ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اليسار الكويري الضائع بين الجنسانيّة ومحور المقاومة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

غياب البديل ليس قانوناً طبيعياً، بل نتيجة تاريخ من القمع. لكن ذلك لا يجعل الاصطفاف مع القامع أقل قبحاً. ليس كل من يرفع السلاح ضد الاحتلال يُعفى من السؤال: ماذا سيفعل بي بعد أن ينتصر؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في تموز/ يوليو 2024، رفعت امرأة تبيّن لاحقاً أنها عابرة جندرياً، علم حزب الله اللبناني في مخيم التضامن مع غزة في جامعة برينستون. رأيتُ الصورة كما أرى أشياء كثيرة تحدث في العالم: من بعيد، عبر الشاشات، ومن داخل مدينة لا تظهر أصلاً على الخرائط التي يرسمها الآخرون عن هذه المنطقة. لم أشعر بالدهشة فقط، بل بالمحو أيضاً. كأن المحو اكتمل هذه المرة من دون ضجيج، ومن دون أن يتوقف أحد ليسأل: من الذي اختفى هنا فعلاً؟ من الذي ابتُلع داخل هذا المشهد؟ كان الجسد الذي يُمحى جسداً يشبه جسدي.

هذا المشهد ليس استثنائياً، بل يتكرر رقمياً وسياسياً في الفضاءين الغربي والعربي. أفراد من مجتمع الميم يرفعون شعارات محور المقاومة، أو يذوبون فيها، بدافع التضامن مع فلسطين ومناهضة الإمبريالية الأميركية والاستعمار الإسرائيلي. هذه المفارقة لا يمكن التعامل معها بوصفها تفصيلاً جانبياً، فهذه القوى نفسها، من إيران إلى أذرعها ووكلائها في العراق ولبنان واليمن، لا ترى الوجود الكويري إلا انحرافاً أخلاقياً وخطراً اجتماعياً وجريمة تستحق العقاب. وفي بعض هذه البلدان يتحول هذا العداء إلى قانون، وإلى ملاحقة وتعذيب وتهديد، وموت مؤجل في بلدان أخرى.

لكن اختزال هذا التناقض في الغفلة السياسية أو الانفصام الفكري لا يكفي. ما يبدو من الخارج انهياراً، يكشف من الداخل عن شبكة كثيفة من الالتباسات: هوية تصارع هوية، وعدو يبتلع كل الأعداء الأصغر، وخطاب تحرري يطلب من ضحاياه أن يصمتوا عن جلاديهم مؤقتاً باسم أولوية أكبر لا تأتي نهايتها أبداً. غير أن الاعتراف بتعقيد الظاهرة لا يجب أن يتحول إلى تبرير لها. فالتاريخ مليء بجماعات مضطهدة قاتلت إلى جانب قوى شاركت في سحقها: نساء دافعن عن أنظمة أبوية، وعمال اصطفوا مع أصحاب المصانع، وأقليات احتمت بخطابات قومية رمتها لاحقاً خارج الجماعة الوطنية. الجديد هنا ليس التناقض نفسه، بل إن بعض الكويريين/ات اليوم يشاركون، بوعي أو من دونه، في تلميع مشاريع ترى فيهم عاراً يجب محوه.

السياسة، في لحظتها الأكثر قسوة، ليست سؤال العدالة بقدر ما هي سؤال الاصطفاف: من معنا؟ ومن ضدنا؟ 

حين يعرّف بعض أفراد مجتمع الميم عدوهم الأكبر بوصفه الإمبريالية الأميركية والتوسع الاستعماري الإسرائيلي، تتشكل خريطة ذهنية وسياسية تجعل من يقاتل هذا العدو حليفاً تلقائياً، مهما كانت تصوراته عنهم. 

وهكذا يُدفع الجسد الكويري إلى الخلف، ويُطلب منه أن يضحي بنفسه مرة أخرى، ليس على يد السلطة الدينية هذه المرة، بل باسم القضية الكبرى.

في مناخ الاستقطاب الحاد هذا، لا يُطلب من الفرد أن يكون متسقاً، بل مخلصاً للمعسكر. والمعسكر، بطبيعته، لا يحتمل الأسئلة الدقيقة. يريد ولاءً واضحاً، لا ضمائر تربكه. لذلك تُؤجَّل التناقضات الأخلاقية كلها إلى ما بعد “التحرير”، إلى ما بعد “المعركة الكبرى”، إلى ما بعد “هزيمة العدو الرئيسي”. وهذه “الما بعد” لا تأتي أبداً، لأن المعركة الكبرى لا تنتهي، ولأن السلطة التي تطلب منك أن تؤجل وجودك اليوم لن تعيده لك مكافأة على حسن السلوك.

بهذا المعنى، يصبح الفرد الكويري/ة الذي يرفع شعار المقاومة الإسلامية مشاركاً، بوعي أو من دونه، في عملية محو نفسه سياسياً. ليس جهلاً بطبيعة الفصائل التي تحتقره، بل قبولاً بتجميد هذه الحقيقة والتعامل معها بوصفها مسألة ثانوية أو جرحاً يمكن تأجيله. لكن الجسد لا يعيش بالتأجيل. الجسد الذي يُقتل أو يُجرَّم أو يُطارد أو يُدفع إلى الخفاء لا يملك رفاهية الانتظار.

عندما يتكلم المضطهَد لغة مضطهده

عندما يتبنى المضطهَد خطاب مضطهده بوصفه خطاباً تحررياً، فنحن لسنا أمام مفارقة أدبية، بل أمام أكثر صور الهيمنة اكتمالاً. فليست الهيمنة فقط أن تُفرض عليك بالقوة، بل أن تنجح في استعمار وعيك إلى الحد الذي ترى فيه أدوات قمعك جزءاً من طريق خلاصك.

هذا هو الوجه الأكثر قسوة لهذه الظاهرة: أن يدافع بعض الكويريين/ات عن قوى لا تعترف بإنسانيتهم أصلاً، ثم يطلبون من الآخرين احترام هذا الاصطفاف بوصفه “أصح سياسياً”. هم لا يفعلون ذلك حباً بمضطهديهم، بل لأنهم يضعون هوية سياسية بعينها، “مناهضة الاستعمار”، فوق كل ما عداها، ويتصرفون كما لو أن التحرر الوطني سيقود تلقائياً إلى التحرر الجنسي/الجندري. لكن هذا ليس إلا وهماً تكرر كثيراً حتى أصبح من السذاجة الاستمرار في تصديقه.

لم يحدث تاريخياً أن حررت الثورات الدينية أو القومية أو العسكرية الأقليات الجنسية بعد انتصارها لمجرد أنها شاركت فيها أو صمتت عن جرائمها. في الغالب، كانت تلك اللحظة هي بداية الحساب الداخلي: حساب من لا يشبه صورة الأمة الجديدة أو المواطن الصالح.

ثمة من يرد هنا بحجة معروفة: الخطاب الحقوقي الغربي نفسه ليس بريئاً، وأن قضايا الكويريين/ات والنساء استُخدمت مراراً لتبرير تدخلات استعمارية وعسكرية. وهذا صحيح. لكن هذا لا يحوّل الميليشيات والفصائل الدينية إلى مشروع تحرري، ولا يمنح الجلاد المحلي حصانة أخلاقية لأنه ليس غربياً. مناهضة الاستعمار لا تُطهّر القمع، ورفض التوظيف الإمبريالي لقضايانا لا يعني تسليم أجسادنا لأنظمة تريد إخضاعها أو إبادتها.

المفترض أن التقاطعية جاءت لتمنع اختزال الإنسان إلى هوية واحدة، وأن تكشف تعقيد موقعه داخل أنظمة القهر المتداخلة. لكن ما حصل في الاستخدام السياسي الشائع لها كان العكس: تحولت من أداة لفهم تداخل الاضطهادات إلى جهاز لترتيبها، إلى سلّم غير معلن يُطلب فيه من بعض الجروح أن تصمت لأن جروحاً أخرى “أكثر إلحاحاً”.

