بينما تتقوقع أحزاب المعارضة في مصر داخل جدران مقارّها تحت وطأة الحصار الأمني، وحرمان قياداتها البارزين من مقارعة السلطة في الاستحقاقات الانتخابية، رئاسية كانت أم نيابية، تحضر مظاهر الاحتجاج ومقاومة الصمت في ميادين أخرى هي النقابات المهنية، التي تنمو وتنكمش حسب قوّة فاعليها وحجم تصدّي السلطة لها، بل وتكون أحياناً بوابة لممارسة السياسة المعطّلة في مصر.
تحوّلت النقابات المهنية في العامين الماضيين على وجه الخصوص، إلى ساحة حراك لا تضاهيها أخرى، حيث تشهد انتخاباتها التئام حملَة شعارات الدفاع عن الحرّيات والعدالة الاجتماعية، والمنادين باستقلال العمل النقابي، ليتمكّنوا من السيطرة على بعض النقابات على حساب مرشّحين مدعومين من الحكومة، فيما تشهد أخرى احتجاجات واعتراضات وأحياناً اعتصامات يغلب عليها الطابع الفئوي، لكنّها تحمل في طيّاتها الكثير من المدلولات السياسية.
يبدو المشهد الأكثر سخونة هذه الأيام في نقابة المحامين، التي تشهد تصعيداً كبيراً بدأ بإضراب جزئي عن حضور جلسات القضايا في المحاكم، وامتدّ إلى الامتناع الكامل عن الحضور، ووصل ذروته مع دخول روابط من المحامين في اعتصام مفتوح داخل المحاكم، احتجاجاً على زيادة الرسوم القضائية التي أقرّتها محاكم الاستئناف، على استخراج الوثائق والأحكام القضائية ومراجعة الحوافظ، التي عُرفت اصطلاحاً بـ”رسوم الميكنة”.
يعارض المحامون زيادة هذه الرسوم لتعارضها مع المشروعية الدستورية، خصوصاً أنها تذهب إلى خزائن المحاكم وصناديق خاصّة للقضاة، وليس بهدف دعم التحوّل التقني داخل المحاكم، مؤكّدين أن فرض تلك الرسوم سيخلق مشكلات عديدة تمسّ حقّ التقاضي المكفول دستورياً للجميع، وتنال من حقوق المواطنين والمحامين معاً.
على مدار الأسابيع الماضية، تطوّرت أشكال الاحتجاج وتزايدت وتيرتها، ورفع المحامون راية التحدّي بامتناعهم عن توريد أية مبالغ مالية في جميع خزائن محاكم الجمهورية، كما كشفت النقابة عن مشاركة أعداد كبيرة في الإضراب، فيما آثرت السلطة القضائية الصمت، ولم تلح في الأفق أية حلول سياسية حتى الآن.
“أزمة رسوم الميكنة هي قمّة جبل الجليد، وهي نتاج لأزمات متراكمة على مدار سنوات بين المحامين والمنظومة القضائية في مصر، ومنها مشكلات مستعصية على الحلّ مثل النقص العددي في عدد القضاة أمام عدد القضايا، التي تنظر بها المحاكم مما يحمّل القضاة والمحامين والمواطنين أعباء، إلى جانب عدم قدرة وزارة العدل على التحوّل الرقمي لضعف البنية التحتية التكنولوجية، مروراً بإلزام المحامين بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية التي زادت من أعباء المحامين، وصولاً إلى زيادة رسوم التقاضي المعروفة برسوم الميكنة” يتحدّث المحامي مالك عدلي المدير التنفيذي لـ “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، عن التصعيد الأخير لمحامي مصر.
وشهدت السنوات الماضية زيادات مستمرّة في الرسوم القضائية، وأخذت منحى تصاعدياً غير مسبوق، وصلت مؤخراً بحسب تقديرات نقابية 500% من الرسوم الأصلية، كان من ضمنها رسوم إقامة الدعوى نفسها ورسوم الحوافظ ورسوم أتعاب المحاماة، ما انعكس بشكل مباشر على أعداد القضايا التي تنظر بها وزارة العدل، لتنخفض من 15 مليون قضية سنوياً ما بين مدنية وجنائية وأحوال شخصية في العام 2019، إلى ما يقارب 11 مليون قضية سنوياً، نتيجة التأثّر بجائحة كورونا، وكذلك زيادة الرسوم المقرّرة على جميع الإجراءات.
تواجه هذه الزيادات اعتراضات قانونية وتدفع بعدم دستوريتها، حيث إن أي زيادة جوهرية في هذه الرسوم، أو استحداث رسوم جديدة تحت مسميّات مختلفة، يجب أن يتمّا من خلال تعديل تشريعي أو إصدار قانون جديد، في وقت يحذّر مراقبون من تداعيات هذه الزيادات على الحقّ في التقاضي، وقد تؤدّي إلى تراجع ثقة المواطنين بالنظام القضائي وقصره على القادرين مالياً فقط، فعندما يشعر المواطنون بأن الوصول إلى العدالة أصبح مكلفاً بشكل مبالغ فيه، قد يؤدّي ذلك إلى تآكل ثقتهم بالنظام القضائي برمّته.
لا يرغب المحامون في خوض معركة صفرية مع أطراف في المنظومة القضائية، لكنّ استمرار نهج فرض الرسوم على الخدمات سيجعل التصعيد قائماً، لا سيّما وأن السنوات الماضية شهدت احتجاجات مماثلة بطلها كان المحامون، كونهم يشكّلون أكبر النقابات المهنية في مصر، ويلعبون دوراً لا غنى عنه يصعب استبداله من السلطة أو تجاهله.
“نقابة المحامين دائماً ساحة مفتوحة للاحتجاج والاعتراض، وتستمدّ قوّتها من هيكلها الضخم، لأن عدد المحامين المسجّلين في النقابة يتجاوز الـ500 ألف محامٍ، ولدينا مقارّ في جميع المحافظات أكثر من مقارّ وزارتي العدل والداخلية، والدولة دائماً تحاول نزع فتيل الأزمة بين المحامين والقضاة من جانب، والمحامين والشرطة من جانب آخر، بسبب قوّة النقابة”، يضيف المحامي الحقوقي مالك عدلي.
احتجاجات المحامين ليست إلا عنواناً لهذه المرحلة التي تزداد فيها وتيرة الاحتجاجات في مصر على أكثر من مستوى، إذ تشير “حركة الاشتراكيين الثوريين” إلى رصدها 56 احتجاجاً عمّالياً ومهنياً واجتماعياً في الشهور الأربع الأولى من العام الجاري، بالمقارنة مع 41 احتجاجاً جرى في الشهور الأربعة الأولى خلال العام 2024، كما تزايد خلال هذه الفترة لجوء العمال إلى سلاح الإضراب، رغم القوانين التي تجرّمه فعلياً بالمقارنة مع العام الماضي، إذ سجّل الربع الأوّل من العام الحالي 14 إضراباً، مقابل 4 إضرابات فقط خلال الشهور الأولى من العام الماضي.
إقرأوا أيضاً:
نقابة الصحافيين في قبضة “تيّار الاستقلال”
على مقربة من موقع نقابة المحامين في وسط العاصمة التي تشهد تصعيداً كبيراً، كانت الجارة الملاصقة نقابة الصحافيين المصريين محطّ الأنظار خلال الأسابيع الماضية، حيث أُعيد انتخاب نقيب الصحافيين المحسوب على “تيّار الاستقلال” خالد البلشي بعد منافسة مع مرشّح مدعوم من الحكومة ينتمي إلى مؤسّسة “الأهرام”، إحدى أقدم المؤسّسات الصحافية في مصر التي استحوذت على هذا المنصب في كثير من الجولات.
نجح البلشي ورفاقه من المحسوبين على “تيّار الاستقلال”، الذين يمثّلون طيفاً واسعاً من المنتمين إلى صحف ومواقع معارضة، وغيرهم ممن يحملون على عاتقهم استقلال العمل النقابي وحرّية الصحافة، في السيطرة على غالبية المقاعد، رغم محاولات دؤوبة من الدولة لإزاحة هذا التيّار عن النقابة، عبر حملات شرسة قادها صحافيون لمحاولة تشويههم، والتشكيك في قدراتهم على تمثيل جموع الصحافيين مع الدولة.
عادت نقابة الصحافيين في عهد البلشي إلى تأدية دورها في الدفاع عن الصحافيين وحرّية الصحافة بعد سنوات من التأميم الحكومي للنقابة، وأحيا البلشي دور النقابة كساحة للاحتجاج، حيث احتضنت سلالم النقابة عدّة مظاهرات تضامنية مع القضية الفلسطينية، بمشاركة من الصحافيين والقوى السياسية والحقوقية.
توحّدت جهود نقابتي الصحافيين والمحامين في مواقف كثيرة خلال العامين الماضيين، حيث تضامن البلشي في خطاب أخير وجّهه إلى نظيره عبد الحليم علّام نقيب المحامين، أكّد فيه دعمه نضال المحامين بالتصدّي لزيادة الرسوم القضائية.
كما توحّدت جهود نقابات الصحافيين والمحامين والمهندسين في التصدّي للممارسات الاحتكارية في قطاع مختبرات التحاليل الطبية، حيث أوقفت النقابات الثلاثة التعامل مع بعض المعامل، بسبب زيادة أسعار الخدمات التي تقدّمها، وتجاوزها نسبة 30% مقارنة بالأسعار المتّفق عليها، ما يؤشّر إلى وجود اصطفاف مهني في الكثير من القضايا.
برأي الباحث العمّالي هشام فؤاد، فإن “استعادة التحالف المطلبي بين المهنيين بات ضرورياً للتصدّي للهجوم على حقوق العاملين، كما أن هناك ضرورة لتجاوز الانقسام بين نقابات العمّال وبين النقابات المهنية، عبر خلق مظلّة نقابية جامعة تضمّ ممثّلي العاملين بأجر سواء كانوا مهنيين أو عمّالاً”.
يُرجع فؤاد في حديثه لـ”درج” استعادة النقابات أدوارها لتشكيل جماعات ضغط إلى “رغبة النظام في خلق هوامش للتنفيس الاجتماعي في مواجهة المعدّلات الخطرة لهبوط الملايين تحت خط الفقر”، مرجعاً زيادة معدّلات الاحتجاج على المستوى المهني والعمالي إلى “التدهور الحادّ في المعيشة، وعدم التزام شركات القطاع الخاصّ بتطبيق الحدّ الأدنى للأجور”.
إلا أن النقابات لم تسلم من التدخّلات الأمنية حتى الآن، ويواجه المستقلّون محاولات إقصائهم عن مراكز ثقلهم، فلم تتوقّف محاولات سحب الثقة من نقيب المهندسين المستقلّ طارق النبراوي من قِبل أعضاء هيئة المكتب المحسوبين على حزب الغالبية “مستقبل وطن”، إلا أن المحاولات تحطّمت على صخرة النقابة بتأييد بقاء النقيب المستقلّ على رأس النقابة.
النقابات في مرمى السلطات
ولطالما كانت النقابات المهنية هدفاً للأنظمة السلطوية في المنطقة العربية، سواء بالسيطرة عليها، أو بتفريغها من مضمونها وأهدافها، أو بإبعاد قياداتها عن العمل المهني والسياسي، فمنذ بدايات القرن العشرين، وفي ظلّ الاحتلال البريطاني، سعى نظام حكم أسرة محمد علي الوراثي إلى تدجين الجمعيات والنقابات التي نشأت في خضمّ النضال الاجتماعي والوطني للمصريين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي خمسينيات القرن الماضي، في خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر، دمجت السلطة السياسية المنظّمات العمّالية والمهنية في الدولة، لتؤدّي دوراً محورياً في خدمة تنظيمها السياسي وتوجّهها الأيديولوجي، كما عمدت السلطة إلى استخدام أساليب عديدة لمحاصرة النقابات المهنية وتطويعها وتكبيلها من الداخل، وتدخّلت بشكل مباشر لحلّ مجالسها، وهو نهج تكرّر مرّتين مع الصحافيين بموجب قرارات إدارية، الأولى في 15 نيسان/ أبريل 1954، والثانية في 15 آذار/ مارس 1967، كما تكرّرت مع غيرهم.
واستمرّ هذا الأسلوب حسبما ترصد الورقة البحثية “النقابات المهنية المصرية و18 عاماً من المعارك القانون 100″، حتى نهاية عهد الرئيس أنور السادات في العام 1981، الذي أصدر قراراً همايونياً ضدّ نقابة المحامين بفرض مجلس معيّن بديلاً من المنتخب، كما لجأت سلطة الدولة إلى “منظومة العدالة” من خلال استمرار اختصاصها بإصدار قوانين النقابات المهنية وتعديلاتها منذ العهد الملكي، سواء بمراسيم للسلطة التنفيذية، أو بتشريع برلمانات خاضعة لسيطرتها، أو باللجوء إلى ساحات المحاكم وأحكامها.
انتقل الصراع على النقابات المهنية واستقلاليتها إلى مرحلة جديدة دامت نحو 18 عاماً، بصدور القانون 100 للعام 1993، فرضت بموجبه الدولة الحراسة على بعض النقابات وجمّدت الانتخابات في عدد آخر، حتى تمّ إلغاء القانون بحكم من المحكمة الدستورية في 2 كانون الثاني/ يناير 2011.
بعودة النقابات، تطرَح الأسئلة عن هذه المساحة المشتعلة التي لم تستغلّها بعد القوى السياسية المعارضة في مصر، ولم تقدم على الاشتباك الحقيقي مع قضايا تهمّ شريحة عريضة من الجماهير، فالأحزاب لم تبادر حتى الآن إلى الانخراط في معارك نقابة المحامين داخل منظومة التقاضي، حتى وإن كانت تمسّ حقوق المواطنين وتثقل من أعبائهم بزيادة الرسوم بتحمّلهم فاتورة التحوّل إلى “الميكنة”، وهو الحال أيضاً في ملفّ احتجاجات العمّال المتزايدة على تدنّي الرواتب، وعدم تطبيق الحدّ الأدنى للأجور في الكثير من الشركات.
“الأحزاب المعارضة تتحسّس من الانخراط بقوّة في العمل النقابي، ومساندة الاحتجاجات التي يقودها المحامون ضدّ زيادة رسوم التقاضي، وغيرها من معارك النقابات مع السلطة التشريعية والتنفيذية، حتى لا نتّهم بتسييس العمل النقابي وإضفاء طابع الحزبية على الحراك النقابي، لكن هذا في تقديري تقصير منّا، لأن هناك قضايا جماهيرية يجب الاشتباك معها ومساندتها بالحضور أو توفير الظهير السياسي لها”، يقول مدحت الزاهد رئيس حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” أحد الأحزاب الرئيسية في الحركة المدنية الديمقراطية.
يلفت الزاهد في حديثه لـ””درج” إلى أن “قبضة الدولة على العمل النقابي ومحاولات الوصاية على جمهورها تقلّصت بشكل ملحوظ، ما سمح بتمكين “تيّار الاستقلال” في نقابات مثل الصحافيين والمهندسين والأسنان، وتشكيل جماعات ضغط تتبلور في التصدّي لقوانين تحاول السلطة تمريرها، بما فيها القيود على حرّية الصحافة وقوانين أخرى تمسّ الحقوق الشخصية مثل قانون الإجراءات الجنائية، الذي عارضته نقابتا المحامين والصحافيين، وهو ما انعكس أيضاً على موقف هذه النقابات من تنظيم احتجاجات أمام مقارّها مثل الوقفات الاحتجاجية التي ينظّمها صحافيون ونشطاء سياسيون تضامناً مع القضية الفلسطينية على سلالم نقابة الصحافيين في وسط العاصمة”.
“هذه المحاولات الخجولة التي تجري في هذا السياق من جانب الأحزاب يجب البناء عليها، فالحركة الاجتماعية يبدو؛ رغم التضحيات الجسيمة من اعتقالات وفصل وتهديدات، أنها ستتواصل، وهي في نضالها تستطيع أن تستعيد الديمقراطية للمجتمع كلّه، وفي الوقت ذاته تعيد بناء القوى السياسية بكوادر جديدة، بعد سنوات الجفاف الطويلة، لذا يجب على القوى السياسية وبالأخصّ اليسار، أن يضع مطالب العاملين بأجر في الحرّية النقابية ورفع الأجور لمواجهة التضخّم عبر إعادة توزيع الثروة في المجتمع في صدارة برامجه ومطالبه من الحكومات”، حسبما يقول الباحث هشام فؤاد.
“يجدّد الحراك الذي تشهده أروقة النقابات المهنية في مصر الحديث عن مسارات بديلة تفرضها الضغوط والأوضاع الاقتصادية المأزومة والمتغيّرات الجيوسياسية في المنطقة، التي تشهد اشتعالاً كبيراً على أكثر من جبهة، على نحو قد يدفع السلطة إلى إعادة هندسة المشهد السياسي خشية من انفجارات داخلية قد تعصف باستقرارها”، يختم مدحت الزاهد.
إقرأوا أيضاً:













