ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الهرب من الذات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شعرت أنني أتلاشى، جسد يتآكل ببطء مذهل، وكأن الوجود يرفضني، وأنا أوافق على ذلك بصمت. هل هكذا تكون النهايات؟ صامتة، بلا مقاومة، بلا أي قدرة على التعبير عن هذا الفراغ الموحش؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كانت الأيام الثلاثة التي قررت قضاءها مع جدتي أشبه بمحاولة عابثة للهرب.  للهرب من طنين رأسي. لكن كيف يهرب المرء من أفكاره؟ كنت أقول لنفسي: “هنا، ربما أرتاح”، لكن راحة العقل مستحيلة حين يكون الألم هو القاعدة. كل شيء بدا محتوماً، الموت ليس فكرة بعيدة، إنه شبح يسير بجانبي، يحدّق بكل خطوة، يملأ الأفق بظلاله، وينتظر فقط أن أختار الطريقة.

لم أستطع الكتابة. الكلمات نفسها تفرّ مني كما لو كانت تخاف العدوى، حتى الطعام صار عملًا آلياً مستحيلاً، والكلام مجرد جهد منهك. شعرت أنني أتلاشى، جسد يتآكل ببطء مذهل، وكأن الوجود يرفضني، وأنا أوافق على ذلك بصمت. هل هكذا تكون النهايات؟ صامتة، بلا مقاومة، بلا أي قدرة على التعبير عن هذا الفراغ الموحش؟

الصمت والفراغ الداخلي

لماذا نستمرّ في تكرار الأحاديث القصيرة الخاوية كل صباح؟…”أخبريني عنكِ”، قالها بصوت عابر، “أتيكيت التعارف” اللعين. رأيته بلا وجه، وكأنه مرآة تكسرت فلا ملامح واضحة فيها، لِمَ الذباب على وجهه؟ كلماته تتسلل كقطرات سامة، لا تحمل معنى سوى تكرار مجاملات فارغة، أهذه طريقتنا للتواصل؟ أهكذا نعكس حقيقتنا؟

أقف عاجزة عن قراءة وجهه، هل يعلم أنني حتى لن أحفظ اسمه؟ عناقه من غبار، لم يعنِ شيئاً، وابتسامته مجرد نسخة مكررة مسروقة من فلان وفلان.

“أخبريني عنكِ”، ما الذي يمكن أن أقوله؟ ماذا عن الخوف والهلع؟ عن الشياطين التي تطاردني؟

أتذكر نثراً كتبته عن الجموع وصعوبة فهمهم:

“كرات الثلج هذه

ها هي تستقر كلوح فولاذي

تبدو لامعة،

جذابة،

ألمها يخدّر كل ألم

كل من حولي يتحرك بغباشة

ضباب أجسام لا شكل واضح لها

غريبون كثر،

حركتهم بطيئة سريعة،

أتساءل،

هل الزمان متوقف عندي أم هو سريع عندهم؟

أأنا الوحيدة القلقة؟

أم لأنني وحيدة وقلقة؟”.

ثم يعاود صوته ليقطع شرودي: “ماذا قلتِ؟ أخبريني عنكِ”.

الورقة الفارغة أمامي، القطة السوداء على الرصيف، المرايا على طريق الجميزة؛ كلها أصلح مني لتخبرك… هي تعرف عن التواصل ما لم أتعلّمه، عن صعوبته، أما أنا، فأراك بلا وجه، وصوتك خافت، كحفيف بلا معنى ولا صوت. “ما لك ومالي؟”، أتساءل في داخلي، لكنه لم يكتفِ: “أخبريني عنكِ”.

بين مدينتين

أعيش بين مدينتين، تحمل كل منهما شذرات من الموت البطيء. طرابلس، مدينة تختنق بصمتها، أبنيتها تتلوى وكأنها تحاول الهروب من واقعها، وناسها يمشون فيها كأطياف مثقلة بالهموم. بيروت، مدينة غارقة في الخرسانة، حيث أبراجها تغطي الأفق وصخبها لا يستطيع أن يُخفي الصمت الداخلي. 

أحياناً، أتوقف أمام المباني المهجورة وأتخيل نفسي أقفز منها، ربما يجدني أحدهم، وربما لا. ربما يُبنى فوق جسدي نادٍ ليلي أو جامعة جديدة. الاحتمالات عبثية، لكنني لا أملك طاقة للاهتمام.

لِمَ الوحدة؟

الوحدة لم تمرّ يوماً مرور الكرام، حالة وجودية تتشبع حياتي بها. الطريق بين طرابلس وبيروت مملوء بأجساد تتحرك بلا حياة، جثث حيّة. أعود إلى جدراني التي أحياناً أهرب منها، وأحياناً أستجديها أن تحتويني. هل أطبق على المنزل أم أنه يُطبق عليّ؟

“تبدين متعبة، أخبريني عنكِ”. أريد أن أقول له ما يريد علّه يتركني أو يرى آخرين غيري… لكن الكلمات تخونني، فالصمت أجدى، لا أريد شفقتك، بين شرود وشرود، فراغ يمتد بلا نهاية، فراغ ينطق بلا صوت.

عن الصمت والشرود

كمّ من سجائر ابتلعتها أتلفت كلمات، كمّ من شرود عجزت عن وصفه، كمّ من معانٍ حاولت خلقها، ثم رأيتها في لحظة واحدة تتلاشى، كأنها لم تكن…

عما خلقته من معنى، ثم أراه في برهة أخرى من دون معنى، عما كتبته، وعما ظل حبيس الصمت. عن تلك المحاولات المستميتة للفهم، التي أخيراً ما تنتهي بلا فهم. عن الخوف، عن فقدان الأمل، عن المرايا التي لم تعد تعكس وجهي، عن ملامحي التي بدأت تتلاشى. عما يحدث ويدور حولي، حرب وقصف وهجرات وهأنذا أتلعثم في عدّهم… لأجدني أراني ولا أرى أو أفهم أياً منهم. كاقتلاعٍ من جذور. أو هو رماد من عبث؟

بين الحياة والموت

يحدث أن يتوقف جهازي الإدراكي اللعين عن العمل بين الحين والآخر، وكأنني أقف بين الحياة والموت فجأة وأتساءل: هل أنا هنا؟ أم أنني مجرد صدى؟

أتساءل: “هل جرأة الحديث بصدق هي انتحار آخر؟ أم أن الصمت، بكل عبثيته، هو الخيار الأكثر أماناً؟”.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
21.12.2024
زمن القراءة: 3 minutes

شعرت أنني أتلاشى، جسد يتآكل ببطء مذهل، وكأن الوجود يرفضني، وأنا أوافق على ذلك بصمت. هل هكذا تكون النهايات؟ صامتة، بلا مقاومة، بلا أي قدرة على التعبير عن هذا الفراغ الموحش؟

كانت الأيام الثلاثة التي قررت قضاءها مع جدتي أشبه بمحاولة عابثة للهرب.  للهرب من طنين رأسي. لكن كيف يهرب المرء من أفكاره؟ كنت أقول لنفسي: “هنا، ربما أرتاح”، لكن راحة العقل مستحيلة حين يكون الألم هو القاعدة. كل شيء بدا محتوماً، الموت ليس فكرة بعيدة، إنه شبح يسير بجانبي، يحدّق بكل خطوة، يملأ الأفق بظلاله، وينتظر فقط أن أختار الطريقة.

لم أستطع الكتابة. الكلمات نفسها تفرّ مني كما لو كانت تخاف العدوى، حتى الطعام صار عملًا آلياً مستحيلاً، والكلام مجرد جهد منهك. شعرت أنني أتلاشى، جسد يتآكل ببطء مذهل، وكأن الوجود يرفضني، وأنا أوافق على ذلك بصمت. هل هكذا تكون النهايات؟ صامتة، بلا مقاومة، بلا أي قدرة على التعبير عن هذا الفراغ الموحش؟

الصمت والفراغ الداخلي

لماذا نستمرّ في تكرار الأحاديث القصيرة الخاوية كل صباح؟…”أخبريني عنكِ”، قالها بصوت عابر، “أتيكيت التعارف” اللعين. رأيته بلا وجه، وكأنه مرآة تكسرت فلا ملامح واضحة فيها، لِمَ الذباب على وجهه؟ كلماته تتسلل كقطرات سامة، لا تحمل معنى سوى تكرار مجاملات فارغة، أهذه طريقتنا للتواصل؟ أهكذا نعكس حقيقتنا؟

أقف عاجزة عن قراءة وجهه، هل يعلم أنني حتى لن أحفظ اسمه؟ عناقه من غبار، لم يعنِ شيئاً، وابتسامته مجرد نسخة مكررة مسروقة من فلان وفلان.

“أخبريني عنكِ”، ما الذي يمكن أن أقوله؟ ماذا عن الخوف والهلع؟ عن الشياطين التي تطاردني؟

أتذكر نثراً كتبته عن الجموع وصعوبة فهمهم:

“كرات الثلج هذه

ها هي تستقر كلوح فولاذي

تبدو لامعة،

جذابة،

ألمها يخدّر كل ألم

كل من حولي يتحرك بغباشة

ضباب أجسام لا شكل واضح لها

غريبون كثر،

حركتهم بطيئة سريعة،

أتساءل،

هل الزمان متوقف عندي أم هو سريع عندهم؟

أأنا الوحيدة القلقة؟

أم لأنني وحيدة وقلقة؟”.

ثم يعاود صوته ليقطع شرودي: “ماذا قلتِ؟ أخبريني عنكِ”.

الورقة الفارغة أمامي، القطة السوداء على الرصيف، المرايا على طريق الجميزة؛ كلها أصلح مني لتخبرك… هي تعرف عن التواصل ما لم أتعلّمه، عن صعوبته، أما أنا، فأراك بلا وجه، وصوتك خافت، كحفيف بلا معنى ولا صوت. “ما لك ومالي؟”، أتساءل في داخلي، لكنه لم يكتفِ: “أخبريني عنكِ”.

بين مدينتين

أعيش بين مدينتين، تحمل كل منهما شذرات من الموت البطيء. طرابلس، مدينة تختنق بصمتها، أبنيتها تتلوى وكأنها تحاول الهروب من واقعها، وناسها يمشون فيها كأطياف مثقلة بالهموم. بيروت، مدينة غارقة في الخرسانة، حيث أبراجها تغطي الأفق وصخبها لا يستطيع أن يُخفي الصمت الداخلي. 

أحياناً، أتوقف أمام المباني المهجورة وأتخيل نفسي أقفز منها، ربما يجدني أحدهم، وربما لا. ربما يُبنى فوق جسدي نادٍ ليلي أو جامعة جديدة. الاحتمالات عبثية، لكنني لا أملك طاقة للاهتمام.

لِمَ الوحدة؟

الوحدة لم تمرّ يوماً مرور الكرام، حالة وجودية تتشبع حياتي بها. الطريق بين طرابلس وبيروت مملوء بأجساد تتحرك بلا حياة، جثث حيّة. أعود إلى جدراني التي أحياناً أهرب منها، وأحياناً أستجديها أن تحتويني. هل أطبق على المنزل أم أنه يُطبق عليّ؟

“تبدين متعبة، أخبريني عنكِ”. أريد أن أقول له ما يريد علّه يتركني أو يرى آخرين غيري… لكن الكلمات تخونني، فالصمت أجدى، لا أريد شفقتك، بين شرود وشرود، فراغ يمتد بلا نهاية، فراغ ينطق بلا صوت.

عن الصمت والشرود

كمّ من سجائر ابتلعتها أتلفت كلمات، كمّ من شرود عجزت عن وصفه، كمّ من معانٍ حاولت خلقها، ثم رأيتها في لحظة واحدة تتلاشى، كأنها لم تكن…

عما خلقته من معنى، ثم أراه في برهة أخرى من دون معنى، عما كتبته، وعما ظل حبيس الصمت. عن تلك المحاولات المستميتة للفهم، التي أخيراً ما تنتهي بلا فهم. عن الخوف، عن فقدان الأمل، عن المرايا التي لم تعد تعكس وجهي، عن ملامحي التي بدأت تتلاشى. عما يحدث ويدور حولي، حرب وقصف وهجرات وهأنذا أتلعثم في عدّهم… لأجدني أراني ولا أرى أو أفهم أياً منهم. كاقتلاعٍ من جذور. أو هو رماد من عبث؟

بين الحياة والموت

يحدث أن يتوقف جهازي الإدراكي اللعين عن العمل بين الحين والآخر، وكأنني أقف بين الحياة والموت فجأة وأتساءل: هل أنا هنا؟ أم أنني مجرد صدى؟

أتساءل: “هل جرأة الحديث بصدق هي انتحار آخر؟ أم أن الصمت، بكل عبثيته، هو الخيار الأكثر أماناً؟”.

21.12.2024
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية