يقيم ماجد العجيب في مخيم أورم في عفرين، شمال حلب، هناك حيث قُتلت سيدة برصاص فصائل المعارضة المسلحة المعروفة باسم “الجيش الوطني”. يقول العجيب: “هربنا بأرواحنا خوفاً من قصف النظام وحليفه الروسي، وتحملنا المعيشة السيئة في الخيام البالية، ولازمنا الجوع منذ نزوحنا من ديارنا، لكن لم نكن نتوقع أن نشهد مقتل أقراننا النازحين بسلاح يُفترض أنه وُجد لحمايتنا”.
يتابع العجيب قائلاً: “كنا نتابع مجازر الطائرات الحربية الروسية في محافظة إدلب والمشاهد المؤلمة للضحايا من هناك، انتشر صوت رصاص كثيف قرب المخيم، وبدأ بالاقتراب حتى بات يتساقط في المخيم، ولا ملجأ نحتمي به سوى داخل الخيام الرقيقة التي لا تقاوم شكة الدبوس”.
يضيف: “تزامن سقوط الرصاص مع قذائف هاون سقطت بالقرب من خيمتي، وحتى هذه اللحظة لم نكن نعرف ما الذي يحدث، هل وصلت قوات النظام إلى منطقة عفرين؟ وما هي إلا دقائق حتى علا صوت جيراننا وكاد النحيب يغطي على صوت الرصاص، لم أسمع سوى صوت “ماتت، ماتت حدا يجيب الإسعاف يتصل بالدفاع المدني”. ومن خلال مجموعة المخيم في “واتسآب”، علمنا أن السيدة (إ .ع) فارقت الحياة جراء إصابتها برصاص رشاش، لكن مصدره لم يكن قوات النظام أو القوات الروسية أو “حزب الله” أو إيران، بل فصائل ما يسمى بـ”الجيش الوطني”، جراء اشتباكها في ما بينها لتكون خيامنا البسيطة ساحة معركتها”.
شهدت ليلة الأربعاء ويوم الخميس 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، اشتباكات عنيفة استُخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة، بين ما يعرف بـ”القوة المشتركة”، المؤلفة من “اتحاد فصائل سليمان شاه” و”الحمزات” من جهة، و”الجبهة الشامية” و”صقور الشمال” من جهة أخرى.
وتتبع كل الفصائل المذكورة جميعها لما يسمى الجيش الوطني المدعوم من تركيا في مناطق شمال غربي سوريا، بيد أن كل فصيل يسيطر على رقعة جغرافية ويفرض فيها قراراته وأنظمته سواء على السكان أو المارين بالطرقات.
الاشتباكات التي بدأت في منطقة حور كلس، وانتقلت بعدها إلى محيط مدينة عفرين شمال حلب، حيث مخيمات المهجرين قسراً التي مثلت الساحة الحقيقية للاشتباكات، أسفرت عن مقتل سيدة وإصابة طفلة، إضافة إلى قتل وجرح 16 عنصراً من الفصائل المتحاربة.
الغلبة للأقوى
كان على فصيل “صقور الشمال ألا يعترض على الأوامر التركية الرامية إلى فتح معبر أبو الزندين، الذي يربط بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة فصائل “الجيش الوطني” التابع للمعارضة السورية شمال حلب، لأن اعتراضه على القرار الصادر في اجتماع غازي عينتاب بين ممثلين للجيش والمخابرات التركية وقيادات فصائل “الجيش الوطني” و”الحكومة السورية المؤقتة”، الرامي إلى فتح معبر تجاري في شمال حلب، كان بمثابة المسمار الأخير الذي دُق في نعش الفصيل بحسب الضابط في فصائل المعارضة (خ.خ).
في مطلع شهر أيلول/ سبتمبر 2024، اجتمعت شخصيات عسكرية وأمنية تركية في مدينة غازي عينتاب التركية، مع قيادات فصائل “الجيش الوطني” المنتشرة شمال محافظة حلب ورئاسة “الحكومة السورية المؤقتة” ورئاسة “الائتلاف الوطني السوري المعارض”، بهدف توحيد كل قوى “الجيش الوطني” ضمن مؤسسة واحدة تابعة لوزارة الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة”.
بحسب إحدى الشخصيات العسكرية الحاضرة للاجتماع، دار سجال عنيف وصل إلى حد الشتائم والسب والألفاظ غير الأخلاقية بين عبد الرحمن مصطفى رئيس “الحكومة السورية المؤقتة” من جهة، وفصيل “الجبهة الشامية” من جهة أخرى، إذ اتهم مصطفى فصيل الشامية بما سمّاه زعزعة الأمن ونشر الفوضى، ودعم تظاهرات السكان ضد المصالح التركية والتقرب من “هيئة تحرير الشام”، فيما اتهم فصيل الشامية عبدالرحمن مصطفى بقمع حرية التظاهر والرأي الآخر وفرض ديكتاتورية ضد المدنيين وحراكهم السلمي، ليصدر فصيل الشامية قراراً بسحب الثقة من حكومة مصطفى ومقاطعة كل القرارات الحكومية.
تأتي اتهامات مصطفى للشامية على خلفية التظاهرات في مدن شمال غربي سوريا ضد الأتراك وسياستهم العنصرية في التعامل مع اللاجئين السوريين في تركيا عقب أحداث قيصري في شهر تموز/ يوليو2024، وما تبعها من هجمات بالأسلحة النارية من مسلحي فصائل المعارضة على النقاط العسكرية التركية في مدن أعزاز ومارع وعفرين والباب وغيرها، التي أسفرت عن مقتل سوريين برصاص القوات التركية، وكان “درج” خصص تقريراً عن التطورات الميدانية شمال غربي سوريا حينها.
أصدرت الحكومة السورية المؤقتة بياناً حول مقررات الاجتماع بين الأتراك وقيادات الفصائل والأجسام الحكومية السياسية في المعارضة، كانت أهم بنوده أهمية معبر أبو الزندين وتوحيد الفصائل والعمل السياسي ضمن إطار واحد، فيما لم يذكر البيان بحسب الناشط الحقوقي جميل المسرج، وجوب العمل السياسي والعسكري ضد قوات النظام أو الإشارة إلى جرائم النظام المستمرة بحق السوريين.
وبالعودة إلى فصيل “صقور الشمال”، فقد عارض بقوة في الاجتماع مع الأتراك قرار فتح معبر أبو الزندين واعتبره جريمة بحق الثورة، لتُصدر وزارة الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة” قراراً بحل الفصيل بعد 13 يوماً من اجتماع غازي عينتاب، بذريعة خطة إصلاحية “للجيش الوطني” وتوحيد قواته.
من جهته، أكد قيادي سابق في فصيل “صقور الشمال” أن بعض فصائل “الجيش الوطني” عملت على رفع تقارير “كيدية”، بحق قائد فصيل “صقور الشمال” المدعو حسن خيرية للمخابرات التركية حول تورّطه بإهمال تهريب بشر ومخدرات والاستيلاء على ممتلكات المدنيين، ولم يبرئ القيادي السابق في فصيل “صقور الشمال” الفصيل وقائده من التهم. في حين اتهم جميع قيادات فصائل الجيش الوطني ببناء ثروات وممالك مالية من الإتجار بالبشر والمخدرات وفرض ضرائب على المدنيين وسلب ممتلكاتهم، واختتم حديثه بالقول: “الغلبة للأقوى وليس للأفضل”.
رفض فصيل “صقور الشمال” قرار وزارة الدفاع بحل نفسه وأعلن انضمامه الى “الجبهة الشامية”، التي كانت على عداء مع “الحكومة المؤقتة” وبعض فصائل “الجيش الوطني”، بيد أن وزارة الدفاع رفضت الانضمام وأصرت على حل الفصيل وتسليم أسلحته.
“القوة المشتركة” VS “الشامية”
في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، أعلنت القوة المشتركة استعدادها لتنفيذ أمر وزارة الدفاع في حل فصيل “صقور الشمال” بالقوة العسكرية، لتدور اشتباكات طاحنة بين القوة المشتركة وفصيل الشامية المنضم إليه فصيل “صقور الشمال”، وتتسبب في سقوط ضحايا وإغلاق الطرقات والمدارس والدوائر الخدمية في غالبية مناطق ريف حلب الشمالي، مثل أعزاز وعفرين وكفرجنة وجنديرس، وأدت إلى بث الذعر والخوف بين المدنيين، لا سيما النازحين في المخيمات.
لم تجد فرق الدفاع المدني العاملة في شمال محافظة حلب من سبيل لحماية المدنيين من الاشتباكات بين الفصائل العسكرية، سوى طلب هدنة إنسانية لإجلاء المدنيين القابعين في المخيمات من مناطق الاشتباك.
وحول طلب الدفاع المدني الهدنة في مناطق سيطرة المعارضة، يقول الناشط الحقوقي ياسين أبو كامل: “من المؤسف أن نضطر إلى طلب هدنة بين طرفي حرب من المفترض أن يكونا صفاً واحداً لمواجهة خطر النظام وميليشياته، إن طلب الهدنة هو دليل دامغ على أن هذه الفصائل وُجدت لقتل بعضها بعضاً وقتلنا أيضاً، من دون تراجع في حال طُلب منها ذلك، بعيداً عن كل الاعتبارات الوطنية والثورية”.
وقال الدفاع المدني السوري إن فرقه أجلت نحو 300 عائلة من مناطق مريمين وكفرجنة وقطمة والمخيمات القريبة في ريف عفرين شمال حلب، التي شهدت اشتباكات وتوترات بين أطراف عسكرية، خلال الهدنة الإنسانية التي توصّل إليها الدفاع المدني السوري بعد التواصل مع الأطراف، لإخلاء المصابين والمدنيين إلى مناطق أكثر أماناً، وتقديم المساعدة إلى المحتاجين.
انتهت الاشتباكات بين الفصائل المتقاتلة بقبول فصيل “صقور الشمال” حلّ نفسه وتسليم سلاحه لوزارة الدفاع، في بيان نشره على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع استمرار الهجمات الداخلية بين فصائل “الجيش الوطني” التابع لتركيا، لم يعد يرى السكان في شمال غربي سوريا أي أمل من تلك المكونات، بالقدرة على تحرير مناطقها من ميليشيات قوات النظام والميليشيات الأجنبية.
يقول وائل الإسماعيل، وهو أحد المهجرين من دمشق ويقبع في مخيمات منطقة عفرين: “قادة الفصائل والمتنفذون بها سواء من صقور الجبل الذي تم حله أو من القوة المشتركة أو غيرهم، همهم الوحيد جمع المال وبناء أمجاد على حساب المهجرين والسكان، وحتى عناصرهم الذين يتقاضون شهرياً مبلغاً لا يتعدى 120 دولاراً أميركياً بالكاد يكفيهم لشراء الخبز والبطاطا”.

ويضيف: “أبناء المتنفّذين وقيادات الفصائل يمضون معظم وقتهم في تركيا في أجمل المناطق السياحية، ويقتنون في سوريا قطع السلاح الأميركية باهظة الثمن والخيل الأصيلة، وذلك كله للتفاخر ليس إلا، ولليوم لم نسمع أن ابن قائد فصيل في الجيش الوطني قُتل في اشتباكات مع النظام أو غيره، في حين يُقتل الكثير من أبناء الفقراء والمهجرين والمدنيين، والمستفيد الوحيد هو قيادات الفصائل التي تنتشر صورها على جدران المنازل والمديريات الخدمية في البلدات التي تسيطر عليها بلباسها العسكري النظيف والأنيق البعيد كل البعد عن تراب المعارك”.
في دائرة الخطر
يقول الناشط الحقوقي ياسين أبو كامل، إن “حل فصيل صقور الشمال سيكون باباً لتنفيذ الكثير من القرارات التركية في شمال غربي سوريا، من خلال أدواتها على الأرض، وربما سنكون أمام مزيد من التنازل لصالح النظام، ولا يقف الموضوع عند معبر أبو الزندين الذي يُعتبر شرعنة حقيقية ورسمية لنظام الأسد واعترافاً ضمنياً من المعارضة بشرعية النظام ومنافذه العسكرية والمدنية والتجارية وبناء علاقات تجارية معه، هذا يُنذر بأن تركيا ستعمل على إيجاد اتفاقيات تنسف تطلعات السوريين من جهة، وتحضر لإيجاد قوى لكل من يعارض القرار التركي من جهة أخرى”.
إقرأوا أيضاً:












