تساءلت نور: ما هو الوطن؟ هل هو البلاد التي حلمنا بها ولم نرها يومًا؟ أم المدينة الوحيدة التي عرفناها؟ هل هو البيت ثمرة العمر؟ أم حضن الأهل الدافئ؟ هل هو ضحكة الصغار الهادئة بعد وجبة لذيذة؟ أم هو “ألا يحدث هذا كله” كما قال غسان كنفاني؟
وبينما كانت هذه الأسئلة تعصف بالداخل، جاء وقع الأخبار كصفعة جديدة. لم يكن إعلان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مفاجئًا قبل مغادرته إسرائيل متوجهًا إلى الدوحة بعد ختام القمة العربية الإسلامية: واشنطن تدعم استكمال العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، آملًا أن تنتهي بـ”هزيمة حماس وعودة الرهائن”، مضيفًا: “بعد هزيمة حماس سنتحدث عن إعادة إعمار غزة”.
في الوقت ذاته، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو، في بداية شهادته أمام المحكمة صباح الثلاثاء، أن إسرائيل شرعت في عملية عسكرية واسعة ضمن المرحلة البرية من “عربات جدعون 2”.
ومع صدور أوامر الإخلاء الشاملة لأحياء غزة، بدأ نزوح جماعي نحو الجنوب تحت القصف. مئات الآلاف يتركون بيوتهم، فيما الجنوب العاجز أصلًا عن استيعاب هذه الأعداد يتحول إلى مساحة مكتظّة باللاجئين.
الاحتلال وحماس: مأساة بمعادلة مزدوجة. فالسياسات الإسرائيلية واضحة: تهجير جماعي وتدمير منهجي، يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. لكن المأساة لا تنحصر فيه وحده. فحماس تتمسك بخطاب متصلب يفتقر إلى الواقعية السياسية، يتعامل مع حياة الناس وكأنها ورقة تفاوضية في لعبة إقليمية ودولية.
هكذا تتحول غزة إلى معادلة قاتلة: إسرائيل تفرض واقعًا استعماريًا جديدًا، وحماس عاجزة عن اتخاذ قرارات شجاعة تخفف عن الناس. والنتيجة: الناس عالقون بين التهجير والخذلان.
إبادة مقنّعة بغطاء “المناطق الإنسانية”. إسرائيل تسابق الزمن لتدمير الأبراج السكنية، لا لأنها أهداف عسكرية كما تزعم، بل لأن هدفها تفريغ أحياء كاملة وتحويل الناس إلى قطع على رقعة شطرنج باردة. ليست حربًا عبثية، بل سياسة منظمة: ترهيب ممنهج، تجويع، قطع للوقود والإمدادات الإنسانية والطبية، نزوح قسري وتطهير عرقي.
نزحتُ إلى الجنوب باتجاه أخي في مواصي خان يونس. الطريق إلى الجنوب ليس خلاصًا، بل موت على قارعة طريق ضيقة مكتظة بالناس والشاحنات التي تحمل ذاكرتهم وما تبقى لهم من أمتعة شخصية. والجيش الإسرائيلي يعلن عن إقامة “مسار انتقال جديد مؤقت” لتشجيع سكان مدينة غزة الفقراء على المغادرة والنزوح.
أما “المناطق الإنسانية” والخيام والمستشفيات والمراكز الطبية وخطوط المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، فليست سوى دعاية بغيضة موجّهة الى الغرب والليبراليين اليهود في إسرائيل، لتجميل جريمة الإبادة.
تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن العملية لن تقتصر على مدينة غزة، حيث تحتل إسرائيل 40 في المئة منها، بل قد تمتد إلى المخيمات وسط القطاع، وصولًا إلى السيطرة على 95 في المئة من مساحته. وقدر الجيش الإسرائيلي أن 320 ألفًا نزحوا جنوبًا إلى مناطق يسمّيها “إنسانية”، بينما بقي مئات الآلاف في المدينة، وهو ما يراه “مستوى يسمح ببدء الاجتياح البري”.
ما يحدث اليوم ليس مجرد نزوح جماعي جديد، بل فصل خطير يكشف غياب قيادة مسؤولة. الهدف الإسرائيلي سياسي: شمال مدمَّر وخالٍ من سكانه، جنوب مكتظ بملايين المهجَّرين. وفي المقابل، تكتفي قيادة حماس بترديد الشعارات، تاركة القطاع أمام مأساة طويلة الأمد.
إلى جانب قتل عشرات الآلاف وتجويع مئات الآلاف، يرتكب الجيش الإسرائيلي إبادة عمرانية وحضارية وثقافية: يمحو البنية التحتية، يدمّر العمارات، ويمحو ذاكرة الناس. برج الغفري، مثلًا، لم يكن مجرد مبنى جميل على شاطئ البحر، بل شاهداً على الحاضر والذاكرة. حين يُهدم، لا يُمحى الحجر فقط، بل يُمحى الشهود على الإبادة نفسها.
المأساة لا تتوقف عند آلة الحرب الإسرائيلية، بل يضاعفها صمت العالم وتآمره. وكأن غزة عبء على ضمير البشرية. أكثر من 65 ألف شهيد و170 ألف مصاب يُعاملون وكأنهم لا ينتمون إلى الإنسانية.
حتى القرارات الأممية الأخيرة، مثل “إعلان نيويورك” والاعتراف بمشروع الدولة الفلسطينية من الجمعية العامة للأمم المتحدة، تبقى رمزية بلا أثر فعلي. بينما الحرب مستمرة والإبادة متواصلة.
قد تكون هناك فرصة أخيرة أمام حماس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: بشرًا وحجرًا، ذاكرة وهوية. الانغلاق خلف شروط متصلبة لا يجلب سوى دمار أشمل، بينما القطاع يستحق أن يُعاد إليه الأمل، لا أن يُترك لمصير الصحراء القاحلة.
الوطن اليوم ليس حدودًا أو شعارات، بل حياة الناس وكرامتهم. وحين تُمحى البيوت، ويُقتل الشهود، ويُهجَّر السكان، يصبح الوطن أكثر من مجرد جغرافيا: بل معركة من أجل البقاء والذاكرة، معركة ضد الإبادة والنسيان.