وهكذا يصبح الكويري/ة مطالباً بأن يكون عربياً قبل أن يكون كويرياً، ومناهضاً للاستعمار قبل أن يكون مدافعاً عن جسده، ومخلصاً للقضية قبل أن يكون وفياً لبقائه. لا لأن هذه الهويات منفصلة فعلياً، بل لأن المجال السياسي يفرض تراتبية قسرية: الآن فلسطين، ثم لاحقاً – ربما – نتحدث عن حقوقكم.

هذا ليس تضامناً تقاطعياً، بل إدارة بيروقراطية للألم، تعيد إنتاج منطق الإقصاء نفسه الذي تدّعي مقاومته.

الجسد الكويري عند المحور: هدف لا هامش

في خطاب محور المقاومة، الجسد الكويري ليس مجرد تفصيل محرج، بل موضوع ضبط وعقاب. هو جسد يجب مراقبته وتأديبه وإعادته إلى “النظام الأخلاقي”. هنا لا يُجرَّم الفعل فقط، بل الهوية ذاتها.

لذلك، حين يدافع كويري/ة عن هذه الفصائل، أو يغض الطرف عن جرائمها، فهو لا يرتكب مجرد خطأ تحليلي، بل يشارك في إعادة إنتاج اللغة التي تضع رقبته تحت السكين.

والمأساة أشد بالنسبة الى الكويريين/ات الذين يعيشون داخل هذه البلدان. بالنسبة إليهم، المسألة ليست نقاشاً نظرياً، بل رعب يومي: اختفاء، ابتزاز، سجون، وملاحقات. لذلك يبدو مشهد الكويري المهاجر أو الغربي الذي يتبنى هذا الخطاب من الخارج مشهداً فاضح الامتياز: امتياز من لا يدفع الثمن بجسده.

الحجة الأكثر شيوعاً هنا هي حجة الضرورة: ما البديل؟ لكن هذه الحجة ليست إلا استسلاماً مُجمَّلاً نظرياً. فهي تتعامل مع السياسة كما لو كانت خيارات جاهزة، لا مساراً تاريخياً سُحقت فيه البدائل.

غياب البديل ليس قانوناً طبيعياً، بل نتيجة تاريخ من القمع. لكن ذلك لا يجعل الاصطفاف مع القامع أقل قبحاً. ليس كل من يرفع السلاح ضد الاحتلال يُعفى من السؤال: ماذا سيفعل بي بعد أن ينتصر؟

التاريخ أجاب: الثورة الإيرانية أعدمت المثليين، الجزائر أعادت النساء إلى الهامش، وكوبا سجنتهم في معسكرات “إعادة التأهيل”. النمط واضح.

لا تضامن مع من يطلب مني أن أختفي

التناقض الذي يعيشه الكويري/ة المدافع عن قوى تريد محوه ليس زلة شخصية، بل أزمة أعمق: أزمة خيال سياسي، وأزمة تمثيل، وأزمة تضامن تحوّل إلى اختبار ولاء.

لكن فهم هذه الأزمة لا يخفف من حقيقتها الأخلاقية. في لحظة ما، لا يعود الصمت حكمة بل تواطؤاً.

نحن لا نُجبر على الاختيار بين فلسطين والجسد الكويري، لكن الخطاب السائد يفرض هذا الابتزاز. التضامن الحقيقي لا يطلب منا إنكار ما يهددنا كي نثبت نقاءنا.

المطلوب ليس التخلي عن فلسطين، بل إنقاذ التضامن معها من هذه البنية الابتزازية. المطلوب سياسة تستطيع أن تقول، من دون ارتباك: نعم لفلسطين، ولا لكل من يريد بناء تحرره على قبورنا. نعم لمناهضة الاستعمار، ولا لتقديس قوى ترى فينا عاراً يجب محوه، لأن الجسد الكويري ليس هامشاً ولا تفصيلاً مؤجلاً. ومن يطلب منا أن نصمت اليوم كي لا ترتبك السردية، لا يختلف كثيراً عمن يريدنا أن نصمت إلى الأبد.

24.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

غياب البديل ليس قانوناً طبيعياً، بل نتيجة تاريخ من القمع. لكن ذلك لا يجعل الاصطفاف مع القامع أقل قبحاً. ليس كل من يرفع السلاح ضد الاحتلال يُعفى من السؤال: ماذا سيفعل بي بعد أن ينتصر؟

في تموز/ يوليو 2024، رفعت امرأة تبيّن لاحقاً أنها عابرة جندرياً، علم حزب الله اللبناني في مخيم التضامن مع غزة في جامعة برينستون. رأيتُ الصورة كما أرى أشياء كثيرة تحدث في العالم: من بعيد، عبر الشاشات، ومن داخل مدينة لا تظهر أصلاً على الخرائط التي يرسمها الآخرون عن هذه المنطقة. لم أشعر بالدهشة فقط، بل بالمحو أيضاً. كأن المحو اكتمل هذه المرة من دون ضجيج، ومن دون أن يتوقف أحد ليسأل: من الذي اختفى هنا فعلاً؟ من الذي ابتُلع داخل هذا المشهد؟ كان الجسد الذي يُمحى جسداً يشبه جسدي.

هذا المشهد ليس استثنائياً، بل يتكرر رقمياً وسياسياً في الفضاءين الغربي والعربي. أفراد من مجتمع الميم يرفعون شعارات محور المقاومة، أو يذوبون فيها، بدافع التضامن مع فلسطين ومناهضة الإمبريالية الأميركية والاستعمار الإسرائيلي. هذه المفارقة لا يمكن التعامل معها بوصفها تفصيلاً جانبياً، فهذه القوى نفسها، من إيران إلى أذرعها ووكلائها في العراق ولبنان واليمن، لا ترى الوجود الكويري إلا انحرافاً أخلاقياً وخطراً اجتماعياً وجريمة تستحق العقاب. وفي بعض هذه البلدان يتحول هذا العداء إلى قانون، وإلى ملاحقة وتعذيب وتهديد، وموت مؤجل في بلدان أخرى.

لكن اختزال هذا التناقض في الغفلة السياسية أو الانفصام الفكري لا يكفي. ما يبدو من الخارج انهياراً، يكشف من الداخل عن شبكة كثيفة من الالتباسات: هوية تصارع هوية، وعدو يبتلع كل الأعداء الأصغر، وخطاب تحرري يطلب من ضحاياه أن يصمتوا عن جلاديهم مؤقتاً باسم أولوية أكبر لا تأتي نهايتها أبداً. غير أن الاعتراف بتعقيد الظاهرة لا يجب أن يتحول إلى تبرير لها. فالتاريخ مليء بجماعات مضطهدة قاتلت إلى جانب قوى شاركت في سحقها: نساء دافعن عن أنظمة أبوية، وعمال اصطفوا مع أصحاب المصانع، وأقليات احتمت بخطابات قومية رمتها لاحقاً خارج الجماعة الوطنية. الجديد هنا ليس التناقض نفسه، بل إن بعض الكويريين/ات اليوم يشاركون، بوعي أو من دونه، في تلميع مشاريع ترى فيهم عاراً يجب محوه.

السياسة، في لحظتها الأكثر قسوة، ليست سؤال العدالة بقدر ما هي سؤال الاصطفاف: من معنا؟ ومن ضدنا؟ 

حين يعرّف بعض أفراد مجتمع الميم عدوهم الأكبر بوصفه الإمبريالية الأميركية والتوسع الاستعماري الإسرائيلي، تتشكل خريطة ذهنية وسياسية تجعل من يقاتل هذا العدو حليفاً تلقائياً، مهما كانت تصوراته عنهم. 

وهكذا يُدفع الجسد الكويري إلى الخلف، ويُطلب منه أن يضحي بنفسه مرة أخرى، ليس على يد السلطة الدينية هذه المرة، بل باسم القضية الكبرى.

في مناخ الاستقطاب الحاد هذا، لا يُطلب من الفرد أن يكون متسقاً، بل مخلصاً للمعسكر. والمعسكر، بطبيعته، لا يحتمل الأسئلة الدقيقة. يريد ولاءً واضحاً، لا ضمائر تربكه. لذلك تُؤجَّل التناقضات الأخلاقية كلها إلى ما بعد “التحرير”، إلى ما بعد “المعركة الكبرى”، إلى ما بعد “هزيمة العدو الرئيسي”. وهذه “الما بعد” لا تأتي أبداً، لأن المعركة الكبرى لا تنتهي، ولأن السلطة التي تطلب منك أن تؤجل وجودك اليوم لن تعيده لك مكافأة على حسن السلوك.

بهذا المعنى، يصبح الفرد الكويري/ة الذي يرفع شعار المقاومة الإسلامية مشاركاً، بوعي أو من دونه، في عملية محو نفسه سياسياً. ليس جهلاً بطبيعة الفصائل التي تحتقره، بل قبولاً بتجميد هذه الحقيقة والتعامل معها بوصفها مسألة ثانوية أو جرحاً يمكن تأجيله. لكن الجسد لا يعيش بالتأجيل. الجسد الذي يُقتل أو يُجرَّم أو يُطارد أو يُدفع إلى الخفاء لا يملك رفاهية الانتظار.

عندما يتكلم المضطهَد لغة مضطهده

عندما يتبنى المضطهَد خطاب مضطهده بوصفه خطاباً تحررياً، فنحن لسنا أمام مفارقة أدبية، بل أمام أكثر صور الهيمنة اكتمالاً. فليست الهيمنة فقط أن تُفرض عليك بالقوة، بل أن تنجح في استعمار وعيك إلى الحد الذي ترى فيه أدوات قمعك جزءاً من طريق خلاصك.

هذا هو الوجه الأكثر قسوة لهذه الظاهرة: أن يدافع بعض الكويريين/ات عن قوى لا تعترف بإنسانيتهم أصلاً، ثم يطلبون من الآخرين احترام هذا الاصطفاف بوصفه “أصح سياسياً”. هم لا يفعلون ذلك حباً بمضطهديهم، بل لأنهم يضعون هوية سياسية بعينها، “مناهضة الاستعمار”، فوق كل ما عداها، ويتصرفون كما لو أن التحرر الوطني سيقود تلقائياً إلى التحرر الجنسي/الجندري. لكن هذا ليس إلا وهماً تكرر كثيراً حتى أصبح من السذاجة الاستمرار في تصديقه.

لم يحدث تاريخياً أن حررت الثورات الدينية أو القومية أو العسكرية الأقليات الجنسية بعد انتصارها لمجرد أنها شاركت فيها أو صمتت عن جرائمها. في الغالب، كانت تلك اللحظة هي بداية الحساب الداخلي: حساب من لا يشبه صورة الأمة الجديدة أو المواطن الصالح.

ثمة من يرد هنا بحجة معروفة: الخطاب الحقوقي الغربي نفسه ليس بريئاً، وأن قضايا الكويريين/ات والنساء استُخدمت مراراً لتبرير تدخلات استعمارية وعسكرية. وهذا صحيح. لكن هذا لا يحوّل الميليشيات والفصائل الدينية إلى مشروع تحرري، ولا يمنح الجلاد المحلي حصانة أخلاقية لأنه ليس غربياً. مناهضة الاستعمار لا تُطهّر القمع، ورفض التوظيف الإمبريالي لقضايانا لا يعني تسليم أجسادنا لأنظمة تريد إخضاعها أو إبادتها.

المفترض أن التقاطعية جاءت لتمنع اختزال الإنسان إلى هوية واحدة، وأن تكشف تعقيد موقعه داخل أنظمة القهر المتداخلة. لكن ما حصل في الاستخدام السياسي الشائع لها كان العكس: تحولت من أداة لفهم تداخل الاضطهادات إلى جهاز لترتيبها، إلى سلّم غير معلن يُطلب فيه من بعض الجروح أن تصمت لأن جروحاً أخرى “أكثر إلحاحاً”.

وهكذا يصبح الكويري/ة مطالباً بأن يكون عربياً قبل أن يكون كويرياً، ومناهضاً للاستعمار قبل أن يكون مدافعاً عن جسده، ومخلصاً للقضية قبل أن يكون وفياً لبقائه. لا لأن هذه الهويات منفصلة فعلياً، بل لأن المجال السياسي يفرض تراتبية قسرية: الآن فلسطين، ثم لاحقاً – ربما – نتحدث عن حقوقكم.

هذا ليس تضامناً تقاطعياً، بل إدارة بيروقراطية للألم، تعيد إنتاج منطق الإقصاء نفسه الذي تدّعي مقاومته.

الجسد الكويري عند المحور: هدف لا هامش

في خطاب محور المقاومة، الجسد الكويري ليس مجرد تفصيل محرج، بل موضوع ضبط وعقاب. هو جسد يجب مراقبته وتأديبه وإعادته إلى “النظام الأخلاقي”. هنا لا يُجرَّم الفعل فقط، بل الهوية ذاتها.

لذلك، حين يدافع كويري/ة عن هذه الفصائل، أو يغض الطرف عن جرائمها، فهو لا يرتكب مجرد خطأ تحليلي، بل يشارك في إعادة إنتاج اللغة التي تضع رقبته تحت السكين.

والمأساة أشد بالنسبة الى الكويريين/ات الذين يعيشون داخل هذه البلدان. بالنسبة إليهم، المسألة ليست نقاشاً نظرياً، بل رعب يومي: اختفاء، ابتزاز، سجون، وملاحقات. لذلك يبدو مشهد الكويري المهاجر أو الغربي الذي يتبنى هذا الخطاب من الخارج مشهداً فاضح الامتياز: امتياز من لا يدفع الثمن بجسده.

الحجة الأكثر شيوعاً هنا هي حجة الضرورة: ما البديل؟ لكن هذه الحجة ليست إلا استسلاماً مُجمَّلاً نظرياً. فهي تتعامل مع السياسة كما لو كانت خيارات جاهزة، لا مساراً تاريخياً سُحقت فيه البدائل.

غياب البديل ليس قانوناً طبيعياً، بل نتيجة تاريخ من القمع. لكن ذلك لا يجعل الاصطفاف مع القامع أقل قبحاً. ليس كل من يرفع السلاح ضد الاحتلال يُعفى من السؤال: ماذا سيفعل بي بعد أن ينتصر؟

التاريخ أجاب: الثورة الإيرانية أعدمت المثليين، الجزائر أعادت النساء إلى الهامش، وكوبا سجنتهم في معسكرات “إعادة التأهيل”. النمط واضح.

لا تضامن مع من يطلب مني أن أختفي

التناقض الذي يعيشه الكويري/ة المدافع عن قوى تريد محوه ليس زلة شخصية، بل أزمة أعمق: أزمة خيال سياسي، وأزمة تمثيل، وأزمة تضامن تحوّل إلى اختبار ولاء.

لكن فهم هذه الأزمة لا يخفف من حقيقتها الأخلاقية. في لحظة ما، لا يعود الصمت حكمة بل تواطؤاً.

نحن لا نُجبر على الاختيار بين فلسطين والجسد الكويري، لكن الخطاب السائد يفرض هذا الابتزاز. التضامن الحقيقي لا يطلب منا إنكار ما يهددنا كي نثبت نقاءنا.

المطلوب ليس التخلي عن فلسطين، بل إنقاذ التضامن معها من هذه البنية الابتزازية. المطلوب سياسة تستطيع أن تقول، من دون ارتباك: نعم لفلسطين، ولا لكل من يريد بناء تحرره على قبورنا. نعم لمناهضة الاستعمار، ولا لتقديس قوى ترى فينا عاراً يجب محوه، لأن الجسد الكويري ليس هامشاً ولا تفصيلاً مؤجلاً. ومن يطلب منا أن نصمت اليوم كي لا ترتبك السردية، لا يختلف كثيراً عمن يريدنا أن نصمت إلى الأبد.