في غرب العراق، لم يعد الحديث عن “تجاوزات” معزولة كافياً لوصف ما يحدث، الصورة الأوسع تكشف عن تحوّل تدريجي في بنية السلطة نفسها، إذ لم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد في إدارة الموارد وفرض القانون، بل أصبحت طرفاً ضمن مشهد تتقاسمه قوى مسلحة تمتلك القدرة على فرض واقع اقتصادي وأمني موازٍ.
هذا التحول لا يظهر فقط في المواجهات أو الانتشار العسكري، بل يتجلى بشكل أوضح في تفاصيل الحياة اليومية، في سعر حجر البناء، في حركة الشاحنات، وفي مصير البنى التحتية التي يفترض أنها ملك عام.
الواقع يشير إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد السيطرة”، وهو نمط يعتمد على تحويل الموارد المفتوحة إلى نقاط احتكار، وربطها بشبكة جباية غير رسمية.
في مناطق مثل القائم، يتجسد هذا النموذج من خلال واقع متداخل تتآكل فيه الحدود بين ما هو عام وما هو خاضع للسيطرة، فالموارد الطبيعية التي كانت متاحة للجميع، مثل مقالع الحجر، لم تعد كذلك، بل تحولت إلى مصادر مغلقة تُدار من جهة واحدة، ما أدى إلى رفع الأسعار بشكل كبير وإقصاء الفاعلين المحليين الذين كانوا يعتمدون عليها كمصدر دخل مباشر، هذا التحول لم يقتصر على زيادة الكلفة، بل أنهى نمطاً اقتصادياً بسيطاً كان يوفر فرص عمل لشرائح واسعة من السكان.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ امتد إلى البنى التحتية، كما يظهر في سرقة السكك الحديدية، وهو مؤشر إلى انتقال السيطرة من محاولة استثمار الموارد إلى استنزافها بشكل مباشر. فهذه الأفعال لا تستهدف تحقيق أرباح آنية فحسب، بل تقوّض أي فرصة مستقبلية لإعادة الإعمار أو تنشيط الاقتصاد، بخاصة في مناطق تحتاج أساساً إلى إعادة تأهيل شاملة.
إلى جانب ذلك، تبرز تحولات أمنية مرافقة تعكس تكيف هذه الفصائل مع بيئة الاستهداف. التمويه بالزي المدني أو الرسمي، واستخدام عجلات مشابهة لعجلات الدولة، والتمركز داخل مناطق مدنية، كلها مؤشرات إلى انتقال هذه الجماعات إلى نمط “الاندماج القسري” داخل المجتمع. هذا النمط يمنحها حماية نسبية، لكنه في المقابل يرفع مستوى المخاطر على المدنيين، ويخلق إشكاليات قانونية وأخلاقية تتعلق باستخدام الفضاء المدني كغطاء.
قوة السلاح ومزاحمة الناس في أرزاقهم
السلاح لم يعد فقط أداة أمنية أو وسيلة نفوذ، بل أصبح أداة اقتصادية تُستخدم لمزاحمة الناس في مصادر رزقهم. حين تمتلك جهة ما القدرة على فرض قراراتها بالقوة، فإنها لا تحتاج إلى منافسة عادلة في السوق، بل تفرض نفسها كخيار وحيد. وهذا ما يحدث فعلياً في غرب العراق، حيث يجد العامل البسيط، وصاحب الشاحنة، نفسيهما أمام معادلة غير متكافئة، إما الانخراط في النظام المفروض، أو الخروج من السوق.
لا يقتصر تأثير السلاح على الأمن، بل يمتد ليعيد تعريف مفهوم “الرزق” نفسه، من حق طبيعي متاح للجميع، إلى مساحة خاضعة للنفوذ، تُدار بمنطق السيطرة لا بمنطق السوق.
وسط هذا التشابك المعقّد، لا تأتي الصورة من البيانات الرسمية ولا من العناوين العريضة، بل تتسرّب من تفاصيل يومية يرويها أشخاص يعيشون قلب الحدث. هناك، في أحاديث السائقين، وشهادات العاملين، وكلام من عايشوا التحوّل لحظة بلحظة، تتكشف ملامح واقع مختلف، يُعاد فيه تشكيل الاقتصاد والحياة اليومية في غرب الأنبار بطريقة لا تشبه ما كانت عليه الحال سابقاً.
من فضاء مفتوح إلى احتكار مغلق
كشف صفد الكربولي، وهو سائق شاحنة، عن تحولات عميقة طاولت قطاعي مواد البناء والتجارة في غرب الأنبار، مشيراً إلى ما وصفه بانتقال “مقالع الحجر” من فضاء مفتوح للجميع إلى سيطرة جهة واحدة”.
وقال الكربولي إن مقالع حجر البناء كانت سابقاً متاحة للجميع، بحيث يتوجه أي شخص يمتلك سيارة حمل إلى أماكن وجود الحجر، وتعمل مجموعات على تكسير الأحجار إلى أحجام مناسبة للبناء، من دون فرض أي رسوم على المادة الخام، باستثناء أجور العمال والتحميل، إذ لم تكن تلك المواقع تابعة لأي جهة أو شركة ولم تكن حكراً على أحد.
وأضاف أن الأوضاع تغيرت، إذ استولى فصيل تابع لفصائل الحشد الشعبي على المقالع، وفرض آلية تمنع أي شخص من أخذ الحجر أو تحميله إلا من خلاله، ووفق وصولات محددة، ما أجبر الجميع على التعامل معه حصراً، بالتزامن مع رفع سعر الحجر إلى نحو خمسة أضعاف بعدما كان شبه مجاني، فضلاً عن التضييق على أي محاولة للبحث عن بدائل، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو التهديد المباشر.
وتابع أن “الفصيل ذاته أنشأ سكلة مركزية لتجميع الحجر، تُنقل إليها المادة ليقوم السائقون بالتحميل منها حصراً، ما عزز من احتكاره السوق”.
منفذ القائم بين القانون والجباية الموازية
في ملف آخر، يقول محمد الكبيسي، وهو موظف في المنفذ، أن “منفذ القائم الحدودي كان يخضع لإجراءات رسمية تتعلق بالرسوم والضرائب وفق القوانين العراقية، وكانت تلك الجبايات أصولية، إلا أن ما يسمى بـ “حزب الله العراقي” فرض مبالغ إضافية بالدولار الأميركي على الشاحنات المحملة بالبضائع، وهي مبالغ غير قانونية”.
وبيّن أن السائقين والتجار والمخلصين يواجهون خطر تعطيل أعمالهم أو التهديد في حال عدم الدفع، فضلاً عن إجبار سائقي الشاحنات على دفع 50 دولاراً يومياً مقابل إبقاء مركباتهم في ساحة تابعة للفصيل، وفي حال رفض ذلك، يتعرض السائق لتأخير قد يمتد من يومين إلى خمسة أيام، بينما يُمنح من يدفع أولوية الدخول إلى المنفذ.
وختم بالإشارة إلى أن “هذه الممارسات تمثل ضغطاً مركباً على الحركة التجارية وقطاع النقل، وتنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع وحياة المواطنين”.
نهب البنى التحتية تحت غطاء الفوضى
من جهة أخرى، أفاد مصدر مسؤول في مجلس محافظة الأنبار، بأن فصائل مسلحة خارجة عن القانون، مستغلةً ضعف سلطة الحكومة المركزية، تسرق سكّة قطار القائم مع القطار القديم (الحديد الخردة)، وتنقلها باتجاه محافظة كربلاء.
وأضاف المصدر أن المعلومات تشير إلى أن عمليات النقل تُجرى بشكل مستمر، وسط مطالبات بفتح تحقيق رسمي ومحاسبة الجهات المتورطة.
وأشار إلى أن عمليات السرقة طاولت أجزاء من خط السكة الحديدية في قضاء القائم غرب الأنبار، مؤكداً وجود مطالبات بالكشف عن الجهات المتورطة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقها، لما تمثله هذه الحادثة من اعتداء على البنى التحتية والممتلكات العامة.
وأوضح أن ما يحصل في القائم يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون واعتداءً واضحاً على مقدرات الدولة، مبيناً أن سرقة خطوط السكك الحديدية لا يمكن أن تتم بهذا الشكل المنظم والمستمر من دون وجود ثغرات كبيرة في منظومة الرقابة والمتابعة.
وأضاف أن غياب الدور الفاعل للأجهزة الرقابية والأمنية شجّع الجهات المتورطة على التمادي، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وتحتاج إلى إعادة تأهيل بنيتها التحتية، وليس تجريدها من المشاريع الحيوية المتبقية.
وأكد أن هذا النوع من التجاوزات لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليؤثر على هيبة الدولة وثقة المواطنين بمؤسساتها، مشيراً إلى أن السكك الحديد تمثل مرفقاً استراتيجياً يمكن أن يساهم في تنشيط الحركة التجارية وربط المناطق الغربية بباقي المحافظات.
في النهاية، يمكن فهم لجوء هذه الفصائل إلى تكثيف الجباية واحتكار الموارد بوصفه مؤشراً إلى ضغوط مالية متزايدة، وربما تراجعاً في مصادر تمويلها التقليدية، ما يدفعها إلى تعويض ذلك عبر السيطرة المباشرة على الاقتصاد المحلي. فبدلاً من الاعتماد على دعم خارجي أو قنوات تمويل ثابتة، تتجه هذه الجماعات إلى نمط “تمويل ذاتي” قائم على فرض الإتاوات والاستحواذ على الموارد العامة.
هذا التحول لا يعكس قوة بقدر ما يكشف عن أزمة داخلية عميقة، إذ تتحول الفصائل من دورها التقليدي إلى جهة تبحث عن البقاء عبر استنزاف البيئة التي تعمل فيها، ومع استمرار هذا النهج، تتزايد المؤشرات إلى أنها تدخل مراحل إنهاك متقدمة، إذ يؤدي هذا السلوك إلى تقويض أي حاضنة اجتماعية ممكنة، ويعمّق حالة السخط الشعبي، خصوصاً عندما يشعر المواطن أن هذه القوى لم تعد توفر حماية أو استقراراً، بل أصبحت عبئاً مباشراً على رزقه وحياته اليومية.
إقرأوا أيضاً:










