركة من حكومة تسيير الأعمال، ويشيرون لها لتصحيح مسارها، فللمرة الأولى بعد 50 عاماً من السلطة القمعية، يرى السوريون بعد سقوط الأسد فرصةً لبناء دولة حقيقية ومعتدلة تتسع للجميع.     

ردود الفعل الشعبية المتفاوتة على هذه القرارات، من الانتقادات الإلكترونية إلى الوقفات الاحتجاجية، تكشف عن أزمة ثقة عميقة، فلأول مرة منذ سنوات، يشعر السوريون أنهم بحاجة إلى مراقبة حكومتهم بحذر، وكأنها طرف خارجي لا يشبه الداخل، هذه الفجوة تُظهر بوضوح أن إعادة بناء الثقة بين الحاكم والشعب يتطلب شفافية حقيقية وآليات ديمقراطية تشاركية، تُعيد للسوريين الشعور بأنهم جزء من القرار وليسوا مجرد متلقين له.

من الضروري الانتباه إلى أن التجربة السورية تحتاج إلى وقت كافٍ للتعافي مما مرت به من عسف واستبداد حكم البعث وآل الأسد، وإن كان تشكيل دستور جديد للبلاد يحتاج  إلى 3 سنوات وفق تقدير الحكومة، فإن تعديل المناهج التعليمية يحتاج إلى أكثر من ذلك حتماً، باعتباره مدخلاً  أولاً لبناء فكر سوريا القادم.

تتشابك اليوم التحديات التي تواجه تشكيل الهوية التي يريدها الجميع، بين سياسة حكومية تحاول إعادة هيكلة المجتمع وفق ما تراه مناسباً من جهة، وبين سياسات شعوبية متعددة تمثّل أطياف المجتمع السوري من جهة أخرى، محاولات الحكومة الإمساك برأس الخيط لا تكفي لنسج دولة جديدة، بل يستجدي حدوثها عبور الخيط داخل إبرة المجتمع وإرادته، وإلا ستتحول هذه الإبرة إلى أداة وخز لكل من يظن أن سوريا مُلكية فردية يمكن تطويعها.