في هزيمة حزيران الأولى (1967) وعلى رغم الهزيمة الكبيرة والمريرة والمفاجئة، التي أحاقت بالأنظمة العربية “الثورية” و”التقدّمية”، وفقاً لمصطلحات ذلك الزمان، فقد اعتبرت تلك الأنظمة نفسها “منتصرة” لمجرّد أنها لم تسقط، واستمرّت في الحكم، علماً أن تلك الهزيمة رسّخت إسرائيل كقوّة إقليمية في الشرق الأوسط، وعزّزت مكانتها على الصعيد الدولي، وحطّمت الجيشين المصري والسوري، واحتلّت أراضيَ أكبر من حجمها مرات عدّة (سيناء وهضبة الجولان والضفّة الغربية) وباتت تسيطر على فلسطين الجغرافية من النهر إلى البحر.
المشكلة أن التاريخ يكرّر نفسه، كتراجيديا، أو كمهزلة، مؤلمة، ومهينة، إذ إن أكثر عبارات رُوِّج لها، منذ بداية حرب الإبادة الوحشية الجماعية التي شنّتها إسرائيل، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، على فلسطينيي غزة، إثر قيام “حماس” بعملية “طوفان الأقصى” (7/10/2023)، هي أن “إسرائيل لم تحقق أهدافها”، أو أن “المقاومة تنتصر حين لا تنهزم، وإسرائيل تنهزم حين لا تنتصر”، وأن “خسائرنا تكتيكية في حين خسائر إسرائيل استراتيجية”، والأرض تتزلزل تحت إسرائيل، التي هي “أوهن من خيوط العنكبوت”.
على المنوال ذاته، أشاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (26/6) بـ “انتصار” إيران “على الكيان الصهيوني الزائف”، الذي “سُحق تقريباً تحت ضربات الجمهورية الإسلامية، وسقط منهارًا”. بل إن المرشد سجّل هذا الانتصار، أيضاً، ضد الولايات المتحدة، إذ “هنا أيضاً، خرجت الجمهورية الإسلامية منتصرة، وردّت بالمقابل على أميركا بصفعة قاسية؛ فقد استهدفت واحدة من أهم قواعد أميركا في المنطقة، قاعدة “العديد”، وألحقت بها أضراراً.
تبعت ذلك إطلالة للشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الحالي لـ “حزب الله”، أكد فيها أن “إيران خرجت منتصرة بعد اثني عشر يومًا من العدوان عليها، وأنّ وقف إطلاق النار يُعَدّ إعلان انتصار للجمهورية الإسلامية”، ودلل على ذلك باعتبار أن إيران أفشلت أهداف العدوان الثلاثة: أوّلًا، إلغاء التخصيب النووي؛ ثانيًا، وقف البرنامج الصاروخي؛ وثالثًا، إسقاط النظام عبر استهداف سماحة الإمام السيّد علي الخامنئي.
وفي مناسبة أخرى (28/6)، أتت عقب اعتداء إسرائيل على مواقع للحزب جنوب لبنان، اعتبر قاسم أن “استمرار الحزب هو بحد ذاته انتصار… استمرار شعار إنّا على العهد هو بمثابة انتصار أيضاً… نقوم بواجبنا، نقف في الميدان، ندعو الله تعالى ونتوكل عليه، فيُرسل ملائكته معنا (ما يذكر بكلمة محمد الضيف يوم 7/10/2023) وننجح بإذن الله تعالى، إن لم يكن في اليوم الأول ففي الثاني والثالث، إن لم يكن في الشهر الأول ففي الثاني والثالث… لكننا دائمًا فائزون: بالنصر أو الشهادة”.
من الواضح أن الأطراف التي تروّج لمثل تلك العبارات، المنفصمة عن الواقع، وعن حقيقة موازين القوى، إنما تستهدف توظيفها، أولاً، في التغطية على خسائرها المادية والبشرية الفادحة في تلك الحرب، باعتبار أن تلك الخسائر أمراً مفروغاً منه، بالإشارة إلى مثالَي الجزائر وفيتنام، بغض النظر عن صدقية ذلك، أو عن مطابقة المثالين المذكورين للحالة المماثلة.
ثانياً، تبرير خياراتها السياسية والعسكرية غير المدروسة، أو القاصرة، كأن تلك الخيارات، وضمنها مصارعة إسرائيل كجيش لجيش، بالضربة القاضية، وبالصواريخ، كانت طريقاً محتوماً، وليس طريقاً اختاره بشر غير معصومين. ثالثاً، بدت القوى، التي تروج تلك العبارات، كأنها تراهن على فقدان ذاكرة للبشر المعنيين، تجعلهم ينسون العبارات المتوعدة، التي كانت تتهدد إسرائيل بزلزلة الأرض من تحتها، وأنها أوهن من خيوط العنكبوت، وأنها على شفير الانهيار، مع المبالغة بقوة الصواريخ لدى “حماس” و”حزب الله” و”الحوثيين” وإيران.
بيد أن وقائع حرب إسرائيل المدمرة والمتوحشة، خلال الـ 21 شهراً الماضية، بيّنت هشاشة كل العبارات السابقة وخواءها، لا واقعيتها، وإنكارها للواقع، فهذه الدولة، وعلى خلاف الكثير من البديهيات، أو الإدراكات، السابقة، بينت أنها تستطيع خوض حرب طويلة الأمد، وتحمّل خسائر بشرية ومادية كبيرة، والانخراط في حرب داخلها وخارجها، بل وشن حرب في جبهات متعددة، من غزة إلى إيران، مروراً بالضفة الغربية واليمن والعراق وسوريا ولبنان.
وما يفترض إدراكه هنا أن إسرائيل تتمتع، بذلك كله، ليس بتفوق عسكري هائل، فقط، وإنما بتفوق هائل، أيضاً، في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي والاستخباري، وبقدرتها على إدارة مواردها البشرية، إضافة إلى تمتعها بفائض قوة من مجالين: احتكارها التسلح النووي في المنطقة، وضمان الغرب، بخاصة الولايات المتحدة، لأمنها وتفوّقها في كل المجالات على محيطها.
مؤسف، طبعاً، أن إسرائيل تمكنت في تلك الحرب من تحقيق مكاسب عدة على كل تلك الجبهات، بحيث محت تقريباً، كل ما يسمى محور “المقاومة والممانعة”، إذ باتت تهيمن على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، أكثر من أية فترة مضت في تاريخها، وقوّضت “حزب الله” عسكرياً وسياسياً في لبنان، مع احتفاظه بقوته الكلامية. وقد شمل ذلك انهيار النظام السوري، بل وإعادة إيران إلى حجمها خلف حدودها، بعد تدمير قوتها النووية، وجزء كبير من قدراتها الصاروخية، وبنيتها العسكرية.
الآن، من الواضح أن الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية توقفت، بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد 12 يوماً على اندلاعها (13 ـ 24/6)، من دون التيقّن بتوقفها نهائياً، لا من طرف إسرائيل، ولا من طرف الولايات المتحدة الأميركية. أيضاً، فإن توقف الحرب على الجبهة الإيرانية، لا يعني توقفها على الجبهات الأخرى، بخاصة في غزة، وهذا يشمل لبنان، الذي تواصل إسرائيل توجيه ضربات له، لمواقع حزب الله (27/6). ويُستنتج من ذلك أن إسرائيل لم توقف الحرب بعد، وأنها لم تكتف بتقويض محور “المقاومة والممانعة”، وإنما هي تسعى، أيضاً، الى فرض واقع جديد من “قواعد الاشتباك” يحول دون تشكل أي موقع عسكري معاد لها على بعد عشرات الكيلومترات من حدودها.
يفيد ذلك، أيضاً، بأن إسرائيل استطاعت تفكيك التواصل بين أطراف محور المقاومة والممانعة، بالاستفراد به واحداً تلو الآخر، في حين لم يشتغل المحور كحالة بذاتها، خلال 20 شهراً من الحرب على غزة، إلى حين وصل الدور باستفراد إسرائيل (والولايات المتحدة) بإيران.
المآخذ على الكلام “الانتصاري” يشمل إسرائيل، بزعامة نتانياهو، سموتريتش، وبن غفير، أي حكومة المتطرفين الأيديولوجيين، فهذا “الانتصار” سيكلف إسرائيل كثيراً، إذ سيعزز عزلتها في الرأي العام العالمي، وحتى على صعيد الحكومات، كما سيكرس مكانتها كـ”إسبارطة”، أو كقلعة عدوانية في الشرق الأوسط، لا يمكن التعايش معها. وعلى الصعيد الداخلي، فإن النتائج لن تكون أقل خطراً على إسرائيل التي تعد الخطى لتتحول، من كونها دولية ليبرالية وديمقراطية (لمواطنيها اليهود)، إلى دولة شرق أوسطية أخرى، دينية، وفاسدة، ودكتاتورية، بحسب تعبير كثر من المحللين الإسرائيليين، الذين يرون أن نتانياهو وعصبته سيستثمرون ذلك بانتصارهم على النصف الثاني من الإسرائيليين.
مثلاً، في مقال عنوانه: “حـرب إيـران: نتانياهو فـي الـقـمّـة بـلا أي مُـعـارضـة!” كتب غيدي فايتس: “الآن، وبعدما ضرب “رأس الأفعى”، وجنّد لذلك القوّة العظمى في العالم، بات نتانياهو وحده في القمّة، من دون أي مُعارضة تتحدّاه، ورؤساء الأجهزة الأمنية لا يتجرأون حتّى على كتابة تغريدة “كافرة”… تعزُّز قوّة نتانياهو المصحوبة بحالة نشوة قومية يمكن أن يدفعه مع شركائه إلى الهجوم على بقايا الديمقراطية واستكمال خطّتهم الكُبرى. وأشك في أن إيران النووية ستشكل خطراً أكبر على إسرائيل (“هآرتس” 25 /6/2025).












