في الوقت الذي يبحث “الغالب” عن اعتراف يعكس قيمته، فإن “الخاسر” المكسور لا يمكن أن يمنحه هذا الاعتراف أبداً. هنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما أذلّ الغالب الخاسر أكثر، قلّ الاعتراف الذي يحصل عليه.
هذا ما حدث ويحدث منذ أكثر من سنة، منذ استلام السلطة الانتقالية الحالية حكم سوريا، حيث بدا واضحاً أن من يتحلّق حولها من مرتزقة وأمراء حرب ومتطرّفين يشبهونها، يتصرّفون بمنطق الغلبة: الإخضاع بالقوّة والإذلال والهيمنة لا الشرعية.
كما يبدو أن جزءاً كبيراً من الداعمين المعنويين لهذه السلطة، بات يتغذّى على هذا المنطق نفسه، وهنا تُصنَّف “الضحيّة المثالية”، كما وصفها عالم الجريمة النرويجي نيلس كريستي، على أنها الضحيّة الصامتة الضعيفة، التي تُقتل دون مقاومة، تُسحق دون أن ترفع صوتها، وتُمحى دون أن تحظى بترف التضامن، فالتضامن معها بحدّ ذاته يصبح جريمة يُعاقب عليها كلا الطرفين، أي المتضَامِن والضحيّة المتضَامَن معها، ويُصنف من يرتبط بمفهوم التضامن أو يدافع عنه كخائن أو متّهم.
هذا الأمر تبدّى واضحاً حين التضامن مع العلويين في الساحل والدروز في السويداء أثناء المجازر الإبادية بحقّهم وبعدها، وحين التضامن مع الكُرد في الشمال والشمال الشرقي، بعدما شنّت فصائل السلطة الانتقالية بالتعاون مع العشائر في المنطقة الحرب ضدّهم، وكذا في التهليل لمنهجية الإذلال ومنطقها المتعمّد بحقّهم عبر الشتائم والإهانات الطائفية، إلى حلق الشوارب وحتى رمي الجثث من الشرفات، وسط حالة من المباهاة والاستعراض في فيديوهات صوّرها مرتكبو الجرائم بأنفسهم.
تحت ظلّ هذا العنف البنيوي، وتحت حكم الإبادة السياسية والمادّية والمعنوية الحاضرة يومياً، لا يُسمح للضحيّة/ المجموعة بأن تكون إنساناً؛ المطلوب منها أن تتحوّل إلى جسد مطيع بالمعنى الرمزي، لا يحرج الجلّاد ولا يفضح الجريمة.
تتمّ إعادة إنتاج السيناريو نفسه على مراحل: تحريض إعلامي ومجتمعي، هجوم سافر، إنكار أو تبرير، ثم صمت. هذا النمط ليس عشوائياً، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لإعادة إنتاج الهيمنة وإرساء الخوف في المجتمعات السورية. كلّ مرحلة من هذه المراحل تحاول إضعاف الضحيّة نفسياً واجتماعياً ورمزياً، تجعلها أكثر عرضة للاستباحة والتحكّم والسيطرة والهيمنة، وتحوّل كلّ محاولة منها للدفاع عن نفسها أو فضح الجريمة، إلى سبب إضافي للإذلال والملاحقة، باختصار على الضحيّة أن تموت بصمت، هكذا سيكون مرضياً عنها فحسب… “موتوا من تم ساكت” بالعاميّة السورية.
يتجلّى هذا بوضوح في خطاب الحكومة ورجالاتها ومن لفّ لفيفهم، والإعلام الرسمي التابع لها، الذي كان من المفترض أن يكون إعلاماً لكلّ السوريين/ ات، طيلة الأشهر الأربعة عشر الماضية، فقد كان مجرّد الحديث عن مجازر الإبادة، والانتهاكات المتفرّقة الأخرى والدائمة، أو نشر التوثيقات سبباً للتحقير وزيادة التحريض.
الإعلام الرسمي يُسهم في تشويه صورة المكوّنات المجتمعية، ويبرّر المجازر وفق مسمّيات زائفة مثل “الفلول” أو “”محاربة الخونة والانفصاليين”، وفي أغلب الحالات تتمّ استضافة أصوات في الإعلام الرسمي تعمّق الطائفية والعنصرية، ما يحوّله إلى أداة فتنة منهجية تعمل على إعادة إنتاج العنف/الحرب، بدلاً من نقل المعلومة، ويصبح مجرّد الحديث عن الظلم، والوقوف ضدّ الاستباحة، ونشر التوثيقات بمثابة “خيانة” للوطن!
على سبيل المثال، خرج الإعلام الرسمي بمصطلح “حلف الأقلّيات”، كان ترويجه بقصد تأليب المجموعات السورية ضدّ بعضها بعضاً، وترسيخاً لأفكار تمّ الاستثمار فيها من قِبل الطغمة الحاكمة لخلق قاعدة جماهيرية بناء على العواطف والاصطفافات الجمعية من قبيل: المظلومية السنّية وحكم بني أميّة، لكنّه في النهاية بدا أقرب إلى اعتراف رسمي بأن الأقلّيات السورية مهدّدة بشكل جماعي.
هذا التصريح ليس مجرّد خطأ أو لغة مبالغة إعلامية، بل يشكّل جزءاً من آليّة نفسية واجتماعية، لإعادة إنتاج الخوف والسيطرة على المجتمع، من خلال توجيه رسالة مفادها أن أيّ اختلاف أو اعتراض يُمكن أن يعرّض المجتمع للفناء، خصوصاً حين يترافق مع الجرائم والمجازر والانتهاكات على الأرض.
يتمّ التغاضي عن أيّ خطاب عنصري طائفي وتحريضي من قِبل الداعمين لهذه السلطة، كمثل عشرات الفيديوهات التحريضية التي خرج فيها المحرّضون بوجوههم وخطابهم السامّ، وكمثل ما قاله أحد مراسلي الإخبارية السورية: لن ترضوا بحكم بني أميّة حتى تُزهق منكم آلاف الأرواح، لم تتمّ مساءلة أيّ منهم علناً، وفي الوقت نفسه يتعرّض الصحافي/ة المعارض للملاحقة، كما حصل مع الصحافية نور سليمان، على سبيل المثال لا الحصر، التي اعتُقلت في تمّوز/ يوليو 2025، بتهمة “نشر أنباء كاذبة” على خلفية منشور لها على فيسبوك، انتقدت فيه الانتهاكات بحقّ الطائفة العلوية.
قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لملاحقة المعارضين والناشطين أصبح أداة قمعية متزايدة، يعاقب من ينشرون ما تعتبره السلطة “معلومات كاذبة” بالسجن لفترات قد تصل إلى خمس سنوات، ما يخلق بيئة من الخوف المتزايد والقمع والرقابة الذاتية.
تُلام الضحيّة هنا مرّتين: مرّة لأنها تحدّثت، ومرّة لأنها لم تمُت “بالطريقة الصحيحة” وفق معايير السلطة، وبالطبع لأنها حاولت الدفاع عن نفسها أو البقاء حيّة. هنا يصبح الصمت و”العطالة” شرطيْ النجاة الوهميين عند هذه السلطة ومؤيّديها ومن لفّ لفيفها من قتلة ومرتزقة.
من يفتقر إلى القيم السياسية أو الأخلاقية يقرّر مصائر الناس، وينصّب نفسه وصيّاً على الوطنية، ويوزّع صكوك الانتماء والخيانة وفق معايير الطاعة والخضوع. الضحيّة التي تحاول فضح الحقيقة أو مقاومة القهر تتحوّل إلى مادّة للملاحقة، ويصبح وجودها السياسي والاجتماعي تهديداً يجب سحقه وإلغاؤه، لتكون عبرة للآخرين.
إقرأوا أيضاً:
هذا هو منطق الغلبة في أوضح صوره: منطق يمنح “الغالب” أو “المنتصر” سلطة مطلقة على “الخاسر”، لا باعتباره خصماً سياسياً فحسب، بل باعتباره مادّة مباحة تمّ تجريدها من أيّة قيمة إنسانية.
الانتصار هنا لا يعني إنهاء الصراع، بل شرعنة العنف وإطلاق يد الجلاد على الضحيّة. يتمّ تحويل التفوّق العسكري أو الأمني إلى ذريعة أخلاقية تبيح الإذلال، والتنكيل، والاستباحة الشاملة. فالمنتصر لا يكتفي بإقصاء الخصم سياسياً، بل يسعى إلى كسره إنسانياً وثقافياً، وإهدار كرامته ومحو صوته وذاكرته، وإطلاق رسالة تحذيرية للآخرين: من يعترض يُمحى.
الإذلال يصبح أداة ضبط اجتماعي، ورسالة لكلّ من يجرؤ على الاعتراض، ونموذجاً تحذيرياً يقول: “هذا ما يحدث لمن يعارض”، ولنا الكثير من الأمثلة من الإجبار على العواء والمواء أو حلق الشوارب إلى الإهانات الطائفية والشتائم أو التمثيل بالجثث وغيرها.
الإذلال هنا ليس مجرّد مسألة شخصية، بل هو فعل سياسي واجتماعي، وعند ميشال فوكو فإن الغلبة ليست مجرّد قوّة مادّية، بل تُبنى على المعرفة، بينما تُستباح الضحيّة عبر الإقصاء، والتشويه، والمحو الرمزي.
الغالب الذي يُمعن في السحق لا يزال أسيراً لمركّب ضعف متجذّر؛ هو بحاجة إلى إبراز تفوّقه لأن قوّته الحقيقية لا تنبع من مشروع أو قيمة، بل من مقارنة نفسه بالآخر، ومن رهانه على غياب شرعية حقيقية للخاسر.
من نافل القول إن منطق الغلبة هذا لا يبني دولة ولا استقراراً “الشعوب لا تحكم بالصرماية”، بل يبني أنظمة استبدادية عنصرية عصبوية قائمة على الإلغاء والقهر، وشرعية مفروضة بالقوّة، يبني كذلك (دولة) طاردة لمواطنيها وللمجموعات البشرية المتنوّعة في البلاد.
الغالب يعيش على الاستلاب اليومي للآخر، ويحتاج إلى إعادة إثبات الغلبة باستمرار، لكنّ القوّة القائمة على الاستباحة هشّة بطبيعتها وتتطلّب “عرض إذلال” دائم. الانتصار بهذه الحالات لا يمنح أماناً أو شرعية، بل يكرّس الهيمنة ويحوّل الإذلال إلى طمأنة للغالب نفسه، كي يشعر أنه موجود لأن الخاسر مهزوم. الغلبة التي تُبنى على الاستلاب والهشاشة تحتاج إلى الإثبات الدائم، والقوّة التي لا تُبنى على قيمة حقيقية تنقلب على صاحبها، لأن الغالب لا يحتاج إلى عرض الإذلال كعقوبة للخاسر فحسب، بل إلى تثبيت شعوره بالوجود والقوّة والهيمنة أمام نفسه والآخرين.
في النهاية، يظلّ منطق الغلبة هشّاً يتغذّى على الإقصاء والقهر، لكنّه لا يُنهي الصراع ولا يمحو الذاكرة التاريخية للخاسر، بل يزرع بذور الانقلاب والانتقام المحتمل عندما تنقلب الموازين. القوّة القائمة على الاستلاب والاستباحة لا تبني وطناً ولا مشروعاً مشتركاً بين شركاء في الوطن، بل هي دورة مستمرّة من العنف والإذلال والكراهية، وهذا ما يبدو أنه ديدن هذه السلطة الانتقالية.
إقرأوا أيضاً:












