تقف الحركات والتيّارات النسوية في سوريا الآن، بعد سقوط نظام الأسد وهيمنته على الحياة السياسية أمام سؤال: ماذا سنفعل الآن وقد زالت الذريعة التي طالما فسّرت ضعفها؟ لكنّ تعقيدات مرحلة ما بعد الأسد، غيّرت طبيعة السؤال، إذ فُتح الباب، نظرياً على الأقلّ، أمام إمكانية إعادة بناء الفضاء العامّ، وأعاد إلى المجتمع مسؤولية كان قد حملها، طوال عقود، للاستبداد وحده. ومع هذا التحوّل، أصبح من المشروع أن تُساءل الحركات الحقوقية عن أدوارها، وأن تُقاس بقدرتها على ممارسة الاستقلال الأخلاقي، لا بمجرّد تاريخها في معارضة السلطة السابقة.
يمكن القول إن الحركة النسوية، ربما أكثر من غيرها، معنيّة بهذا الاختبار، خصوصاً أن تاريخ السلطة الحالية، التي كانت أقامت الحدّ على نساء بتهمة “الزنا” يكشف موقفها سابقاً، وبعد التحوّلات “البراغماتية” التي ادّعتها، بقي من أقام الحدّ، في منصب حكومي، ونقصد “القاضي” شادي الويسي، ما يعني أن المرحلة الجديدة تتيح فرصة لإعادة تعريف النسوية السورية.
بعيداً عن حدود العمل النخبوي أو المؤسّسي، كان الرهان أن يكون التيّار النسوي قوّة اجتماعية قادرة على الدفاع عن حقوق النساء أينما انتُهكت، وبصرف النظر عن هويّة المنتهِك أو الضحيّة، وكان الأمل أن تنتقل التيّارات النسوية من فضاء المشاريع والبيانات إلى فضاء الفعل المجتمعي، وأن تكون شريكة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد الذي تحلم به سوريا… غير أن الأشهر الماضية طرحت أسئلة يصعب تجاهلها.
موقف نسوي جامع؟
شهدت سوريا منذ سقوط نظام الأسد وقائع متعدّدة تمسّ النساء بصورة مباشرة، الإقصاء والتهميش من الحياة السياسية، واعتماد نموذج المرأة الواحدة كممثّلة عن “الجميع”، وجرائم الخطف التي طالت نساء يتحدّرن من الطائفتين العلوية والدرزية، وصولاً إلى ترسيخ صورة أحادية للمرأة السورية في الخطاب العامّ، تكاد تختزلها في نموذج ثقافي أو اجتماعي واحد، تتنوّع بين حملات “التوعية” المتعدّدة التي تبدأ ببوسترات “جذّابة”، وتنتهي بحملات الشيخ الذهبي لتوزيع النقاب في الفضاءات العامّة، مروراً باستبدال صور النساء الطبيبات بصور كرتونية، في بوستر لمؤتمر أعلنت عنه نقابة أطبّاء حماة، وإصدار تعميمات تخصّ الثياب والاحتشام والمكياج في عدد من المحافظات.
وليس المقصود هنا تقييم كل واقعة على حدة، ولا الدخول في تفاصيلها القانونية أو السياسية، بل ملاحظة ظاهرة أوسع: غياب موقف نسوي جامع يعلن بوضوح، أن حقوق النساء لا تتجزّأ، وأن كرامتهن لا ترتبط بانتمائهن السياسي أو الديني أو القومي أو الطائفي.
قد يعترض البعض بأن أصواتاً نسوية لم تصمت، وأن بيانات ومواقف صدرت بالفعل. وهذا صحيح؛ لكنّ وجود مواقف فردية أو بيانات متفرّقة لا يجيب عن السؤال المطروح، الحركات الاجتماعية تُقاس بقدرتها على إنتاج موقف عامّ قادر على التأثير في النقاش العامّ وصناعة الضغط المجتمعي، لا بمجرّد تعدّد الأصوات داخلها، وهنا نسأل ما الذي يجعل الحركة النسوية حركة نسوية؟
الفاعلية وطبقات النسوة
إذا كانت النسوية مشروعاً للدفاع عن الحرّية والمساواة والكرامة الإنسانية، فإنها لا تستطيع أن تكون انتقائية. فالمرأة لا تفقد حقّها في الحماية لأن انتماءها السياسي لا يحظى بالشعبية، ولا يصبح الانتهاك أقلّ خطورة لأن مرتكبه ينتمي إلى سلطة جديدة، أو يرفع خطاباً مختلفاً عن السلطة السابقة. فالحقوق، إن كانت حقوقاً بالفعل، لا تُقاس بهويّة الضحيّة، بل بكونها حقوقاً إنسانية غير قابلة للتجزئة.
وهذا ليس مطلباً مثالياً أو أخلاقياً مجرّداً، بل هو الشرط الذي يمنح أي حركة حقوقية شرعيتها. فمن دون استقلال عن السلطة، أي سلطة، تفقد الحركات الحقوقية وظيفتها الأساسية، وتتحوّل تدريجياً إلى جزء من توازنات السياسة، بدلاً من أن تكون ضميراً يراقبها وينتقدها.
لا يتوقّف الأمر عند الاستقلال والانتقاد عن بعد، بل بالفاعلية على الأرض في سبيل الحقوق، وهنا تتّضح الاختلافات بين “اللغة المنظّماتية” النظيفة التي تقدّم توصيات، وبين الفاعلية على الأرض.
إقرأوا أيضاً:
الفرق بين الاثنتين واضح في سوريا، بين ورشات العمل “التي تقودها نساء” من طبقات محدّدة تستعيد خطاب ما قبل 2011، وطبقات أخرى تتّجه نحو الشارع؛ مساحة الاحتجاج والظهور، حيث تخرج نساء يحتفين بالنقاب، وفي الوقت ذاته تطلب أخريات تجنيس أبنائهن الأجانب وتعديل القوانين السورية، عبر إشغال الفضاء العامّ وطرح المشكلة كشأن يومي، لا كبيان لـ”نشر الوعي”.
وربما بسبب هذه “الطبقية” يصبح من الضروري طرح سؤال آخر، أكثر إزعاجاً: هل نجحنا أصلاً في بناء حركة نسوية ذات قاعدة اجتماعية مستقلّة، أم أن جزءاً كبيراً من النشاط النسوي ظلّ محصوراً داخل فضاء المنظّمات والمشاريع والتمثيل المؤسّسي؟ وهل أصبح الوصول إلى مواقع صنع القرار هدفاً بحدّ ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة للدفاع عن النساء وحقوقهن؟
من يدافع عن حقوق “جميع” النساء في سوريا؟
ليس المقصود هنا التقليل من أهمّية وجود النساء في مؤسّسات “الدولة الجديدة”، على العكس، فالمشاركة السياسية الكاملة للنساء شرط أساسي لأي تحوّل ديمقراطي حقيقي. لكنّ هذه المشاركة تفقد معناها إذا لم تقترن بالقدرة على مساءلة السلطة، والوقوف إلى جانب النساء عندما تُنتهك حقوقهن، مهما كانت هويّة السلطة أو الضحيّة.
المراحل الانتقالية ليست اختباراً للسلطات الجديدة وحدها، بل هي أيضاً اختبار للحركات التي طالبت بالتغيير. ففي مثل هذه اللحظات يتبيّن ما إذا كانت المبادئ التي رفعتها تلك الحركات مبادئ عامّة، أم أنها كانت مرتبطة بخصم سياسي بعينه، وعندما يصبح الصمت أكثر راحة من المواجهة، تتكشّف الحدود الفاصلة بين الخطاب الحقوقي والخطاب السياسي.
لعلّ الحركة النسوية السورية تقف اليوم أمام أهمّ اختبار في تاريخها الحديث، ليس لأنها مطالبة بأن تكون على رأي واحد في كل القضايا، ولا لأنها مطالبة بإصدار بيان عند كل حادثة، بل لأنها مطالبة بالحفاظ على المبدأ الذي يمنحها معناها: الدفاع عن حقوق جميع النساء دون استثناء، ودون انتقائية، ودون خوف من الاقتراب من السلطة أو الابتعاد عنها.
الموقف النسوي في جوهره، ليس انحيازاً إلى سلطة، ولا اصطفافاً مع جماعة، ولا سعياً إلى تمثيل رمزي داخل مؤسّسات الدولة، إنه التزام دائم بفكرة العدالة. وعندما يصبح الصمت هو الموقف، لا تكون الخسارة في تراجع صوت الحركة فحسب، بل في اهتزاز الثقة بأن هذا الصوت ما زال قادراً على تمثيل النساء جميعاً.
إقرأوا أيضاً:











