لن يتسنّى لأماني بزي أن تقرأ المراثي الكثيرة التي كُتبت عن قتل مسيّرة إسرائيلية زوجها وأطفالها الثلاثة.
أماني، منذ لحظة قتل عائلتها، ستخضع لمرثية أخرى خاصة، رسمت مشهديتها حديثها وهي على سرير المستشفى تُعالج من جروحها لإحدى وسائل الإعلام.
ولئن كانت لكل موت مراثيه، فالموت الذي وقع على عائلة أماني يستدعي إلى ذاكرتها دائمًا مرثية استثنائية. كلّنا لنا أموات، ومراثٍ، ولنا فضيلة النسيان، أو نكاد. لكن موتًا جماعيًّا، واستثنائيًّا، كالذي وقع على عائلة أماني سيبقى “نديماً” ثقيلًا، ومرثية تتقاطع فيها الذكريات والوجوه الغائبة، وفوقهما دم المجزرة.
مشهد أمٍّ جريحة تحتضن طفلين، وتحتضن معهما موتًا لم يكن خيارها، ولا خيارهما، لا في الزمان ولا في المكان. والأكيد ليس في طريقة الحتف. أمّ تتلمّس برفق وجه زوجها المغدور، ولا تتفوّه إلا بما نُسب الى اللغة من أحرف الوجع. أمّ كان ليكون لأسرتها نصيب من اسمها، ولها منه أيضًا. كانت أماني، ككل الزوجات والأمهات، تزدري الفقد المبكر، وترسم حياة زوجها وأطفالها مديدةً فوق كفّيها، قبل أن تُسجّيهم مسيّرة الموت الإسرائيلية على ساعديها وجنب السرير.
جُلّ الراثين للضحايا، وربما كلهم، سينسون المقتلة التي وقعت على عائلة أماني بزي، أو يتخفّفون منها، هم مجرّد راثين لن يلبثوا أن يلتفتوا إلى حياتهم، ويكملوا مسار أعمارهم بقدر ما يُكتب لهم من أعمار. ولكن، ولأننا في زمن “المسيّرات”، سيبقون أيضًا طلّاب نجاة كي لا تحيلهم مسيّرة إسرائيلية إلى مرثية أخرى.
جنوبية هي عائلة شادي شرارة المقتولة، وفقط جنوبية بسمتَي الأرض والهوى، وموتها العاصف إسرائيليًّا كان كافيًا ليخلع عنها جنسية أميركية لم تمنحها مزيدًا من العمر، ولم تكن لتُسعف سياسيًا لبنانيًا كنبيه بري بشحذها لهم وهو يخاطب مورغان أورتاغوس، في سياق إدانته الجريمة.
وبقدر ما بدا التماس الوجداني للمبعوثة الأميركية مع المقتلة مفقودًا، كانت “إسرائيل” تراكم فوق جريمتها خبثًا يلامس وعي المثقلين بجرائمها. فجريمة إسرائيل بحق عائلة شرارة تندرج في مسار جرمي معلن، في لبنان، وأكثر في غزة. وبافتراض أن الطفولة تُضفي على الجريمة عمومًا ما يُكثّف الإدانة ويستوجب الاعتذار، فنحن – والحال هذه – أمام “إسرائيل” قتلت الآلاف من أطفال غزة، وشرّدت مثلهم، ولم تعتذر، فلماذا اعتذرت عن جريمتها في “بنت جبيل”؟ غالب الظن أن الاعتذار ينطوي، مع الخبث الأول، على خبث آخر لن تُبدّده “أمركة” الضحايا. إنه خبث مزمن عن “أخلاق” جيش لا تني إسرائيل تتشاوف بها، وتسوّق لها، على رغم الانكشاف المتهافت والمتواتر لها في حروبها الكثيرة.
مشهد أمٍّ جريحة تحتضن طفلين، وتحتضن معهما موتًا لم يكن خيارها، ولا خيارهما، لا في الزمان ولا في المكان. والأكيد ليس في طريقة الحتف.
أماني بزي لن يتسنّى لها أن تعرف أن “إسرائيل” اعتذرت عن الجريمة، لكن لن تراود أحدًا فكرة أن يُبثّ لها ذلك الاعتذار في مسامعها، فحواسّ بنت “بنت جبيل” ستظل مسمّرة على مشهد بدأ في لحظة الجريمة، وتكثّف في احتضانها طفليها المقتولين، ومواراتها زوجها بالنظر، قبل أن يواريهم ثرى قريتهم.
وأماني أيضًا لن تهتمّ لتسييل مقتلتها في السياسة اللبنانية، وهو ما يمنح مرثيتها ديمومة تشترطها مأساة كثيفة ستكون على عاتقها وحدها، فيما مراثينا تتبدّد أو تبدّدت سريعًا وهي تستدعي السياسة إلى المجزرة. فالتوحّد على إدانة الجريمة لا ينسحب على هوامشها، إذ تتّسع الأخيرة – كالعادة – لتهويمات اللبنانيين، سياسيين وعوام، في تقاذف مسبّباتها، وتتبّدى معها مسؤولية إسرائيل عن الجريمة كما لو أنها أمر ثانوي!
استحضار عجز الدولة عن حماية “آل شرارة” من جهة هو بالضرورة استدعاء لعجز “حزب الله” من جهة أخرى، وإن بدا الاستثمار في الأولى أكثر قابلية عند بيئة تتنكّب المقاتل، وتتكلف بوعي مجروح سردية الحزب.
مواجهة كهذه هي مراوحة في المقتلة التي لن يكون شادي شرارة وأطفاله آخر ضحاياها. وغالب الظن أن المقاتل، ما مضى منها وما يُنتظر، ليست من أقدار الجنوبيين، أو على الأقل لا يُفترض أن تكون كذلك، لكنه سوء طالعهم وهم يبحثون عن نجاتهم من مسيّرة تنتظر، ومن حولنا ضحايا جدد لا تعنيهم هذه المواجهة اللعينة: عمّن الأجدى لطوق نجاتهم، “الدبلوماسية” أو المقاومة، والتي كانت عائلة أماني بزي منهم على الأرجح.
إقرأوا أيضاً:












