بينما تواصل إسرائيل غاراتها على القرى الجنوبية والبقاعية، تأجّل الاجتماع السابع عشر للجنة “الميكانيزم” منذ إعادة تفعيلها بصيغتها الحالية، بعد اتّفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
هذا التعطيل الذي لم يحدّد سببه، هو الأبرز منذ توسيع ممثّلي اللجنة ليشمل وجوهاً مدنية، التي مثّلها من الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم.
حالياً يجري الحديث عن موعد جديد نهاية شهر شباط/ فبراير المقبل، لكن لا شيء مضمون مع استمرار الضغط الاسرائيلي الميداني، ومع تعثّر العلاقات بين الأطراف الغربية الكبرى الممثّلة داخل اللجنة، ليس أقلّها التباين الأميركي الإسرائيلي من جهة، والفرنسي من جهة ثانية.
بين مواقف لبنانية متباينة، وتبدّل في المشهدين الإقليمي والدولي، هناك من يرى أن طاولة الناقورة لم تعد تُرضي الجانب الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تحويل “الميكانيزم” من أداة تنفيذ أمنية إلى منصّة ضغط، لدفع لبنان نحو مسارات تفاوضية قد تتجاوز الإطار الأمني، فيما يعيش سكّان القرى الجنوبية في فوهة المدفع.
لكن هل تعطّل دور اللجنة فعلاً تماشياً مع الرسائل التي مرّرها المبعوث الأميركي توماس باراك، والرئيس الأميركي دونالد ترامب لبيروت برصد طريق دمشق؟
ترجّح مصادر دبلوماسية أن الأمور تسير باتّجاه رفع مستوى التفاوض، لا سيّما وأن أموراً حيوية باتت مطروحة تتعلّق بمنطقة اقتصادية حدودية، وإصرار لبنان على تلازم هذا النقاش مع عودة سكّان القرى الحدودية إلى بيوتهم، وهو ما تمّ إبلاغه بوضوح للجانبين الأميركي والإسرائيلي.
لكن مع اختلال موازين القوى ومع تبدّل السياسات الأميركية وتحالفاتها عالمياً، كيف سيتأثّر الوضع في لبنان؟ وأيّ مسار ستسلكه الأمور جنوباً؟
بين التأجيل والاستثمار الإسرائيلي
يرى الصحافي والمحلّل السياسي داوود رمّال أنه “لا يمكن الحديث عن تعطّل عمل لجنة الميكانيزم”، موضحاً أن “تأجيل انعقادها مرتبط حصراً بغياب رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد”.
ويشرح أن “غياب كليرفيلد مرتبط بسببين: الأوّل متعلّق بتطوّرات المنطقة والتصعيد المحتمل تجاه إيران، والثاني بإعلان الجيش اللبناني إنهاء مهمّته جنوب الليطاني، باستثناء النقاط الخمسة التي لا تزال إسرائيل تحتلّها”، ويشير إلى أنه “وبحسب المعلومات المتوافرة ستُعقد الجلسة الأولى للجنة خلال الشهر المقبل، بعد عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من زيارته المرتقبة إلى واشنطن بين 2 و3 شباط/ فبراير، والاجتماع الحكومي الذي سيعرض خلاله هيكل خطّته المتعلّقة بشمال الليطاني”.
يلفت رمّال إلى أن المشكلة لا تكمن في الغياب المؤقّت للجنة، بقدر ما ترتبط بتباين المواقف بين “حزب الله” والدولة اللبنانية، ويقول: “إن حزب الله يعتبر أن صلاحيات اللجنة انتهت مع إنجاز مسألة حصر السلاح جنوب الليطاني، وأنها لا تملك أي صلاحية شمال النهر”، ويضيف أن “السلطة الرسمية اللبنانية في المقابل ترى أن الميكانيزم تبقى الضامن الأساسي بعد انتهاء مهام قوّات الطوارئ الدولية، لا سيّما وأن اليونيفيل لا تمتلك صلاحيات شمال الليطاني، ما يعني أن اللجنة ستتولّى عملياً الدور الذي لعبته قوّات حفظ السلام جنوب النهر منذ اتّفاق وقف الأعمال العدائية”.
ويحذّر رمّال من أن هذا التباين “قد تستثمره إسرائيل”، معتبراً أن “مصلحتها تكمن في إظهار تعطيل الميكانيزم على أنه ناتج عن موقف لبناني، لا إسرائيلي، في وقت تسعى فيه إلى فرض وقائع عسكرية ميدانية شمال الليطاني، والدفع باتّجاه مطالب إضافية، من بينها ما سبق أن طرحه الموفد الأميركي توماس باراك، والقائم على اعتماد النموذج السوري، أي تجاوز لجنة الميكانيزم واجتماعاتها في الناقورة، والانتقال إلى اجتماعات مباشرة بين لبنان وإسرائيل خارج لبنان برعاية أميركية فقط”.
من آليّة ضبط إلى ساحة رمادية
يقول الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني في مقابلة مع “درج”: “إن إسرائيل لم تعد تقبل بالميكانيزم، وتطلب تواصلاً سياسياً على مستوى وزاري خارج سقف عملها المحصور بتطبيق القرار 1701، مع بعض الإضافات التي نصّ عليها الاتّفاق الموقّع في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024”.
ويشير إلى أن إسرائيل ترى في نتائج الحرب الأخيرة وتضييق الخناق على “حزب الله”، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة بمثابة “فرصة ثمينة لتحقيق مكتسبات سياسية أوسع من اتّفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، الذي لم يعد يعكس معادلة القوّة الجديدة”.
إقرأوا أيضاً:
في المقابل “يبقى عمل الميكانيزم في إطارها الحالي ضمن القضايا الأمنية، خاصّة في الجنوب اللبناني، ولا علاقة له بالسياسة ولا بالعلاقات السياسية بين لبنان وإسرائيل”، وفقاً لجوني.
بدأ عمل “الميكانيزم” بلجنة ثلاثية مؤلّفة من لبنان وإسرائيل وقوّات حفظ الطوارئ التابعة للأمم المتّحدة (اليونيفيل)، وهي لجنة منبثقة عن قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي أنهى حرب تمّوز/ يوليو 2006، وعملت اللجنة في إطار القرار الأممي إلى أن تعطّل عملها في الثامن من تشرين الأوّل/ أكتوبر من العام 2023، بتوسّع رقعة الحرب من غزّة إلى الجنوب اللبناني.
ووسّعت اتفاقية وقف الأعمال العدائية نطاق عمل “الميكانيزم” في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ليُعاد تشكيلها كلجنة خماسية، عبر ضمّ الجانب الفرنسي إليها، على أن تُدار برئاسة الجانب الأميركي، وفقاً لجوني أيضاً.
وتضمّنت مهام اللجنة الخماسية، إلى جانب المساعدة على تطبيق القرار 1701، تنفيذ اتّفاقية وقف الأعمال العدائية، والتأكّد من انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، ومراقبة مسألة نزع السلاح بدءاً من جنوب الليطاني، إضافة إلى التأكّد من إزالة البنية التحتية لـ”حزب الله” وتفكيكها في مناطق جنوب النهر من قِبل الجيش اللبناني، وتلقّي شكاوى من الطرفين بشأن أيّ خروقات للاتّفاق والقرار الدولي، والعمل على معالجتها بالتنسيق مع جميع الأطراف.
لكن، وبنتيجة الضغط العسكري الإسرائيلي والدعم السياسي الأميركي، دخلت “الميكانيزم” مرحلة جديدة بتعيين السفير اللبناني السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني، مقابل تمثيل إسرائيل بنائب رئيس مجلس الأمن القومي يوسي دريزنين، في هذا الصدد يقول جوني: “إن هذا التطوّر أعطى بُعداً مختلفاً للميكانيزم، لكنّ القضيّة التفاوضية، أو عنوانها التفاوضي، بقي مبهماً”.
ويرى جوني أن إسرائيل لم تسمح للجنة “الميكانيزم” بالقيام بمهامها فعلياً، وكان الجيش اللبناني قد لفت في بيان إلى أن “استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واحتلال عدد من المواقع داخلها، وما يترافق مع ذلك من إقامة مناطق عازلة تقيّد الوصول إلى بعض المناطق… ما ينعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة، وبالتالي على بسط سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد قوّاتها المسلّحة دون استثناء”.
ويصف جوني الوضع القائم بالقول: “إسرائيل تقفز فوق اللجنة لدفع لبنان نحو تفاوض يبدأ بالحدّ الأدنى كاتّفاق أمني، أو باتّفاق سياسي يكرّس الهدنة بمفهومها الموقّع في عام 1949، وقد يصل في سقفه الأقصى إلى معاهدة سلام”، ويضيف: “الجانب الإسرائيلي لا يريد مناطق يعتبرها معادية له، بل يسعى إلى دولة ملتزمة بإقامة حالة سلام وتبادل اقتصادي”.
في هذا السياق، يلفت الصحافي داوود رمّال إلى أن “إسرائيل لا تريد إقامة منطقة اقتصادية تنافسها، بل تسعى إلى تعاون اقتصادي في ملفّ الطاقة”، تسعى إسرائيل بحسب تقديره، في حال اكتشاف الغاز في المياه اللبنانية “إلى ربط الغاز اللبناني بالأنبوب الإسرائيلي– الأوروبي، بدل الأنبوب التركي– السوري، بما يضمن إدماجه ضمن شبكة إمداد أوروبا بالطاقة التي تسيطر عليها تل أبيب”.
إشكالية التفاوض: عناوين مبهمة و مصطلحات فضفاضة
منذ توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بقيت بنوده وحدود تطبيقه موضع التباس، وقد أسهم هذا الغموض، إلى جانب التصريحات المتناقضة لأطراف النزاع، أيّ الدولة اللبنانية وإسرائيل و”حزب الله” بوصفه جهة مسلّحة غير حكومية، في إنتاج ثلاث إشكاليات أساسية في مسار التفاوض، وفقاً لما قاله جوني لـ “درج”.
تتمحوّر الإشكالية الأولى حول نطاق تطبيق القرار 1701 وحدوده الجغرافية، أي اقتصاره على جنوب الليطاني أو شموله كافة الأراضي اللبنانية، وهو موضع جدل داخلي لبناني من جهة، وبين لبنان وإسرائيل من جهة أخرى، وهنا يوضح جوني أن “القرار 1701 والاتّفاق الأخير تجنّبا الحسم الواضح، واستعانا بصياغات لغوية فضفاضة”، لافتاً إلى أن “الاتّفاق ينصّ على أن تتولّى الدولة اللبنانية والجيش حصر السلاح وتفكيك البنية التحتية لـ”حزب الله” بدءاً من جنوب الليطاني، من دون تحديد توقيت واضح أو نطاق جغرافي نهائي، ما فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة”.
أما الإشكالية الثانية، فتتعلّق بعنوان التفاوض نفسه الذي أبقاه الجانب اللبناني ملتبساً، لا سيّما في مواقف متباينة للرئاسات الثلاث، وهنا يلفت جوني إلى أن رئيس الحكومة نوّاف سلام “استخدم عبارة: “التفاوض أصبح فوق عسكري”، من دون أن يحدّد ما إذا كان ذلك يعني مساراً سياسياً أو اقتصادياً”، وأن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برّر توسيع لجنة “الميكانيزم” عبر إشراك السفير سيمون كرم كهدف لـ “تجنيب لبنان الحرب”، ما يوحي بـ”إمكانية الذهاب أبعد من الإطار العسكري”، وأن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي شدّد على “إبقاء التفاوض محصوراً بالشقّين الأمني والعسكري”.
في المقابل، بعد اجتماع اللجنة في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاجتماع “بحث سبل تعزيز مشاريع اقتصادية”.
وبحسب جوني تتّصل الإشكالية الثالثة بـ”مسألة نزع السلاح الذي على الرغم من أنه يحظى بتأييد شريحة واسعة من اللبنانيين، باعتباره من صلب السيادة الوطنية وبسط سلطة الدولة، إلا أن حزب الله ينظر إليه من زاوية مختلفة”، معتبراً أن “نزع السلاح يُضعف الدولة في مواجهة إسرائيل”.
في ظلّ ما يجري اليوم، يُطرح السؤال: هل تعود اللجنة إلى طاولة الناقورة بوظيفتها الأصلية، وهل تنجح في معالجة هشاشة اتّفاقية وقف الأعمال العدائية، أم تُستبدل الطاولة والمسار معاً في لحظة إقليمية ودولية يُعاد فيها رسم القواعد بالقوّة بدلاً من القانون؟
إقرأوا أيضاً:












