عندما تُقرع طبول الحرب، لا تنهار المدن وحدها، بل تنهار أيضاً اللغة التي حاولنا بها أن نفهم العالم. تصبح النجاة الخيار الوحيد؛ فيهمّ بعض الناس بالرحيل، بينما يقرّر آخرون أن يبقوا في أماكنهم. الحروب تعنينا جميعاً، ونكاد نملك الفكرة نفسها عمّا تعنيه. لكننا نختار سرديّات تقينا جحيم الآخرين، وتخفّف عنا عبء الاعتراف بفشلنا في التعاطف الحقيقي معهم. ليس الآخر هو الجحيم، بل خوفنا من أن نتساوى معه في المصير.
أحترم الآذان التي تميّز الضوضاء، وأحترم أكثر الإنسان الذي يعرف كيف ينجو من الموت: الموت النفسيّ والذاتيّ، والموت الجماعيّ الذي يدركه الجسد أسوأ إدراك.
أحترم أولئك الذين يتحرّك الخوف في داخلهم كما يتحرّك الفطر في باطن الأرض إبّان العواصف الرعديّة. ثمة نوع من الفطر كبير الحجم وكريه الرائحة يجذب الكثير من الذباب لنشر أبواغه في الأرض، وينتشر في الحدائق والمناطق الرطبة. شممت رائحته مرة في أرض خضراء في قريتي الحدودية. كانت الأرض في غاية الجمال، لكن تلك الرائحة، وذلك الفطر الذي يُقال إنه طبيعي ويعيش ويتغذّى على التربة نفسها، يشبه إلى حدّ كبير مبدأ الخوف الذي يسكن قلب كل إنسان.
للخوف أيامٌ معدودة؛ حين يغيب لا يرحل طويلاً، بل يبحث في الذات عن مأوى دفين إلى حين عودة العاصفة التي يمكنها أن تبعث به مجدداً.
لا أحد يعرف ماذا يفعل بالخوف عندما يواجهه بشكل مباشر. يظنّ البعض أن الخوف عدوّ: منهم من يندفعون نحوه، ومنهم من يتجنّبونه. وهناك آخرون ينظرون إليه على أنه مجرد غيمة ستمضي في نهاية المطاف.
الحياة مجاورة للخوف، هذا ما نتعلّمه رويداً رويداً، إذ لا معرفة تُبنى من دون اختبار فعليّ. من لا يخاف لا يملك في قلبه ذرّة رحمة أو إحساس. عندما أخاف أفكّر أن أخرج للسير قليلاً، أو أن أضبط الطريقة التي أتنفّس بها. تعلّمت أن أقسّم نَفَسي إلى ثلاث مراحل، ووجدت أن هذه الطريقة فعّالة للغاية.
أسحب الهواء وأبقيه في صدري، ثم أعدّ إلى ستة وأتوقّف. ثم أعدّ إلى أربعة قبل أن أفرّغ رئتيّ من الهواء وأنا أعدّ إلى الثمانية. أفعل التمرين نفسه مرات عدة إلى أن ينخفض مستوى الخوف في جسدي وأهدأ مثل موجة اقتربت من شاطئ البحر.
أعرف أشخاصاً يخرجون إلى التنزّه مع كلابهم الأليفة. يختارون نقطة يكون فيها الطقس ملائماً للتأمّل ومناسبة للسير، مع أقلّ قدر ممكن من الباطون.
هناك من يفضّل القراءة كلّما شعر بالخطر، ومن يجبرهم خوفهم على قراءة عشرات الصفحات في وقت قياسيّ. أبي مثلاً، عندما يخاف لا يمكنه أن يجلس؛ إذ يظلّ يسير بدون توقّف، وكأنه يمرّن عضلاته على الركض في حال ورود إنذار بإخلاء المنطقة أو المبنى.
لكلٍّ منّا قصته الشخصية، تلك التي بُنيت على أذى نفسي أو على فكرة شخصية عن الخطر وعن موضعه في الجسد. لكلٍّ منا فكرة تؤرّقه يمكنها أن تحدّد مصيره: فكرة خيالية، أو واقعية في الخارج؛ فكرة يهرب منها أو يهرع إليها كما يفعل لاعب كرة قدم محترف مع الكرة التي يركض بها نحو المرمى.
أخاف من أشياء كثيرة؛ أفكار لا تُعدّ ولا تُحصى يمكنها أن تُدبّ الذعر في نفسي، وأن تجعلني أنام لساعات طوال استسلاماً لشدّة أثرها عليّ. لكن عندما يتحوّل الخوف إلى ورم، حينها نصبح مرضى أفول الحقيقة.
إقرأوا أيضاً:
أثر الحرب في الجسد حقيقيّ. عندما بدأت الحرب، لاحظت أمراً قد يبدو عادياً في ظاهره: ظهرت أعراض حساسية الحنجرة لدى بعض الأشخاص المقرّبين مني. المعروف عن الحساسية أنها ليست معدية، وربما تكون مرتبطة بتغيّر الطقس. لكن ما لا نعرفه عن الحناجر هو أنها تُستعمل في حالات الخطر لطلب النجدة.
وإذا حاولنا أن نفكّك هذا الأمر قليلاً، سنجد أن احتقان الحناجر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصرخات التي لم تجد سبيلاً للخروج، أو للتحوّل إلى حقيقة عبر اللغة؛ فتبقى هناك إلى أن تصير مجرد عارضٍ مرضيّ.
الخوف لم يعد مجرد شعور، فإذا به يتحول إلى نظام حياة كامل. نظام نتّبعه لنتنفس ولنقرأ ولنسير. في الحرب يتحول الخوف إلى معرفة جسدية تسبق أي معرفة أخرى؛ يعرف الجسد اتجاه الخطر وصوت الطائرات وتوقيت القصف واهتزازات الأرض الناتجة من الغارات.
تأتي المعرفة العقلية لاحقاً لكي تشكّل السردية تفسيراً معنوياً ملائماً، ومن خلالها نحاول أن نجد لأنفسنا حيّزاً في هذا العالم كما تفعل اللغة حين تنظّم ما نعيشه.
لكن هذه السردية لا تولد في الفراغ. إنها تولد من مشاهد النزوح نفسها، من الطرقات الممتلئة بالأجساد والسيارات والحقائب، ومن الذاكرة التي تتشكل تحت ضغط الخوف.
لا شيء بإمكانه أن يصف مشهد النزوح كاملاً. الشتاء لم يتوقف منذ يومين، والنازحون لا يسكنون اللغة كما يسكنون الطرقات، أو ربما يسكنونها أفضل منا نحن الذين يهمّنا من البيوت مجازها فقط.
أحياناً يمكن للشتيمة أن تصف العالم بدقة أكبر. هدف الشتيمة ليس الوصف، بل الفعل. الشتيمة هي الكلمة التي تقف في وجه عجز اللغة؛ فهي، بحسب الفيلسوف J. L. Austin، فعلٌ يُنجَز بالكلام: “لا يصف الواقع، بل يفعل شيئاً في الواقع”.
لا شيء يستطيع أن يصف هذه المعاناة سوى فكرة العجز نفسها؛ عجزنا حتى عن الوصف الدقيق، وعجزنا عن الفعل الأدقّ في مواجهة هذا العدوان.
هذه اللغة محترقة ومتشظّية، مثل مشاهد المباني التي تركع كإمام صلاة الجماعة. لغةٌ نازحة ودّعت قراها وبيوتها، وعاجزة حتى عن وصف عجزها. لغةٌ تشبه الإنسان الذي لا يريد أن ينسى ولا يريد أن يخاف، على الرغم من أن قدر النسيان والخوف مفروض عليه.
هذه اللغة التي تحاول أن تصف شكل الصاروخ، وأن تميّز القذيفة من الحدث العسكري والأمني والسياسي، هي أيضاً لغة متشظية. هذا الموت كلّه لغة، وهذه اللغة كلّها موت. إنها مأساة تبحث عن بيتها في العالم، ولا تجد غير الطرقات لتفترشها. هذا النزوح هو اللغة الوحيدة القاسية التي تجسّدت ونطقت في زحمة السير، وزحمة الإنذارات، وزحمة الغارات.
وفي النهاية، لا يوجد خوف واحد، بل طرق متعددة للعيش معه. ومع مرور الوقت، يأخذ الخوف شكل البيت، أو هيئة العائلة، أو نسيج الذاكرة الجماعية.
إقرأوا أيضاً:












