تعرّفت آيلا أرتيوم (اسم مستعار) على زوجها العراقي عبر الإنترنت أثناء وجوده للدراسة في روسيا، ثم تزوّجا، ووثّقا زواجهما رسمياً في روسيا ثم في العراق، ومنذ اللحظة التي قرّرت فيها الزواج والانتقال إلى العراق، لم يخطر ببال آيلا، أن حياتها في العراق لن تكون كما توقّعت، تقول لـ”درج”: “كنت أسمع عن العراق من نساء تزوّجن من رجال عراقيين، وتخيّلت حياة مختلفة وتجربة جديدة، ولم يحذّرني أحد من هذه الخطوة”.
بعد انتقالها إلى العراق، أنجبت آيلا طفلين واستقرّت مع زوجها في إحدى المحافظات الجنوبية، وتقول إن علاقتها بعائلة زوجها كانت جيّدة في البداية، إذ كانت والدة زوجها تساعدها في رعاية الطفلين، قبل أن تبدأ الخلافات الزوجية، التي انتهت بأن انفصلت عن زوجها، وتمكّنت من أخذ ابنها الأصغر معها والعودة إلى روسيا، في حين بقي الأكبر مع زوجها وأسرته في العراق.
يتتبّع هذا التحقيق أن انهيار زواج الأجنبيات من عراقيين قد يتحوّل إلى معركة قانونية عابرة للحدود، تجد فيها الأمّ نفسها عالقة بين قوانين الإقامة والحضانة والسفر، من دون منظومة حماية متخصّصة أو إجراءات واضحة تضمن حقّها في الوصول إلى أطفالها، ومن خلال شهادات نساء ومقابلات مع خبراء قانونيين وحقوقيين، ومراجعة للتشريعات العراقية، يرصد التحقيق كيف تتحوّل الثغرات القانونية والإجرائية إلى عقبات تعمّق معاناة الأمّهات وتطيل نزاعاتهن مع أطفالهن.
الحضانة عن بعد!
كانت آيلا في العراق، مقيمة بصورة قانونية لكنّها لم تلجأ إلى أيّ جهة رسمية، في محاولة استعادة حضانة ابنها بعد انفصالها عن زوجها، أو الإبقاء على شكل رسمي من التواصل معه، تقول: “كنت غريبة في بلد ليس بلدي، ولم أكن أعرف إلى أين أذهب أو بمن يمكنني أن أثق”.
ومع مرور الوقت، تقول إن تواصلها مع ابنها الذي بقي مع أسرة زوجها أصبح محدوداً، إذ لم تعد تتمكّن من الحديث معه إلا على فترات متباعدة، مضيفة أنها لا تعرف كيف أصبحت حياته اليومية أو اهتماماته بعد انقطاع التواصل بينهما.
تؤكّد آيلا أن جميع الوثائق الرسمية تثبت صلتها بابنها، وأن اسمها مثبت بوصفها والدته في الوثائق الرسمية، مع ذلك تلقّت، بحسب روايتها، تهديدات متكرّرة من زوجها وأشخاص مقرّبين منه، تضمّنت حرمانها من أطفالها وتهديدها بإجراءات قانونية، وتضيف: “حاولت عائلته أن تظهرني بصورة المرأة التي تخلّت عن طفلها، مع أنهم كانوا يعرفون ما جرى”.
وتحت وطأة تلك التهديدات أنشأت قناة على “تلغرام” نشرت عبرها رسائل قالت إنها تتضمّن تهديدات، وصوراً وآثاراً للتعنيف الذي تعرّضت له، إضافة إلى مقاطع فيديو تروي فيها تفاصيل ما حدث، إلا أنها حذفت لاحقاً جميع المواد المنشورة، وأوقفت القناة بعد أن نصحها محاميها بإفساح المجال أمام المساعي القانونية والعائلية للتوصّل إلى تسوية بعيداً عن التصعيد الإعلامي.
وتقول آيلا إن إجراءات الطلاق لم تكن سهلة، لكنّها فضّلت إنهاءها بالتراضي لتسريعها، ثم غادرت العراق وعادت إلى روسيا، وتوضح آيلا أنها غادرت العراق بعد الاتّفاق مع زوجها على ترتيبات تتعلّق بطفليهما. وبحسب روايتها، عادت إلى روسيا برفقة طفلها الأصغر، فيما بقي الطفل الأكبر في العراق مع والده بناءً على اتّفاق بينهما آنذاك.
يشرح المحامي محمّد جمعة، المتابع لملفّات زواج العراقيين من أجنبيات لـ”درج” الصراع قائلاً: “المشكلة لا تتوقّف عند النصوص القانونية، بل عند الواقع العملي، فحتى عندما لا تدخل الزوجة الأجنبية بكفالة زوجها وتملك إقامتها الخاصّة، يظلّ عليها أن تلاحق حقوقها أمام المحاكم العراقية، وهي في بلد غريب لا تملك فيه بيتاً أو شبكة دعم”.
ويضيف: “رفع دعوى نفقة أو حضانة قد يقتضي بقاءها في العراق لشهرين أو خمسة أشهر، بينما يمكن للزوجة العراقية أن تعود في هذه الفترة إلى بيت أهلها، أما الأجنبية فغالباً ما لا تجد مكاناً يؤويها”.
وتقول آيلا إن هذا الاتّفاق كان مؤقّتاً على أمل التوصل لاحقاً إلى ترتيب يتيح لها الحفاظ على علاقتها بابنها، إلا أنها تؤكّد أن التواصل معه تراجع تدريجياً، لتبدأ منذ ذلك الحين محاولات قانونية وعائلية لاستعادة حقّها في التواصل معه ورؤيته.
بعد عودتها إلى روسيا واجهت، بحسب روايتها، حملة من الاتّهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اتّهمتها بالتخلّي عن أحد طفليها، وهو ما انعكس عليها نفسياً، وتقول إن الضغوط التي عاشتها انعكست على حياتها الشخصية، لكنّها تؤكّد أنها لم تتخلَّ يوماً عن طفلها، مضيفة: “لم يكن لدي خيار آخر… أشتاق إليه كل يوم، وسيبقى دائماً جزءاً مني”.
وتعيش آيلا اليوم مع طفلها الأصغر في روسيا، مؤكّدة أنها تحاول توفير حياة مستقرّة له، فيما يبقى أملها الأكبر هو استعادة التواصل مع ابنها الأكبر، تقول آيلا إن ابنها كان يحبّ الحمام، وكلما رأت أسراب الطيور في سماء مدينتها تستعيد صورته وتفتقده أكثر، تردّد: “أتذكّره”، ثم تصمت قليلاً، كأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها قبل أن تواصل الحديث عنه.
حاولنا التواصل مع زوج آيلا للحصول منه على تفاصيل تخصّ الصراع القانوني حول حضانة الأطفال، لكن لم نحصل منه على ردّ إلى لحظة نشر التحقيق.
صرخة أمّ لاستعادة طفليها
في عام 2013، كانت أولغا، وهي فتاة أوكرانية في السادسة عشرة من عمرها، تحلم بحياة هادئة، حينها تعرّفت على عبد الرحمن، وهو طالب طبّ عراقي كان يدرس في المدينة نفسها عبر شبكة “فكونتاكتي”، وهي منصّة تواصل اجتماعي روسية، بدأت بينهما علاقة سرعان ما تطوّرت إلى ارتباط جدّي، بعد سنوات قليلة، رُزقا بطفلهما الأول، فبدت الحياة وكأنها تفتح لهما باباً جديداً للاستقرار الأسري، إذ انتقلت أولغا مع زوجها وطفلهما إلى العراق، واستقرّت الأسرة في مدينة الناصرية.
تقول أولغا إنها لم تفكّر كثيراً قبل الانتقال إلى العراق، إذ كانت تتخيّل “حياة عائلية مستقرّة”، لكنّها تؤكّد أن الواقع كان مختلفاً تماماً.
وتروي أولغا أنها عاشت في منزل يضمّ أكثر من عشرين شخصاً، وشعرت منذ البداية بالرفض والتمييز، مضيفة أنها كانت تُنعت مراراً بـ”المسيحية” على نحو اعتبرته مهيناً، وتقول إن زوجها أصبح يعنّفها كلما طلبت العودة إلى أوكرانيا، بحسب روايتها.
وتضيف أنه بعد أشهر قليلة، غادر زوجها إلى أوكرانيا لإنجاز معاملات الهجرة، تاركاً إيّاها في العراق وهي حامل بطفلها الثاني، الأمر الذي دفعها إلى مغادرة المنزل والتوجّه إلى السفارة الأوكرانية في بغداد، بعدما أخفت شقيقة زوجها وثائق طفلها، بحسب روايتها.
يشرح المحامي محمّد جمعة أن “الموضوع معقّد جداً، وله جوانب لا يعرفها كثيرون”، يضرب مثالاً عن دخول بعض الزوجات الأجنبيات إلى العراق بكفالة أزواجهن العراقيين؛ حيث لا يستطعن مغادرة البلاد لاحقاً إلا بموافقتهم، فيتحوّلن قانونياً إلى ما يشبه “القاصرات”، على حدّ وصفه، رغم أنهن كاملات الأهلية، وكثيراً ما يحتجز الأزواج جوازات سفرهن.
تقول أولغا إنها أقامت في السفارة نحو شهرين، إلى أن تمكّنت من الحصول على وثائق سفر بديلة لطفلها الأوّل، قبل أن تغادر العراق برفقته إلى أوكرانيا وهي لا تزال حاملاً، حيث أنجبت طفلها الثاني لاحقاً، وبذلك عاد الطفلان ليعيشا معها هناك خلال السنوات الأولى بعد مغادرتها العراق.
عاشت أولغا مع طفليها في أوكرانيا، وكان زوجها يرسل، وفق ما تقول، مبالغ مالية متقطّعة. وبعد فترة، زار الأسرة لرؤية طفله الثاني، إلا أنها تقول إنه غادر لاحقاً مع ابنهما الأكبر إلى العراق من دون موافقتها، في واقعة تصفها بأنها “نقل غير مشروع للطفل عبر الحدود”.
وتوضح أولغا أنها عادت لاحقاً إلى العراق برفقة طفلها الثاني، على أمل استعادة ابنها الأكبر ولمّ شمل الأسرة، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، بحسب روايتها.
وتضيف أنها لم تتمكّن في نهاية المطاف من مغادرة العراق برفقة طفلها الثاني أيضاً، فعادت إلى أوكرانيا وحدها، بينما بقي الطفلان في العراق، لتبدأ منذ ذلك الحين مساراً قانونياً للمطالبة باستعادة حقّها في التواصل معهما ورؤيتهما.
يوضح مدير مديرية شؤون الإقامة، اللواء الحقوقي حسين كاظم اليساري في ردّ خطّي لـ”درج” أن مسألة سفر الطفل العراقي إلى خارج البلاد تخضع لأحكام الولاية الجبرية وقوانين الأحوال الشخصية وجوازات السفر النافذة في العراق، مؤكّداً أن كون الأمّ أجنبية لا يؤثّر في جنسية الطفل العراقي أو الأحكام القانونية المطبّقة عليه، إذ يُعامل بوصفه مواطناً عراقياً قاصراً خاضعاً للولاية الجبرية.
وتؤكّد أولغا أنها لم تتوقّف عن محاولة استعادة طفليها، لكنّها تقول إن العنف تكرّر بعد عودتها إلى العراق، وتضيف أن زوجها سُجن لاحقاً لمدّة عام، وخلال تلك الفترة بقيت تحت رقابة عائلة زوجها، وتعرّضت، بحسب قولها، للتنمّر، ولم تكن تحصل إلا على مبلغ بسيط لا يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.
رغم بعدها عن طفليها، تقول أولغا إن حبّها لهما لم يتغير. وتضيف أنها لم تتمكّن طوال خمس سنوات من رؤيتهما إلا عبر مكالمات فيديو كان ينظّمها والدهما، مؤكّدة أنها كانت ترسل مبالغ مالية تراوحت بين 500 و1000 دولار شهرياً للمساهمة في نفقاتهما، لكنّها تقول إنها لا تعرف كيف صُرفت تلك الأموال، وتحتفظ بإيصالات التحويلات المالية.
وتقول أولغا لـ”درج” إنها استعانت بفريق من المحامين في أوكرانيا والدنمارك لمتابعة القضيّة، الذين يرون أن نقل طفلها الأكبر إلى العراق تمّ بصورة غير قانونية ومن دون موافقتها، مضيفة أن السفارة الأوكرانية كانت تبحث عن محامٍ في العراق لمتابعة الإجراءات القانونية، وتناشد أولغا السلطات قائلة: “أعيدوا أطفالي إليّ، من الوحشية أن يُبعد الأطفال عن أمّهم بالقوّة. أريد فقط أن أعيش معهم وأن أتمكّن من تربيتهم”.
يضيف اليساري أن الحضانة المقرّرة للأمّ بموجب المادّة (57) من قانون الأحوال الشخصية لا تمنحها حقّ السفر بالمحضون خارج العراق بصورة منفردة، لأن السفر يُعدّ من المسائل المرتبطة بسلطة الولي الجبري. لكنّه يوضح أنه إذا امتنع الأب عن منح الموافقة وكان السفر لضرورة، كالعلاج أو الدراسة أو الزيارة المؤقّتة، فيمكن للأمّ التقدّم بطلب إلى محكمة الأحوال الشخصية لاستصدار حجّة إذن بالسفر بالمحضون، ويعود للمحكمة تقدير الطلب في ضوء مصلحة الطفل الفضلى، مع إمكانية اشتراط تقديم الوثائق التي تثبت سبب السفر وكفالة تضمن عودة الطفل إلى العراق في الموعد المحدّد.
وتواصل “درج” مع زوج أولغا للحصول على ردّه بشأن الاتّهامات الواردة على لسان أولغا، إلا أنه لم يستجب لطلبات التعليق حتى موعد نشر التحقيق.
لا أريد سوى أطفالي
“لم أطلب مالاً ولا حقوقاً مادّية، كل ما أريده أن أرى أطفالي وألا أُحرم منهم”، بهذه الكلمات تختصر السورية جلنار 34 عاماً (اسم مستعار) معاناتها بعد أكثر من عقد قضته في العراق، انتهى بها الحال بعيدة عن طفليها، وتخشى أن تُرحَّل خارج البلاد أو تُمنع نهائياً من رؤيتهما.
تقول جلنار لـ”درج” إن زواجها من زوجها العراقي تمّ في عام 2014 بعد تعارف بينهما في سوريا، حيث كان من جيرانها. وأُبرم عقد الزواج في المحكمة الشرعية بدمشق، ثم جرى توثيقه لدى الخارجية السورية والقنصلية العراقية، قبل أن يُثبت لاحقاً في المحاكم العراقية.
وتشير إلى أن السنة الأولى من الزواج كانت مستقرّة نسبياً، إلا أن الخلافات بدأت بالظهور بعد ولادة طفلهما الأوّل (2016)، وتؤكّد أن أسباب المشاكل تعود، بحسب روايتها، إلى تعدّد علاقات الزوج وسلوكيات أخرى أثّرت على الحياة الأسرية.
وتوضح أن الخلافات بلغت ذروتها في عام 2023، ورغم محاولاتها المتكرّرة لإنقاذ العلاقة الزوجية وتغيير ما كان ينتقده فيها، تؤكّد أنها لم تتمكّن من الوصول إلى استقرار حقيقي، وتقول إن زوجها لم يطلّقها رسمياً حتى الآن، لكنّها غادرت المنزل الحالي، بعد تفاقم الخلافات، فيما بقي الطفلان، البالغ عمرهما 10 و9 سنوات، مع والدهما.
وتؤكّد جلنار أن أكثر ما يؤلمها ليس خسارة المنزل أو الممتلكات، إنما ابتعادها عن طفليها، كونها في الوقت نفسه تواجه ظروفاً معيشية وقانونية معقّدة تحول دون قدرتها على اصطحابهما معها، كونها تعيش بعيداً عن بلدها، وتقيم حالياً مع والدتها وزوج والدتها في العاصمة بغداد.
كما تتحدّث عن معاناتها القانونية المرتبطة بالإقامة والجنسية، موضحة أنها لم تتمكّن حتى الآن من الحصول على الجنسية العراقية رغم إقامتها في بغداد منذ العام 2014 وإنجابها طفلين عراقيين. وتقول إن زوجها لم يستكمل إجراءات إقامتها القانونية إلا في عام 2025، ما حرمها، من استيفاء الشروط المطلوبة للتقديم على الجنسية خلال السنوات الماضية.
يقول أستاذ القانون الدستوري وائل البياتي إن الإشكال لا يقتصر على الإجراءات الإدارية المتعلّقة بالإقامة أو السفر، ولكن يمتدّ إلى البيئة التشريعية التي تنظّم قضايا الأسرة وحماية المرأة.
ويضيف أن تعديل المادّة (41) من قانون العقوبات العراقي، التي تتيح “التأديب”، يتطلّب مشروع قانون يقدّمه مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية أو ما لا يقلّ عن عشرة أعضاء في مجلس النوّاب، مبيّناً أن النقاش الفقهي حول مفهوم “التأديب” ليس موحّداً، إذ توجد اجتهادات تفسّره بوصفه إجراءات غير عنيفة، مثل الهجر أو الامتناع عن المعاشرة، من دون اللجوء إلى العنف الجسدي أو اللفظي.
وتتابع جلنار أن مطلبها الوحيد اليوم هو ضمان حقّها في رؤية طفليها وعدم حرمانها منهما، مؤكّدة أنها لا تسعى إلى مكاسب مادّية أو مطالب أخرى، بقدر ما تخشى أن تُبعد عن العراق أو تُمنع من التواصل معهما مستقبلاً.
حكايات وراء الأرقام
لا تبدو قصص آيلا وأولغا وجلنار حالات فردية أو استثنائية، إنما تعكس جانباً من واقع أوسع يختفي وراء الإحصاءات الرسمية. وفي هذا السياق، يقول رئيس “المرصد العراقي” لحقوق الإنسان مصطفى سعدون، لـ”درج”، إن عدد حالات العنف الأسري المسجّلة رسمياً لدى الجهات المختصّة خلال العام 2025 بلغ 36,289 حالة، مؤكّداً أن هذه الأرقام، على خطورتها، لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، بل تمثّل فقط الحالات التي تمكّن أصحابها من كسر الصمت والوصول إلى مراكز الشرطة والسلطات القضائية لتقديم بلاغات رسمية.
ويضيف سعدون أن “ما لا يظهر في الإحصاءات أكبر بكثير”، مشيراً إلى أن المعطيات الميدانية والمؤشّرات الحقوقية، تدلّ على وجود أعداد واسعة من الضحايا الذين يتعرّضون لانتهاكات من دون أيّ توثيق أو تدخّل رسمي، ما يجعل الرقم المعلن مجرّد جزء من واقع أكثر تعقيداً وخطورة.
تكشف هذه القصص أن الزواج العابر للحدود لا يقتصر على اختلاف الثقافات واللغات، بل قد يضع النساء أمام منظومة قانونية واجتماعية معقّدة، تتداخل فيها قضايا الحضانة والجنسية والإقامة والعنف الأسري، فيما تبقى النصوص القانونية المثيرة للجدل، وفي مقدّمتها المادّة (41) من قانون العقوبات، محوراً أساسياً في الجدل الدائر حول حماية النساء والأطفال في العراق.
وفي ظلّ غياب تشريع خاصّ بمناهضة العنف الأسري، واستمرار الخلافات السياسية بشأن تعديل القوانين، يبقى كثير من النساء عالقات بين أوهام البدايات السعيدة وواقعٍ لا يمنحهن سوى معركة جديدة لاستعادة أطفالهن أو حتى حقّهن في رؤيتهم.
إقرأوا أيضاً:
في هذا السياق ترى الناشطة النسوية رؤى خلف أن قصص النساء الأجنبيات اللاتي يجدن أنفسهن عالقات بين النزاعات الأسرية وتعقيدات الإقامة، ليست معزولة عن الإطار القانوني السائد، بل تعكس، بحسب رأيها، فجوات تشريعية أوسع تتعلّق بحماية النساء من العنف.
وتقول خلف لـ”درج” إن المادّة (41) من قانون العقوبات العراقي كانت على مدى سنوات في صدارة مطالب الحركات النسوية، لأنها تبيح بعض أفعال “التأديب” ضمن ما يسمّى باستعمال الحقّ، وهو ما تعتبره منظّمات حقوقية مدخلاً لتبرير العنف داخل الأسرة.
وتوضح أن النشاط النسوي بين عامي 2015 و2023 ركّز على مطلبين رئيسيين: تشريع قانون لمناهضة العنف الأسري، وإلغاء المادّة (41) من قانون العقوبات، إلا أن تلك الجهود، بحسب قولها، لم تنجح في إحداث تغيير تشريعي بسبب غياب التوافق السياسي.
وتشير إلى أن هذه المطالب لم تقتصر على الحملات المحلّية، إنما أُدرجت أيضاً في تقارير العراق المقدّمة إلى لجنة اتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو)، التي أوصت في أكثر من مناسبة بمراجعة النصوص القانونية التي قد تُفسَّر على أنها تتيح تبرير العنف ضدّ النساء والأطفال.
وترى خلف أن استمرار غياب قانون خاصّ بالعنف الأسري، إلى جانب بقاء المادّة (41) بصيغتها الحالية، يترك كثيراً من النساء، بمن فيهن الزوجات الأجنبيات، أمام منظومة قانونية لا توفّر لهن حماية كافية عندما تتحوّل الخلافات الأسرية إلى نزاعات تمسّ سلامتهن أو علاقتهن بأطفالهن.











