كان ذلك في أوائل صيف العام 2020، في حرّ حزيران الثقيل. كان العالم هادئاً بسبب الجائحة، لكنّ أعصابي لم تكن كذلك. كنت في السيارة مع جدّي (جدّو جورج)، والنوافذ مفتوحة، والشمس ترمي بذهبها على لوحة القيادة المتشقّقة. كان يدخّن، كما يفعل دائماً، لكنّ شيئاً ما في الصمت بيننا ذلك اليوم جعلني أنفجر. ربما كان ثقل الهواء، ربما ملل الإغلاق الطويل، أو ربما ذلك الخوف غير المعلن الذي حملناه جميعاً بعد أشهر من الكمامات وحظر التجوّل والخوف غير المرئي.
“قديش صرلك بتدخّن؟” سألته، بنبرة تجمع بين المزاح والانزعاج.
لم يضحك، ولم ينظر إليّ حتى. اكتفى بأن يزفر الدخان ببطء، كأن الدخان يحمل الذكرى معه.
قال: “من وقت هجوم شكّا”.
أدرت رأسي ببطء، لم أكن أتوقّع أن يتسلّل التاريخ إلى المقعد بيننا بهذه الطريقة، “في السبعينيات؟” سألته… هزّ رأسه.
لم أسأل أكثر، لم أكن بحاجة إلى ذلك، لقد نشأت في شكّا، تلك البلدة الساحلية المغمورة بالجمال والحزن معاً، لكن حتى تلك اللحظة، لم أفكّر يوماً في سيجارة جدّي كأثرٍ من آثار الحرب.
بعد شهر واحد، نجوتُ من انفجار مرفأ بيروت… كنت أعمل في جريدة “النهار”. الرابع من آب، أنتم تعرفون هذا التاريخ الآن، ذلك النوع من التواريخ الذي يقسم الزمن إلى ما قبل وما بعد، التاريخ الذي لا يحتاج إلى شرح لأيّ شخص يعيش هنا.
عدتُ إلى المنزل مغطّاة بالدم، لكنّه لم يكن دمي، متّسخة، مغبّرة، كانت يداي ترتجفان بلا توقّف، كنت صامتة، شبه مخدَّرة. عندما نزلت من السيّارة، رأيتهم: عائلتي كلّها تقف في الخارج وتراقبني، كأنني عروس تعود من شهر عسلها. ذلك الترقّب الجماعي نفسه، لكن هذه المرّة لم تكن هناك موسيقى، ولا زغاريد، فقط عيون واسعة وأنفاس صامتة… طلبت سيجارة.
في الزاوية، رأيت جدّو يدخّن، وفي تلك اللحظة فهمت… نحن نرث الحزن هنا، نرث الحرب، نرث عادة النجاة من أشياء كان يفترض أن تدمّرنا، السجائر ليست سوى علامات على كلّ ما اضطررنا إلى ابتلاعه. هذا ما يعنيه أن تكون لبنانياً، هذا يعني أن تحمل ذكريات لم تخترها، أن تعرف رائحة المتفجّرات كما تعرف رائحة الياسمين، أن تنزف من جروح أقدم منك، أن تكبر وأنت تتعلّم عن كلّ حرب من خلال جسد أحدهم: عرج في المشي، إصبع مفقودة، أو نظرة لا تنظر حقّاً إلى الأمام.
ومع ذلك، وسط كلّ ذلك، نجتمع، نأكل، نتجادل، نضحك، ننجو بلغة من الطقوس.
جدّتي نبيهة، تلفّ وشاحاً حول رأسها كلّ شتاء وتتّجه إلى المطبخ كأنها تستعدّ لمراسم مقدّسة، تختار الكشك الذي يأتي مباشرة من قريتنا؛ لبن مجفّف مع البرغل تُرك تحت الشمس، تقشّر الثوم ببطء، تتحرّك أصابعها بنوع من الوقار، كأنّ كلّ فصّ يستحقّ عناية خاصّة، هي لا تحبّ اللحم في الكشك، ولا أنا أيضاً، أحياناً تضيف البطاطا، طرية وذهبية، تشعل الغاز أو موقد الحطب القديم (الصوبيا) وتسخّن مقلاة سوداء؛ سوداء من أثر السنين، مقلاة ترفض أن تتخلّى عنها، زيت الزيتون أوّلاً، دائماً، ثم الثوم، ثم الكشك.
الرائحة ذكية، آكل كأنني أتذوّق أفخم وجبة على وجه الأرض، لأنني كذلك فعلاً.
الأمر ليس في المكوّنات، بل في ما تحمله: حكايات، بقاء، حبّ ملفوف بالنشاء والبخار… وهذا مجرّد البداية.
حماتي تطبخ بطريقة مختلفة، لكن بالقدر نفسه من التفاني… طعامها بسيط، نباتي في معظمه، ودائماً موسمي، ما تقطفه من حديقتها ينتهي في أطباقنا في اليوم نفسه، يخنة الكوسا مع الثوم ودبس البندورة الذي تحضّره كلّ عام، فاصولياء خضراء مطهوّة بالبندورة، وعدس يُطهى ببطء حتى يصبح طرياً بما يكفي ليؤكل مع الخبز وحده. لا تتحدّث كثيراً أثناء الطبخ، حبّها هادئ، يُقاس بالملاعق والحصص، لا بالكلمات.
تسمح لي أحياناً أن أساعدها، رغم أنني أبطأ وأكثر ارتباكاً. في الحقيقة، أنا أسرق المذاقات من القدور أكثر مما أساعد، وأراقب كيف تتحرّك، كأنّ الطبخ ذاكرة عضلية، وكأن إطعام الآخرين لغة تجيدها بطلاقة… تقول: “كلي”، “ما أكلتِ منيح”، “زيدي”، “ما أكلتِ شي، كلي بعد”، وفي كلّ جملة، ما تقصده فعلاً هو: “أحبّكم”.
ثم هناك حماي أبو هيثم، رجل الأرض… لا يمكنك أن تمشي معه دون أن تتوقّف كلّ خطوتين لأنه لمح عشبة برّية أو تينة بدأت تنبت، يتحدّث عن الزعتر كأنه مادّة مقدّسة، يقول: “شمّي هذه”، وهو يناولني عشبة، “هذه من التلال العليا… أقوى”، يقطف الفطر غير السامّ، الذي لا أحد يعرف كيف يميّزه عن سواه، ويحكي القصص ونحن نسير: كيف كانت شجرة المشمش أقوى قبل عشرين عاماً، كيف كانوا يصنعون الخلّ، وكيف أن الماعز الذي رأيته يولد الأسبوع الماضي صار الآن قادراً على السير في الدرب.
إقرأوا أيضاً:
مرّة شاهدت ذلك الجدي الصغير يخطو خطوته الأولى خارج الحظيرة، متردّداً، متمايلاً، غير واثق، كنّا قد شهدنا ولادته قبل أيّام قليلة، أتذكّر أنني فكّرت يومها كم أن كلّ شيء هنا هشّ. حركة خاطئة واحدة، ويمكن لذلك الجدي أن يسقط، أن يموت. هكذا ببساطة، لكنّه لم يسقط، مشى، تعلّم الطريق، تبع حوافر أمّه.
وشعرت بغصّة في حلقي وأنا أرى شيئاً صغيراً إلى هذا الحدّ، جديداً إلى هذا الحدّ، ينجو في مكان كهذا. هناك إيقاع هنا، إيقاع مصنوع من التناقضات، نعيش في الأزمات، لكنّنا نتحرّك كأن لدينا كلّ الوقت في العالم.
نقطف الزيتون في الخريف، نجلس على أسطح البيوت حين تنقطع الكهرباء، نشرب العرق تحت عرائش العنب، بينما تتحدّث الأخبار عن الانهيار، نقيم الحفلات في المباني المهجورة، نشعل الشموع للفرح، لا فقط بسبب انقطاع الكهرباء، نرقص في صالات الأعراس حتى لو لم تتوقّف القنابل عن السقوط، نصرخ في وجه بعضنا بعضاً ثم نقبّل الخدود ثلاث مرّات.
رقصنا وصرخنا خلال الانتفاضات، ولم يكن فرحنا يوماً منفصلاً عن غضبنا. حتى ونحن نطالب بالأجور العادلة، وبالماء والكهرباء، كنّا نرقص، هذا ما يعنيه أن تكون هنا.
أتذكّر في عام 2019، خلال ثورة تشرين، صوت الناس يهتفون خارج نافذتي، دويّ القدور والمقالي، الشعارات، الموسيقى. كان أحدهم يشغّل أغنية لفيروز عبر مكبّر صوت، واختلطت مع الهتافات في تناغم غريب، نزلت إلى الساحة مع أصدقائي، رقصنا، صرخنا، بكينا، كلّ ذلك في الساعة نفسها.
في لبنان، هذه الأشياء ليست منفصلة؛ كلّها جزء من التيّار العاطفي نفسه. رقصنا كأنها فرصتنا الأخيرة، رقصنا لأننا لم نملك إجابات، رقصنا لأننا لم نعرف ماذا نفعل بكلّ هذا الانكسار الذي نحمله. لبنان يشبه صباح؛ المغنية، سعيد، صاخب، لامع، لكنّه يخفي كدمات تحت البريق.
طلبت مرّة أن تُرقص الدبكة في جنازتها، وقد حدث ذلك، قبّل الناس صورتها، نثروا الأرزّ، بكوا، ثم رقصوا في حلقات، حتى عندما رحلت، جلبت الفرح معها، حتى في الموت، أصرّت على الحياة.
أن تعيش هنا يعني أن تحفظ أغنيتها “شمس العيد”: “عيش اليوم، حبّ اليوم، اليوم بإيدك، بكرا بعيد”، هذا نشيدنا، لعنتنا.
نعيش في مكان لم يكن فيه الغد مضموناً يوماً، لذلك نتشبّث باليوم، نحمل كلّ شيء معاً: الفرح، الحزن، الغضب، الدعابة، في النفس نفسه.
نحن نرث الصدمات، نرث الحكايات، نرث الصمت، نرث الخرافات وتهويدات النوم، نرث الوصفات، الأرض، الأشباح، ونرث الياسمين.
تلك الرائحة التي تفوح ليلاً، خصوصاً في الصيف، على شرفة جدّتي، تلك الرائحة تسري في دمي، كانت تسألني ماذا أريد للفطور قبل أن أفتح عينيّ حتى، وكان جوابي دائماً نفسه: كشك، ثوم، زيت زيتون، خبز مرقوق ساخن، وكانت تقدّمه على صينية صغيرة، وتلفّ شالاً حول خصرها، ثم تبدأ في الحديث عن أخوالي حين كانوا في عمري، كانت تضحك، ثم تصمت فجأة، كان هناك دائماً شيء خلف عينيها، كأنها ترى نسخة من الماضي لا تستطيع أن تعيدها.
هناك شيء خاصّ في الحبّ في لبنان، ليس حبّاً ناعماً، بل حبّ شرس، حبّ يتشكّل عبر المشقّة… لا تحبّ عائلتك فحسب، بل تتشاجر معهم، ومن أجلهم، تنجو معهم، تعيد بناء البيوت معهم بعد كلّ انفجار، تخفي دموعك عنهم حين لا يبقى معك مال،
تتظاهر بأنك بخير حتى لا يقلقوا عليك، ومع ذلك، كلّ يوم أحد، تصل حاملاً صينية كنافة… حتى حين تنهار العملة، حتى حين تسرق المصارف مدخّراتك، حتى حين تسقط الصواريخ على البلدات المجاورة، تجتمعون، تأكلون، تضحكون، تنظّفون الصحون، وتغسلون الحزن بفنجان قهوة…
أن تكون لبنانياً يعني أن تشعر بكلّ شيء، طوال الوقت، أن تكون مكشوفاً، يقظاً.
والآن، أحمل إرثاً مختلفاً، إرثاً لم أتوقّعه… ذكرى ابنة لم تتح لي فرصة تربيتها، كانت ستتعلّم كلّ هذا، كنت سأعلّمها رائحة الثوم في الكشك، كنت سأصطحبها لقطف الزعتر البرّي، كنت سأريها كيف تُلفّ ورقات العنب، كيف تحبّ فيروز، كيف ترقص في قلب الحزن، كيف تضحك بصوت مكسور، كيف تبقى… أو كيف ترحل.
كنت سأقول لها: “أنتِ تنتمين إلى مكان ينكسر ويعيد بناء نفسه كلّ يوم، ومع ذلك يجرؤ على أن يزهر”، وربما هذا هو الجزء الأصعب… أن تحبّ هذا المكان يعني أن تشاهده يؤذي كلّ من تحبّ، يعني أن تزرع في أرض متشقّقة، يعني أن تختار الأمل في مكان يعاقب الأمل، ومع ذلك، نفعل ذلك، نمرّر الحكايات، الرقصات، الأغاني،
لأنه إن لم نفعل نحن، فمن سيفعل؟
إقرأوا أيضاً:












