ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الهروب من المغرب: قرارُ الشعب في عيد العرش 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين ينقشع كل شيء، لا يبقى من القضيّة سوى الحقيقة المتكرّرة؛ أجساد منهكة ومنتهكة، أعين لم تنم، وأحلام معلّقة بين ضفّتين لا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات قليلة، لكنّها تختصر سنوات من الإحباط، سنوات عمر جيل كامل وُلد مع تولّي الملك للحكم وها هو يحتفل بذكرى العرش بالفرار من “مملكة الرعب”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في عيد العرش، وفي اليوم التالي للخطاب الذي ألقاه الملك محمّد السادس، كانت الكلمات تُشيد بمغرب يبدو في الخطاب الملكي واحة للاستقرار والإنجاز. وفي تطوان، كانت مراسم البيعة تتكرّر بطقوسها الموروثة؛ رؤوس تنحني، وأجساد تركع، في مشهد يعيد كل عام تأكيد العلاقة بين العرش والرعية.

لكن، على بعد بضع كيلومترات فقط، كانت رواية أخرى تُكتب فوق مياه البحر، فهناك، على شواطئ المضيق؛ لم تكن الرؤوس تنحني، بل كانت ترتفع بصعوبة فوق الأمواج، لم يكن الناس يركعون، بل كانوا يصارعون الموج؛ رجال ونساء وأطفال، حتى الحوامل حملن صغارهنَّ على ظهورهنَّ، وألقى الجميع بنفسه في اليم يغالبون لجج البحر نحو سبتة، هاربين من اليابسة التي يفترض أنها وطنهم.

وفي اللحظة التي كانت فيها المملكة تحتفل بعيد العرش، كان جزء من رعاياها يحتفل، بطريقته الخاصّة، بالنجاة من البحر؛ وبين مشهد البيعة على شاشات القنوات الرسمية، ومشاهد السباحة هرباً، بدت المفارقة أكثر بلاغة من أي خطاب؛ فهناك من يجدّد الولاء لملك وطن المحظوظين من رعاياه، وهناك من لا أب محظوظ له ولا أمّ اختار أن يغامر بحياته بحثاً عن ضفّة أخرى.

في الظروف العادية، وفي كل مرّة يلفّ فيها الضباب مياه سبتة، لا يخفي البحر حدوده فقط، بل يخفي أيضاً أسماء الذين يعبرونه خلسة، في نوع من الهجرات يسمّى في اللغة الرسمية غير الحقوقية بـ”الهجرة السرّية”، وفي الظروف غير العادية؛ حين تغمض أعين حرّاس الحدود أجفانها في لعبة السياسة، تصبح الهجرة علنية، بل حجّاً للجيب المحتلّ. 

وحين ينقشع كل شيء، لا يبقى من القضيّة سوى الحقيقة المتكرّرة؛ أجساد منهكة ومنتهكة، أعين لم تنم، وأحلام معلّقة بين ضفّتين لا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات قليلة، لكنّها تختصر سنوات من الإحباط، سنوات عمر جيل كامل وُلد مع تولّي الملك للحكم وها هو يحتفل بذكرى العرش بالفرار من “مملكة الرعب”.

يوم الخميس، وقبل الفجر بقليل، كانت امرأة حامل تقاوم الغرق أكثر ممّا تقاوم الموج؛ على ظهرها رضيع لم يتعلّم بعد معنى الوطن، وإلى جوارها زوج يسبح وكأنه يطارد آخر فرصة للحياة؛ لم تكن تلك الأسرة تبحث عن مغامرة، بل عن حلم رومنسي تتجلّى فيه شعارات لطالما صدحت بها حناجر المغاربة فأجابتهم الزنازين ولغة النار والحديد.

هذه العائلة، انتشلها عناصر الإنقاذ الإسبان قبل أن يضيف البحر أسماءهم إلى قائمة ضحاياها الطويلة؛ وفي اللحظة نفسها تقريباً، كانت عائلات أخرى تخوض الرحلة ذاتها، فيما كان عشرات الشبّان يخرجون من الماء وهم يقبّلون الرمل، كأن اليابسة أصبحت وطناً مؤقّتاً، أو نجاة مؤجّلة.

في هذه المرّة، سبتة لم تعد مجرّد مدينة حدودية، أو جيب أوروبي في خاصرة إفريقيا؛ بل بدت المدينة الصغيرة كمرآة كبيرة يرى فيها الجميع صورته؛ ترى فيها أوروبا حدودها الخارجية أو “الجنوبية” بلغة البيانات، ويرى فيها المغرب شبابه وهو يغادره سباحة، ويرى فيها البحر دوره القديم بوصفه شاهداً لا ينحاز إلى أحد؛ يمنح النجاة للبعض، ويحتفظ بالبقيّة في أعماقه.

الأرقام، مهما تضخّمت، لا تستطيع أن تروي ما يحدث؛ فهنا تتحدّث الحكومات عن آلاف العابرين، وعن مراكز استقبال مكتظّة، وعن قوانين ومحاكم، وعن اجتماعات طارئة وزيارات رسمية، وهناك كل رقم يخفي إنساناً له اسم وأمّ وذكريات ومدينة تركها خلفه… وكل رقم هو حكاية اختزلتها الإحصاءات في خانة جديدة.

أحدث التطوّرات في الأزمة دفعت رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز إلى التوجّه إلى سبتة، بينما تعمل الرباط ومدريد على تنسيق عمليّات إعادة الوافدين، وسط استمرار الجدل السياسي والحقوقي حول كيفية إدارة الأزمة. 

من السهل بمكانٍ أن يقال إن هؤلاء “مهاجرين غير نظاميين”، ومن السهل أيضاً أن تتحوّل صورهم إلى مادّة للصراع السياسي بين الحكومات والأحزاب. لكنّ الأصعب هو أن يُسأل السؤال الحقيقي: ما الذي يجعل آلاف الشباب يقتنعون بأن البحر، بكل ما فيه من موت، أكثر رحمة من اليابسة التي جاءوا منها؟

لا أحد يسبح نحو المجهول لأنه يحبّ المغامرة، فالإنسان بطبيعته يبحث عن الأمان، لا عن الخطر، وعندما يصبح البحر خياراً عقلانياً، فذلك يعني أن يابسة الوطن فقدت قدرتها على إقناع أبنائها بالبقاء، وقديماً قالت العرب “اليائس معذور”! 

الهجرة ليست مجرّد حركة عرفتها البشرية منذ نفي آدم وحواء في الأرض، ولا هي ارتحال مدفوع بالعوامل المادّية والاجتماعية والسياسية في بلد ما؛ بل يحدث أن تصير تصويتاً صامتاً بـ”لا” ضد أحزاب سياسية تعيش فترة التسخينات الانتخابية. بل ويحدث أن تكون لحظة يقول فيها الإنسان، من دون كلام، إنه لم يعد يرى مستقبله في المكان الذي وُلد فيه… ولهذا فإن معالجة الهجرة تبدأ قبل الحدّ من التدفّقات البشرية الفارّة بكثير؛ تبدأ من المدرسة، ومن سوق العمل، ومن العدالة الاجتماعية، ومن شعور المواطن بأن هناك وطناً يتّسع له؛ وطناً لا يعتقل شباب “جيل زد” لأنهم طالبوا بالمدارس والمستشفيات بدل ملاعب تستنزف ميزانية بلادهم من أجل أن يُقام “كأس العالم”.

تتعدّد السيناريوهات المتداولة لمحاولة تفسير هذه التراجيديا المغربية التي رأيناها في سبتة، وتتعدّد معها القراءات السياسية للأزمة؛ فثمّة من يربطها بما دار بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارة الأوّل إلى الجزائر، وما رافقها من اتّفاقيات في مجال الطاقة والغاز. 

ويرى آخرون أن الأمر يتّصل بمشروع قانون التجنيس الإسباني الخاصّ بالصحراويين، السكّان الأصليين لإقليم الصحراء الغربية، المستعمرة الإسبانية السابقة.

وفي المقابل، تذهب قراءة ثالثة إلى أن الأزمة تأتي في سياق أوسع، يتداخل فيه التقارب المغربي مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، والعلاقات التي يمتلكها المغرب مع بعض قوى اليمين الإسباني، ومع التوازنات السياسية الهشّة التي يعيشها بيدرو سانشيز. 

ووفق هذا التأويل، فإن موجة العبور إلى سبتة تمثّل حلقة جديدة في الضغوط التي يتعرّض لها رئيس الوزراء الإسباني، في ظلّ الجدل حول تأخّر حكومته في نقل إدارة المجال الجوّي للصحراء الغربية إلى المغرب، ومواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية، وهي مواقف جعلته هدفاً لحملات متواصلة من أحزاب اليمين المتطرّف في إسبانيا، ومن بعض القوى اليمينية في أوروبا، فضلاً عن انتقادات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين.

ثمّة قراءة أخرى للأزمة، تربطها بسياسة “تصدير الحدود” التي انتهجها الاتّحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، والقائمة على نقل عبء ضبط الهجرة إلى دول الجوار، مقابل أثمان سياسية ومالية. ويذهب أصحاب هذه القراءة إلى أن الاتّفاقيات التي أبرمتها إسبانيا مع موريتانيا والسنغال، قلّصت من هامش الدور المغربي في ما يسمّى بـ”مكافحة الهجرة”، وهو ما عُدّ، في نظرهم، مساساً بمكانة راهنت الرباط طويلاً على تكريسها باعتبارها الحارس الأكثر فاعلية للبوّابة الجنوبية لأوروبا.

ولعلّ ما يعزّز هذا الطرح، في نظرهم، أن المغرب سبق أن دفع كلفة سياسية وحقوقية باهظة في “مجزرة مليلية” يوم الـ24 حزيران/ يونيو 2022، حين تحمّل، عملياً، مسؤولية حماية الحدود الإسبانية، فيما سالت دماء عشرات المهاجرين وطالبي اللجوء على السياج الفاصل بين مليلية والناظور، ولا يقتصر الأمر، بحسب هذا التصوّر، على حماية الحدود، بل يمتد إلى تحمّل تبعات كارثة إنسانية لطالما وُجّهت بشأنها أصابع الاتّهام إلى مدريد، حتى بدا وكأن الرباط كانت تغسل عنها أوزار الفضيحة الحقوقية وتمنحها غطاء سياسياً أمام العالم.

قبلها كانت الرسالة قد وصلت بالفعل إلى مدريد في 17 أيّار/ مايو 2021، عندما تدفّق نحو عشرة آلاف مهاجر إلى سبتة خلال ساعات، في مشهد لم يكن أزمة حدودية عابرة، بل كان إنذاراً سياسياً صاخباً، على علاج إسبانيا لإبراهيم غالي زعيم جبهة “البوليساريو” التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

وفي جوهر تلك الرسالة، كانت الرباط تستبق، عملياً، ما سيقوله الملك محمّد السادس بعد عام، حين أعلن أن “ملفّ الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم؛ أي إن قضيّة الصحراء الغربية لم تعد، في هذا المنطق، مجرّد نزاع ولا ملفّ سياسي أو دبلوماسي، بل أصبحت الميزان الذي تُوزن به التحالفات، والمفتاح الذي تُفتح به أو تُغلق أبواب التعاون، وفي مقدّمتها التعاون في ملفّ الهجرة والتنسيق الأمني ضد الإرهاب والجريمة المنظّمة العابرة للحدود.

غير أن الرباط، بعد تطبيع العلاقات مع حكومة بيدرو سانشيز وعودة الدفء إلى القنوات الدبلوماسية، اكتشفت – وفق هذه القراءة – أنها كانت تراهن على معادلة مختلفة؛ أثبت الرجل القشتالي قدراً كبيراً من البراغماتية؛ انحنى للعاصفة حتى تمرّ، وأجاد استثمار رياحها لمصلحته. لم يمنح المغرب أكثر من رسالة شخصية، تحمل موقفاً سياسياً “مقترح الحكم الذاتي للعام 2007 الخيار الأنسب لحلّ النزاع ضمن قرارات الأمم المتّحدة”، وهو موقف لا يرقى إلى التزام قانوني أو استراتيجي يُلزم الدولة الإسبانية، فكسب بها الوقت، واحتوى أزمة كادت تعصف بحكومته.

لكنّ السياسة شأنها شأن البحر، لا تعترف بالديون المؤجّلة؛ فبعد أكثر من أربع سنوات، وجد سانشيز نفسه أمام واقع يُعيد طرح الأسئلة ذاتها، ولكن بأدوات أشد وقعاً؛ فإذا كانت الرسالة الأولى قد كُتبت على أمواج سبتة سنة 2021، فإن أزمة سبتة في صيف 2026 بدت، في نظر أصحاب هذا الطرح، وكأنها الفصل الأخير في قصّة براغماتية اشترت الوقت، لكنّها لم تستطع شراء اليقين؛ فقد باعت السراب ولم تحصد سوى العطش، بينما كانت الطعنات تتوالى من كل صوب، حتى جاءت الأزمة لتطلق رصاصة الرحمة على مستقبل سانشيز السياسي.

في صالونات السياسة المغربية، تُعيد الأزمة الحكاية القديمة والدائمة نفسها؛ هي سردية صراع أجنحة الدولة، لكنّها في هذه المرّة تُعاد مقرونة بأن أحداً ما في مكان ما من البلاد، يحاول ابتزاز الملك والضغط عليه، مستعملاً بؤس شعب تسحقه أحذية البوليس والفقر والبطالة!

غير أن جميع هذه السيناريوهات على اختلافها، تبقى في حدود التأويل السياسي، إذ لم تظهر حتى الآن معطيات أو أدلّة قاطعة تسمح بحسم الأسباب المباشرة التي أفضت إلى هذه الموجة غير المسبوقة من العبور نحو سبتة.

وسواء أصابت هذه القراءات أم أخطأت، فإن المشهد الذي ارتسم على شواطئ سبتة سيبقى عصيّاً على النسيان؛ آلاف المغاربة، من مختلف الأعمار، وجلّهم في عمر الزهور، يهرولون نحو البحر، ويتحدّون أمواجه العاتية، هرباً من وطن ضاقت بهم منافذه، حتى بدا البحر بكل جبروته، أقلّ قسوة من الاستبداد الذي تركوه خلفهم.

ستظلّ تلك الصور بما تختزنه من ألم ورمزية، إحدى أكثر الصور أيقونية في تاريخ المغرب المعاصر؛ رعايا يفرّون من مملكتهم في الذكرى السابعة والعشرين لجلوس ملكهم على العرش… مفارقة سياسية كثيفة الدلالة، تختصر التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالمنجزات، والواقع الذي يدفع آلاف المواطنين إلى البحث عن خلاصهم في الضفّة الأخرى، ولو كان ثمنه المجازفة بالحياة.

ولعلّ التاريخ لن يتذكّر في هذه المناسبة كلمات الخطاب الملكي بقدر ما سيتذكر تلك الأجساد التي كانت تشقّ البحر نحو سبتة، وكأنها تكتب بأذرعها المنهكة وأجسادها المنتهكة، الرواية الأخرى لما سُمّي يوماً بـ”العهد الجديد”، فقرابة 100 قتيل هي حصيلة المأساة البشرية التي دفعت بنحو60 ألف مغربي ومغربية إلى الهروب من بلادهم في واضحة النهار.

أما أوروبا، فهي تجد نفسها مرّة أخرى أمام معضلتها القديمة: كيف تحمي حدوداً تحت إدارتها من دون أن تفقد إنسانيتها؟ وكيف تمنع العبور من دون أن تنسى أن الذين يصلون إلى شواطئها ليسوا موجاً، بل بشر؟

بعد أيام ستزداد عسكرة الحدود، وقد بدأ ذلك فعلاً، سيهدأ البحر قليلاً، سينقشع الضباب وسنرى الحقيقة، وستغادر كاميرات التلفزيون المكان، لكنّ شيئاً واحداً لن يتغيّر، سيظلّ هناك من يقف على الضفّة الجنوبية ينظر إلى أضواء سبتة وراء السياج الحدودي الشائك، ويعتقد أن المسافة بين اليأس والأمل يمكن قطعها بالسباحة في دجى الليل البهيم أو في حندس الظهر يأساً.

وهنا تكمن المأساة؛ فالبحر والحدود القريبة لم يكونا يوماً صانعي هجرة، بقدر ما هما شاهداها الأوّل والأخير؛ فالحدود لا تنادي، والبحر لا يغوي أحداً، وإنما يفتح صفحته الزرقاء اللازوردية لمن أُغلقت في وجوههم أبواب الوطن، أبواب مؤسّساته وأحزابه بكل ألوانها، معارضةً وموالاةً؛ فالذين يصنعون الهجرة حقاً، هم الذين جعلوا الوطن مكاناً يُفرّ منه، لا مكاناً يُحلم بالعودة إليه! ببساطة لأن الملك قال كل شيء في خطاب عرشه؛ كل شيء له، ينطلق منه ويعود إليه. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
08.08.2026
زمن القراءة: 8 minutes

حين ينقشع كل شيء، لا يبقى من القضيّة سوى الحقيقة المتكرّرة؛ أجساد منهكة ومنتهكة، أعين لم تنم، وأحلام معلّقة بين ضفّتين لا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات قليلة، لكنّها تختصر سنوات من الإحباط، سنوات عمر جيل كامل وُلد مع تولّي الملك للحكم وها هو يحتفل بذكرى العرش بالفرار من “مملكة الرعب”.

في عيد العرش، وفي اليوم التالي للخطاب الذي ألقاه الملك محمّد السادس، كانت الكلمات تُشيد بمغرب يبدو في الخطاب الملكي واحة للاستقرار والإنجاز. وفي تطوان، كانت مراسم البيعة تتكرّر بطقوسها الموروثة؛ رؤوس تنحني، وأجساد تركع، في مشهد يعيد كل عام تأكيد العلاقة بين العرش والرعية.

لكن، على بعد بضع كيلومترات فقط، كانت رواية أخرى تُكتب فوق مياه البحر، فهناك، على شواطئ المضيق؛ لم تكن الرؤوس تنحني، بل كانت ترتفع بصعوبة فوق الأمواج، لم يكن الناس يركعون، بل كانوا يصارعون الموج؛ رجال ونساء وأطفال، حتى الحوامل حملن صغارهنَّ على ظهورهنَّ، وألقى الجميع بنفسه في اليم يغالبون لجج البحر نحو سبتة، هاربين من اليابسة التي يفترض أنها وطنهم.

وفي اللحظة التي كانت فيها المملكة تحتفل بعيد العرش، كان جزء من رعاياها يحتفل، بطريقته الخاصّة، بالنجاة من البحر؛ وبين مشهد البيعة على شاشات القنوات الرسمية، ومشاهد السباحة هرباً، بدت المفارقة أكثر بلاغة من أي خطاب؛ فهناك من يجدّد الولاء لملك وطن المحظوظين من رعاياه، وهناك من لا أب محظوظ له ولا أمّ اختار أن يغامر بحياته بحثاً عن ضفّة أخرى.

في الظروف العادية، وفي كل مرّة يلفّ فيها الضباب مياه سبتة، لا يخفي البحر حدوده فقط، بل يخفي أيضاً أسماء الذين يعبرونه خلسة، في نوع من الهجرات يسمّى في اللغة الرسمية غير الحقوقية بـ”الهجرة السرّية”، وفي الظروف غير العادية؛ حين تغمض أعين حرّاس الحدود أجفانها في لعبة السياسة، تصبح الهجرة علنية، بل حجّاً للجيب المحتلّ. 

وحين ينقشع كل شيء، لا يبقى من القضيّة سوى الحقيقة المتكرّرة؛ أجساد منهكة ومنتهكة، أعين لم تنم، وأحلام معلّقة بين ضفّتين لا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات قليلة، لكنّها تختصر سنوات من الإحباط، سنوات عمر جيل كامل وُلد مع تولّي الملك للحكم وها هو يحتفل بذكرى العرش بالفرار من “مملكة الرعب”.

يوم الخميس، وقبل الفجر بقليل، كانت امرأة حامل تقاوم الغرق أكثر ممّا تقاوم الموج؛ على ظهرها رضيع لم يتعلّم بعد معنى الوطن، وإلى جوارها زوج يسبح وكأنه يطارد آخر فرصة للحياة؛ لم تكن تلك الأسرة تبحث عن مغامرة، بل عن حلم رومنسي تتجلّى فيه شعارات لطالما صدحت بها حناجر المغاربة فأجابتهم الزنازين ولغة النار والحديد.

هذه العائلة، انتشلها عناصر الإنقاذ الإسبان قبل أن يضيف البحر أسماءهم إلى قائمة ضحاياها الطويلة؛ وفي اللحظة نفسها تقريباً، كانت عائلات أخرى تخوض الرحلة ذاتها، فيما كان عشرات الشبّان يخرجون من الماء وهم يقبّلون الرمل، كأن اليابسة أصبحت وطناً مؤقّتاً، أو نجاة مؤجّلة.

في هذه المرّة، سبتة لم تعد مجرّد مدينة حدودية، أو جيب أوروبي في خاصرة إفريقيا؛ بل بدت المدينة الصغيرة كمرآة كبيرة يرى فيها الجميع صورته؛ ترى فيها أوروبا حدودها الخارجية أو “الجنوبية” بلغة البيانات، ويرى فيها المغرب شبابه وهو يغادره سباحة، ويرى فيها البحر دوره القديم بوصفه شاهداً لا ينحاز إلى أحد؛ يمنح النجاة للبعض، ويحتفظ بالبقيّة في أعماقه.

الأرقام، مهما تضخّمت، لا تستطيع أن تروي ما يحدث؛ فهنا تتحدّث الحكومات عن آلاف العابرين، وعن مراكز استقبال مكتظّة، وعن قوانين ومحاكم، وعن اجتماعات طارئة وزيارات رسمية، وهناك كل رقم يخفي إنساناً له اسم وأمّ وذكريات ومدينة تركها خلفه… وكل رقم هو حكاية اختزلتها الإحصاءات في خانة جديدة.

أحدث التطوّرات في الأزمة دفعت رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز إلى التوجّه إلى سبتة، بينما تعمل الرباط ومدريد على تنسيق عمليّات إعادة الوافدين، وسط استمرار الجدل السياسي والحقوقي حول كيفية إدارة الأزمة. 

من السهل بمكانٍ أن يقال إن هؤلاء “مهاجرين غير نظاميين”، ومن السهل أيضاً أن تتحوّل صورهم إلى مادّة للصراع السياسي بين الحكومات والأحزاب. لكنّ الأصعب هو أن يُسأل السؤال الحقيقي: ما الذي يجعل آلاف الشباب يقتنعون بأن البحر، بكل ما فيه من موت، أكثر رحمة من اليابسة التي جاءوا منها؟

لا أحد يسبح نحو المجهول لأنه يحبّ المغامرة، فالإنسان بطبيعته يبحث عن الأمان، لا عن الخطر، وعندما يصبح البحر خياراً عقلانياً، فذلك يعني أن يابسة الوطن فقدت قدرتها على إقناع أبنائها بالبقاء، وقديماً قالت العرب “اليائس معذور”! 

الهجرة ليست مجرّد حركة عرفتها البشرية منذ نفي آدم وحواء في الأرض، ولا هي ارتحال مدفوع بالعوامل المادّية والاجتماعية والسياسية في بلد ما؛ بل يحدث أن تصير تصويتاً صامتاً بـ”لا” ضد أحزاب سياسية تعيش فترة التسخينات الانتخابية. بل ويحدث أن تكون لحظة يقول فيها الإنسان، من دون كلام، إنه لم يعد يرى مستقبله في المكان الذي وُلد فيه… ولهذا فإن معالجة الهجرة تبدأ قبل الحدّ من التدفّقات البشرية الفارّة بكثير؛ تبدأ من المدرسة، ومن سوق العمل، ومن العدالة الاجتماعية، ومن شعور المواطن بأن هناك وطناً يتّسع له؛ وطناً لا يعتقل شباب “جيل زد” لأنهم طالبوا بالمدارس والمستشفيات بدل ملاعب تستنزف ميزانية بلادهم من أجل أن يُقام “كأس العالم”.

تتعدّد السيناريوهات المتداولة لمحاولة تفسير هذه التراجيديا المغربية التي رأيناها في سبتة، وتتعدّد معها القراءات السياسية للأزمة؛ فثمّة من يربطها بما دار بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارة الأوّل إلى الجزائر، وما رافقها من اتّفاقيات في مجال الطاقة والغاز. 

ويرى آخرون أن الأمر يتّصل بمشروع قانون التجنيس الإسباني الخاصّ بالصحراويين، السكّان الأصليين لإقليم الصحراء الغربية، المستعمرة الإسبانية السابقة.

وفي المقابل، تذهب قراءة ثالثة إلى أن الأزمة تأتي في سياق أوسع، يتداخل فيه التقارب المغربي مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، والعلاقات التي يمتلكها المغرب مع بعض قوى اليمين الإسباني، ومع التوازنات السياسية الهشّة التي يعيشها بيدرو سانشيز. 

ووفق هذا التأويل، فإن موجة العبور إلى سبتة تمثّل حلقة جديدة في الضغوط التي يتعرّض لها رئيس الوزراء الإسباني، في ظلّ الجدل حول تأخّر حكومته في نقل إدارة المجال الجوّي للصحراء الغربية إلى المغرب، ومواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية، وهي مواقف جعلته هدفاً لحملات متواصلة من أحزاب اليمين المتطرّف في إسبانيا، ومن بعض القوى اليمينية في أوروبا، فضلاً عن انتقادات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين.

ثمّة قراءة أخرى للأزمة، تربطها بسياسة “تصدير الحدود” التي انتهجها الاتّحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، والقائمة على نقل عبء ضبط الهجرة إلى دول الجوار، مقابل أثمان سياسية ومالية. ويذهب أصحاب هذه القراءة إلى أن الاتّفاقيات التي أبرمتها إسبانيا مع موريتانيا والسنغال، قلّصت من هامش الدور المغربي في ما يسمّى بـ”مكافحة الهجرة”، وهو ما عُدّ، في نظرهم، مساساً بمكانة راهنت الرباط طويلاً على تكريسها باعتبارها الحارس الأكثر فاعلية للبوّابة الجنوبية لأوروبا.

ولعلّ ما يعزّز هذا الطرح، في نظرهم، أن المغرب سبق أن دفع كلفة سياسية وحقوقية باهظة في “مجزرة مليلية” يوم الـ24 حزيران/ يونيو 2022، حين تحمّل، عملياً، مسؤولية حماية الحدود الإسبانية، فيما سالت دماء عشرات المهاجرين وطالبي اللجوء على السياج الفاصل بين مليلية والناظور، ولا يقتصر الأمر، بحسب هذا التصوّر، على حماية الحدود، بل يمتد إلى تحمّل تبعات كارثة إنسانية لطالما وُجّهت بشأنها أصابع الاتّهام إلى مدريد، حتى بدا وكأن الرباط كانت تغسل عنها أوزار الفضيحة الحقوقية وتمنحها غطاء سياسياً أمام العالم.

قبلها كانت الرسالة قد وصلت بالفعل إلى مدريد في 17 أيّار/ مايو 2021، عندما تدفّق نحو عشرة آلاف مهاجر إلى سبتة خلال ساعات، في مشهد لم يكن أزمة حدودية عابرة، بل كان إنذاراً سياسياً صاخباً، على علاج إسبانيا لإبراهيم غالي زعيم جبهة “البوليساريو” التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

وفي جوهر تلك الرسالة، كانت الرباط تستبق، عملياً، ما سيقوله الملك محمّد السادس بعد عام، حين أعلن أن “ملفّ الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم؛ أي إن قضيّة الصحراء الغربية لم تعد، في هذا المنطق، مجرّد نزاع ولا ملفّ سياسي أو دبلوماسي، بل أصبحت الميزان الذي تُوزن به التحالفات، والمفتاح الذي تُفتح به أو تُغلق أبواب التعاون، وفي مقدّمتها التعاون في ملفّ الهجرة والتنسيق الأمني ضد الإرهاب والجريمة المنظّمة العابرة للحدود.

غير أن الرباط، بعد تطبيع العلاقات مع حكومة بيدرو سانشيز وعودة الدفء إلى القنوات الدبلوماسية، اكتشفت – وفق هذه القراءة – أنها كانت تراهن على معادلة مختلفة؛ أثبت الرجل القشتالي قدراً كبيراً من البراغماتية؛ انحنى للعاصفة حتى تمرّ، وأجاد استثمار رياحها لمصلحته. لم يمنح المغرب أكثر من رسالة شخصية، تحمل موقفاً سياسياً “مقترح الحكم الذاتي للعام 2007 الخيار الأنسب لحلّ النزاع ضمن قرارات الأمم المتّحدة”، وهو موقف لا يرقى إلى التزام قانوني أو استراتيجي يُلزم الدولة الإسبانية، فكسب بها الوقت، واحتوى أزمة كادت تعصف بحكومته.

لكنّ السياسة شأنها شأن البحر، لا تعترف بالديون المؤجّلة؛ فبعد أكثر من أربع سنوات، وجد سانشيز نفسه أمام واقع يُعيد طرح الأسئلة ذاتها، ولكن بأدوات أشد وقعاً؛ فإذا كانت الرسالة الأولى قد كُتبت على أمواج سبتة سنة 2021، فإن أزمة سبتة في صيف 2026 بدت، في نظر أصحاب هذا الطرح، وكأنها الفصل الأخير في قصّة براغماتية اشترت الوقت، لكنّها لم تستطع شراء اليقين؛ فقد باعت السراب ولم تحصد سوى العطش، بينما كانت الطعنات تتوالى من كل صوب، حتى جاءت الأزمة لتطلق رصاصة الرحمة على مستقبل سانشيز السياسي.

في صالونات السياسة المغربية، تُعيد الأزمة الحكاية القديمة والدائمة نفسها؛ هي سردية صراع أجنحة الدولة، لكنّها في هذه المرّة تُعاد مقرونة بأن أحداً ما في مكان ما من البلاد، يحاول ابتزاز الملك والضغط عليه، مستعملاً بؤس شعب تسحقه أحذية البوليس والفقر والبطالة!

غير أن جميع هذه السيناريوهات على اختلافها، تبقى في حدود التأويل السياسي، إذ لم تظهر حتى الآن معطيات أو أدلّة قاطعة تسمح بحسم الأسباب المباشرة التي أفضت إلى هذه الموجة غير المسبوقة من العبور نحو سبتة.

وسواء أصابت هذه القراءات أم أخطأت، فإن المشهد الذي ارتسم على شواطئ سبتة سيبقى عصيّاً على النسيان؛ آلاف المغاربة، من مختلف الأعمار، وجلّهم في عمر الزهور، يهرولون نحو البحر، ويتحدّون أمواجه العاتية، هرباً من وطن ضاقت بهم منافذه، حتى بدا البحر بكل جبروته، أقلّ قسوة من الاستبداد الذي تركوه خلفهم.

ستظلّ تلك الصور بما تختزنه من ألم ورمزية، إحدى أكثر الصور أيقونية في تاريخ المغرب المعاصر؛ رعايا يفرّون من مملكتهم في الذكرى السابعة والعشرين لجلوس ملكهم على العرش… مفارقة سياسية كثيفة الدلالة، تختصر التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالمنجزات، والواقع الذي يدفع آلاف المواطنين إلى البحث عن خلاصهم في الضفّة الأخرى، ولو كان ثمنه المجازفة بالحياة.

ولعلّ التاريخ لن يتذكّر في هذه المناسبة كلمات الخطاب الملكي بقدر ما سيتذكر تلك الأجساد التي كانت تشقّ البحر نحو سبتة، وكأنها تكتب بأذرعها المنهكة وأجسادها المنتهكة، الرواية الأخرى لما سُمّي يوماً بـ”العهد الجديد”، فقرابة 100 قتيل هي حصيلة المأساة البشرية التي دفعت بنحو60 ألف مغربي ومغربية إلى الهروب من بلادهم في واضحة النهار.

أما أوروبا، فهي تجد نفسها مرّة أخرى أمام معضلتها القديمة: كيف تحمي حدوداً تحت إدارتها من دون أن تفقد إنسانيتها؟ وكيف تمنع العبور من دون أن تنسى أن الذين يصلون إلى شواطئها ليسوا موجاً، بل بشر؟

بعد أيام ستزداد عسكرة الحدود، وقد بدأ ذلك فعلاً، سيهدأ البحر قليلاً، سينقشع الضباب وسنرى الحقيقة، وستغادر كاميرات التلفزيون المكان، لكنّ شيئاً واحداً لن يتغيّر، سيظلّ هناك من يقف على الضفّة الجنوبية ينظر إلى أضواء سبتة وراء السياج الحدودي الشائك، ويعتقد أن المسافة بين اليأس والأمل يمكن قطعها بالسباحة في دجى الليل البهيم أو في حندس الظهر يأساً.

وهنا تكمن المأساة؛ فالبحر والحدود القريبة لم يكونا يوماً صانعي هجرة، بقدر ما هما شاهداها الأوّل والأخير؛ فالحدود لا تنادي، والبحر لا يغوي أحداً، وإنما يفتح صفحته الزرقاء اللازوردية لمن أُغلقت في وجوههم أبواب الوطن، أبواب مؤسّساته وأحزابه بكل ألوانها، معارضةً وموالاةً؛ فالذين يصنعون الهجرة حقاً، هم الذين جعلوا الوطن مكاناً يُفرّ منه، لا مكاناً يُحلم بالعودة إليه! ببساطة لأن الملك قال كل شيء في خطاب عرشه؛ كل شيء له، ينطلق منه ويعود إليه.