ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

النجاة بالترفيه: مفارقة صناعة المحتوى في غزة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

علمتُ بخبر مغادرة رِناد بعدما استوقفني فيديو لطفل آخر – ربما في عمرها أو أصغر – يناشد عبر وسائل التواصل المؤسسات التي ساعدت رِناد على الرحيل بأن تساعد كل الأطفال على الهرب. لم يفهم هذا الطفل لماذا استطاعت رِناد النجاة بينما هو لا. كان الفيديو قاسيًا ببساطته، لأنه عرّى سؤالنا الأكبر: لماذا ليس أنا؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

رِناد عطالله، فتاة غزّية (11 عامًا)، ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي. بابتسامة عريضة ولغة لطيفة وخفيفة، تقدّم رِناد، على رغم الدمار المحيط بها، فيديوهات منتظمة عن الطبخ والوصفات البديلة في ظل شحّ المواد الغذائية. تتفادى الخطابات الثقيلة، صور الجرحى أو الاتهامات المباشرة – أي شيء يتجاوز الحد الأدنى من طلبها الوحيد: النجاة.

يحظى محتواها بانتشار واسع وتفاعل كبير، إذ يتوافق تمامًا مع معادلات خوارزميات المنصّات: طعام + إيجابية + انتظام = تفاعل. يتابعها نحو 1.6 مليون شخص لم يتردّدوا في دعمها عبر منصة GoFundMe لمساعدتها على مغادرة قطاع غزة.

بالطبع، لا تعيش رِناد في الواقع بالإيجابية ذاتها التي تُظهرها على الكاميرا؛ فهي تفصل بين حقيقة ما تمرّ به وبين الحالة الترفيهية التي تكافئها الخوارزميات، محافظةً بذلك على وتيرة نمو علامتها على “إنستغرام” – عبء ثقيل وقاسٍ على طفلة بهذا العمر وتحت هذه الظروف. في الحقيقة، أوضحت شقيقتها أنها شجّعتها على صناعة المحتوى كوسيلة لمواجهة اليأس الذي كان ينهشها.

في أوائل آب/ أغسطس الماضي، أعلنت رِناد لمتابعيها أنها تمكّنت أخيرًا من مغادرة القطاع ووصلت إلى هولندا، برفقة أختها التي قُبلت في جامعة هناك. غادرت مع شقيقها التوأم وأختها الكبرى، تاركين خلفهم والدتهم وأربعة أشقاء آخرين.

علمتُ بخبر مغادرة رِناد بعدما استوقفني فيديو لطفل آخر – ربما في عمرها أو أصغر – يناشد عبر وسائل التواصل المؤسسات التي ساعدت رِناد على الرحيل بأن تساعد كل الأطفال على الهرب. لم يفهم هذا الطفل لماذا استطاعت رِناد النجاة بينما هو لا. كان الفيديو قاسيًا ببساطته، لأنه عرّى سؤالنا الأكبر: لماذا ليس أنا؟

لكن الحقيقة أنّ الطفل ببساطة لم يكن معروفًا على الإنترنت؛ لم يمتلك استراتيجية لصناعة المحتوى، ولا معرفة بخوارزميات المنصّات، ولا قاعدة متابعين كبيرة. وبالتالي، كانت فرصه في النجاة أقل. لم يدرك بعد أنه لا يستطيع أن يطالب بالحياة إلا إذا غلّف حاجته بـ”قيمة مضافة” للجمهور، وأن صدقه الخام ليس “مُنتِجًا” في نظر الخوارزميات، وبالتالي لا قيمة له. هو طفل لم يفقه بعد أنّه، خارج حضن والديه، سيُضطر لإثبات “قيمته” للعالم كي يعيش بكرامة – أو في هذه الحالة، كي يعيش فحسب.

للأسف، هذه هي النتيجة المباشرة لـ “الرأسمالية العسكرية”، حيث يصبح امتلاك علامة تجارية متطوّرة، محبوبة، غير مثيرة للجدل، قابلة للاستهلاك والتسويق، شرطًا أساسيًا للبقاء على قيد الحياة. والتجارة هنا لا تقتصر على التبادل المالي، بل تشمل أيضًا تبادل الرموز والمعاني. وهذه السريالية لا تكفّ عن التعقّد…

الكليشيه القائل: “إذا كان المنتج مجانيًا، فأنت المنتج” بالغ الدقّة؛ فبياناتنا هي المنتج الأساسي في هذا العصر. ومن يراقب ويخزّن ويشتري بياناتنا –  شركات خاصة، حكومات، أو برامج تجسّس –  يستطيع أن يتعلّم الكثير مما نضعه على الإنترنت: من الميتا-داتا (الوقت، الموقع، الصيغة)، إلى طبيعة المحتوى نفسه (ساخر، إعلامي، ميمات)، وصولًا إلى هوية من يشاركها (الجندر، العمر، التفضيلات).

النتيجة: بروفايل شبه دقيق لفئة ديموغرافية معيّنة. أضف إلى ذلك شبكة المتابعين، المعلّقين، المشاركين، الساخرين والمعجبين… فتتشكل خريطة مفصّلة تكشف الكثير عن مجموعة من الناس في مكان وزمان محدّدين.

بالنسبة الى الشركات، تتيح هذه البيانات استنتاجات دقيقة حول سلوكياتنا: كيف نستهلك وكيف نتواصل. المثال الأشهر: شركة Target التي استطاعت التنبؤ بحمل فتاة مراهقة قبل أن تدرك هي نفسها ذلك، عبر مراقبة سلوكها الشرائي على موقعهم، حتى أنها بدأت تتلقّى إعلانات عن منتجات الأطفال قبل أن تُجري فحص الحمل.

أما بالنسبة الى الحكومات، فقد تساعد هذه البيانات على توقّع نتائج انتخابية أو استفتاء شعبي. وبالنسبة الى برامج التجسّس والأجهزة القمعية، فحدّث ولا حرج: إذ تتحوّل بياناتنا إلى أداة للتعقّب، المراقبة، التحليل، والتعرّف على الصحافيين والناشطين والمدنيين، أو أي شخص تُصنّفه هذه الأجهزة كـ”مطلوب”.

في غزة، يصبح نشر المحتوى مفارقة شديدة التعقيد تتقاطع مع أساليب حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل: فمن جهة، لا خيار أمام المستخدم سوى نشر ما يحدث وسط التعتيم الإعلامي الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، عليه أن يقدّم المحتوى بطريقة تتوافق مع معايير المنصّات التي تُفضِّل الترفيه على الأخبار. ومع ذلك، قد يمنحه نشر المحتوى وسيلة لحشد المتابعين، جمع التبرعات، وزيادة فرص الخروج من القطاع. لكن في المقابل، يمدّ هذا المحتوى الجيش الإسرائيلي بكمّ هائل من البيانات التي تسهّل عليه الملاحقة والاستهداف والقتل.

يُعلِّم الأهل أبناءهم منذ الصغر ألّا يشاركوا أخبار حياتهم الخاصّة مع الآخرين، خوفًا من “الحاسدين” الذين قد يعرقلون مشاريعهم وخططهم. يعلّمونهم ألّا يُفشوا للجيران ما يدور على طاولة العشاء، أو إلى أين يذهبون ومع مَن، أو أي تفاصيل حسّاسة تخصّ العائلة. منذ نعومة أظفارهم يتعلّمون أن يجيبوا عن أي سؤال حرج بعبارة: “لا أدري”، لأن السرية هي أمتن أشكال الحماية.

هذه الثقافة القائمة على الإخفاء والاستتار، ذات جذور في التربية والأعراف الإسلامية (اقضوا حوائجكم بالكتمان) في منطقة مثل الشرق الأوسط، بدت ملائمة تاريخيًا نظرًا الى تعاقب الحروب عبر العقود. ففي ظروف كهذه، تتضاعف أهمية “الكتمان” مع تزايد ليس فقط “الحاسدين”، بل أيضًا الجواسيس، المخبرين، المافيات، والسلاح المتفلّت. وهكذا يغرس الأهل في أولادهم شيئًا من “البارانويا” الوقائية:

– “أين أهلك؟” – “لا أدري”.
– “أين جارك؟” – “لا أدري”.

تترسّب هذه البارانويا في سلوكنا ولغتنا بشكل دائم: نتعلّم كيف نحقن الحقيقة بكذبة، والكذبة بحقيقة، حتى يختلط الاثنان فلا يُميَّز أحدهما عن الآخر. نحمي الحقيقة من دون التضحية بأنفسنا.

لكن هذه الطريقة بدائية وغير مستدامة؛ فإذا احتفظت بنصف حقيقة ونصف كذبة طويلًا، تبدأ بالشك في الحقيقة وتصدّق الكذبة. وبدل أن تكون متكتّمًا، تصبح مخادعًا. ومع ذلك، تستمرّ أسباب التمسّك بهذه البارانويا في التزايد، خصوصًا في عصر الأجهزة الذكية وبرامج التتبّع التي تلاحقنا على كل التطبيقات. ومع غياب قوانين حماية الخصوصية على الإنترنت في معظم أنحاء العالم، وبخاصة في الشرق الأوسط، تبقى هذه “البارانويا” خط الدفاع الوحيد للمستخدمين.

نتعامل مع ما نُفصح عنه كما لو كنّا نلعب لعبة “حقيقتان وكذبة”: نحرص دائمًا على مزج الحقيقة بالتحفّظ، فلا نقدّم أنفسنا للعالم بلا حماية.

لكن، وللأسف، حوّلت الرأسمالية العسكرية الخصوصية إلى رفاهية لا يملكها الجميع، ولم يعد بمقدور الكل أن يقول: “لا أدري”.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…

علمتُ بخبر مغادرة رِناد بعدما استوقفني فيديو لطفل آخر – ربما في عمرها أو أصغر – يناشد عبر وسائل التواصل المؤسسات التي ساعدت رِناد على الرحيل بأن تساعد كل الأطفال على الهرب. لم يفهم هذا الطفل لماذا استطاعت رِناد النجاة بينما هو لا. كان الفيديو قاسيًا ببساطته، لأنه عرّى سؤالنا الأكبر: لماذا ليس أنا؟

رِناد عطالله، فتاة غزّية (11 عامًا)، ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي. بابتسامة عريضة ولغة لطيفة وخفيفة، تقدّم رِناد، على رغم الدمار المحيط بها، فيديوهات منتظمة عن الطبخ والوصفات البديلة في ظل شحّ المواد الغذائية. تتفادى الخطابات الثقيلة، صور الجرحى أو الاتهامات المباشرة – أي شيء يتجاوز الحد الأدنى من طلبها الوحيد: النجاة.

يحظى محتواها بانتشار واسع وتفاعل كبير، إذ يتوافق تمامًا مع معادلات خوارزميات المنصّات: طعام + إيجابية + انتظام = تفاعل. يتابعها نحو 1.6 مليون شخص لم يتردّدوا في دعمها عبر منصة GoFundMe لمساعدتها على مغادرة قطاع غزة.

بالطبع، لا تعيش رِناد في الواقع بالإيجابية ذاتها التي تُظهرها على الكاميرا؛ فهي تفصل بين حقيقة ما تمرّ به وبين الحالة الترفيهية التي تكافئها الخوارزميات، محافظةً بذلك على وتيرة نمو علامتها على “إنستغرام” – عبء ثقيل وقاسٍ على طفلة بهذا العمر وتحت هذه الظروف. في الحقيقة، أوضحت شقيقتها أنها شجّعتها على صناعة المحتوى كوسيلة لمواجهة اليأس الذي كان ينهشها.

في أوائل آب/ أغسطس الماضي، أعلنت رِناد لمتابعيها أنها تمكّنت أخيرًا من مغادرة القطاع ووصلت إلى هولندا، برفقة أختها التي قُبلت في جامعة هناك. غادرت مع شقيقها التوأم وأختها الكبرى، تاركين خلفهم والدتهم وأربعة أشقاء آخرين.

علمتُ بخبر مغادرة رِناد بعدما استوقفني فيديو لطفل آخر – ربما في عمرها أو أصغر – يناشد عبر وسائل التواصل المؤسسات التي ساعدت رِناد على الرحيل بأن تساعد كل الأطفال على الهرب. لم يفهم هذا الطفل لماذا استطاعت رِناد النجاة بينما هو لا. كان الفيديو قاسيًا ببساطته، لأنه عرّى سؤالنا الأكبر: لماذا ليس أنا؟

لكن الحقيقة أنّ الطفل ببساطة لم يكن معروفًا على الإنترنت؛ لم يمتلك استراتيجية لصناعة المحتوى، ولا معرفة بخوارزميات المنصّات، ولا قاعدة متابعين كبيرة. وبالتالي، كانت فرصه في النجاة أقل. لم يدرك بعد أنه لا يستطيع أن يطالب بالحياة إلا إذا غلّف حاجته بـ”قيمة مضافة” للجمهور، وأن صدقه الخام ليس “مُنتِجًا” في نظر الخوارزميات، وبالتالي لا قيمة له. هو طفل لم يفقه بعد أنّه، خارج حضن والديه، سيُضطر لإثبات “قيمته” للعالم كي يعيش بكرامة – أو في هذه الحالة، كي يعيش فحسب.

للأسف، هذه هي النتيجة المباشرة لـ “الرأسمالية العسكرية”، حيث يصبح امتلاك علامة تجارية متطوّرة، محبوبة، غير مثيرة للجدل، قابلة للاستهلاك والتسويق، شرطًا أساسيًا للبقاء على قيد الحياة. والتجارة هنا لا تقتصر على التبادل المالي، بل تشمل أيضًا تبادل الرموز والمعاني. وهذه السريالية لا تكفّ عن التعقّد…

الكليشيه القائل: “إذا كان المنتج مجانيًا، فأنت المنتج” بالغ الدقّة؛ فبياناتنا هي المنتج الأساسي في هذا العصر. ومن يراقب ويخزّن ويشتري بياناتنا –  شركات خاصة، حكومات، أو برامج تجسّس –  يستطيع أن يتعلّم الكثير مما نضعه على الإنترنت: من الميتا-داتا (الوقت، الموقع، الصيغة)، إلى طبيعة المحتوى نفسه (ساخر، إعلامي، ميمات)، وصولًا إلى هوية من يشاركها (الجندر، العمر، التفضيلات).

النتيجة: بروفايل شبه دقيق لفئة ديموغرافية معيّنة. أضف إلى ذلك شبكة المتابعين، المعلّقين، المشاركين، الساخرين والمعجبين… فتتشكل خريطة مفصّلة تكشف الكثير عن مجموعة من الناس في مكان وزمان محدّدين.

بالنسبة الى الشركات، تتيح هذه البيانات استنتاجات دقيقة حول سلوكياتنا: كيف نستهلك وكيف نتواصل. المثال الأشهر: شركة Target التي استطاعت التنبؤ بحمل فتاة مراهقة قبل أن تدرك هي نفسها ذلك، عبر مراقبة سلوكها الشرائي على موقعهم، حتى أنها بدأت تتلقّى إعلانات عن منتجات الأطفال قبل أن تُجري فحص الحمل.

أما بالنسبة الى الحكومات، فقد تساعد هذه البيانات على توقّع نتائج انتخابية أو استفتاء شعبي. وبالنسبة الى برامج التجسّس والأجهزة القمعية، فحدّث ولا حرج: إذ تتحوّل بياناتنا إلى أداة للتعقّب، المراقبة، التحليل، والتعرّف على الصحافيين والناشطين والمدنيين، أو أي شخص تُصنّفه هذه الأجهزة كـ”مطلوب”.

في غزة، يصبح نشر المحتوى مفارقة شديدة التعقيد تتقاطع مع أساليب حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل: فمن جهة، لا خيار أمام المستخدم سوى نشر ما يحدث وسط التعتيم الإعلامي الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، عليه أن يقدّم المحتوى بطريقة تتوافق مع معايير المنصّات التي تُفضِّل الترفيه على الأخبار. ومع ذلك، قد يمنحه نشر المحتوى وسيلة لحشد المتابعين، جمع التبرعات، وزيادة فرص الخروج من القطاع. لكن في المقابل، يمدّ هذا المحتوى الجيش الإسرائيلي بكمّ هائل من البيانات التي تسهّل عليه الملاحقة والاستهداف والقتل.

يُعلِّم الأهل أبناءهم منذ الصغر ألّا يشاركوا أخبار حياتهم الخاصّة مع الآخرين، خوفًا من “الحاسدين” الذين قد يعرقلون مشاريعهم وخططهم. يعلّمونهم ألّا يُفشوا للجيران ما يدور على طاولة العشاء، أو إلى أين يذهبون ومع مَن، أو أي تفاصيل حسّاسة تخصّ العائلة. منذ نعومة أظفارهم يتعلّمون أن يجيبوا عن أي سؤال حرج بعبارة: “لا أدري”، لأن السرية هي أمتن أشكال الحماية.

هذه الثقافة القائمة على الإخفاء والاستتار، ذات جذور في التربية والأعراف الإسلامية (اقضوا حوائجكم بالكتمان) في منطقة مثل الشرق الأوسط، بدت ملائمة تاريخيًا نظرًا الى تعاقب الحروب عبر العقود. ففي ظروف كهذه، تتضاعف أهمية “الكتمان” مع تزايد ليس فقط “الحاسدين”، بل أيضًا الجواسيس، المخبرين، المافيات، والسلاح المتفلّت. وهكذا يغرس الأهل في أولادهم شيئًا من “البارانويا” الوقائية:

– “أين أهلك؟” – “لا أدري”.
– “أين جارك؟” – “لا أدري”.

تترسّب هذه البارانويا في سلوكنا ولغتنا بشكل دائم: نتعلّم كيف نحقن الحقيقة بكذبة، والكذبة بحقيقة، حتى يختلط الاثنان فلا يُميَّز أحدهما عن الآخر. نحمي الحقيقة من دون التضحية بأنفسنا.

لكن هذه الطريقة بدائية وغير مستدامة؛ فإذا احتفظت بنصف حقيقة ونصف كذبة طويلًا، تبدأ بالشك في الحقيقة وتصدّق الكذبة. وبدل أن تكون متكتّمًا، تصبح مخادعًا. ومع ذلك، تستمرّ أسباب التمسّك بهذه البارانويا في التزايد، خصوصًا في عصر الأجهزة الذكية وبرامج التتبّع التي تلاحقنا على كل التطبيقات. ومع غياب قوانين حماية الخصوصية على الإنترنت في معظم أنحاء العالم، وبخاصة في الشرق الأوسط، تبقى هذه “البارانويا” خط الدفاع الوحيد للمستخدمين.

نتعامل مع ما نُفصح عنه كما لو كنّا نلعب لعبة “حقيقتان وكذبة”: نحرص دائمًا على مزج الحقيقة بالتحفّظ، فلا نقدّم أنفسنا للعالم بلا حماية.

لكن، وللأسف، حوّلت الرأسمالية العسكرية الخصوصية إلى رفاهية لا يملكها الجميع، ولم يعد بمقدور الكل أن يقول: “لا أدري”.

|
آخر القصص
نساء سوريا تظاهرات
هل تحتاج المواطنة إلى وجه جميل؟
هبة عز الدين - ناشطة حقوقية | 12.06.2026
مجزرة سوريا حرب
كم مجزرة يجب أن تقع كي تخسر صديقك؟ 
سارة خازم- صحافية سوريّة | 12.06.2026

اشترك بنشرتنا البريدية