ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اليأس من “حزب الله”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إذا كان المعتدي يرى في الأنقاض أثراً للقوّة وتأكيداً على القدرة، والضحيّة تنجذب إليها بوصفها أثراً للمأساة والهويّة المفقودة، فمِن أين يأتي الفخر المشترك؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

داخل هذه الفوضى الرهيبة وحولها، كلّ شيء مرتّب بعناية. تقصف الطائرات المسعورة أهدافها بدقّة ورتابة يفترض منهما أن يسبّبا الضجر، لاستحالة احتمالات الخطأ. 

بشيء من الأسى قد نسأل أنفسنا: ألا يشعر الطيّارون بالسأم؟ فالقتل جريمة ونحن نعرف، وهم يعرفون طبعاً، لكنّ التكرار أيضاً يؤدّي إلى الملل. أحياناً تدلف الصواريخ من ثقب في النافذة، وأحياناً تُفرغ مبنى كاملاً من الهواء فيختنق ويسقط. كلّ شيء ينتهي بضربة. 

لا توجد أيّ اثارة، مثل الجرائم الأخرى، التي تحدث في الحروب الأهلية الوسخة، كلّ شيء بارد، وعلى عكس ما نعتقد، لا مكان للمشاعر، وإلا لماذا لا يشعر الطيّارون بالسأم؟ 

فلننزع من داخلنا “كائنات ميازاكي” البريئة التي ألفناها في أفلام المخرج الياباني الشهير. رغم أفول الشعور، وكم هو مخزٍ ألا يشعر الإنسان بالخوف إلا من الخوف، لم يعد التدمير بحدّ ذاته مصدر الرعب. تكمن الكارثة في حدث جديد يتعاظم: الاشتراك بين الضحيّة والمعتدي في حبّ الركام، وإذا استثنينا الضحايا المباشرين الذين يخسرون بيوتهم وذكرياتهم فجأة، فمعظم الضحايا الآخرين يتعاملون مع التدمير الممنهج كما لو أنّهم يشاهدون الحرب على “نتفليكس”. 

ليس لأنّهم لا يفرطون في الحزن، إنّما لأنّهم استطاعوا التكيّف بسرعة، وتجاوز الأمر والتطبّع مع الصدمة إلى التماهي مع الجلّاد. يصوّر الإسرائيليون الجريمة بفخر، وبعد انتهائهم مباشرةً يأتي دور الضحايا، فيصوّر هؤلاء الجريمة التي حلّت بمدينتهم، بفخر أيضاً. 

في الليل، تتحضّر الكاميرات لتصيّد الغارات، وتنقل مباشرةً على الهواء كما لو أنّها حزازير. وفي النهار، تصوّب الهواتف كأسلحة بائسة نحو المباني المنذرة، ويتجمهر المتفرّجون، وهم غالباً من الذكور الذين يسارعون دائماً إلى احتلال أيّ مجال عامّ. حتى أنّهم في بعض اللقطات يظهرون وهم يضحكون، من دون أي شعور بالتضامن مع السكّان الذين انكسرت أعينهم وهم يشاهدون.

يمكننا تفسير التقاء الضحيّة والمعتدي في مديح الركام بوصفه لحظة معقّدة تختلط فيها الذاكرة بالقوّة. فالركام ليس مجرّد مواد تندثر، ولا مجرّد أثر لحدوث جريمة كبيرة، وكي لا نبالغ، لا جمالية تُذكر في معظم المباني العشوائية التي قُصِفت، ولطالما كانت العشوائية في العمارة عاملاً في تعزيز البنى السلبية، قبل الحرب، وخلالها، وبعدها أيضاً. 

تكمن أهمّية هذه المنازل في روحها، في حقّ الساكنين بالسكن وبالحياة وبالمدينة، من بعيد، كما عن قرب. الركام مشحون بالدلالة الرمزية التي تؤدّي إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالتاريخ وبالعنف. لكن، إذا كان المعتدي يرى في الأنقاض أثراً للقوّة وتأكيداً على القدرة، والضحيّة تنجذب إليها بوصفها أثراً للمأساة والهويّة المفقودة، فمِن أين يأتي الفخر المشترك؟ 

ربما لأنّ لبنان صار مسرحاً.

صواريخ، بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة… 

وهكذا إلى ما لا نهاية، من دون اعتراض، من دون هزيمة، تصفيق في نهاية العرض. في تمّوز كان التصفيق حاراً، وفي كانون الأوّل كان بارداً، لكنّه يبقى تصفيقاً. فقد صار الأمر مسرحاً، يتخلّله تجاهل متواتر للفقدان، طالما أنّه ليس شخصياً.

 لا يعني هذا طبعاً أنّ المعتدي والضحيّة يتساويان، في النهاية، هما يحدّقان إلى العرض نفسه، من زاويتين متعارضتين. لكنّ فعل التحديق بالتحديد هو الذي ينتج المفارقة الأخلاقية المروّعة، والمتمثّلة بالانجذاب إلى مشهد يستدعي الاستنكار في حدّه الأقصى. 

والغالب أيضاً، أنّ “حزب الله” تحديداً، بالغ لسنوات طويلة في استخدام الركام في عمليّة إعادة بناء شرعيته بعد كلّ حرب، إلى درجة أنّه جعل التطبّع معه مثل التطبّع مع الموت، تحت ذريعة الآخرة، مسائل طبيعية تتكرّر.

مسائل تتكرّر؛ شيء من نوع: أحياناً تحدث الحرب، وغالباً يُقال بالعربية: “وقعت الحرب”، كما لو أنّها مصيبة هطبت على رؤوسنا من فوق، فلا تظهر اللغة إلا كبنية تقوم على الاختلاف والإرجاء، وليس على التطابق والحضور. 

لا تحمل الكلمة وحدها معنى نهائياً، وتبقى دائماً تعبيراً جافّاً وناقصاً، عندما لا تلتقي في خيالنا بصورة المعنى الذي نفترضه، وغالباً، عندما يُقال “وقعت الحرب”، يكون القصد أنّنا لا نعرف مِن أين، أو كيف، لا نعرف من أوقعها ولماذا فعل ذلك. وقعت وحسب، من مكانٍ كان يجب أن تكون فيه، وألا تتزحزح منه.

 تدريجياً، وعلى نحو ملتبس، تستجيب اللغة لاختفاء الحقيقة، يصير التسليم عامّاً والخروج عنه خروجاً عن التعاطف وعن الحقّ وعن الوقت، لقد “وقعت الحرب” وبعدها نتعرّض لضغطٍ  هائل، لوجوب القبول بأنّها وقعت مِن مكان مجهول، وأنّ لا أحد مسؤول منذ هذه اللحظة وصاعداً عمّا سيأتي. علينا التصرّف مع عنف التداعيات، وغضّ النظر عن المكان الذي وقعت منه، وفي أقصى درجات التذمّر عن استحالة التمرّد على الوقت، لا شيء أفضل مما يقوله پريمو ليڤي: الآن، لم يعد يوجد لماذا.

صواريخ، بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة … . وهكذا إلى ما لا نهاية.

يستطيع الخطاب أن يفتّت الحقيقة من دون الحاجة إلى كذب صريح. يكفي تلطيخ الدلالات بالعصبيات لتقديم معنى نهائي. وفي خطاب “حزب الله” الذي يقوم على بنية طائفية محلّية صلبة ولا شيء سوى ذلك، يتمّ تقديم المعنى كنص مقدّس، بينما يستمرّ المعنى الفعلي بالاختفاء. يتدحرج المعنى بين الضحايا المستمرّين في السقوط دون أيّ قدرة على المواجهة. وفي اللغة المُستَعملة لا يُقال ضحايا، بل شهداء، لإخفاء حقيقة كونهم ضحايا، وليس تقديساً لهم كما يسود الاعتقاد. يستمرّ المعنى بالتدحرج على طريق مزدحمة بالسيّارات من الجنوب نحو الشمال، وبين قوافل الهاربين.

 وفي اللغة لا يُقال هاربون، فاللفظة مهينة، ولا غاية لرفض التعبير سوى تأجيل الإهانة الفعلية إلى ما لا نهاية. الإهانة الواقعة والماثلة وأمامنا في مشهد الهرب الذي صار شبيهاً بالعَود الأبدي، الإهانة التي تستحقّ الانتفاضة، وفعل ما يلزم لكي لا تتكرّر، وفي النهاية، كي لا يتبعها التصفيق.

أكثر من أيّ وقت مضى يجب الاعتراض على التلاعب بالكلمات، وعلى الحرب بوصفها رأياً شخصياً وتفسيراً شخصياً، وعلى استدعاء ظلال المعاني بدلاً من المعاني، على ذلك النحو الذي يتيح للخطاب المهيمن إعادة إنتاج نفسه إلى درجة مملّة، ولكن قاتلة. 

وهذا ما يحدث في لبنان منذ الحرب الأهلية اللبنانية، فـ”حزب الله” وُلِد ونشأ وترعرع وبنى تصوّراته للآخرين، ونسج شبكة علاقاته مع المكان والزمان، انطلاقاً من هذه الحرب الأهلية بالتحديد، على عكس ما يعتقد مؤسّسوه ومناصروه وجميع الذين يربطون بالحرب بينه وبين إسرائيل. 

يرتبط الحزب بحدثين لا ثالث لهما: سيطرة الإسلاميين على الثورة في إيران، والحرب الأهلية اللبنانية، ومثل بقيّة الميليشيات التي ظهرت خلال الحرب الأهلية، وقامت على عصبية الطائفة والعائلة والمنطقة، وجد لنفسه ذريعة لبقائه وهي الحرب، وهو يرفض نهايتها اليوم لكي لا ينتهي هو نفسه، مقترحاً إكمال حروب أخرى، لكي تبقى هذه الحرب قائمة. 

وبصراحةٍ بالغة، ومع أنّ هذا ليس عاملاً مشجّعاً أو تشجيعياً اليوم، لا معنى لـ”حزب الله” من دون الحرب. وفي أيّامه الأخيرة، لا بدّ من الإقلاع عن دعوته للتحوّل إلى حزب سياسي بصيغة الحرب الأهلية التي قام ويقوم عليها. يجب عليه أن يصير شيئاً آخر. بالنسبة إلى الحزب كما نشأ وترعرع، السياسة مثل المقاومة. كلمات يمكن إعادة صياغتها وتخيّلها، لإرجاء المعنى الفعلي. فلا تعني السياسة عقداً اجتماعياً أو مؤسّسات ديمقراطية، بل تعني الحوار على طاولة مستديرة تجمع ذكوراً مسنّين بوصفهم آباء للطوائف، من أجل اتّفاقات مؤقّتة إن كان ذلك ضرورياً.

 ولا تعني المقاومة الثقافة واللغة والتمسّك بالأرض، بل تعني “الدفاع المتقدّم” عن إيران، كما يصفه وليّ نصر في كتابه، وكما فسّره “حزب الله” نفسه أثناء غرق الجنوبيين في نومهم قبل أيّام قليلة. 

لا يكفي أن تقرّر مجموعة أيديولوجية منقطعة عن الزمن تبني سردية خاصّة وعالماً خاصّاً، لكي يصير الأمر حقيقياً، فإذا كان كلّ قول قابلاً لإعادة الاقتباس والاقتطاع وإعادة بناء السياق، فإنّ المتحدّث لا يملك سيادة كاملة على ما يقول. 

حتى الآن، ما زال النقاش والحساب الداخلي معطّلاً، وهذا لا يمحو المسؤولية قانونياً وحسب، بل لغوياً أيضاً، فيُقال لقد وقعت الحرب، وهكذا يُستبدل الفاعل بحدثٍ بلا فاعل:

صواريخ، بيانات، تدمير، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة… 

وهكذا إلى ما لا نهاية… لا الطيّارون المسعورون سيشعرون بالسأم، ولا الحزب يمكنه – كما هو الآن- أن يصير حزباً سياسياً.

07.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

إذا كان المعتدي يرى في الأنقاض أثراً للقوّة وتأكيداً على القدرة، والضحيّة تنجذب إليها بوصفها أثراً للمأساة والهويّة المفقودة، فمِن أين يأتي الفخر المشترك؟

داخل هذه الفوضى الرهيبة وحولها، كلّ شيء مرتّب بعناية. تقصف الطائرات المسعورة أهدافها بدقّة ورتابة يفترض منهما أن يسبّبا الضجر، لاستحالة احتمالات الخطأ. 

بشيء من الأسى قد نسأل أنفسنا: ألا يشعر الطيّارون بالسأم؟ فالقتل جريمة ونحن نعرف، وهم يعرفون طبعاً، لكنّ التكرار أيضاً يؤدّي إلى الملل. أحياناً تدلف الصواريخ من ثقب في النافذة، وأحياناً تُفرغ مبنى كاملاً من الهواء فيختنق ويسقط. كلّ شيء ينتهي بضربة. 

لا توجد أيّ اثارة، مثل الجرائم الأخرى، التي تحدث في الحروب الأهلية الوسخة، كلّ شيء بارد، وعلى عكس ما نعتقد، لا مكان للمشاعر، وإلا لماذا لا يشعر الطيّارون بالسأم؟ 

فلننزع من داخلنا “كائنات ميازاكي” البريئة التي ألفناها في أفلام المخرج الياباني الشهير. رغم أفول الشعور، وكم هو مخزٍ ألا يشعر الإنسان بالخوف إلا من الخوف، لم يعد التدمير بحدّ ذاته مصدر الرعب. تكمن الكارثة في حدث جديد يتعاظم: الاشتراك بين الضحيّة والمعتدي في حبّ الركام، وإذا استثنينا الضحايا المباشرين الذين يخسرون بيوتهم وذكرياتهم فجأة، فمعظم الضحايا الآخرين يتعاملون مع التدمير الممنهج كما لو أنّهم يشاهدون الحرب على “نتفليكس”. 

ليس لأنّهم لا يفرطون في الحزن، إنّما لأنّهم استطاعوا التكيّف بسرعة، وتجاوز الأمر والتطبّع مع الصدمة إلى التماهي مع الجلّاد. يصوّر الإسرائيليون الجريمة بفخر، وبعد انتهائهم مباشرةً يأتي دور الضحايا، فيصوّر هؤلاء الجريمة التي حلّت بمدينتهم، بفخر أيضاً. 

في الليل، تتحضّر الكاميرات لتصيّد الغارات، وتنقل مباشرةً على الهواء كما لو أنّها حزازير. وفي النهار، تصوّب الهواتف كأسلحة بائسة نحو المباني المنذرة، ويتجمهر المتفرّجون، وهم غالباً من الذكور الذين يسارعون دائماً إلى احتلال أيّ مجال عامّ. حتى أنّهم في بعض اللقطات يظهرون وهم يضحكون، من دون أي شعور بالتضامن مع السكّان الذين انكسرت أعينهم وهم يشاهدون.

يمكننا تفسير التقاء الضحيّة والمعتدي في مديح الركام بوصفه لحظة معقّدة تختلط فيها الذاكرة بالقوّة. فالركام ليس مجرّد مواد تندثر، ولا مجرّد أثر لحدوث جريمة كبيرة، وكي لا نبالغ، لا جمالية تُذكر في معظم المباني العشوائية التي قُصِفت، ولطالما كانت العشوائية في العمارة عاملاً في تعزيز البنى السلبية، قبل الحرب، وخلالها، وبعدها أيضاً. 

تكمن أهمّية هذه المنازل في روحها، في حقّ الساكنين بالسكن وبالحياة وبالمدينة، من بعيد، كما عن قرب. الركام مشحون بالدلالة الرمزية التي تؤدّي إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالتاريخ وبالعنف. لكن، إذا كان المعتدي يرى في الأنقاض أثراً للقوّة وتأكيداً على القدرة، والضحيّة تنجذب إليها بوصفها أثراً للمأساة والهويّة المفقودة، فمِن أين يأتي الفخر المشترك؟ 

ربما لأنّ لبنان صار مسرحاً.

صواريخ، بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة… 

وهكذا إلى ما لا نهاية، من دون اعتراض، من دون هزيمة، تصفيق في نهاية العرض. في تمّوز كان التصفيق حاراً، وفي كانون الأوّل كان بارداً، لكنّه يبقى تصفيقاً. فقد صار الأمر مسرحاً، يتخلّله تجاهل متواتر للفقدان، طالما أنّه ليس شخصياً.

 لا يعني هذا طبعاً أنّ المعتدي والضحيّة يتساويان، في النهاية، هما يحدّقان إلى العرض نفسه، من زاويتين متعارضتين. لكنّ فعل التحديق بالتحديد هو الذي ينتج المفارقة الأخلاقية المروّعة، والمتمثّلة بالانجذاب إلى مشهد يستدعي الاستنكار في حدّه الأقصى. 

والغالب أيضاً، أنّ “حزب الله” تحديداً، بالغ لسنوات طويلة في استخدام الركام في عمليّة إعادة بناء شرعيته بعد كلّ حرب، إلى درجة أنّه جعل التطبّع معه مثل التطبّع مع الموت، تحت ذريعة الآخرة، مسائل طبيعية تتكرّر.

مسائل تتكرّر؛ شيء من نوع: أحياناً تحدث الحرب، وغالباً يُقال بالعربية: “وقعت الحرب”، كما لو أنّها مصيبة هطبت على رؤوسنا من فوق، فلا تظهر اللغة إلا كبنية تقوم على الاختلاف والإرجاء، وليس على التطابق والحضور. 

لا تحمل الكلمة وحدها معنى نهائياً، وتبقى دائماً تعبيراً جافّاً وناقصاً، عندما لا تلتقي في خيالنا بصورة المعنى الذي نفترضه، وغالباً، عندما يُقال “وقعت الحرب”، يكون القصد أنّنا لا نعرف مِن أين، أو كيف، لا نعرف من أوقعها ولماذا فعل ذلك. وقعت وحسب، من مكانٍ كان يجب أن تكون فيه، وألا تتزحزح منه.

 تدريجياً، وعلى نحو ملتبس، تستجيب اللغة لاختفاء الحقيقة، يصير التسليم عامّاً والخروج عنه خروجاً عن التعاطف وعن الحقّ وعن الوقت، لقد “وقعت الحرب” وبعدها نتعرّض لضغطٍ  هائل، لوجوب القبول بأنّها وقعت مِن مكان مجهول، وأنّ لا أحد مسؤول منذ هذه اللحظة وصاعداً عمّا سيأتي. علينا التصرّف مع عنف التداعيات، وغضّ النظر عن المكان الذي وقعت منه، وفي أقصى درجات التذمّر عن استحالة التمرّد على الوقت، لا شيء أفضل مما يقوله پريمو ليڤي: الآن، لم يعد يوجد لماذا.

صواريخ، بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير إسرائيلي وحشي، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة … . وهكذا إلى ما لا نهاية.

يستطيع الخطاب أن يفتّت الحقيقة من دون الحاجة إلى كذب صريح. يكفي تلطيخ الدلالات بالعصبيات لتقديم معنى نهائي. وفي خطاب “حزب الله” الذي يقوم على بنية طائفية محلّية صلبة ولا شيء سوى ذلك، يتمّ تقديم المعنى كنص مقدّس، بينما يستمرّ المعنى الفعلي بالاختفاء. يتدحرج المعنى بين الضحايا المستمرّين في السقوط دون أيّ قدرة على المواجهة. وفي اللغة المُستَعملة لا يُقال ضحايا، بل شهداء، لإخفاء حقيقة كونهم ضحايا، وليس تقديساً لهم كما يسود الاعتقاد. يستمرّ المعنى بالتدحرج على طريق مزدحمة بالسيّارات من الجنوب نحو الشمال، وبين قوافل الهاربين.

 وفي اللغة لا يُقال هاربون، فاللفظة مهينة، ولا غاية لرفض التعبير سوى تأجيل الإهانة الفعلية إلى ما لا نهاية. الإهانة الواقعة والماثلة وأمامنا في مشهد الهرب الذي صار شبيهاً بالعَود الأبدي، الإهانة التي تستحقّ الانتفاضة، وفعل ما يلزم لكي لا تتكرّر، وفي النهاية، كي لا يتبعها التصفيق.

أكثر من أيّ وقت مضى يجب الاعتراض على التلاعب بالكلمات، وعلى الحرب بوصفها رأياً شخصياً وتفسيراً شخصياً، وعلى استدعاء ظلال المعاني بدلاً من المعاني، على ذلك النحو الذي يتيح للخطاب المهيمن إعادة إنتاج نفسه إلى درجة مملّة، ولكن قاتلة. 

وهذا ما يحدث في لبنان منذ الحرب الأهلية اللبنانية، فـ”حزب الله” وُلِد ونشأ وترعرع وبنى تصوّراته للآخرين، ونسج شبكة علاقاته مع المكان والزمان، انطلاقاً من هذه الحرب الأهلية بالتحديد، على عكس ما يعتقد مؤسّسوه ومناصروه وجميع الذين يربطون بالحرب بينه وبين إسرائيل. 

يرتبط الحزب بحدثين لا ثالث لهما: سيطرة الإسلاميين على الثورة في إيران، والحرب الأهلية اللبنانية، ومثل بقيّة الميليشيات التي ظهرت خلال الحرب الأهلية، وقامت على عصبية الطائفة والعائلة والمنطقة، وجد لنفسه ذريعة لبقائه وهي الحرب، وهو يرفض نهايتها اليوم لكي لا ينتهي هو نفسه، مقترحاً إكمال حروب أخرى، لكي تبقى هذه الحرب قائمة. 

وبصراحةٍ بالغة، ومع أنّ هذا ليس عاملاً مشجّعاً أو تشجيعياً اليوم، لا معنى لـ”حزب الله” من دون الحرب. وفي أيّامه الأخيرة، لا بدّ من الإقلاع عن دعوته للتحوّل إلى حزب سياسي بصيغة الحرب الأهلية التي قام ويقوم عليها. يجب عليه أن يصير شيئاً آخر. بالنسبة إلى الحزب كما نشأ وترعرع، السياسة مثل المقاومة. كلمات يمكن إعادة صياغتها وتخيّلها، لإرجاء المعنى الفعلي. فلا تعني السياسة عقداً اجتماعياً أو مؤسّسات ديمقراطية، بل تعني الحوار على طاولة مستديرة تجمع ذكوراً مسنّين بوصفهم آباء للطوائف، من أجل اتّفاقات مؤقّتة إن كان ذلك ضرورياً.

 ولا تعني المقاومة الثقافة واللغة والتمسّك بالأرض، بل تعني “الدفاع المتقدّم” عن إيران، كما يصفه وليّ نصر في كتابه، وكما فسّره “حزب الله” نفسه أثناء غرق الجنوبيين في نومهم قبل أيّام قليلة. 

لا يكفي أن تقرّر مجموعة أيديولوجية منقطعة عن الزمن تبني سردية خاصّة وعالماً خاصّاً، لكي يصير الأمر حقيقياً، فإذا كان كلّ قول قابلاً لإعادة الاقتباس والاقتطاع وإعادة بناء السياق، فإنّ المتحدّث لا يملك سيادة كاملة على ما يقول. 

حتى الآن، ما زال النقاش والحساب الداخلي معطّلاً، وهذا لا يمحو المسؤولية قانونياً وحسب، بل لغوياً أيضاً، فيُقال لقد وقعت الحرب، وهكذا يُستبدل الفاعل بحدثٍ بلا فاعل:

صواريخ، بيانات، تدمير، نزوح جماعي، مراكز إيواء،  انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير، حرب جديدة،  صواريخ،  بيانات، تدمير، نزوح جماعي،  مراكز إيواء، انتظار العودة،  بيوت مهدّمة،  أنقاض،  لا عودة، تهجير،  حرب جديدة… 

وهكذا إلى ما لا نهاية… لا الطيّارون المسعورون سيشعرون بالسأم، ولا الحزب يمكنه – كما هو الآن- أن يصير حزباً سياسياً.