لا تحب سلوى النجار أن يصفها أحد بأنها ناجية. تقول بهدوء: “هم اللي نجوا… وأنا اللي متت”. في الليلة التي قُتلت فيها عائلتها، لم تكن سلوى في منزلها في منطقة حمد في قطاع غزة. كانت قد نامت في بيت عمها، بعدما أمضت ساعات تتابع الأخبار وتسمع عن اقتراب الدبابات الإسرائيلية من المنطقة.
اتصلت بوالدتها. أرادت الاطمئنان عليها وإقناع العائلة بمغادرة المنزل قبل أن تشتدّ الهجمات. تتذكر آخر ما قالته لها والدتها: “توكلي على الله يما، لا يحدث في ملك الله إلا ما أراد الله”.
بعد نحو ثلاث ساعات، استهدف قصف إسرائيلي منزل العائلة. قُتل والدا سلوى وشقيقاها وزوجة أحدهما وطفلاه.
عندما اتصل بها عمها ليخبرها بأن البيت قُصف، فتحت هاتفها ووجدت خبر الاستهداف منشورًا. لم تبكِ ولم تصرخ، لم تستطع استيعاب ما حدث.
في المستشفى، واجهت الحقيقة دفعة واحدة. كان والداها بين القتلى الذين وصلوا بعد القصف الإسرائيلي، فيما واجهت العائلة صعوبة في التعرف إلى بعض الضحايا الآخرين. لكن أصعب ما عاشته سلوى، كما تقول، لم يكن لحظة تلقّي الخبر أو الوداع، بل الأيام التي جاءت بعد ذلك: استقبال المعزين، سماع عبارات المواساة، ومحاولة الوقوف أمام الآخرين، فيما كانت تشعر بأن كل ما يربطها بحياتها السابقة اختفى، “من أول لحظة عرفت فيها إنهم استشهدوا، فقدت نفسي وكل معنى مرتبط بالحياة والنجاة”.
وفق المعنى المباشر للكلمة، نجت سلوى لأنها لم تكن في المنزل لحظة قصفه. لكنها منذ ذلك اليوم لم تعد قادرة على الفصل بين بقائها حيّة والعالم الذي اختفى من حولها.
حين يبقى الغياب حاضرًا
في التغطيات الإخبارية، تُروى قصص الناجين عادة باعتبارها لحظات عبور: يخرج شخص حيًا من تحت الأنقاض، ينجو من موقع قبل قصفه، أو تنتهي جولة من الحرب فيما لا يزال يتنفس. لكن في غزة، لا تنتهي المأساة بالضرورة عند النجاة من الموت المباشر. فقد تركت الحرب الإسرائيلية عشرات آلاف القتلى والجرحى، ودفعت معظم سكان القطاع إلى النزوح، فيما دُمرت أو تضررت مساحات واسعة من الأحياء والمنازل، بحسب تقارير الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية.
وخلف أرقام القتلى والجرحى والنازحين، هناك حياة أخرى تبدأ بعد القصف: حياة الذين فقدوا عائلاتهم أو منازلهم أو قدرتهم على تصوّر المستقبل.
بالنسبة إلى سلوى، لا يعود الغياب في ذكرى الهجوم فقط، بل في التفاصيل اليومية التي كانت تبدو عادية قبل الحرب: فنجان القهوة الصباحي مع والدها، دعوات والدتها، ومزاح شقيقيها. تقول إن إحدى أقسى اللحظات التي عاشتها جاءت عند الإعلان عن وقف إطلاق النار.
في ذلك اليوم، بدأ بعض الناس يفكرون في العودة، أو في استعادة شيء من حياتهم السابقة. أما سلوى، فوجدت نفسها أمام حقيقة أن عائلتها لن تعود، “وقتها انهرت مرة ثانية… كأنهم استشهدوا من جديد”.
لم يكن توقف القصف بالنسبة إليها إعلانًا لنهاية الخسارة، بل مواجهة جديدة معها. فحين هدأت أصوات الحرب، أصبح الغياب أكثر وضوحًا. فقدت سلوى اهتمامها بالأخبار وتراجع فضولها تجاه المستقبل. لم تعد قادرة على تخيل السنوات المقبلة أو رسم صورة واضحة لما يمكن أن تكون عليه حياتها. وعندما تُسأل عما تعنيه النجاة، تتوقف قليلًا قبل أن تقول: “النجاة مش إني أضل عايشة وبس. النجاة حياة… وأنا لسه بحاول أفهم كيف ممكن أعيش”.
البيت الذي هُدم مرتين
بعد أكثر من خمسة عشر نزوحًا، لم تعد عبير أبو القرايا متأكدة من العدد الحقيقي للمرات التي أُجبرت فيها على مغادرة المكان الذي كانت تقيم فيه.
كانت كل رحلة نزوح تبدأ بالطريقة نفسها تقريبًا: جمع ما يمكن حمله، البحث عن مكان جديد، ثم محاولة التأقلم مع واقع مؤقت، قبل أن ينتهي بأمر إخلاء إسرائيلي جديد أو بتصعيد عسكري أو باقتراب القصف. تقول: “كل مرة كنت أنهار جسديًا وأتحول من شخصية قوية إلى إنسانة طريحة الفراش”.
تسكن عبير اليوم مع عائلتها في منزل مستأجر، بعد تنقل طويل بين الخيام ومراكز الإيواء والمساكن المؤقتة. لكنها لا تصف هذا الوصول بأنه استقرار. فالإيجار والديون يضغطان على الأسرة، والمستقبل ما زال معلقًا بين ما فقدته وما لا تعرف إن كانت ستستطيع استعادته.
قبل الحرب، كانت عبير تملك غرفة تستطيع أن تنفرد فيها بنفسها، ومكتبًا صغيرًا تمضي فيه ساعات بين الكتب والدراسة وكتابة مذكراتها. كانت تمارس عباداتها في مساحة تحمي خصوصيتها، وتمنحها شيئًا من الهدوء. بعد النزوح، فقدت تلك المساحة، فوسط الاكتظاظ والضوضاء والقلق المستمر، أصبحت العزلة والخصوصية من الأشياء التي يصعب الوصول إليها، “أفتقد الهدوء والتركيز. أفتقد أبسط الأشياء التي كانت تعبر عني”.
كانت عائلة عبير تسكن في حي الشجاعية، الذي تعرض منذ بداية الحرب لهجمات إسرائيلية واسعة وعمليات برية وقصف مكثف. اضطرت الأسرة إلى النزوح مبكرًا، لكنها كانت تحاول العودة من وقت إلى آخر لجلب بعض الأغراض. في إحدى تلك المرات، كانت عبير في طريقها إلى المنزل، عندما وصلتها رسالة من شقيقتها: “ارجعي… ما تيجي. البيت واقع”. كان قصف إسرائيلي قد دمر المنزل.
لم يكن ذلك البيت قديمًا أو عابرًا في حياة الأسرة. إذ سبق أن تعرض للقصف خلال حرب عام 2014، وأعادت العائلة بناءه على نفقتها، بعد سنوات من الديون والعمل والانتظار. وقبل أن تنتهي الأسرة من سداد جميع الديون، دمرته الحرب الإسرائيلية مرة أخرى.
تقول عبير: “كنا ندعو دائمًا: اللهم احفظ لنا بيتنا ولا تجرّبنا مرارة فقده مرة ثانية”.
بعد تدمير المنزل، لم تتمكن من الوصول إلى الحي أو استعادة مقتنياتها. كل ما كانت تعرفه أن غرفتها، وكتبها، ومذكراتها، ومشغولاتها اليدوية، وأشياء احتفظت بها منذ طفولتها، دُفنت تحت الركام، “حاضري وماضيّ دفنا هناك”.
لكن خسارة عبير لم تتوقف عند المبنى ومحتوياته. فالبيت لم يكن جدرانًا وسقفًا فقط، بل جزءًا من شبكة اجتماعية كاملة: جيران يعرف بعضهم بعضًا، زيارات متبادلة، مناسبات عائلية، وأشخاص تشكلت الحياة اليومية بقربهم.
إقرأوا أيضاً:
بعد تدمير الأحياء ونزوح سكانها، تفرقت العائلات في مناطق مختلفة. انشغل الجميع بالبحث عن المأوى والطعام والمياه، وأصبح التواصل الذي كان جزءًا طبيعيًا من الحياة رفاهية لا تتوافر دائمًا. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية لم تدمر المساكن وحدها، بل فككت أيضًا النسيج الاجتماعي المرتبط بالأحياء. وحين يختفي المكان، تتعطل العلاقات والعادات وشبكات الدعم التي كانت تمنحه معناه.
مع ذلك، تحاول عبير بناء علاقة مع المكان المؤقت الذي تعيش فيه. وعندما تُسأل إن كانت تنتمي إليه، تقول: “أي مكان داخل غزة أنتمي له أكثر من أي مكان خارجها”. ثم تضيف: “يمكن هاي محاولات للشعور بالنجاة”.
عندما يصبح إغلاق الباب حلمًا
في كل صباح تقريبًا، يفتح إبراهيم عبيد عينيه وينظر إلى سقف الخيمة. تبدأ أسئلته اليومية من الاحتياجات الأكثر بساطة: هل توجد مياه؟ هل بقي طعام؟ كيف سيؤمّن احتياجات أطفاله؟ وهل سيمر اليوم من دون قصف أو نزوح جديد؟
قبل الحرب، لم تكن هذه الأسئلة مركز حياته. كان لديه منزل وعمل وجيران وروتين يومي، وكان يستطيع التفكير في الغد بوصفه امتدادًا لليوم.
يقول: “قبل الحرب كنت أحس إن بكرا امتداد لليوم. اليوم أنا بفكر بس كيف أوفر المي والأكل وكيف أحمي أولادي من الحر والبرد والخوف”.
عندما نزح مع عائلته للمرة الأولى، اعتقد أن الأمر لن يستمر طويلًا. ربما أيام أو أسابيع، ثم يعود الجميع إلى بيوتهم. لكن الهجمات الإسرائيلية استمرت، وتكررت أوامر الإخلاء والنزوح، وتبدلت الأماكن التي لجأت إليها الأسرة. عندها، بدأ إبراهيم يدرك أن العائلة لم تفقد منزلًا فقط، “في لحظة معينة فهمت إننا ما فقدنا بيوت… فقدنا حياة كاملة”.
مع طول أمد الحرب، تحولت حالة الطوارئ إلى واقع يومي. يعيش إبراهيم مع أسرته داخل خيمة، فيما تتركز أيامه حول تأمين المياه والطعام ووسائل الطهي والحماية من تقلبات الطقس. يتحدث عن الحر في الصيف والبرد في الشتاء، وعن الحشرات والفئران، وغياب الحمامات النظيفة، وانعدام الخصوصية، والقلق المستمر على الأطفال، “أول ما بصحى بفكر: هل في مي؟ هل في أكل؟ هل أطفالي بخير؟”.
الأشياء التي كان وجودها بديهيًا تحولت إلى أمنيات: سرير، حمام نظيف، مساحة خاصة، أو باب يمكن إغلاقه. يقول: “حتى إنك تسكر باب بيتك عليك وعلى عيلتك كان شيء عادي. اليوم اكتشفت إنه نعمة كبيرة”.
أحيانًا، يستيقظ إبراهيم من النوم، وينسى لثوانٍ قليلة أنه داخل الخيمة. يتخيل أنه ما زال في منزله، وأنه سيغادر إلى عمله، ثم يعود في المساء. لكن تلك اللحظة لا تدوم. إذ يعود إليه المشهد سريعًا: الخيمة، والنزوح، وحياة لا يعرف متى تنتهي، “أحيانًا بصحى وأسأل حالي: وين أنا؟ كيف صار هيك؟”.
لا يتعلق الأمر بالمكان وحده، بل بعلاقة إبراهيم بالزمن. قبل الحرب، كان يستطيع التفكير في السنوات المقبلة، وفي العمل وتعليم أطفاله وخطط الأسرة. أما اليوم، فتقلص الزمن إلى ساعات وأيام. أصبح تجاوز اليوم وتأمين الاحتياجات الأساسية أهم من أي خطة بعيدة.
لم تختفِ أحلامه تمامًا، لكنه لم يعد قادرًا على التعامل معها بوصفها مشاريع قابلة للتحقق. يحتفظ بصورة بسيطة للمستقبل: بيت يجمع العائلة، ومدرسة يعود إليها أطفاله، وحياة يستطيع فيها أن يصدق أن الغد قد يكون أفضل من اليوم، “نفسي أعيش على أمل صغير وأحافظ عليه وسط خسارات كبيرة”. ثم يلخص حاله بالقول: “حياتي معلقة بين ما كان وبين ما سيكون”.
ما بعد البقاء
تختلف قصص سلوى وعبير وإبراهيم، لكنها تكشف ثلاثة وجوه لحياة ما بعد النجاة.
خرجت سلوى حيّة من القصف الإسرائيلي الذي قتل عائلتها لأنها لم تكن في المنزل، لكنها فقدت الأشخاص الذين كانوا يشكلون عالمها. ونجت عبير من الحرب، لكن قصفًا إسرائيليًا دمر بيتها للمرة الثانية، ودفن الغرفة والكتب والمذكرات والأشياء التي كانت تربطها بماضيها. أما إبراهيم، فبقي مع أطفاله على قيد الحياة، لكنه يعيش في خيمة اختُصرت فيها الحياة إلى تأمين الماء والطعام والحماية من الحر والبرد والخوف.
في الحروب، تبدو النجاة كلمة واضحة المعنى. ينجو الإنسان عندما يخرج حيًا من تحت الأنقاض، أو يبتعد عن موقع قبل استهدافه، أو ينتهي القصف فيما لا يزال يتنفس. لكن الحرب الإسرائيلية على غزة دفعت كثيرين إلى النظر إلى النجاة من زاوية أخرى. فالمأساة لا تنتهي دائمًا عند لحظة الإفلات من الموت. قد يبقى الإنسان حيًا، لكنه يجد نفسه أمام خسارات أخرى: عائلة اختفت في قصف واحد، وبيت تحول إلى ركام، وحي تفرقت وجوهه، وحياة لم تعد تسير وفق إيقاع يمكن فهمه أو توقعه.
لهذا لم يعد السؤال مقتصرًا على من قُتل ومن نجا، بل على ما الذي يبقى من الحياة بعد ذلك. ماذا تعني النجاة لشخص قتل القصف الإسرائيلي عائلته كلها؟ كيف يستعيد إنسان شعوره بالأمان بعدما دُمر منزله؟ وكيف تبدو الحياة عندما يتحول النزوح من إجراء مؤقت إلى واقع مفتوح على المجهول؟
بالنسبة إلى كثر من الغزيين، لا تبدو النجاة لحظة عابرة تنتهي بالخروج حيًا من القصف. إنها تجربة مستمرة، تُختبر يومًا بعد يوم، في محاولة التعايش مع ما فُقد، وفي البحث عن معنى للحياة داخل واقع غيّرته الحرب الإسرائيلية بالكامل.
قد ينجو الإنسان من القصف وقد يخرج من تحت الركام وقد يفلت من الموت المباشر لكن الطريق الأطول يبدأ بعد ذلك، في المسافة بين ما فُقد وما بقي، وفي المحاولة الشاقة لإعادة بناء معنى للحياة فوق ما تركه القصف الإسرائيلي من قتل وغياب ودمار.
إقرأوا أيضاً:











