وُجد علي غادر غارقاً بدمائه بعدما أقدم على شطب يده اليسرى، في محاولة لإنهاء حياة، محاولة انتحار وصفها أحد أقاربه لـ”درج” بأنها كانت مثقلة بالمشقّة والتعب.
يضيف قريب غادر، أن الأخير عاش فترة في ألمانيا إلى جانب أشقائه، قبل أن يختار العودة إلى لبنان للعمل، غير أنّ حياته لم تكن سهلة يوماً. فقد تنقّل بين ظروف معيشية قاسية وضغوط متراكمة، تفاقمت مع فقدانه والديه وابتعاده عن عائلته، ما انعكس تدهوراً حاداً في حالته النفسية. وقد كان موقوفاً بتهم متعلّقة بالسرقة.
وأضاف القريب أنّ التأجيلات المتكررة لمحاكمته، إلى جانب صعوبة أوضاعه داخل السجن وخارجه، دفعته إلى الشعور بالعجز واليأس، إلى حدّ رأى فيه أن إنهاء حياته بات الخيار الوحيد، مؤكّداً: “ما بلومه… حياته كانت صعبة”.
وقالت “لجنة أهالي السجناء في لبنان” في بيان، إنّ علي “كان موقوفًا في ملفّ عالق لدى محكمة بعبدا، وقد أمضى 61 شهرًا من دون أن يمثُل أمام المحكمة ولو لجلسةٍ واحدة”.
سُجلت خلال الشهر الماضي 6 وفيات في سجن رومية، في حصيلة تُعتبر مرتفعة مقارنة بالعام الماضي، إذ كان معدّل الوفيات في 2025 ثلاثاً في الشهر الواحد. تحدثنا مع مصدر قضائي لمعرفة السبب وراء هذا الرقم غير المطمئن، فأجابنا: “أوف… ما كنت عارف إنه 5 توفوا هالشهر، ما عندي علم”.
في حالة مشابهة قبل أشهر، توفي مهند الأحمد داخل سجن الوروار – بعبدا، 15 سنة، طفل سوري موقوف بتهمة سرقة، انتهت حياته داخل زنزانة، في حادثة ليست معزولة عن سياق أوسع أصبح فيه موت المساجين خبرًا عابرًا.
حسم الطبيب الشرعي أحمد مقداد سبب الوفاة في تقرير صدر في 29 أيلول/ سبتمبر 2025، معلنًا أنها “انتحار شنقًا باستخدام شرشف رُبط بإحدى نوافذ الزنزانة”. إلا أن هذا الحسم لم يُنهِ الشكوك، بل فجّر غضب عائلته التي ترفض رواية الانتحار، وتعتبر أن ما حصل هو نتيجة مباشرة للعنف والإهمال داخل السجن.
والد مهند، المقيم في سوريا، أوضح لـ”درج” أن ابنه كان موقوفًا منذ نحو ثلاثة أشهر من دون أي تواصل مع العائلة، فيما كان شقيقاه موقوفين أيضًا في سجن رومية. وأكد وجود كدمات واضحة على جسد طفله، ما عزّز قناعته بأنه “مات تحت التعذيب”، متسائلًا كيف لطفل في هذا العمر أن يصل إلى الانتحار داخل مؤسسة يُفترض أن تحميه.
المحامي محمد صبلوح، الذي تقدم بشكوى في القضية، يؤكد أن القاصر لم يُعرض على قاضٍ طوال فترة توقيفه ولم يحصل على أي دعم نفسي، معتبرًا أن حتى فرضية الانتحار لا تُبرئ الدولة بل تُدينها، في ظل نظام توقيف يُغلق كل المنافذ أمام الأطفال ويتركهم في عزلة قاتلة بلا أفق أو حماية.
الموت في سجون لبنان: خبر هامشيّ
خلال عام 2025 وحده، سُجّلت 44 حالة وفاة داخل سجون لبنان توزعت بين رومية والقبة والوروار وغيرها، بحسب لجان أهالي السجناء ومحامين متابعين للملف. ومع بداية عام 2026، توفي 6 سجناء خلال الشهر الأول فقط، ما يشير إلى أن وتيرة الموت لم تتباطأ، وتُعزى أسباب الوفاة غالباً، وفق تقارير الأطباء الشرعيين، إلى أزمات قلبية أو حالات انتحار أو مضاعفات صحية، وفقاً للمحامي محمد صبلوح.
لا ينفي المصدر القضائي الذي تحدّثنا معه، الحالة المزرية لسجن رومية ابتداء من البنى التحتية الهشة وصولاً إلى الخدمات الطبية غير المتكاملة، لكنه اعتبر أن “تصريحات لجنة أهالي السجناء والفيديوهات التي تخرج من السجن ويتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، مبالغ فيها، حتى أنه اعتبرها في بعض الأحيان تمثيلاً”.
في المقابل، قال المصدر نفسه إن عدد الأطباء غير كاف مقارنة بعدد المساجين، ومن المفترض أيضاً زيادة الفحوصات الطبية الدورية لأنها حق طبيعي وإنساني.
تتقاطع هذه الصورة مع ما وثّقته تقارير حقوقية خلال السنوات الماضية، والتي حذّرت مرارًا من أن السجون اللبنانية تحولت إلى أماكن احتجاز غير صالحة للحياة، مع غياب الحد الأدنى من الخدمات الصحية والغذائية.
رائدة الصلح، نائبة رئيس لجان أهالي السجناء في لبنان، وصفت في حديثها لـ”درج”، واقع السجون اليوم بأنه “ساحة احتجاجات مفتوحة”، حيث تتنقل الإضرابات من مبنى إلى آخر، بدءًا من سجن رومية، وصولًا إلى سجنَي طرابلس وزغرتا. هذا الغليان، بحسب الصلح، ليس سوى انعكاس لانهيار شبه كامل في حقوق السجناء الأساسية.
إقرأوا أيضاً:
وتُرجع الصلح أسباب الوفيات إلى ما تسميه “مثلث الموت” داخل السجون: الإهمال الطبي المتعمد، التقصير في الرعاية الصحية، وسوء الظروف المعيشية. يضاف إلى ذلك الاكتظاظ الهائل، الذي يفوق قدرة السجون الاستيعابية بأضعاف، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية، خصوصًا بين المسنين والمصابين بأمراض مزمنة، في ظل غياب العلاج والمتابعة. على سبيل المثال لا الحصر، يتّسع سجن رومية لحوالي ألفَي سجين، لكنه فاق سعته القصوى بنسبة 300 في المئة وفقاً للمصدر القضائي وصبلوح.
هبات أوروبيّة لسجن رومية
في ضوء الأوضاع الصعبة داخل سجن رومية المركزي في لبنان، شهدت السنوات الأخيرة مجموعة من المبادرات الدولية لتحسين الخدمات الصحية والبنية التحتية الطبية للمحتجزين.
في عام 2015، خصّصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مبلغ مليون دولار أميركي لتمويل تحسين نظام التهوية والمعدات الأساسية في عدد من السجون اللبنانية، ضمن جهودها لتحسين ظروف الاحتجاز ورفع مستوى الخدمات الصحية والبيئية للمحتجزين؛ وقد كانت هذه الأموال جزءاً من شراكة مع السلطات اللبنانية لمعالجة سوء التهوية والاكتظاظ وتوفير معدات صحية أساسية في المؤسسات الإصلاحية.
أما في 2022، فقدّمت منظمة الصحة العالمية مشروعًا واسعًا داخل سجن رومية يهدف إلى إعادة تأهيل العيادات الطبية وتطوير الخدمات الصحية، شملت توفير الأجهزة الطبية مثل أجهزة ضغط الدم، واختبارات السكر، وأجهزة تخطيط القلب، بالإضافة إلى تقديم خدمات الصحة العقلية والتقييم الشامل لحالات السجناء، بالتعاون مع وزارة الداخلية اللبنانية.
وفي إطار دعم إضافي، قدمت الوكالة الإيطالية للتنمية والتعاون (AICS) أدوية متنوعة بقيمة تُقدَّر بنحو 100 ألف يورو لصيدلية السجن المركزي، وذلك عبر هبة تسلّمتها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لتعزيز المخزون الدوائي وتلبية احتياجات المرضى داخل السجن.
إلى جانب المساعدات الطبية، شملت الجهود الرسمية مشاريع لترميم بنية السجن وتأهيلها. ففي الفترة الممتدة بين عامَي 2008 و2010، أمَّن مجلس الإنماء والإعمار من ميزانية الدولة اللبنانية نحو 8 ملايين دولار أميركي خُصِّصت في الأصل لترميم مباني سجن رومية. غير أنّ المشروع شهد لاحقاً تغييراً في مساره، إذ تم الانتقال من خيار الترميم إلى بناء مبنى جديد بالكامل، في محاولة لمعالجة تدهور البنية التحتية وتخفيف الاكتظاظ المزمن داخل السجن.
تواصلنا مع مسؤول العلاقات العامة في القوى الأمن الداخلي جوزيف مسلم، لكنه لم يجب حتى لحظة النشر.
هل يحلّ الملف السوري أزمة الاكتظاظ؟
أكد صبلوح لـ”درج” أن ما يحصل اليوم في سجن رومية وغيره من السجون “ليس وليد اللحظة”، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، مشيراً إلى أن نسبة الاكتظاظ تتجاوز الـ300 في المئة في بعض السجون، فيما تعجز الدولة عن تأمين الغذاء والاستشفاء للسجناء.
وعلى رغم إقرار مجلس الوزراء اللبناني اتفاقية نقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا، إلا أنّ هذه الخطوة لن تُساهم في حل أزمة الاكتظاظ، وفقًا للمصدر القضائي الذي تحدّثنا معه، والذي أوضح أن عدد السجناء السوريين في لبنان يتجاوز الـ2000 سجين، في حين لا يتعدّى عدد المحكومين منهم 300 فقط، ما يعني أن تأثير الاتفاقية سيبقى محدودًا ولن يعالج جوهر المشكلة.
التوقيف الاحتياطي
إلى جانب الإهمال الطبي، يشكل التوقيف الاحتياطي الطويل أحد أبرز أسباب الانهيار النفسي للسجناء في لبنان. إذ يقبع آلاف الموقوفين خلف القضبان لسنوات من دون محاكمة، في مخالفة صارخة للقانون، ما يحوّل السجن إلى “مقبرة للصحة النفسية”، كما تصف رائدة الصلح.
بعض هؤلاء أمضوا أكثر من 7 سنوات موقوفين، وفي بعض الملفات تجاوزت فترة التوقيف الاحتياطي 16 سنة، من دون أي أفق زمني واضح أو تدخل قضائي فعّال.
المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تحدد المدّة القصوى للتوقيف الاحتياطي، تُطبق بشكل انتقائي بحسب الصلح. ففي بعض القضايا، تُنفذ بسرعة نتيجة تدخلات سياسية، بينما يُترك آلاف الموقوفين الآخرين خارج أي حماية قانونية، معرضين للتأخير غير المحدود والإهمال. هذا التطبيق الانتقائي يفاقم أزمة الاكتظاظ ويعمّق تدهور الصحة النفسية للسجناء.
لحل هذه الأزمة، اقترح النائب بلال عبد الله تعديل المادة 108 لتشمل جميع الجرائم، ووضع سقف للتوقيف الاحتياطي: سبع سنوات لمن صدر بحقهم قرار اتهامي، وخمس سنوات لمن لم يصدر قرار بحقهم بعد. وتقدّر الصلح أن إقرار هذا القانون من شأنه تقليل الاكتظاظ بنسبة تصل إلى 50 في المئة، أي إخراج أكثر من 4000 سجين من السجون المزدحمة.
وربط المحامي محمد صبلوح بين هذا الحل الجزئي والضغوط السياسية قائلاً: “عندما هددت سوريا بإقفال المعابر والحدود في حال لم يُسلّم السجناء السوريون، وجدوا الحل بسرعة. أنا مع رفع الظلم عن الجميع، ولكن ليس بطريقة انتقائية. ما يحدث هو انتقائي ولا يريدون حل مشكلة السجون بشكل شامل”. ويتابع: “تجادلت مع رئيس الحكومة بشأن هذا الملف، فقلت له: لأن سوريا فرضت عليك أن تخرج المساجين السوريين الذين يريدون إخراجهم، وأنت ستخرجهم. ماذا عن اللبنانيين؟ من يخرجهم ومن ينظر في حالهم؟ وكان رده أنه عليّ أن أسأل مجلس النواب عن ذلك، بالطبع كل شخص يلقي اللوم على الآخر”.












