ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الموسيقى في جنوب لبنان: التراث الذي أضعناه

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كيف أصبحنا في منطقتنا في حالة خصام مع الموسيقى والغناء!؟ كيف ظهرت هذه القيود التي تحدّد ما يجوز سماعه وما لا يجوز؟ كيف أصبحت أغاني فيروز وصباح ووديع الصافي من المحرّمات؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تفاجئني نظرات التعجّب التي كان يرمقني بها كلّ من كان يسألني عن الاختصاص الذي اختارته ابنتي لدراستها الجامعية، فقد قرّرت دراسة الموسيقى الشرقية، مع التركيز على العزف على العود الذي تعلّقت به منذ طفولتها.

قدّ تكون دراسة الموسيقى عند الكثيرين مضيعة للوقت والجهد، فالناس في غالبيتهم يفضّلون الاختصاصات العلمية؛ الطبّ أو الهندسة، بخاصّة إذا كان الطالب حاصلاً على معدّل عالٍ يؤهّله للدخول إلى هذه الكليّات.

لكنّ نظرات التعجّب هذه كانت لأسباب أخرى، وكوننا نعيش في قرية جنوبية تخضع لسيطرة نمط سياسي عقائدي، كان هذا الاستهجان من نوع مختلف. عندما نتكلّم عن الموسيقى في منطقتنا ذات الطابع الشيعي المحافظ، نكون كمن يتكلّم عن كائن غريب أو مخلوق من كوكب آخر.

إذا رجعنا بالزمن إلى الوراء، وعلى ذمّة جدّتي، لطالما كانت حلقات الدبكة وسهرات الزجل والعتابا تُقام على العين بمشاركة شبّان القرية وشابّاتها. كانت اليد تمسك باليد، والأصوات تصدح بالمواويل التي تحكي قصصاً، أو تصف حالاً، أو تحمل لطشات التحدّي في طيّاتها. 

حتى في مناسبات الوفاة، كان الفقيد يُحمل على الأكتاف، وترافقه “الحوربة” إلى لحده. و”الحوربة” عبارة عن أبيات زجلية ملحّنة تحكي عن صعوبة الفقد ورهبة الموت، كان من شروط الذي يمارس “الحوربة” أن يملك صوتاً جميلاً ومؤثّراً، وكان أهل القرية يردّدون جمله بكلّ خشوع وحزن وشجن. 

كانت والدتي تخبرني عن مكانة الراديو في البيت، وكيف كان الناس ينتظرون ليلة الخميس لسماع سهرة الستّ، ويتساءلون ما إذا كانت ستغنّي أغنية جديدة، أو ستعيد شيئاً من أغانيها القديمة. 

وعلى الرغم من تواضع المدرسة آنذاك، كانت حصّة الموسيقى من الحصص الإلزامية، وللمفارقة كانت والدتي تنتظر هذه الحصّة بفارغ الصبر، لأنها فرصتها لتغنّي أمام أستاذها، ولتسمع منه الإطراء على جمال صوتها وأدائها المتقن. 

ما زلت أذكر عندما كنت في عمر المراهقة في التسعينيت، كيف كنّا نجتمع مع أقراننا لنسهر ونرقص على أنغام أحدث الأغاني آنذاك، كما أن قريتنا كانت محظوظة بوجود شابّين يتمتّعان بالصوت الجميل، الذي أهّلهما للمشاركة في مسابقات الغناء على الشاشات اللبنانية، وكانا يُقيمان حفلات غناء لأبناء القرية.

والحدث الجلل كان عندما تنتشر أغنية جديدة لهاني شاكر معشوق الشباب آنذاك؛ بخاصّة شباب النبطية. كانت السيارات تصدح بأغانيه نهاراً، وتتأوه المشاعر والأحاسيس ليلاً؛ وكأن هذا المطرب أقسم يميناً أن ينكّد على كلّ من حوله، وينغّص عليهم حياتهم بكلمات أغانيه الحزينة والمؤلمة. 

كانت الموسيقى جزءاً من يومياتنا، لها حضور طاغٍ في مختلف المناسبات، سعيدةً كانت أم حزينة.

كيف أصبحنا في منطقتنا في حالة خصام مع الموسيقى والغناء!؟ كيف ظهرت هذه القيود التي تحدّد ما يجوز سماعه وما لا يجوز؟ كيف أصبحت أغاني فيروز وصباح ووديع الصافي من المحرّمات؟

إنها السطوة التي مارستها الأحزاب الدينية في الجنوب، والتي وضعت معايير محدّدة للتقييم؛ فهي إمّا أبيض وإمّا أسود، إمّا حلال وإمّا حرام، وكانت الموسيقى والأغاني أوّل ضحايا هذه السطوة. 

تُعتبر الموسيقى عند غالبية المراجع الدينية الشيعية من المحرّمات لأنها مجالس لهو، تؤثّر على مشاعر الناس وعواطفهم، وتبعدهم عن التفكّر وعن أداء طقوسهم الدينية. ومع انتشار سيطرة الإسلام السياسي في المنطقة، توسّعت موجة التديّن لتشمل معظم مناطق الجنوب. 

أصبح جلّ اهتمام الناس في قرانا الجنوبية أداء الفرائض الدينية، وإقامة مجالس العزاء الحسيني في كلّ المناسبات، وكأنّ عاشوراء امتدّت لتصبح حادثة نذكرها ونبكيها على مدار السنة.

وإذا أُجيز استخدام اللحن، فيكون مسموحاً فقط في ترتيل القرآن الكريم، أو إنشاد الأناشيد الدينية التي تعتبر حلالاً.

وبدل أن تصدح السيارات بأغاني المطربين العاطفية، صارت تصدح بأناشيد المنشدين وندبيّات النادبين.

أذكر عندما تمّ رمي البيض والمفرقعات في آخر حفلة غنائية أُقيمت في قريتي في التسعينيت، وكيف كان ذلك آخر عهد لنا في التجمّعات المختلطة الموسيقية الراقصة. بعدها انتشرت ثقافة الموالد النسائية في الأعراس، ومصطلحات مثل موسيقى شرعية أو غير شرعية، وإدخال بعض أدوات المطبخ التي تصدر أصواتاً كبديل عن الآلات الموسيقية، واعتبار ما تُصدره موسيقى حلالاً، والأهمّ من ذلك كلّه التقيّد بأداء حركات تمايل شرعية للفتيات أثناء الرقص في الموالد. 

في مناطقنا لا وجود لمهرجانات غنائية لأنها تعتبر ترفاً وإلهاء عن القضيّة الأساس؛ قضيّة الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي تمّ اقتصاره علينا نحن في جنوب لبنان وفلسطين، ووجب لذلك، تطويع كلّ أنواع الفنون لتخدم هذه القضيّة. 

فصرنا نستبدل الأغاني العاطفية بالأناشيد الثورية، ونُقيم سهرات زجلية تمدح بالمقاومة الإسلامية ومآثرها، وإذا أقمنا معارض فنّية يجب أن يتمحور الموضوع حول الأرض والمقاومة ودم الشهداء؛ هذا لا يعني أننا ننكر التضحيات، أو أهمّية هذه المفاهيم، ولكن هل يُعقل أن نلغي المواضيع الاجتماعية والإنسانية والعاطفية المؤثّرة في حياة البشر؟!

وعليه، بينما تنعم مناطق كثيرة في لبنان بمهرجاناتها الفنّية العالمية السنوية مثل جبيل وبعلبك والبترون، حُرِم الجنوب من هذه الفعّاليات التي لا تعبّر عن الانفتاح الثقافي فحسب، بل تحرّك العجلة الاقتصادية أيضاً. واقتصرت الحركة الفنّية فيه على بعض المهرجانات النادرة للمطربة جوليا بطرس في صور؛ كونها تملك رصيداً كبيراً من الأغاني الثورية الوطنية. ما زلت أذكر الحشد الكثيف، عندما حضرت إحدى حفلاتها في منطقة تبنين بعد التحرير، وكان حفلاً مجانياً للاحتفاء بالمناسبة. 

لطالما تساءلت لماذا تخاف السلطة في منطقتنا من الموسيقى والغناء؟!

لا أظنّ أن اللحن هو السبب، لأن الأناشيد الحلال حسب تقييمهم تملك ألحاناً جميلة، أظنّ أنهم يخافون من الكلمات.

تسعى الأحزاب الدينية إلى توظيف الموسيقى والفنّ لتخدم أهدافها، وخلق مساحة محدّدة وأطر معيّنة لترسيخ معتقداتها، والإيحاء بألا شيء أكثر أهمّية من القضيّة التي تتبنّاها، لذا يجب التركيز دائماً على أناشيد تمجّد الحزب السياسي، وتذكّر بالانتصارات على العدوّ، وبالتضحيات التي قُدِّمت. 

الكلمات العاطفية المغنّاة، كالحب، والشغف، والندم والوجع، أو أي مشاعر إنسانية قد تليّن القلوب وتُلهي العقول عن العقيدة الأساس المتمثّلة بالاستنفار والشعور الدائم بالاستهداف، وكأننا في حالة إعلان طوارئ وجداني وفكري طوال الوقت. فالكلمات العاطفية تخلق عوالم مشتركة، لأنّها تتحدّث عن مشاعر يحسّ بها البشر جميعاً على اختلاف عقائدهم، أو أعراقهم، أو أحزابهم السياسية. 

لوديع الصافي ونصري شمس الدين أغانٍ كثيرة تتحدّث عن العادات والتقاليد القروية، وتتغزّل بجمال الطبيعة والجبال والأنهار في لبنان. هذه الأغاني تسلّط الضوء على الجمال في بلادنا بشكل عامّ، في حين أن الكلمات المسموح استخدامها فنّياً حالياً هي تلك التي تفصل جنوبنا عن المناطق الأخرى، وكأننا من كوكبٍ مختلف، لا يجمع بيننا وبين الآخر في وطننا أي رابط. 

للفنّ قدرة خارقة على التأثير وخلق وعي جمعي يسهّل التبعيّة والطاعة، وهذا ما فطنت إليه الأحزاب المسيطرة في الجنوب، لذلك استخدمت الفنون لخدمة الأجندة السياسية وتوجيه المجتمع إلى طرائق تفكير محدّدة، واهتمامات معيّنة، ضمن أطر دينية عقائدية من الصعب تجاوزها.

على المقلب الآخر، للفنّ وما يملكه من حرّية، القدرة على توسيع الآفاق فكرياً، والانتقاد والمواجهة وتفنيد الأخطاء ومقارعة السلطة، بأسلوب ناعم وسلس، وهذا هو الجانب الذي تخشاه الأحزاب الدينية.

لثلاثة عقود مضت والجنوب قابع تحت قبضة سلطة حزبية دينية، فرضت قيوداً فنّية صارمة، ووضعت معايير محدّدة لما هو شرعي وما هو غير شرعي. جيل بكامله لا يعرف شيئاً عن أغاني فيروز، أو صباح، أو وديع الصافي، على الرغم من أنهم من أهمّ من تغنّى بحبّ الوطن وجماله. 

هذه قيود ينبغي كسرها، وهذا يتطلب خطّة تديرها وتشرف على تنفيذها وزارة التربية والتعليم، إذ يجب أن تعود حصّة الموسيقى كحصّة أساسية في المنهاج المدرسي، كما يجب أن يتمّ تخصيص حصّة لتعليم قواعد الدبكة في المدراس… من ناحيتي أنا كمدرّسة موسيقى أحرص دائماً عندما أستقبل تلاميذي الأطفال صباحاً، أن أُسمعهم زكي ناصيف بشكل يومي، حتى باتوا يطلبونه بالاسم إذا ما غيّرت الأغنية.

وبما أن تأسيس الثقافة الموسيقية يبدأ من الصغر، فإن إعادة إحياء دور دار المعلّمين الخاصّ بالموسيقى، من الأولويات لإعادة إحياء الثقافة الموسيقية في المدارس، كما أن دعم المعهد العالي للموسيقى، وفتح فروع له في أكثر من منطقة جنوبية، يساعدان على انتشار هذه الثقافة. 

هذه الخطّة يجب أن تدخل ضمن مسؤولية وزارة الثقافة أيضاً، التي تستطيع بالتعاون مع وزارة الداخلية تخصيص ميزانيات إضافية للبلديات، التي ترغب في إقامة مهرجانات موسيقية؛ حتى لو اشترطت مراعاة المزاج العامّ للمنطقة، وتقديم تحفيزات لتأسيس معاهد موسيقية لتعليم الفنون على أنواعها… المهمّ أن نبدأ من مكان ما، أن يستعيد الجنوب تراثه الوجداني الفنّي الأصيل، المتمثّل بالموسيقى، بالعتابا، بالدبكة، وبكلّ ما يشكّل تواصلاً إنسانياً وانفتاحاً على الآخر.

فالتراث الموسيقي عامل أساسي في خلق هوّية وطنية جامعة، وما أحوجنا في لبنان إلى التركيز على العوامل المشتركة، التي تقوّي شعورنا بالانتماء والوحدة الوطنية. 

ولعلّ الدولة التي تقول إنها تريد أن تعود إلى الجنوب، أو تطالب بأن يعود الجنوب إلى حضنها، ليس أمامها أفضل من الفنّ لبناء جسور العودة… فالفنّ بأنواعه: موسيقى، مسرح، سينما، أدب وشعر، وغيرها، هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يترجم الصيغ القانونية الجافّة إلى تجارب حسية يختبرها الناس، ويساعد على تخفيف حدّة الخلافات والاختلافات وإبراز القواسم المشتركة بينهم. وإذا استطاعت وزارت مثل التربية والثقافة والداخلية إعادة إدخال الفنون إلى المدارس والحياة العامّة في الجنوب، معنى ذلك أن الدولة نجحت في ترميم معنى العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها في الجنوب.

أجدني أتألّم عندما تخبرني صديقة أمي السبعينية عن شوقها الى سماع أم كلثوم وفريد الأطرش، لكنّها تخشى ذلك بسبب الحُرمة الشرعية، استناداً إلى فتوى مرجعها الديني، وقد فشلت جميع محاولاتي لإقناعها بأن هذه الأنواع من الفنون ترقى بالنفس الإنسانية، ولا تحطّ منها، ولكن لا حياة لمن تنادي!

الطفرة الدينية التي طغت على الجنوب، أدّت الى المبالغة في وضع القيود على الفنون، وغياب الجرأة في التقييم بين ما ينفع النفس والروح وما يؤذيهما، أدّى إلى تحريمها، ولعلّنا نسينا أن الله جميل يحبّ الجمال… والموسيقى.

دورنا نحكي

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
03.10.2025
زمن القراءة: 7 minutes

كيف أصبحنا في منطقتنا في حالة خصام مع الموسيقى والغناء!؟ كيف ظهرت هذه القيود التي تحدّد ما يجوز سماعه وما لا يجوز؟ كيف أصبحت أغاني فيروز وصباح ووديع الصافي من المحرّمات؟

لم تفاجئني نظرات التعجّب التي كان يرمقني بها كلّ من كان يسألني عن الاختصاص الذي اختارته ابنتي لدراستها الجامعية، فقد قرّرت دراسة الموسيقى الشرقية، مع التركيز على العزف على العود الذي تعلّقت به منذ طفولتها.

قدّ تكون دراسة الموسيقى عند الكثيرين مضيعة للوقت والجهد، فالناس في غالبيتهم يفضّلون الاختصاصات العلمية؛ الطبّ أو الهندسة، بخاصّة إذا كان الطالب حاصلاً على معدّل عالٍ يؤهّله للدخول إلى هذه الكليّات.

لكنّ نظرات التعجّب هذه كانت لأسباب أخرى، وكوننا نعيش في قرية جنوبية تخضع لسيطرة نمط سياسي عقائدي، كان هذا الاستهجان من نوع مختلف. عندما نتكلّم عن الموسيقى في منطقتنا ذات الطابع الشيعي المحافظ، نكون كمن يتكلّم عن كائن غريب أو مخلوق من كوكب آخر.

إذا رجعنا بالزمن إلى الوراء، وعلى ذمّة جدّتي، لطالما كانت حلقات الدبكة وسهرات الزجل والعتابا تُقام على العين بمشاركة شبّان القرية وشابّاتها. كانت اليد تمسك باليد، والأصوات تصدح بالمواويل التي تحكي قصصاً، أو تصف حالاً، أو تحمل لطشات التحدّي في طيّاتها. 

حتى في مناسبات الوفاة، كان الفقيد يُحمل على الأكتاف، وترافقه “الحوربة” إلى لحده. و”الحوربة” عبارة عن أبيات زجلية ملحّنة تحكي عن صعوبة الفقد ورهبة الموت، كان من شروط الذي يمارس “الحوربة” أن يملك صوتاً جميلاً ومؤثّراً، وكان أهل القرية يردّدون جمله بكلّ خشوع وحزن وشجن. 

كانت والدتي تخبرني عن مكانة الراديو في البيت، وكيف كان الناس ينتظرون ليلة الخميس لسماع سهرة الستّ، ويتساءلون ما إذا كانت ستغنّي أغنية جديدة، أو ستعيد شيئاً من أغانيها القديمة. 

وعلى الرغم من تواضع المدرسة آنذاك، كانت حصّة الموسيقى من الحصص الإلزامية، وللمفارقة كانت والدتي تنتظر هذه الحصّة بفارغ الصبر، لأنها فرصتها لتغنّي أمام أستاذها، ولتسمع منه الإطراء على جمال صوتها وأدائها المتقن. 

ما زلت أذكر عندما كنت في عمر المراهقة في التسعينيت، كيف كنّا نجتمع مع أقراننا لنسهر ونرقص على أنغام أحدث الأغاني آنذاك، كما أن قريتنا كانت محظوظة بوجود شابّين يتمتّعان بالصوت الجميل، الذي أهّلهما للمشاركة في مسابقات الغناء على الشاشات اللبنانية، وكانا يُقيمان حفلات غناء لأبناء القرية.

والحدث الجلل كان عندما تنتشر أغنية جديدة لهاني شاكر معشوق الشباب آنذاك؛ بخاصّة شباب النبطية. كانت السيارات تصدح بأغانيه نهاراً، وتتأوه المشاعر والأحاسيس ليلاً؛ وكأن هذا المطرب أقسم يميناً أن ينكّد على كلّ من حوله، وينغّص عليهم حياتهم بكلمات أغانيه الحزينة والمؤلمة. 

كانت الموسيقى جزءاً من يومياتنا، لها حضور طاغٍ في مختلف المناسبات، سعيدةً كانت أم حزينة.

كيف أصبحنا في منطقتنا في حالة خصام مع الموسيقى والغناء!؟ كيف ظهرت هذه القيود التي تحدّد ما يجوز سماعه وما لا يجوز؟ كيف أصبحت أغاني فيروز وصباح ووديع الصافي من المحرّمات؟

إنها السطوة التي مارستها الأحزاب الدينية في الجنوب، والتي وضعت معايير محدّدة للتقييم؛ فهي إمّا أبيض وإمّا أسود، إمّا حلال وإمّا حرام، وكانت الموسيقى والأغاني أوّل ضحايا هذه السطوة. 

تُعتبر الموسيقى عند غالبية المراجع الدينية الشيعية من المحرّمات لأنها مجالس لهو، تؤثّر على مشاعر الناس وعواطفهم، وتبعدهم عن التفكّر وعن أداء طقوسهم الدينية. ومع انتشار سيطرة الإسلام السياسي في المنطقة، توسّعت موجة التديّن لتشمل معظم مناطق الجنوب. 

أصبح جلّ اهتمام الناس في قرانا الجنوبية أداء الفرائض الدينية، وإقامة مجالس العزاء الحسيني في كلّ المناسبات، وكأنّ عاشوراء امتدّت لتصبح حادثة نذكرها ونبكيها على مدار السنة.

وإذا أُجيز استخدام اللحن، فيكون مسموحاً فقط في ترتيل القرآن الكريم، أو إنشاد الأناشيد الدينية التي تعتبر حلالاً.

وبدل أن تصدح السيارات بأغاني المطربين العاطفية، صارت تصدح بأناشيد المنشدين وندبيّات النادبين.

أذكر عندما تمّ رمي البيض والمفرقعات في آخر حفلة غنائية أُقيمت في قريتي في التسعينيت، وكيف كان ذلك آخر عهد لنا في التجمّعات المختلطة الموسيقية الراقصة. بعدها انتشرت ثقافة الموالد النسائية في الأعراس، ومصطلحات مثل موسيقى شرعية أو غير شرعية، وإدخال بعض أدوات المطبخ التي تصدر أصواتاً كبديل عن الآلات الموسيقية، واعتبار ما تُصدره موسيقى حلالاً، والأهمّ من ذلك كلّه التقيّد بأداء حركات تمايل شرعية للفتيات أثناء الرقص في الموالد. 

في مناطقنا لا وجود لمهرجانات غنائية لأنها تعتبر ترفاً وإلهاء عن القضيّة الأساس؛ قضيّة الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي تمّ اقتصاره علينا نحن في جنوب لبنان وفلسطين، ووجب لذلك، تطويع كلّ أنواع الفنون لتخدم هذه القضيّة. 

فصرنا نستبدل الأغاني العاطفية بالأناشيد الثورية، ونُقيم سهرات زجلية تمدح بالمقاومة الإسلامية ومآثرها، وإذا أقمنا معارض فنّية يجب أن يتمحور الموضوع حول الأرض والمقاومة ودم الشهداء؛ هذا لا يعني أننا ننكر التضحيات، أو أهمّية هذه المفاهيم، ولكن هل يُعقل أن نلغي المواضيع الاجتماعية والإنسانية والعاطفية المؤثّرة في حياة البشر؟!

وعليه، بينما تنعم مناطق كثيرة في لبنان بمهرجاناتها الفنّية العالمية السنوية مثل جبيل وبعلبك والبترون، حُرِم الجنوب من هذه الفعّاليات التي لا تعبّر عن الانفتاح الثقافي فحسب، بل تحرّك العجلة الاقتصادية أيضاً. واقتصرت الحركة الفنّية فيه على بعض المهرجانات النادرة للمطربة جوليا بطرس في صور؛ كونها تملك رصيداً كبيراً من الأغاني الثورية الوطنية. ما زلت أذكر الحشد الكثيف، عندما حضرت إحدى حفلاتها في منطقة تبنين بعد التحرير، وكان حفلاً مجانياً للاحتفاء بالمناسبة. 

لطالما تساءلت لماذا تخاف السلطة في منطقتنا من الموسيقى والغناء؟!

لا أظنّ أن اللحن هو السبب، لأن الأناشيد الحلال حسب تقييمهم تملك ألحاناً جميلة، أظنّ أنهم يخافون من الكلمات.

تسعى الأحزاب الدينية إلى توظيف الموسيقى والفنّ لتخدم أهدافها، وخلق مساحة محدّدة وأطر معيّنة لترسيخ معتقداتها، والإيحاء بألا شيء أكثر أهمّية من القضيّة التي تتبنّاها، لذا يجب التركيز دائماً على أناشيد تمجّد الحزب السياسي، وتذكّر بالانتصارات على العدوّ، وبالتضحيات التي قُدِّمت. 

الكلمات العاطفية المغنّاة، كالحب، والشغف، والندم والوجع، أو أي مشاعر إنسانية قد تليّن القلوب وتُلهي العقول عن العقيدة الأساس المتمثّلة بالاستنفار والشعور الدائم بالاستهداف، وكأننا في حالة إعلان طوارئ وجداني وفكري طوال الوقت. فالكلمات العاطفية تخلق عوالم مشتركة، لأنّها تتحدّث عن مشاعر يحسّ بها البشر جميعاً على اختلاف عقائدهم، أو أعراقهم، أو أحزابهم السياسية. 

لوديع الصافي ونصري شمس الدين أغانٍ كثيرة تتحدّث عن العادات والتقاليد القروية، وتتغزّل بجمال الطبيعة والجبال والأنهار في لبنان. هذه الأغاني تسلّط الضوء على الجمال في بلادنا بشكل عامّ، في حين أن الكلمات المسموح استخدامها فنّياً حالياً هي تلك التي تفصل جنوبنا عن المناطق الأخرى، وكأننا من كوكبٍ مختلف، لا يجمع بيننا وبين الآخر في وطننا أي رابط. 

للفنّ قدرة خارقة على التأثير وخلق وعي جمعي يسهّل التبعيّة والطاعة، وهذا ما فطنت إليه الأحزاب المسيطرة في الجنوب، لذلك استخدمت الفنون لخدمة الأجندة السياسية وتوجيه المجتمع إلى طرائق تفكير محدّدة، واهتمامات معيّنة، ضمن أطر دينية عقائدية من الصعب تجاوزها.

على المقلب الآخر، للفنّ وما يملكه من حرّية، القدرة على توسيع الآفاق فكرياً، والانتقاد والمواجهة وتفنيد الأخطاء ومقارعة السلطة، بأسلوب ناعم وسلس، وهذا هو الجانب الذي تخشاه الأحزاب الدينية.

