كيف مكّنت قطر واشنطن من إدارة بيع النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات، وبعيدًا عن ملاحقات الدائنين، وبما يتيح للولايات المتحدة تحقيق مكاسب مالية سريعة من تدخلها العسكري والسياسي الأخير في كاراكاس؟
بعد أشهر من عمليات بحرية أميركية، استولت خلالها واشنطن على ناقلات نفط فنزويلية في البحر الكاريبي، وفرضت حصارًا بحريًا لمنع البلاد من بيع نفطها، شنّت الإدارة الأميركية في 3 كانون الثاني/ يناير 2026 هجومًا عسكريًا واسعًا على العاصمة كاراكاس، أسفر عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك.
ومع إعلان التوصل إلى تفاهم سياسي مع ديلسي رودريغيز، التي تولّت رئاسة البلاد بالوكالة، سارع دونالد ترامب إلى إعلان أن الولايات المتحدة ستشرف بالكامل على قطاع النفط الفنزويلي، وأن عائدات بيعه ستُستخدم “لخدمة الشعبين الفنزويلي والأميركي”.
وبالفعل، في 14 كانون الثاني، أتمّت الإدارة الأميركية أول عملية بيع للنفط الفنزويلي الخاضع لسيطرتها، بقيمة تقارب الـ500 مليون دولار، وأودعت العائدات في بنك مملوك للحكومة القطرية. وجاءت هذه الخطوة وسط حاجة ترامب الى تحقيق أرباح مالية سريعة من عملياته في فنزويلا، في ظل قيود قانونية وضغوط داخلية، إضافة إلى مطالبات دائنين يسعون إلى استرداد أموالهم.
كيف سيطرت واشنطن على قطاع النفط في أيام؟
يواجه سعي الولايات المتحدة إلى جني مكاسب سريعة من تدخّلها في فنزويلا، عوائق تقنية بحتة، إذ يشير كثر من الخبراء إلى أن قطاع النفط الفنزويلي يعاني نقصاً حاداً في الاستثمارات، فضلاً عن تدهور بنيته التحتية وحاجته الماسّة إلى أعمال تجديد وصيانة واسعة، نتيجة سنوات طويلة من العقوبات وسوء الإدارة.
كما أن أي استثمارات أميركية جديدة تهدف إلى زيادة الإنتاج ستتطلب، على الأرجح، سنوات من أعمال الاستكشاف والحفر والتأهيل، وتكاليف مالية باهظة. ويُلاحظ أن حتى الشركات الأميركية، بما فيها Chevron، وهي الشركة الوحيدة التي واصلت نشاطها في فنزويلا خلال سنوات العقوبات، ويتمتع رئيسها بعلاقات وثيقة مع دونالد ترامب، لا تزال متحفّظة حول ضخ استثمارات جديدة واسعة النطاق في فنزويلا.
وبطبيعة الحال، لا ينسجم هذا المسار مع مقاربة ترامب في هذه المرحلة، في ظل سعيه إلى تحقيق نتائج سريعة وقابلة للتسويق داخلياً، بما يتيح له تقديم التدخل في فنزويلا كنموذج ناجح أمام قاعدته السياسية، تمهيداً لخيارات تدخلية أكثر طموحاً في دول مجاورة.
في هذا السياق، وبعد أقل من أسبوع على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، أعلن ترامب، في 9 كانون الثاني، عبر منصته “تروث سوشيال”، استعداد الولايات المتحدة لبيع النفط الفنزويلي لأي مشترٍ من دون عوائق سياسية، بما في ذلك الصين وروسيا. وفي الأسبوع نفسه، عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع رئيس شركة Vitol، أكبر تاجر مستقل للنفط في العالم، John Addison، الذي يُعد من المقربين من ترامب ومن كبار المتبرعين لحملته الانتخابية. وذكرت فايننشال تايمز أن الاجتماع جاء في إطار خطة الإدارة الأميركية لبيع ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، كبداية.
وفي 20 كانون الثاني، قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة إن فنزويلا حصلت على عائدات النفط، وإن 300 مليون دولار من أصل أول 500 مليون دخلت بالفعل النظام المالي الفنزويلي، فيما أُبلغت أربعة بنوك فنزويلية بأنّها ستتلقى هذه الأموال عبر حساب في قطر.
أميركا تبيع النفط والصين تشتري وقطر تحفظ الأموال
لا تتوافر حتى الآن بيانات مؤكدة بشأن المشترين النهائيين لأول صفقة من النفط الفنزويلي التي باتت تحت سيطرة الولايات المتحدة. غير أن عدداً من التقارير الصحافية أفاد بأن تاجر النفط Vitol عرض بيع نفط فنزويلي على مصافي تكرير في الصين بخصومات تقارب الـ5 دولارات للبرميل.
ويتّسق ذلك مع تحليلات ترى أن الصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم، تُعد الأقدر على استيعاب الخام الفنزويلي الثقيل نظراً الى ما تمتلكه من محطات تكرير مناسبة لمعالجة هذا النوع من النفط. وهو ما يجعلها المشتري الأبرز لهذه الشحنات، في ظل سعي الإدارة الأميركية إلى تسريع وتيرة البيع.
من جهة أخرى، وعلى رغم تقلّص حجم الخصومات مقارنة بالفترة السابقة، فإن الخصومات المعروضة أدنى من السابقة التي كانت تحصل عليها الصين، والتي بلغت نحو 15 دولاراً للبرميل خلال فترة حكم الرئيس نيكولاس مادورو.
مع ذلك، قد تقبل الصين بالأمر الواقع، إذ يظل الخصم الممنوح مؤثراً اقتصادياً في ضوء حجم مشترياتها النفطية، التي تتجاوز الـ11 مليون برميل يومياً. لذا فكل دولار واحد زيادة أو خفض في سعر برميل النفط ينعكس بمليارات الدولارات على فاتورة الطاقة لديها.
الوسيط الدائم لأميركا قد يحل مشكلة فنزويلا أيضاً
عملية السيطرة على النفط الفنزويلي، بخاصةً في جانبها الأهم المتعلق بالإدارة المالية للمدفوعات بين الأطراف المختلفة، وآليات توزيع وتقاسم العائدات، تواجه عقبتين أساسيتين:
العقبة الأولى تتمثل في الملاحقات القانونية المحتملة من دائني فنزويلا، إذ إن البلاد في حالة تخلّف عن السداد منذ عام 2017، بعد عجزها عن الوفاء بالتزاماتها الخارجية، ولا سيما الديون الناتجة من إصدار السندات السيادية وسندات شركة النفط الحكومية في الأسواق الدولية. تُضاف إلى ذلك الديون الثنائية، وفي مقدمها ديون مستحقة للصين تتراوح ما بين نحو 10 إلى 15 مليار دولار، إلى جانب التزامات مالية من قروض سابقة تدين بها لروسيا تصل الى 10 مليارات دولار، إضافة الى دائنين آخرين.
ومع تراكم الفوائد والغرامات وزيادة حجم الالتزامات غير المسدَّدة، يُقدَّر إجمالي الدين الخارجي لفنزويلا حالياً بنحو 150 إلى 170 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً الـ180 إلى 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي ومصادر مالية دولية.
إقرأوا أيضاً:
وقد سبق لحملة السندات والدائنين التجاريين أن لجأوا إلى المحاكم الأميركية والدولية للمطالبة بحقوقهم، مستندين في بعض القضايا إلى ضمانات وأصول مرتبطة بشركة النفط الفنزويلية، في مساع قانونية لاسترداد جزء من مستحقاتهم.
بالتالي، أي عائدات ناتجة من مبيعات شركة النفط الفنزويلي تدخل القطاع المصرفي الأميركي، تظل معرضة لخطر الحجز أو الطعن القانوني من الدائنين، ما يُعطل عملية توزيع الأرباح أو الاستفادة منها بسلاسة، ويقوّض محاولات إدارة عائدات النفط الفنزويلي بعيداً عن نزاعات الدين المتراكمة.
يُضاف إلى ذلك، تواجه هذه العملية عقبات تقنية وقانونية ناجمة عن العقوبات الأميركية المفروضة على فنزويلا، بما في ذلك العقوبات التي تطاول شركة النفط الوطنية والقطاع المصرفي الفنزويلي.
وعلى رغم أن هذه العقوبات فُرضت بقرارات تنفيذية يمكن للإدارة الأميركية إلغاءها، لكن يبدو أنها مستفيدة من الإبقاء عليها قائمة، لتبقى سيفاً على رقبة النظام الفنزويلي، الذي قد يستغل إلغاء العقوبات للبيع لمشتريين آخرين، لذلك، يُعتبر بقاء العقوبات أداة ضغط وهيمنة، تمنح سنداً قانونياً وسياسياً أميركياً للتدخل في فنزويلا. لذلك، لجأت إلى آليات تتيح الاستفادة من عائدات النفط الفنزويلي من دون رفع العقوبات بالكامل، من خلال إصدار تراخيص خاصة ومحددة تسمح بعمليات بعينها ضمن نطاق خاضع للرقابة.
لماذا قطر بالتحديد؟
وقع ترامب في 10 كانون الثاني/ يناير أمراً تنفيذياً أعلن بموجبه حالة طوارئ وطنية، بهدف حماية عائدات النفط الفنزويلي التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. وقال البيت الأبيض في بيان، إن الأمر التنفيذي يهدف إلى حماية عائدات النفط المحتفظ بها في حسابات خاضعة لإشراف وزارة الخزانة الأميركية من الحجز أو الإجراءات القضائية.
غير أن هذا الإجراء وحده بدا غير كافٍ، إذ إن تعقيدات العقوبات المفروضة على فنزويلا، إلى جانب المخاطر القانونية المرتبطة بدائنيها، تجعل من الصعب على واشنطن أو كراكاس إيداع عائدات النفط مباشرة في النظامين المصرفيين الفنزويلي أو الأميركي من دون تعريضها لمطالبات قضائية.
ومن هنا، تم إيداع عائدات أولى عمليات بيع النفط الفنزويلي في البنك الأهلي القطري QNB، وهو البنك الرئيسي للحكومة القطرية. ويتوقع أن تكون هذه الحسابات التي ستتلقى تدفقات المبيعات، غير مسجلّة قانونياً كأصول سيادية فنزويلية مباشرة، ما يحدّ من قدرة الدائنين على ملاحقتها قضائياً.
وبحسب ما أعلنته الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، تم تحويل 300 مليون دولار من أصل عائدات الصفقة الأولى، التي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 500 مليون دولار، إلى داخل النظام المالي الفنزويلي. أما الجزء المتبقي من العائدات، والمقدَّر بنحو 200 مليون دولار، أي ما يعادل 40 في المئة من القيمة الإجمالية، فلا تتوافر حتى الآن معلومات رسمية توضح الجهة التي سيؤول إليها أو كيفية التصرف به.
لكن من المتوقع أن يكون المبلغ من نصيب الإدارة الأميركية من صفقة الاستيلاء على النفط الفنزويلي، كما أن تقسيم العائدات بنسبة 60 في المئة لفنزويلا و40 في المئة للولايات المتحدة قد يشكّل نموذجاً عملياً غير معلن، وربما يُستَخدم كإطار مرجعي في الصفقات المقبلة.
حصلت التحويلات عبر بنك جي بي مورغان الأميركي، بصفته بنكاً مراسلاً، بعد الحصول على ترخيص خاص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، ما يؤكد أن العملية برمتها خاضعة للإشراف الأميركي المباشر.
وعلى رغم عدم وجود إعلان رسمي أو سند قانوني يوضح نصيب الولايات المتحدة من العائدات المالية للنفط الفنزويلي أو آلية الاحتفاظ بها، أو كيفية تسجيلها وتحويلها إلى الخزينة الأميركية، أو بمعنى أصح عدم وجود أي غطاء قانوني لعملية الاستيلاء على النفط الفنزويلي، فإن وجود هذا الحساب في بنك حكومي تابع لقطر، الحليف الموثوق للولايات المتحدة، يُسهل الأمر.
والجدير بالذكر أن الصندوق السيادي القطري، الذي يملك حصة الغالبية في البنك المودع فيه أموال النفط الفنزويلي، هو الجهة نفسها التي تُعد من كبار المساهمين في صندوق Affinity Partners الذي يملكه صهر عائلة ترامب، جاريد كوشنر بمبلغ قيمته 1.5 مليار دولار.
وخلال إدارات أميركية المختلفة، شاركت قطر بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وعدد من الجهات التي تعتبرها واشنطن معادية وتفرض عليها عقوبات، مثل حركتَي حماس وطالبان وإيران. كما سبق أن شاركت في الوساطة بين الإدارة الأميركية والنظام الفنزويلي.
ماذا عن الصفقة التي أجراها ترامب؟
في الجوهر، لا تكشف الصفقة الفنزويلية سوى جانب من عالم جديد تتراجع فيه الحدود بين العقوبات والحروب والأسواق المالية، وبين الدبلوماسية والمنتجات المالية المركبة. فالتدخل الأميركي في فنزويلا لم يُقدَّم هذه المرة تحت عناوين نموذجية عن “التحرير” أو “الديمقراطية”، بل سُوِّق كصفقة تجارية ضخمة ذات عائد سريع، يمكن قياسه بالدولار والبرميل والتدفقات النقدية، قبل أن يُجرى قياسه سياسياً.
واللافت أن الولايات المتحدة لم تحتج إلى تفكيك منظومة العقوبات بالكامل كي تبيع النفط الفنزويلي، بل اكتفت بترقيع قانوني مصرفي مع قطر، يضمن تجاوز الدائنين والمحاكم ويحوّل العقوبات من عقبة إلى أداة إدارة وتحكم. هذا التفاف لا يشير فقط إلى تآكل جدوى العقوبات التقليدية، بل إلى صعود جيل جديد من “سياسات الطاقة” كما يصفها خبراء، حيث تصبح البنوك وصناديق الثروة السيادية لاعباً سياسياً مباشراً في الصراع على الموارد.
أما قطر، التي راكمت خبرتها في الوساطة خلال عقدين بين واشنطن وخصومها، فقد وجدت نفسها مجدداً تؤدّي دور الثغرة المصرفية الآمنة، القادرة على استيعاب الأموال الحساسة، وإبعادها عن مطاردة الدائنين ومحاكم نيويورك. هذا الدور القطري مرشح للاستمرار، خصوصاً إذا توسعت عمليات بيع النفط الفنزويلي.
قد لا يكون الأمر متعلقاً بفنزويلا وحدها، بقدر ما يشير إلى شكل “العولمة البديلة” التي تسعى الترامبية إلى ترسيخها.
تم نشر هذا المقال ضمن تعاون مع “الأكاديمية البديلة للصحافة العربية”
إقرأوا أيضاً:











