ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

المواجهة مع منطق “البعث” في لبنان يجب أن تستمر 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وسط التسويات القائمة في المنطقة، قد نشهد محاولات لتعويم شركاء وموظفي “البعث” في الساحة الأمنية، وهذه المحاولات يجب أن تواجه مباشرةً. سنشهد محاولات لإعادة إحياء أسماء تورطت مع البعث في اللوائح الانتخابية والشارع والعمل السياسي والنيابي، هذه المحاولات أيضاً يجب أن تواجه

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الأسد سقط. الجلاد الإنسان سقط. لكن إرثه لم يسقط بعد بالكامل، ولن يسقط أيضاً بسهولة. حزب “البعث العربي الاشتراكي” ليس فقط حزباً سيطر على سوريا (ولبنان) بالعنف والسجون والتعذيب والإمبرياليات الصغرى والتافهة. وهو ليس فقط إطاراً تنظيمياً- بيروقراطياً وإدارياً نظّم الناس، من أملاكهم إلى عائلاتهم إلى أجسادهم، بل أيضاً سلسلة من الفرضيات والمناهج التربوية والاجتماعية والفلسفية دمرت طموح الأفراد وحيوية الناس وتفاعل سوريا مع الكوكب. هو الجزمة العسكرية والتحية المذلة وقصائد الوطن والاتهامات والأخبار الكاذبة التي تسود في “عالم ما بعد الحقيقة”. 

سيطرة الوصاية السورية الأسدية في لبنان، أنتجت مرحلة جديدة للنظام البعثي المركزي، مرحلة ارتكزت على تثبيت “وحدة المسار والمصير”. وهي ليست وحدة بين سوريا ولبنان كدولتين وشعبين ومجتمعين، ولكن بين طموحات الأسد التفاوضية مع إسرائيل من جهة، ومعركة التحرير جنوب لبنان من جهة أخرى. لذلك مثّلت المرحلة وحدة “أمنية” بامتياز، ومن ثم ثُبتت الصفة “الأمنية- العسكرية” كركيزة أساسية لهذا الإرث البعثي، حتى وصلت إلى حدّ المتفجرات المتنقلة التي قتلت تماسك البلد واستبدلت العملية الديمقراطية بالدم. 

تلقائياً، بعد التصعيد العنفي الهائل الذي أنتجه البعث، أطلقت كتلة واسعة ومتعددة من الصحافيين والمنابر والمنظمين والسياسيين ورجال الأعمال والنخب، مواجهةً صلبة ومكلفة في وجه ممثلي الوصاية في الأمن والسلطة والمجلس، برزت ذروتها في انتفاضة الاستقلال في عام 2005. ولكن بعد إسقاط الأسد، ما شكل هذه المواجهة اليوم؟

عن إرث البعث في أيام الحرب والوصاية

للبعث في لبنان تاريخ طويل ومرير من السيطرة على الداخل اللبناني، واللعب بقذارة، على تناقضات أطرافه لنصرة طرف على طرف، ومن ثم ابتزاز المجتمع الدولي بأوراقه في لبنان، حتى قبل انقلاب “القائد الخالد” على رفاقه في السلاح والحزب في عام 1970، في ما عرف بالحركة التصحيحية حينها. في عام 1969 وعلى أثر الخلاف الداخلي الذي لحق عملية العال التي خطفت فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كانت تتخذ من لبنان مقراً لها، طائرة يونانية، ردت عليها إسرائيل بقصف لمطار بيروت، تلته تظاهرات عدة سقط فيها قتيلان ضحية نيران أجهزة الأمن اللبناني، فرضت سوريا “حصاراً اقتصاديّاً خانقاً على لبنان مرفقاً بشروط واقتراحات سياسيّة تضمن “عروبة” لبنان و”تُديمها“. وكان ذلك أحد العوامل الأخرى التي أدت في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقية القاهرة، إذ شرعنت عمل الفصائل الفلسطينية وسحبت من يد الدولة سيادتها على كامل أراضيها وحقها في تقرير الحرب والسلم.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وفي إطار مطامع الأسد في احتكار التمثيل الفلسطيني عبر ضرب منظمة التحرير ومصادرة استقلالية القرار الفلسطيني، إلى جانب رغبته في فرض نفسه كوصي له الكلمة العليا في لبنان ليكون والحال هذه هو المفاوض الوحيد مع الإسرائيليين والولايات المتحدة عن كل من الشعب السوري والفلسطيني واللبناني (وهو ما تحقق جزئياً بعد ذلك في مؤتمر مدريد للسلام في التسعينات)، تدخل حافظ الأسد عسكرياً، بطلب من الرئيس سليمان فرنجية والجبهة اللبنانية ليكتب الفصل الأخير من حرب السنتين (1975-1976) عبر “الجيش العربي السوري”  ليقلب موازين القوى ضد الطرف الأكثر تقدماً على الصعيد الميداني حينها، أي فصائل “الحركة الوطنية” الموحدة بمتفرعاتها كافة، اليسارية والفلسطينية والجنبلاطية والإسلاموية. واختتمت أعمال تلك المرحلة باغتيال الزعيم الوطني اليساري والعروبي كمال جنبلاط لرفضه الخضوع لإملاءات الأسد، وهو الذي سيكون فاتحة لاغتيالات كثيرة سينفذها البعث في لبنان خلال الحرب وبعدها.

لكن مع توجّه مصر المتسارع إلى عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل عقب خطاب الرئيس أنور السادات الشهير، الذي أعلن فيه استعداده الذهاب إلى الكنيست للتفاوض، وما تلاه من تشكيل “جبهة الصمود والتصدي” بدفع سوري جزائري – فلسطيني – ليبي مشترك، غيرت البندقية السورية الأسدية اتجاهها ليصوبها حافظ الأسد هذه المرة نحو “الجبهة اللبنانية”، فكان أن اندلعت حرب الـ 100 يوم عام 1978 على حدود الأشرفية من دون أن يتمكن الجيش السوري من الدخول إليها، الأمر الذي جعل منها أسطورة ملحمية في الخيال السياسي لدى شريحة كبيرة من المسيحيين ترافقت مع أسطرة قائدها “بشير الجميل”. ثم تكرر سيناريو الاصطدام مع القوات اللبنانية في زحلة 1980 من دون أن يتمكن الجيش السوري من بسط سيطرته على المدينة. لكن تلك الانعطافة لم تمنع الأسد من “البعبصة” بمنظمة التحرير لتجييرها لصالحه، خصوصا بعد تبني المنظمة بقيادة فتح وياسر عرفات “برنامج النقاط العشر” الذي يكرس الاستقلالية الفلسطينية ويصوغ برنامجاً وطنياً واضحاً وعملياً للمنظمة وللشعب الفلسطيني. لينشأ بعدها مع الفصائل الرافضة للبرنامج ما أطلق عليه “جبهة الرفض”، وتضم إلى جانب الفصائل التابعة كلياً للأسد، كالصاعقة، “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، إذ صار النظام الذي وصفه جورج حبش خلال حرب السنتين بالنظام “السوري العميل” حليفاً في جبهة واحدة، وظل كذلك حتى في عز الحرب البشعة على المخيمات الفلسطينية لاحقاً.

في 1982، العام الأكثر مفصلية في تاريخ “لبنان الكبير”، اغتيل بشير الجميل عقب التدخل الإسرائيلي الذي تعاون معه وكان له دور بارز في انتخابه رئيساً للجمهورية، اغتيل على يد حبيب الشرتوني المنتسب إلى “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، ووجهت أصابع الاتهام إلى نظام الأسد في التورط بعملية الاغتيال. وبعد ذلك بعامين، كان الدور السوري بارزاً في إفشال اتفاقية 17 أيار/ مايو، التي وقعها رئيس الجمهورية أمين الجميل وصادق عليها المجلس النيابي بالسلاح الذي حاصر الرئيس في قصره في 6 شباط/ فبراير. ذلك أن الاتفاقية التي وصفها رافضوها “باتفاقية العار” كانت تشترط لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية أن يرافقه وبالموازاة انسحاب سوري أيضاً.

في السنة التالية، أي عام 1985، بدأت حرب المخيمات (1985-1988) التي شنها الجيش السوري وحركة أمل إلى جانب فصائل أخرى ضد الفصائل الفلسطينية التابعة لفتح في المخيمات الفلسطينية، وقد تخلّلها حصار وتجويع وقصف عشوائي وجرائم حرب كثيرة تعرض لها سكان المخيمات من الفلسطينيين في صيدا وبيروت وطرابلس. وراح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.

وفي عام 1990، اندلعت حرب الخليج الثانية بعد اجتياح صدام حسين للكويت، وانعقد لإخراجه منها “تحالف دولي” بغطاء من جامعة الدول العربية شاركت فيه دول عربية وغربية عدة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ومن بين هذه الدول طبعاً كانت “سوريا حافظ الأسد”. ليكافأ القائد الخالد بعدها بمنحه الوصاية على لبنان وإعطائه الضوء الأخضر لتطبيق اتفاق الطائف 1989 بالحديد والنار وطرد الرئيس الشرعي حينها، ميشال عون من قصر بعبدا هارباً بالبيجاما صوب السفارة الفرنسية ليمنح اللجوء السياسي.

بعد ذلك، صار للبنان مفوض سامي سوري في عنجر، وأصبحت لدمشق الكلمة الفصل في اختيار الرؤساء والحكومات وحتى النواب. وبعد نفي عون وسجن سمير جعجع دوناً عن كل مجرمي الحرب الآخرين، تولّد إقصاء للمسيحيين من الحياة السياسية عبر فرض ممثلين لا يحظون بتمثيل شعبي ومقاطعة الأحزاب المسيحية الأساسية للعملية الانتخابية. في حين تبوأ أمراء ومجرمو حرب مسلمون و”وطنيون” مناصب عليا في مؤسسات الدولة الدستورية، ما كرس الانقسام الطائفي في البلد وراكم من وزر غياب العدالة الانتقالية بجعلها مجتزأة وانتقامية.

وفي العام 2003، بدأ التوافق الأميركي – السعودي – السوري بالتصدّع بعد تباين المواقف مع الحرب الأميركية على العراق، وبدأ السخط اللبناني الداخلي يتصاعد من صلافة الوصاية السورية على لبنان مع قيادة بشار الأسد المتّسمة بالعناد والرعونة وغياب المرونة والحيلة، التي كان والده يتمتع بشيء منهما. إذ تجلى ذلك بشكل واضح في التعاطي مع التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود في العام نفسه، إذ وصل الضغط على السياسيين اللبنانيين للتمديد له حدّ الإهانة الجسدية لرئيس الحكومة رفيق الحريري. وهو رئيس الحكومة الذي سيفجّر اغتياله بعد عامين انتفاضة  شعبية عارمة عُرفت بانتفاضة الاستقلال، ستودي بهيمنة النظام السوري على لبنان وخروجه منه إلى الأبد.

قبل هذا التاريخ: كيف واجه اللبنانيون الوصاية البعثيّة 

المواجهة لم تبدأ في عام 2005 – هي مواجهة لها جذور في الحرب الأهلية اللبنانية. ولكن في سياق الحرب، تأثر الاحتكاك مع النظام البعثي بمجريات وتناقضات المعارك واعتبارات أمراء الحرب. في مرحلة ما بعد الحرب، سمح السلام الداخلي بنقاشٍ مختلفٍ لبنانياً وفلسطينياً. في الساحة اللبنانية، شاهدنا انقساماً بين النخب الثقافية والجامعية و”الناشطية” الجديدة حول عناوين عدة، منها إعادة الإعمار والنهج النيوليبرالي لسياسات رفيق الحريري، وتفاقم الدور البوليسي القمعي للسلطات الأمنية السورية-اللبنانية، ومسألة السلام في المنطقة والخط التفاوضي اللبناني-السوري المشترك. المواجهة الفكرية والثقافية مع البعث بدأت حقيقةً في هذه المرحلة، تعقيباً على النقاشات التي حصلت حول هذه العناوين بالذات.

شهد الشارع “وحدة” غريبة، للمرة الأولى، بين قوى مسيحية ليبرالية-وطنية (كالخلايا الأولية للتيار الوطني الحر) وقوى “مدنية” وناشطية تمثلت ببعض المنظمات غير الحكومية (كمنظمة “لادي” وحملة “بلدي بلدتي بلديتي”) وتنظيمات طلابية وشبابية يسارية (كالمجموعات اليسارية المستقلة، التي ضمت “بلا حدود” في الجامعة الأميركية في بيروت و”بابلو نيرودا” في الجامعة اللبنانية الأميركية و”العمل المباشر” في جامعة البلمند). هذه الوحدة جمعت ما بين النقد الموجه للحريرية السياسية وسلطة الوصاية الأمنية والمخابراتية، بالإضافة إلى طرح مراجعة لخيارات مختلف القوى في الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً القوى اليسارية.

كان الرد المباشر على هذه النغمة الثقافية الغريبة ليس فقط رداً أمنياً وقمعياً، ولكن تمثّل أيضاً بردّ ثقافي وفكري شمل التيارات القومية العربية واليسار المعارض للمسار العرفاتي فلسطينياً (من اتفاقية أوسلو إلى استقلال القرار الفلسطيني عن الأنظمة العربية، والبعث السوري بشكل خاص)، بالإضافة إلى من عارض مشروع رفيق الحريري الاقتصادي ولكن تشبّث باستراتيجية “وحدة المسار والمصير” المفروضة أسدياً. المواجهة الثقافية تطورت مع مرور الزمن، وتشكّلت طاولات حوار شملت صحافيين ومفكرين وسياسيين يساريين وقوى مسيحية إصلاحية ومعارضة، ما مهّد للمصالحة الجنبلاطية/الدرزية-المسيحية للمرة الأولى والمفردة بعد الحرب الأهلية اللبنانية. ومع اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي رافقته عيون الشك والاتهام على النظام السوري وأزلامه، أتت المواجهة الكبرى في 14 آذار/ مارس 2005.

العمل اليوم: ماذا يعني سقوط البعث فكراً وعملاً؟

سقوط البعث لا يعني سقوط الهم الفلسطيني – العربي المشروع على المستوى الأخلاقي والسياسي، ولا يعني سقوط القراءة التي تشدد على خطر آلة الحرب الإسرائيلية. سقوط البعث يعني سقوط “مركزية فلسطين” كشعار متاجرة مشجّعة لتأجيل القضايا والمشاكل والأزمات والاختلافات، الديمقراطية والحرية، إلى ما بعد حل “القضية الفلسطينية” و”تحرير فلسطين”. 

سقوط البعث يعني سقوط فصل من “القضية الفلسطينية” نفسها بتركيبتها القومية ذات السمات الفاشية. البديل هو التضامن القائم على وعي المصالح المشتركة، إنما المترافق أيضاً مع وعي الحيثيات والمصالح المختلفة والمتمايزة للشعوب والجماعات في هذه المنطقة وتعدد هواجسهم وأعدائهم.

سقوط البعث يعني انتهاء خط إمداد “المقاومة” وسقوط “الحرب الكونية” والتدخل في سوريا. فإما أن التدخل كان ضرورة حاسمة لا بد منها لاستمرارية المقاومة في لبنان، ما يعني أنه يجب التفكير بوسائل أخرى للدفاع عن لبنان لاستحالة المقاومة موضوعيا”، وإما أنها غير ضرورية إلى هذا الحد ويمكن الاستعاضة عنها بوسائل أخرى، ما يعني أن المقاومة ارتكبت جريمة كبرى بمساهمتها في قتل وتهجير مئات آلاف السوريين حماية لنظام صيدنايا وغاز السارين. وهو أمر لا يبرره شيء، حتى ضرورة استمرار المقاومة، بل يسحب الشرعية عنها. 

لكن اليوم، المعركة الثقافية مع البعث ليست كافية – لبنان أمام مرحلة حساسة تعيد تشكيل السلطة السياسية والأمنية. وهي مرحلة أيضاً تعبر عن تغيرات شعبية وتمثيلية كبرى قد تأتي مع تغيير القانون الانتخابي، و/أو تغيرات بالمناخ العام والقدرات التنظيمية لدى القوى السياسية كافة.

من هنا ثمة أولوية لتشكيل بنى سياسية تفاوض على أرض الواقع وتخلق رأي عام وأدوات ضغط في الشارع بهدف المساهمة في تشكيل هذه المرحلة. 

وسط التسويات القائمة في المنطقة، قد نشهد محاولات لتعويم شركاء وموظفي “البعث” في الساحة، وهذه المحاولات يجب أن تواجه مباشرةً. سنشهد محاولات لإعادة إحياء أسماء تورطت مع البعث في اللوائح الانتخابية والشارع والعمل السياسي والنيابي، هذه المحاولات أيضاً يجب أن تواجه، في غرف الاجتماعات والتحركات والتنظيم الهادف نحو خلق مدرسة ثقافية تنبذ هذه الأفكار من أصلها.

30.01.2025
زمن القراءة: 8 minutes

وسط التسويات القائمة في المنطقة، قد نشهد محاولات لتعويم شركاء وموظفي “البعث” في الساحة الأمنية، وهذه المحاولات يجب أن تواجه مباشرةً. سنشهد محاولات لإعادة إحياء أسماء تورطت مع البعث في اللوائح الانتخابية والشارع والعمل السياسي والنيابي، هذه المحاولات أيضاً يجب أن تواجه

الأسد سقط. الجلاد الإنسان سقط. لكن إرثه لم يسقط بعد بالكامل، ولن يسقط أيضاً بسهولة. حزب “البعث العربي الاشتراكي” ليس فقط حزباً سيطر على سوريا (ولبنان) بالعنف والسجون والتعذيب والإمبرياليات الصغرى والتافهة. وهو ليس فقط إطاراً تنظيمياً- بيروقراطياً وإدارياً نظّم الناس، من أملاكهم إلى عائلاتهم إلى أجسادهم، بل أيضاً سلسلة من الفرضيات والمناهج التربوية والاجتماعية والفلسفية دمرت طموح الأفراد وحيوية الناس وتفاعل سوريا مع الكوكب. هو الجزمة العسكرية والتحية المذلة وقصائد الوطن والاتهامات والأخبار الكاذبة التي تسود في “عالم ما بعد الحقيقة”. 

سيطرة الوصاية السورية الأسدية في لبنان، أنتجت مرحلة جديدة للنظام البعثي المركزي، مرحلة ارتكزت على تثبيت “وحدة المسار والمصير”. وهي ليست وحدة بين سوريا ولبنان كدولتين وشعبين ومجتمعين، ولكن بين طموحات الأسد التفاوضية مع إسرائيل من جهة، ومعركة التحرير جنوب لبنان من جهة أخرى. لذلك مثّلت المرحلة وحدة “أمنية” بامتياز، ومن ثم ثُبتت الصفة “الأمنية- العسكرية” كركيزة أساسية لهذا الإرث البعثي، حتى وصلت إلى حدّ المتفجرات المتنقلة التي قتلت تماسك البلد واستبدلت العملية الديمقراطية بالدم. 

تلقائياً، بعد التصعيد العنفي الهائل الذي أنتجه البعث، أطلقت كتلة واسعة ومتعددة من الصحافيين والمنابر والمنظمين والسياسيين ورجال الأعمال والنخب، مواجهةً صلبة ومكلفة في وجه ممثلي الوصاية في الأمن والسلطة والمجلس، برزت ذروتها في انتفاضة الاستقلال في عام 2005. ولكن بعد إسقاط الأسد، ما شكل هذه المواجهة اليوم؟

عن إرث البعث في أيام الحرب والوصاية

للبعث في لبنان تاريخ طويل ومرير من السيطرة على الداخل اللبناني، واللعب بقذارة، على تناقضات أطرافه لنصرة طرف على طرف، ومن ثم ابتزاز المجتمع الدولي بأوراقه في لبنان، حتى قبل انقلاب “القائد الخالد” على رفاقه في السلاح والحزب في عام 1970، في ما عرف بالحركة التصحيحية حينها. في عام 1969 وعلى أثر الخلاف الداخلي الذي لحق عملية العال التي خطفت فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كانت تتخذ من لبنان مقراً لها، طائرة يونانية، ردت عليها إسرائيل بقصف لمطار بيروت، تلته تظاهرات عدة سقط فيها قتيلان ضحية نيران أجهزة الأمن اللبناني، فرضت سوريا “حصاراً اقتصاديّاً خانقاً على لبنان مرفقاً بشروط واقتراحات سياسيّة تضمن “عروبة” لبنان و”تُديمها“. وكان ذلك أحد العوامل الأخرى التي أدت في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقية القاهرة، إذ شرعنت عمل الفصائل الفلسطينية وسحبت من يد الدولة سيادتها على كامل أراضيها وحقها في تقرير الحرب والسلم.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وفي إطار مطامع الأسد في احتكار التمثيل الفلسطيني عبر ضرب منظمة التحرير ومصادرة استقلالية القرار الفلسطيني، إلى جانب رغبته في فرض نفسه كوصي له الكلمة العليا في لبنان ليكون والحال هذه هو المفاوض الوحيد مع الإسرائيليين والولايات المتحدة عن كل من الشعب السوري والفلسطيني واللبناني (وهو ما تحقق جزئياً بعد ذلك في مؤتمر مدريد للسلام في التسعينات)، تدخل حافظ الأسد عسكرياً، بطلب من الرئيس سليمان فرنجية والجبهة اللبنانية ليكتب الفصل الأخير من حرب السنتين (1975-1976) عبر “الجيش العربي السوري”  ليقلب موازين القوى ضد الطرف الأكثر تقدماً على الصعيد الميداني حينها، أي فصائل “الحركة الوطنية” الموحدة بمتفرعاتها كافة، اليسارية والفلسطينية والجنبلاطية والإسلاموية. واختتمت أعمال تلك المرحلة باغتيال الزعيم الوطني اليساري والعروبي كمال جنبلاط لرفضه الخضوع لإملاءات الأسد، وهو الذي سيكون فاتحة لاغتيالات كثيرة سينفذها البعث في لبنان خلال الحرب وبعدها.

لكن مع توجّه مصر المتسارع إلى عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل عقب خطاب الرئيس أنور السادات الشهير، الذي أعلن فيه استعداده الذهاب إلى الكنيست للتفاوض، وما تلاه من تشكيل “جبهة الصمود والتصدي” بدفع سوري جزائري – فلسطيني – ليبي مشترك، غيرت البندقية السورية الأسدية اتجاهها ليصوبها حافظ الأسد هذه المرة نحو “الجبهة اللبنانية”، فكان أن اندلعت حرب الـ 100 يوم عام 1978 على حدود الأشرفية من دون أن يتمكن الجيش السوري من الدخول إليها، الأمر الذي جعل منها أسطورة ملحمية في الخيال السياسي لدى شريحة كبيرة من المسيحيين ترافقت مع أسطرة قائدها “بشير الجميل”. ثم تكرر سيناريو الاصطدام مع القوات اللبنانية في زحلة 1980 من دون أن يتمكن الجيش السوري من بسط سيطرته على المدينة. لكن تلك الانعطافة لم تمنع الأسد من “البعبصة” بمنظمة التحرير لتجييرها لصالحه، خصوصا بعد تبني المنظمة بقيادة فتح وياسر عرفات “برنامج النقاط العشر” الذي يكرس الاستقلالية الفلسطينية ويصوغ برنامجاً وطنياً واضحاً وعملياً للمنظمة وللشعب الفلسطيني. لينشأ بعدها مع الفصائل الرافضة للبرنامج ما أطلق عليه “جبهة الرفض”، وتضم إلى جانب الفصائل التابعة كلياً للأسد، كالصاعقة، “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، إذ صار النظام الذي وصفه جورج حبش خلال حرب السنتين بالنظام “السوري العميل” حليفاً في جبهة واحدة، وظل كذلك حتى في عز الحرب البشعة على المخيمات الفلسطينية لاحقاً.

في 1982، العام الأكثر مفصلية في تاريخ “لبنان الكبير”، اغتيل بشير الجميل عقب التدخل الإسرائيلي الذي تعاون معه وكان له دور بارز في انتخابه رئيساً للجمهورية، اغتيل على يد حبيب الشرتوني المنتسب إلى “الحزب السوري القومي الاجتماعي”، ووجهت أصابع الاتهام إلى نظام الأسد في التورط بعملية الاغتيال. وبعد ذلك بعامين، كان الدور السوري بارزاً في إفشال اتفاقية 17 أيار/ مايو، التي وقعها رئيس الجمهورية أمين الجميل وصادق عليها المجلس النيابي بالسلاح الذي حاصر الرئيس في قصره في 6 شباط/ فبراير. ذلك أن الاتفاقية التي وصفها رافضوها “باتفاقية العار” كانت تشترط لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية أن يرافقه وبالموازاة انسحاب سوري أيضاً.

في السنة التالية، أي عام 1985، بدأت حرب المخيمات (1985-1988) التي شنها الجيش السوري وحركة أمل إلى جانب فصائل أخرى ضد الفصائل الفلسطينية التابعة لفتح في المخيمات الفلسطينية، وقد تخلّلها حصار وتجويع وقصف عشوائي وجرائم حرب كثيرة تعرض لها سكان المخيمات من الفلسطينيين في صيدا وبيروت وطرابلس. وراح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.

وفي عام 1990، اندلعت حرب الخليج الثانية بعد اجتياح صدام حسين للكويت، وانعقد لإخراجه منها “تحالف دولي” بغطاء من جامعة الدول العربية شاركت فيه دول عربية وغربية عدة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ومن بين هذه الدول طبعاً كانت “سوريا حافظ الأسد”. ليكافأ القائد الخالد بعدها بمنحه الوصاية على لبنان وإعطائه الضوء الأخضر لتطبيق اتفاق الطائف 1989 بالحديد والنار وطرد الرئيس الشرعي حينها، ميشال عون من قصر بعبدا هارباً بالبيجاما صوب السفارة الفرنسية ليمنح اللجوء السياسي.

بعد ذلك، صار للبنان مفوض سامي سوري في عنجر، وأصبحت لدمشق الكلمة الفصل في اختيار الرؤساء والحكومات وحتى النواب. وبعد نفي عون وسجن سمير جعجع دوناً عن كل مجرمي الحرب الآخرين، تولّد إقصاء للمسيحيين من الحياة السياسية عبر فرض ممثلين لا يحظون بتمثيل شعبي ومقاطعة الأحزاب المسيحية الأساسية للعملية الانتخابية. في حين تبوأ أمراء ومجرمو حرب مسلمون و”وطنيون” مناصب عليا في مؤسسات الدولة الدستورية، ما كرس الانقسام الطائفي في البلد وراكم من وزر غياب العدالة الانتقالية بجعلها مجتزأة وانتقامية.

وفي العام 2003، بدأ التوافق الأميركي – السعودي – السوري بالتصدّع بعد تباين المواقف مع الحرب الأميركية على العراق، وبدأ السخط اللبناني الداخلي يتصاعد من صلافة الوصاية السورية على لبنان مع قيادة بشار الأسد المتّسمة بالعناد والرعونة وغياب المرونة والحيلة، التي كان والده يتمتع بشيء منهما. إذ تجلى ذلك بشكل واضح في التعاطي مع التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود في العام نفسه، إذ وصل الضغط على السياسيين اللبنانيين للتمديد له حدّ الإهانة الجسدية لرئيس الحكومة رفيق الحريري. وهو رئيس الحكومة الذي سيفجّر اغتياله بعد عامين انتفاضة  شعبية عارمة عُرفت بانتفاضة الاستقلال، ستودي بهيمنة النظام السوري على لبنان وخروجه منه إلى الأبد.

قبل هذا التاريخ: كيف واجه اللبنانيون الوصاية البعثيّة 

المواجهة لم تبدأ في عام 2005 – هي مواجهة لها جذور في الحرب الأهلية اللبنانية. ولكن في سياق الحرب، تأثر الاحتكاك مع النظام البعثي بمجريات وتناقضات المعارك واعتبارات أمراء الحرب. في مرحلة ما بعد الحرب، سمح السلام الداخلي بنقاشٍ مختلفٍ لبنانياً وفلسطينياً. في الساحة اللبنانية، شاهدنا انقساماً بين النخب الثقافية والجامعية و”الناشطية” الجديدة حول عناوين عدة، منها إعادة الإعمار والنهج النيوليبرالي لسياسات رفيق الحريري، وتفاقم الدور البوليسي القمعي للسلطات الأمنية السورية-اللبنانية، ومسألة السلام في المنطقة والخط التفاوضي اللبناني-السوري المشترك. المواجهة الفكرية والثقافية مع البعث بدأت حقيقةً في هذه المرحلة، تعقيباً على النقاشات التي حصلت حول هذه العناوين بالذات.

شهد الشارع “وحدة” غريبة، للمرة الأولى، بين قوى مسيحية ليبرالية-وطنية (كالخلايا الأولية للتيار الوطني الحر) وقوى “مدنية” وناشطية تمثلت ببعض المنظمات غير الحكومية (كمنظمة “لادي” وحملة “بلدي بلدتي بلديتي”) وتنظيمات طلابية وشبابية يسارية (كالمجموعات اليسارية المستقلة، التي ضمت “بلا حدود” في الجامعة الأميركية في بيروت و”بابلو نيرودا” في الجامعة اللبنانية الأميركية و”العمل المباشر” في جامعة البلمند). هذه الوحدة جمعت ما بين النقد الموجه للحريرية السياسية وسلطة الوصاية الأمنية والمخابراتية، بالإضافة إلى طرح مراجعة لخيارات مختلف القوى في الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً القوى اليسارية.

كان الرد المباشر على هذه النغمة الثقافية الغريبة ليس فقط رداً أمنياً وقمعياً، ولكن تمثّل أيضاً بردّ ثقافي وفكري شمل التيارات القومية العربية واليسار المعارض للمسار العرفاتي فلسطينياً (من اتفاقية أوسلو إلى استقلال القرار الفلسطيني عن الأنظمة العربية، والبعث السوري بشكل خاص)، بالإضافة إلى من عارض مشروع رفيق الحريري الاقتصادي ولكن تشبّث باستراتيجية “وحدة المسار والمصير” المفروضة أسدياً. المواجهة الثقافية تطورت مع مرور الزمن، وتشكّلت طاولات حوار شملت صحافيين ومفكرين وسياسيين يساريين وقوى مسيحية إصلاحية ومعارضة، ما مهّد للمصالحة الجنبلاطية/الدرزية-المسيحية للمرة الأولى والمفردة بعد الحرب الأهلية اللبنانية. ومع اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي رافقته عيون الشك والاتهام على النظام السوري وأزلامه، أتت المواجهة الكبرى في 14 آذار/ مارس 2005.

العمل اليوم: ماذا يعني سقوط البعث فكراً وعملاً؟

سقوط البعث لا يعني سقوط الهم الفلسطيني – العربي المشروع على المستوى الأخلاقي والسياسي، ولا يعني سقوط القراءة التي تشدد على خطر آلة الحرب الإسرائيلية. سقوط البعث يعني سقوط “مركزية فلسطين” كشعار متاجرة مشجّعة لتأجيل القضايا والمشاكل والأزمات والاختلافات، الديمقراطية والحرية، إلى ما بعد حل “القضية الفلسطينية” و”تحرير فلسطين”. 

سقوط البعث يعني سقوط فصل من “القضية الفلسطينية” نفسها بتركيبتها القومية ذات السمات الفاشية. البديل هو التضامن القائم على وعي المصالح المشتركة، إنما المترافق أيضاً مع وعي الحيثيات والمصالح المختلفة والمتمايزة للشعوب والجماعات في هذه المنطقة وتعدد هواجسهم وأعدائهم.

سقوط البعث يعني انتهاء خط إمداد “المقاومة” وسقوط “الحرب الكونية” والتدخل في سوريا. فإما أن التدخل كان ضرورة حاسمة لا بد منها لاستمرارية المقاومة في لبنان، ما يعني أنه يجب التفكير بوسائل أخرى للدفاع عن لبنان لاستحالة المقاومة موضوعيا”، وإما أنها غير ضرورية إلى هذا الحد ويمكن الاستعاضة عنها بوسائل أخرى، ما يعني أن المقاومة ارتكبت جريمة كبرى بمساهمتها في قتل وتهجير مئات آلاف السوريين حماية لنظام صيدنايا وغاز السارين. وهو أمر لا يبرره شيء، حتى ضرورة استمرار المقاومة، بل يسحب الشرعية عنها. 

لكن اليوم، المعركة الثقافية مع البعث ليست كافية – لبنان أمام مرحلة حساسة تعيد تشكيل السلطة السياسية والأمنية. وهي مرحلة أيضاً تعبر عن تغيرات شعبية وتمثيلية كبرى قد تأتي مع تغيير القانون الانتخابي، و/أو تغيرات بالمناخ العام والقدرات التنظيمية لدى القوى السياسية كافة.

من هنا ثمة أولوية لتشكيل بنى سياسية تفاوض على أرض الواقع وتخلق رأي عام وأدوات ضغط في الشارع بهدف المساهمة في تشكيل هذه المرحلة. 

وسط التسويات القائمة في المنطقة، قد نشهد محاولات لتعويم شركاء وموظفي “البعث” في الساحة، وهذه المحاولات يجب أن تواجه مباشرةً. سنشهد محاولات لإعادة إحياء أسماء تورطت مع البعث في اللوائح الانتخابية والشارع والعمل السياسي والنيابي، هذه المحاولات أيضاً يجب أن تواجه، في غرف الاجتماعات والتحركات والتنظيم الهادف نحو خلق مدرسة ثقافية تنبذ هذه الأفكار من أصلها.

30.01.2025
زمن القراءة: 8 minutes
|
آخر القصص
لا سقفَ لانهيارات طرابلس
جودي الأسمر | 18.02.2026
هل تكرّس “حكومة دمشق” قضاء غير عادل؟
ياسر شالتي- محقّق مختصّ بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية | 18.02.2026
الانتخابات الطلّابية في الجامعة اللبنانية 
سلطان الحسيني - كاتب لبناني | 17.02.2026
من يُشعل النار بين العراقيين والسوريين؟
أيوب سعد - صحافي عراقي | 17.02.2026

اشترك بنشرتنا البريدية