لثلاثة عقود مضت والجنوب قابع تحت قبضة سلطة حزبية دينية، فرضت قيوداً فنّية صارمة، ووضعت معايير محدّدة لما هو شرعي وما هو غير شرعي. جيل بكامله لا يعرف شيئاً عن أغاني فيروز، أو صباح، أو وديع الصافي، على الرغم من أنهم من أهمّ من تغنّى بحبّ الوطن وجماله. 

هذه قيود ينبغي كسرها، وهذا يتطلب خطّة تديرها وتشرف على تنفيذها وزارة التربية والتعليم، إذ يجب أن تعود حصّة الموسيقى كحصّة أساسية في المنهاج المدرسي، كما يجب أن يتمّ تخصيص حصّة لتعليم قواعد الدبكة في المدراس… من ناحيتي أنا كمدرّسة موسيقى أحرص دائماً عندما أستقبل تلاميذي الأطفال صباحاً، أن أُسمعهم زكي ناصيف بشكل يومي، حتى باتوا يطلبونه بالاسم إذا ما غيّرت الأغنية.

وبما أن تأسيس الثقافة الموسيقية يبدأ من الصغر، فإن إعادة إحياء دور دار المعلّمين الخاصّ بالموسيقى، من الأولويات لإعادة إحياء الثقافة الموسيقية في المدارس، كما أن دعم المعهد العالي للموسيقى، وفتح فروع له في أكثر من منطقة جنوبية، يساعدان على انتشار هذه الثقافة. 

هذه الخطّة يجب أن تدخل ضمن مسؤولية وزارة الثقافة أيضاً، التي تستطيع بالتعاون مع وزارة الداخلية تخصيص ميزانيات إضافية للبلديات، التي ترغب في إقامة مهرجانات موسيقية؛ حتى لو اشترطت مراعاة المزاج العامّ للمنطقة، وتقديم تحفيزات لتأسيس معاهد موسيقية لتعليم الفنون على أنواعها… المهمّ أن نبدأ من مكان ما، أن يستعيد الجنوب تراثه الوجداني الفنّي الأصيل، المتمثّل بالموسيقى، بالعتابا، بالدبكة، وبكلّ ما يشكّل تواصلاً إنسانياً وانفتاحاً على الآخر.

فالتراث الموسيقي عامل أساسي في خلق هوّية وطنية جامعة، وما أحوجنا في لبنان إلى التركيز على العوامل المشتركة، التي تقوّي شعورنا بالانتماء والوحدة الوطنية. 

ولعلّ الدولة التي تقول إنها تريد أن تعود إلى الجنوب، أو تطالب بأن يعود الجنوب إلى حضنها، ليس أمامها أفضل من الفنّ لبناء جسور العودة… فالفنّ بأنواعه: موسيقى، مسرح، سينما، أدب وشعر، وغيرها، هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يترجم الصيغ القانونية الجافّة إلى تجارب حسية يختبرها الناس، ويساعد على تخفيف حدّة الخلافات والاختلافات وإبراز القواسم المشتركة بينهم. وإذا استطاعت وزارت مثل التربية والثقافة والداخلية إعادة إدخال الفنون إلى المدارس والحياة العامّة في الجنوب، معنى ذلك أن الدولة نجحت في ترميم معنى العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها في الجنوب.

أجدني أتألّم عندما تخبرني صديقة أمي السبعينية عن شوقها الى سماع أم كلثوم وفريد الأطرش، لكنّها تخشى ذلك بسبب الحُرمة الشرعية، استناداً إلى فتوى مرجعها الديني، وقد فشلت جميع محاولاتي لإقناعها بأن هذه الأنواع من الفنون ترقى بالنفس الإنسانية، ولا تحطّ منها، ولكن لا حياة لمن تنادي!

الطفرة الدينية التي طغت على الجنوب، أدّت الى المبالغة في وضع القيود على الفنون، وغياب الجرأة في التقييم بين ما ينفع النفس والروح وما يؤذيهما، أدّى إلى تحريمها، ولعلّنا نسينا أن الله جميل يحبّ الجمال… والموسيقى.

دورنا نحكي