تزعم بعض القراءات “الواقعية” في مقاربة الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، ومذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، لكن عند أول تمحيصٍ نقدي تصطدم تلك القراءات بجدار التناقضات المنهجية، فتنهار “واقعيتها” من الداخل، ويهتزّ تماسكها المنطقي. ذلك أن هدفها الأول، في ذهن منتجيها، قبل تبلورها في نصوص، هو تبرير موقفٍ سياسي عبر أدوات التحليل التي تُضبَط منهجياً على قياس الموقف، بدلاً من إنتاج وإعادة إنتاج الموقف السياسي عبر أدواتٍ تحليلية تكشف جميع التناقضات في عملية نقدٍ شمولية. تنطلق تلك التبريرات مسبقاً من مواقع الدفاع الأعمى عن “حزب الله”، أو تبنّي الرواية الكاملة لليمين اللبناني المتطرّف، أو إعلاء كل قرار “رسمي” فوق أي نقدٍ، وكأن شرط بناء الدولة هو تقديس السلطة.
تتكثّف هذه الفجوة التناقضية حين تنطلق تلك القراءات من افتراض أن الحرب قد حُسِمَت، سواء في إيران أو لبنان، وأن ما انبثق منها من تفاهمات حتى الآن هو نتيجة نهائية لانتصار أو عجز هذا المحور أو ذاك، وأن ما قبل هذه التفاهمات لن يكون كما بعدها، وكأنها تمثّل نقطة تحوّلٍ مفصلية، بينما قواعد الاشتباك المادية لا تزال هي هي، فلا يزال الأسطول الأميركي في مياه الخليج، ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتلّ الجنوب اللبناني ويفخّخ ويفجّر بلداته من دون اعتراضٍ دولي أو حتى محلّي. وباستثناء نقطتي ضعف هما التبعات الاقتصادية العالمية لإغلاق مضيق هرمز، وتماسك النظام الإيراني الداخلي، تبقى أفضلية واشنطن وتل أبيب راجحة، أما العوامل الأخرى فلا تعدو كونها محدودة التأثير بالنسبة إليهما.
ومن الواضح أن جنوب لبنان قد تحوّل إلى ساحة صراع بالوكالة، ورهينةً للحسابات الإقليمية، من دون أي هامشٍ للمناورة انطلاقاً من المصلحة الوطنية اللبنانية الحقيقية، على الرغم من ردّ الفعل الطبيعي للجنوبيين بدعم أي عملٍ مقاوم ردّاً على الأطماع الإسرائيلية والمماطلة لإطالة أمد الاحتلال.
تُسخَّر القراءات “الواقعية” المزعومة في هذا السياق للالتفاف على هذا التناقض أيضاً. كما أن الجهد الدبلوماسي الرسمي ارتطم بعائقٍ أخلاقي لا يجب المبالغة في تضخيمه، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن التقليل من شأنه، فهو يضع الدولة، التي يجب أن تكون مؤتمنة على صون كرامة اللبنانيين وحقوقهم، في موقع التفريط بحقوقهم، ومن دون مقابل!
رفض تفاوض الدولة… أو رفض الدولة!
العقل المُنتِج للخطاب الذي ينطلق دائماً من القاعدة القطعيّة القائمة على ادّعاء أن دولة لبنان لم تكن مضطرةً بأي شكل من الأشكال، وتحت أي ظرفٍ من الظروف، للتفاوض مباشرةً مع إسرائيل، هو نفسه الذي يضطرّ في نقاشات مغلقة عدة إلى الاعتراف بأن نتائج حربين ساحقتين، وتمدّد السيطرة الإسرائيلية في الجنوب، سيقودان في نهاية المطاف إلى التفاوض المباشر – غير أنه يريده تفاوضاً مباشراً بين أميركا وإيران يكون فيه لبنان تابعاً لقرارٍ خارجي، أو بين “حزب الله” وإسرائيل يكون فيه لبنان تابعاً لقرارٍ غير رسمي، لا بين لبنان وإسرائيل. وذلك على الرغم أيضاً من اعترافه ذاتياً بخطورة الرهان الإقليمي في ظلّ الضبابية التي كانت (ولا تزال ولو بدرجةٍ أقل) تلفّ المحادثات الأميركية – الإيرانية.
تناقضٌ مكشوفٌ وتسطيحٌ مفرط في مواجهة تعقيدات سياسية متزايدة، لمن يدعو إلى مواجهة مستمرّة ومفتوحة مع الجيش الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته يعجز عن إيجاد حلولٍ عملية لوقف أو إبطاء مشروع هدم الجنوب وترميده بلدةً تلو أخرى، ووقف إنذارات الإخلاء اليومية لبلدات وأحياناً أقضية كاملة، بخاصة بعدما انتقلت إسرائيل من تطبيق “عقيدة الضاحية” إلى تطبيق “نموذج غزة”. وكأن المشكلة تقتصر على احتلال البلدات التي تسقطُ بيد جيش العدو فحسب، وبالتالي فإن استرجاع تلك البلدات يضمن رجوعاً عكسياً إلى تاريخ ما قبل الحرب، واستعادة حياة واقتصاد ومجتمع ما قبل الحرب، وكأن شيئاً لم يكن.
خطابٌ ينتصر أمام المرآة في الرفض النهائي للتفاوض المباشر، ويتيح لصاحبه الشعور بـ “راحة أخلاقوية” لا يجدها في نقد شروط إنتاج الوعي الجمعي السائد، ويمنح في الوقت ذاته جمهوراً منكوباً يحارب باللحم الحيّ للنجاة أملاً وهمياً يهرب به من بؤس واقعه، ثم يُلبِس هذا الرفض ثوب المقاومة العاجزة عن “التمسك بالجغرافيا”، وفي الوقت ذاته الرافضة التنازل عن الجغرافيا، فيتنصّل من تحمّل الكلفة السياسية للرفضين معاً: كلفتا رفض الاحتلال ورفض التفاوض المباشر من دون إيجاد مسارات قابلة للحياة في الحالتين. خطابٌ يُبرِّر التحكُّم بقرار الحرب منذ عقود، ثم يرمي نتائج القرارات المتَّخذة من خارج الدولة وتبعاتها في ملعب الدولة. وكأن على الدولة أن تكون “غسّالة قرارات”، دورها يقتصر على “تبييض” وإضفاء غطاء سياسي وشرعي على قرارات ليست فقط متَّخذة من خارجها، بل رغماً عنها وخلافاً لإرادتها المعلنة.
ادّعاء “السيادة”… أو التواطؤ مع الاحتلال!
في المقابل، يبرز عقلٌ ينتجُ خطاباً انتقائياً وازدواجياً فاضحاً، تشوبه تناقضاتٌ داخلية كافية لتحويله الى خطاب تهريجي. تحت عنوان “السيادة” والتخلّص من النفوذ الإيراني في لبنان، يُقدِّم هذا الخطاب الهدايا المجانية لإسرائيل، وكأن هيمنة دولةٍ احتلاليةٍ إبادية ستكون أقل وطأة على لبنان من هيمنة الحرس الثوري الإيراني. ويفترض هذا العقل حتمية تحقّق هذه الهيمنة، نظراً الى الاختلال الكبير في ميزان القوى، متعامياً عن صمود الجنوبيين الاجتماعي وتجذّر تمسّكهم ببلداتهم على الرغم من سقوطها عسكرياً، بل وتعرّضها للتدمير التام من جهة، والتغيرات الجيوسياسية في المنطقة التي ستفرض مستقبلاً معادلات سياسية وأمنية إقليمية جديدة من جهة أخرى.
ويبرّر هذا التوجّه نفسه بالقول إن “الاتفاق الإطاري هو أفضل الممكن”، من دون أن يشرح لنا كيف يكون هذا أفضل الممكن، وما هو الثمن الحقيقي – غير المتخيّل وغير المُفترَض – لعدم الموافقة عليه، وهل أفضل الممكن هو تقليص النفوذ الإيراني مقابل توسيع النفوذ الإسرائيلي، بدلاً من محاولة تقليص النفوذين معاً ولو بقدرٍ بسيط؟ هل أفضل الممكن هو تموضع الدولة اللبنانية في خندق إسرائيل بوجه “حزب الله”، انطلاقاً من فرضية أن النفوذ الإيراني يشكّل التهديد الأول للدولة كونه داخلياً؟ وهل ما تفعله إسرائيل على أرض الواقع في الجنوب لا يشكّل تهديداً للحياة نفسها – قبل الدولة؟ ولماذا سارَع الوفد اللبناني الى القبول بالشروط الإسرائيلية بعد أيام قليلة فقط من توقيع دونالد ترامب ومسعود بزشكيان مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية؟ هل لفترة أسبوع واحد بين التوقيعين علاقة بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وما نتج منها من قرارات معلنة وسريّة، أم هي نتاج مسارٍ منفصلٍ تماماً؟ وكيف يكون منفصلاً حين تكون الولايات المتحدة طرفاً في المسارين؟
إقرأوا أيضاً:
ثم، وبعيداً عن الشروط القاسية التي فرضها ميزان القوى، من أين تأتي هذه الثقة المتزايدة بإسرائيل لدى جزءٍ لم يعد بسيطاً من المجتمع اللبناني (قبل الجهات الرسمية في الدولة)؟ وكأن الحرب الإسرائيلية على لبنان، بالنسبة إليهم، أصبحت بمثابة أداة نفيٍ حاسمة في التدمير والإبادة للحزب الذي لم يستطع هؤلاء إيجاد شروط نفيه في السياسة والثقافة والاقتصاد. فحربُ إسرائيل، وهي حرب تدميرٍ تشطر لبنان وفق حسابات اليمين الصهيوني المتطرف، هي نفسها، في عيون جمهور اليمين اللبناني المتطرّف وقياداته، حربُ تأسيس للبنان جديد. وكأن اليمين المتطرّف في إسرائيل هو الذي ينجز مهمة اليمين المتطرّف في لبنان، والتي يعجز عن إنجازها بنفسه، وليس العكس، كما يتصوّر العقل الممانع (اليميني بدوره) حين يتّهم بعض اللبنانيين بخدمة إسرائيل.
“الخلاصوية” والرهان الأحادي على “الخارج”
انتظار “الخلاص” من إيران، أو الرهان على رحمةٍ من إسرائيل من هنا، أو ضغطٍ من الولايات المتحدة من هناك، جميع هذه التصورات تلتقي على أرضية الابتزاز والاستثمار في معاناة اللبنانيين، والجنوبيين منهم بخاصة، وأهل القرى الحدودية والبلدات الواقعة داخل “الخط الأصفر” تحديداً. وجميعها تتقاطع أيضاً على مبدأ حرمان لبنان من بناء إطارٍ وطني تُبحَث فيه شروط النجاة في هذه المرحلة القاسية، لمنع تفكّك مؤسسات الدولة، وانهيار البنية المجتمعية، وبلوغ حالة الاحتقان الطائفي مستوى الصدام الأهلي المباشر، بمعزلٍ عن التأثير الخارجي لهذه الدولة أو تلك.
بلغ توظيف “حزب الله” الأجندة الإيرانية في الشرق الأوسط (وليس في لبنان وحده) مستوى بالغ الخطورة، والأمر نفسه ينطبق على التوظيف المتزايد لأحزاب اليمين اللبناني المتطرّف (ولها ما لها من التأثير في القرار الرسمي اليوم) للعدوان الإسرائيلي لتجريد “حزب الله” من قوّته. واللافت في القراءات التي تدّعي “الواقعية”، هو النزعة الإرادوية والرغبوية التي تتجلّى في تفاصيلها. فلا يختلف جوهرياً تحميل المسؤولية السياسية لما آلت إليه الأوضاع لـ “حزب الله” وحده، إذ يقفز هذا المنطق بخفّةٍ فوق مراحل معقّدة من التاريخ، عن السردية المؤامراتية القائلة إنّ كل ما يحدث هدفه “إبادة الشيعة” استناداً إلى أحقاد طائفية تاريخية لمجرّد أنهم شيعة، وهذه السردية تتجاهل بدورها كل موبقات “حزب الله” وسائر الميليشيات الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق والمنطقة برمتها، بدءاً بشبكات تصنيع المخدرات وتهريبها والتجارات المحظورة قبل أي موضوعٍ آخر.
وفي العمق، يتمظهر الارتهان الخارجي في بنية أيديولوجية تتمحور في حركتها الداخلية حول “المنطق الخلاصوي”، وهو منطقٌ يفترض وجود “مخلّص” يمتلك مفاتيح النجاة، وأي حديثٍ عن عملية إنضاج ذاتي لشروط النجاة وأدواتها، حتى لو تطلّب الأمر التوافق الوطني على تقديم تنازلات أو تضحيات بهذا القدر أو ذاك، يستحيل حديثاً “غير سياسي”، يتعالى على مسرح الحرب الإقليمية لمجرّد انطلاقه من المصلحة اللبنانية. وانتظار “المخلّصين” استلابٌ وجودي بحت، يتلازم بالضرورة، بل يُغذّي ويتغذّى من وجه آخر للاستلاب ذاته، يقوم على اعتبار أن لبنان منزوع الإرادة بالكامل، بنسبة مئة في المئة.
انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان؟
الحقيقة أنه لم تعد هناك قرى حدودية على الخارطة، سواء انسحبت القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان أم لم تنسحب. والواقع أيضاً في ما يتعلق بالانسحاب من البلدات المدمّرة أو “المرمّدة”، أنه لا وجود لأي طرحٍ جدي لانسحاب إسرائيلي شامل، لا في مذكرة التفاهم بين إيران وأميركا، ولا في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. فالنص الرسمي لمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية المكوّن من 14 بنداً يطرح بوضوح وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية في البند الأول منه، إلا أنه لا يذكر كلمة “إسرائيل” أو “الانسحاب الإسرائيلي” على الإطلاق، على الرغم من تناوله “وحدة أراضي لبنان وسيادته”، وبذلك يترك الباب مفتوحاً للتأويلات المختلفة. فهل الأراضي التي سقطت بيد الاحتلال الإسرائيلي لا تزال كلها ضمن السيادة اللبنانية في نظر أحد طرفي مذكرة التفاهم، وأعني بذلك الولايات المتحدة، الراعي الرسمي لإسرائيل؟ وهذا السؤال يوجَّه إلى إيران، لا إلى أي طرفٍ آخر.
ولم يكن هناك من داعٍ لفرض هذا الخلاف في تفسير وتأويل البند الأول من نص المذكّرة، التي تنص في بندها الرابع بوضوح على رفع الحصار البحري الأميركي على إيران خلال 30 يوماً فور توقيع المذكّرة، وسحب القوات الأميركية من محيط إيران خلال 30 يوماً من إبرام الاتفاق النهائي. ومن الواضح تماماً أن ترك باب التأويل مفتوحاً في ما يتعلق بجنوب لبنان لم يكن عن طريق الخطأ، بل هو انعكاسٌ مباشر لنتائج الحرب. وقد دفعت الجبهة اللبنانية ثمن ارتباطها بالجبهة الإيرانية على هذا المستوى، على الرغم من الدفاع الإيراني المستميت لفرض وقف إطلاق نار حقيقي في لبنان، وهو أقل ما يمكن لإيران فعله مقابل التضحيات التي قدّمها الجنوبيون باسم “وحدة الساحات” ودفاعاً عن “محور الممانعة” منذ عامين ونصف العام.
وسبق أن أشار نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى أن “مذكرة التفاهم لا تتطرق مطلقاً إلى مسألة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان”. فيما استغلت إسرائيل خلوّ المذكرة من ذكرها أو إلزامها بالانسحاب، لتعلن استمرار وجودها الأمني في الجنوب مباشرةً بعد توقيع نص المذكرة بين إيران وأميركا، رابطةً أي انسحاب مستقبلي بتفكيك قدرات “حزب الله” عبر المفاوضات المباشرة مع لبنان. أي أن بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، في سياق التفاهمات والاتفاقات (الهشّة) يبدأ من الثغرة (المتعمّدة؟) في البند الأول في مذكّرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، ولا ينتهي عند التنازلات الكبيرة التي قدّمتها الدولة اللبنانية في الاتفاق الإطاري، وهي تمهِّدُ لسلسلة إضافية من التنازلات. إلا أن هذه التنازلات لا تنفصل عن تلك الثغرة، على الرغم من انفصال مسارَي التفاوض ظاهرياً، فما يجمعهما هو الولايات المتحدة، وما فرضته الأخيرة من شروط في إسلام آباد-جنيف لا ينفصل عمّا فُرِض من شروط في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
بهذا المعنى، يبدو الاتفاق الإطاري متمّماً لمذكّرة التفاهم وليس نافياً لها.
سيادة لبنان معلقة بين مسارين تفاوضيَّين لا يضمنانها، بل ويفرضان على الدولة اللبنانية إما الارتضاء بهيمنة إيرانية تقود إلى عزلةٍ عربية ودولية، أو الارتضاء بسلوك مسارٍ تنازلي لإسرائيل، من دون أن تكون طرفاً حقيقياً في تحديد مصير أراضيها. وكل قراءة “واقعية” تبدأ من اعتبار مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أو الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، حبلاً للخلاص، وتستند إلى منطق تأويل هذه المذكّرة وذاك الاتفاق بما يلبّي هذه الرواية السياسية أو تلك، هي قراءة تنبع من منطقٍ خلاصوي يلبس أوجهاً متعدّدة لتمرير عجز اللبنانيين عن ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي وتبريره، أي عجزهم عن ممارسة سياسية تنطلق من المصلحة اللبنانية الوطنية المباشرة، ولو تحكَّمت بمساراتها، إلى هذا الحد أو ذاك، رياح الحروب الإقليمية والضغوط الخارجية الهائلة.












