لندع جانباً الحرب الأهلية اللبنانية التي نشبت على هامش الإنزالين الإسرائيليين المتتاليين على بلدة النبي شيت، بين جمهور “حزب الله” اللاهث وراء “نصر” صار مستحيلاً، وبين خصوم الحزب الذين لم يلفتهم بالإنزال الإسرائيلي على تلال السلسلة الشرقية لجبال لبنان إلا سهولته.
ثمة شيء آخر يمكن أن تأخذنا إليه تلك العملية، ويتمثل بذلك الإصرار الإسرائيلي على استعادة رفات الملاح الجوي الإسرائيلي رون آراد، وما يمثله هذا الإصرار من حرص ميثولوجي على استعادة جثة جندي فُقِد قبل أربعين عاماً. مسار معقّد من العمليات والمحاولات المتكررة خاضها الجيش الإسرائيلي أثناء محاولاته، عرّض خلالها وحدات من النخبة لديه لاحتمالات الموت، ورصد موازنات وأعدّ بنى لوجستية وعملانية خصّصها لهذه المهمة. الأمر أبعد من تمسّكه باستعادة رفاة جندي. ثمة ما يتجاوز ذلك وما يجب رصده. هذا ليس شأن الجيوش الحديثة، أو على الأقل ليس شاغلاً رئيساً لأجهزتها. أما القول بالأسباب الغيبية والدينية لهذا الهوس بجثة آراد، فالأديان أقل تمسكاً بالجثامين الفانية، وتُقدم عليها الـ”أرواح” التي تنتهي إلى يد باريها.
شهدت قصة رون آراد تفاصيل كثيرة غير موثّقة. فهو أُسر حياً ثم مات لاحقاً، وانتقل من حركة أمل إلى “حزب الله”، ورافقت هذا الانتقال إشاعات عن نقل جثته إلى إيران. التفاوض على مبادلته شهد بدوره استعصاءات تدفع على الاعتقاد أن جثته ضاعت في قنوات أجهزة أمنية غير محترفة، ومن الغريب أكثر أن تنتهي القصة في جبانة آل شكر.
أربعون عاماً ولم تغادرنا قصة رون آراد. هذا كان شأننا مع العميل الإسرائيلي إيلي كوهين الذي أُعدم في دمشق في العام 1965 واستعيدت جثته بعد قرن من ولادته في العام 2024. رون آراد من مواليد العام 1958، أي أن إسرائيل لن تيأس من محاولاتها الوصول إلى جثته إلى ما بعد العام 2058.
رجل مثلي، أو امرأة مثلي في عمري، شهد بأم عينه رون آراد يسقط في مظلته في المنطقة بين بلدتي درب السيم ومغدوشة في جنوب لبنان في العام 1986، من المرجح ألا يكون على قيد الحياة في العام 2058! إذاً، رون آراد ميتولوجيا عابرة للأجيال ومخترقة للأعمار.
من الغريب كيف شكّل هذا الهوس بالجثامين وبعظامها مدعاة للإعجاب بالجيش الإسرائيلي. أي طقس وثني هذا؟ فحتى أديان ما بعد الزمن الوثني تخلت عن عظام أنبيائها. ثمة شيء يريد أن يقوله لنا الجيش المهووس بالجثامين الفانية من وراء انشغاله الدائم بجثث جنوده. الأمر يتعدى الإخلاص لهم، والرغبة في صلاة أخيرة قبل دفنهم.
هوس الجيش هذا يشبه هوس المستوطنين بعظام أنبيائهم. هذا يردنا إلى البحث الدائم في أسفل المسجد الأقصى عن أثر لنبي أو حجر لكنيس. التاريخ تعويذة دائمة لجيش بُني وشُكِّل بثقافة تكنولوجية حديثة عاد ووظفها في عبادة الجثامين. إنزال وإنزالان لنخبة مظلّيه في أرض بعيدة عن حدوده، وسبقت ذلك عملية اختطاف لرجل من آل شكر، وقبله لأبو علي الديراني. مئات الجنود شاركوا في هذه العمليات، وملايين الدولارات صُرفت، وأوقات بُدِّدت في التخطيط والتفكير والتنفيذ!
في العام 1986، شهد مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا غارات شبه يومية على مواقع منظمة التحرير الفلسطينية. ومن شرفة منزلنا المطل على المخيم في صيدا كنا نعاين يومياً الطائرات المغيرة. يومها نجحت المضادات الأرضية في إسقاط طائرة أذكر أنها كانت من طراز F-15، وقبل أن تنفجر الطائرة شاهدنا قائديها يهبطان عبر مظلّتيهما في شرق المخيم، وهي منطقة كانت تسيطر عليها حركة أمل. أذكر أن جارنا الفلسطيني في الطابق الذي فوقنا راح يصرخ “أسقطناها أسقطناها” ثم وأخرج رشاشه وراح يطلق الرصاص ابتهاجاً، تماماً كما فعل فتية الأحزاب الشيعية قبل يومين حين ابتهجوا بما أشيع عن إسقاط مروحية إسرائيلية أثناء الإنزال في النبي شيت.
آنذاك، أقدمت الطائرات الإسرائيلية المغيرة على إقامة “زنار نار” نجحت عبره في إنقاذ أحد الطيارين، فيما تمكنت حركة أمل من أسر الطيار الثاني. وفي حينها، شعر الفلسطينيون الذين أسقطوا الطائرة أنهم أهدوا عدوهم (حركة أمل) أسيراً كانوا يتمنون أن يكون بحوزتهم.
رصاص ابتهاج في صيدا ورصاص ابتهاج في بيروت تفصل بينهما أربعون عاماً من الهزائم والاجتياحات ومن تناسل الأحزاب والميليشيات والانتفاضات وأمراء الحرب وأصحاب العمائم. ووسط كل هذه الكوابيس، كانت وقائع صغرى ترسم قصة البحث اليائس عن رون آراد. وتوسطت هذه الوقائع قصة خطف إسرائيل مصطفى الديراني (أبو علي) من بلدته بدنايل في البقاع اللبناني في العام 1994. الديراني كان المسؤول الأمني لحركة أمل ثم عاد وانشقّ عنها وأسس حركة أمل المؤمنة، ويقال إنه “باع” رون آراد لحزب الله. لكن خطف الديراني لم يكشف للإسرائيليين عن جثة جنديّهم، فعادوا وأطلقوا سراحه في العام 2004.
اليوم، يزور الكوماندوس الإسرائيلي جبانة آل شكر مجدداً. يريدون أن يقولوا لنا إن قتيلهم لا يموت. مهمة بالغة التعقيد لوحدات عسكرية شديدة التدريب، بحثاً عن جندي فُقِد قبل أربعين عاماً، في لحظة سياسية وعسكرية كونية شديدة الراهنية. لا تفسير لهذا الهوس إلا في رده إلى ميثولوجيا إسرائيل.
إقرأوا أيضاً:












