قال لي أحد الأصدقاء – وھو أكادیمي رفیع المستوى- ذات مرّة “إن التخلّف في الجزیرة العربیة بدأ مع سیطرة جماعات الإسلام السیاسي، التي حصرت الأبحاث العلمیة ما بین الركبة والسرّة، وبمفطرات رمضان، بعد أن كان العرب یكتبون ویبحثون في الطاقة وعلوم الفضاء وغیرھا من العلوم الواسعة”.
تجاھلت ما قاله، فھو بالتأكید لیس دقیقاً، وعلى أيّ حال لم أكن شاھداً على تلك الفترة، ولم أطّلع بما یكفي علیھا، لذا قرّرت تجاوز ما قاله وعدم الخوض في النقاش معه، واعداً إیّاه بأني سأخذ ما قاله في الحسبان، وسأقرأ عن تلك الفترة التي أشار إلیھا.
لم أفِ بوعدي بعد، لكنّي ومن دون سابق إنذار وجدت ما قاله یعود مراراً وتكراراً إلى ذھني، خاصّة وأنا أتابع الأبحاث ورسائل التخرّج القادمة من مناطق سیطرة جماعة “أنصار الله” في صنعاء، على سبیل المثال لا الحصر رسالة ماجستیر بعنوان “الصرخة في وجه المستكبرین: أبعادھا الإیمانیة والسیاسیة”، وأخرى حول المسیرة القرآنیة وأثرھا في تعزیز التنمیة الشاملة في الیمن، وغیرھا من رسائل التخرّج التي أصبحت تُناقش وتُنشر ھذه الأیّام، ویحصل أصحابھا على درجات امتیاز، والمضحك أو المبكي لا أدري، توصیات بالنشر في المجلّات العلمیة. نشر ماذا بالضبط؟ وماذا یقصدون بالمجلّات العلمیة؟ لا أدري حقاً.
ما أعرفه تماماً ھو أن الجماعات المسلّحة التي تسعى إلى الحكم، بخاصّة في المنطقة العربیة والیمن، یجب أن تغلّف تطلّعاتھا السیاسیة بغطاء دیني یحیطھا بنوع من القداسة، حتى تخفّ حدّة الانتقاد الذي قد تتعرّض له من جھة، ومن جھة أخرى لتستقطب المزید من الناس المحافظین، الذین یغرّھم ویغریھم أي شيء له علاقة بالدین، وبالآخرة، وبالجنّة.
من الجدیر بالذكر الإشارة ھنا إلى ما قامت به جماعة “أنصار الله” من تغییر للمناھج الدراسیة في المؤسّسات التعلیمیة في الیمن، بما في ذلك المدارس والجامعات، بما یتواءم مع أیدیولوجیتھا الخاصّة، بالإضافة إلى إصدار ملازم وكتیّبات تستھدف الموظّفین وخرّیجي الجامعات.
لم تكتفِ الجماعة بما أحدثته من تغییر في المؤسّسات التعلیمیة، بل استحدثت دورات صیفیة ثقافیة – ھي بالأحرى معسكرات تجنید – في كلّ المحافظات والمدیریات الخاضعة لسیطرتھا، تستمرّ بین ٣٠-٤٥ یوماً، بعضھا مخصّص للأطفال، والبعض الآخر للبالغین، یتمّ فیھا تعبئتھم فكریاً بما یتناسب مع عقیدة الجماعة، وإخضاعھم لبعض التدریبات الجسدیة، بما في ذلك استخدام السلاح.
إقرأوا أيضاً:
صدیق آخر یُقیم في مناطق سیطرة الجماعة، كان قد تنبّأ بما یحدث من تلاعب بالمناھج الدراسیة واستھداف للأطفال في المخیمات الصیفیة، بقوله: “إن الحوثیین یجھّزون جیلاً كاملاً من المقاتلین الذین سیشكّلون خطراً على الیمن لعقود كثیرة مقبلة”.
في ٢٠٢٣ أعلنت الجماعة أن منتسبي المراكز الصیفیة وحدھا، قد بلغ ٨٤٠ ألف طالب وطالبة في عموم المراكز الصیفیة في المناطق التابعة لھا، معلنة عزمھا على زیادة العدد إلى ملیون طالب وطالبة خلال العام الجدید.
أتذكّر أني كنت في رحلة قصیرة إلى صنعاء، وخلالھا ذھبت في زیارة لأقارب زوجتي، وبعد تناول العشاء معھم أخبرتني الأمّ أن أجلس مع ابنھا وأنصحه، ھو الحرص المعتاد للأمّھات على دروس أبنائھن، وتمرّد الأبناء المعتاد أیضاً وعدم رغبتھم في الدراسة. كان ھذا أوّل ما جال في خاطري عندما طلبت مني أن أنصح ابنھا الذي لم یتجاوز الـ13 عاماً، خاصّة وأنه في الصفّ التاسع الأساسي، وھو مستوى مھمّ للطلاب في الیمن، لكنّھا، وبحزن، طلبت مني أن أنصحه أن یكفّ عن الذھاب مع الجماعة – جماعة “أنصار الله” تقصد- وعن ارتياد المسجد، وأن یبقى في البیت مع أمّه وأخواته اللاتي لیس لدیھن سواه، ومع أخیه المصاب بحالة نفسیة.
قالت والدته إن أفكاره تغیّرت، وإنھا ذات یوم سمعت صوته یصدح عبر سماعات المسجد القریب یُلقي محاضرة بعد صلاة المغرب، وفي یوم آخر وجدوه یقود طاقماً عسكریاً تابعاً للجماعة في الحيّ. قالت إن أفكاره تغیّرت تماماً، وإنه أصبح یُصرّ علیھم أن یسمحوا له بالذھاب للجھاد أسوة بزملائه في جبھات مأرب والجوف.
كان مفزعاً ما تقوله خالتي – ھكذا أسمّیھا – ووعدتھا أن أجلس مع ابنھا وأنصحه بحسب طلبھا. جلست معه، كان اسمه محمد، حاولت أن أمھّد الطریق لمحادثة من ھذا النوع، وعلى ھذا المستوى من الخطورة. حقیقة، لم أتوقّع أني سأخوض ھكذا محادثة وبھذه الجدّیة مع طفل لم یتجاوز ١٣ عاماً بعد، لكن كان ذلك ضروریاً!
“لماذا ترید الذھاب إلى مأرب؟” سألته. “لقتال الدواعش!” أجاب. من ھم “الدواعش”؟ أھلك وأقاربك في مناطق سیطرة الحكومة مثلاً، ھل ھم “دواعش”؟ ھل نحن “دواعش”؟ ھل أنا “داعشي”؟ ھل عمّك وعمّتك الذین یعیشون ھناك “دواعش”؟ ھل ھؤلاء من ترید قتالھم وقتلھم؟”. كان ھذا مدخلاً موفقاً، لم یكن یفھم كثیراً سوى أنه یرید قتال “الدواعش”، وأن كلّ من ھو مع الحكومة أو في مناطق سیطرتھا “داعشي”. استمرّ النقاش لما یقارب الساعة، استطعت خلالھا إقناعه بأن الجھاد في طاعة الوالدین ھو أعظم عند الله، وأن ما یقوله ھذا وذاك ھو فقط ترّھات كاذبة لتحقیق أھداف سیاسیة بعیدة كلّ البعد عن الجنّة، أو حتى عن الإسلام.
في العام السابق ٢٠٢٤، وبالتزامن مع جرائم الاحتلال الإسرائیلي بحقّ الشعب الفلسطیني والأطفال الفلسطینیین، أعلن الحوثیون أنھم جنّدوا ما یزید عن ١٠٠ ألف شخص – “للدفاع عن غزّة وتحریر فلسطین” – بحسب تصریحاتھم. تضمّنت الصور التي نشروھا للحشود المئات من الأطفال في ملابس عسكریة حاملین بأیدیھم أسلحة. لكن، وبالتأكید، فإن الوجھة لیست غزّة، والھدف لیس تحریر فلسطین، خاصّة بعد رصد الجھات الحقوقیة للمئات من الأطفال الذین سقطوا قتلى في جبھات القتال، والآلاف غیرھم في المعسكرات ومواقع عسكریة أخرى في الیمن.
أذكر كلّ ھذا الآن بسبب ما قاله صدیقي عن جماعات الإسلام السیاسي، وأدرك أن كلّ فصل دراسي یمرّ ھو ببساطة دفعة أخرى من الطلاب یتمّ استمالتھم وتعبئتھم فكریاً وتدریبھم عسكریاً، ليصبحوا مجموعة أخرى من المقاتلین المحتملین في صفوف الجماعة، للأسف.
تحدّثت ھنا عن جماعة “أنصار الله” الحوثیین، لكنّھا لا تختلف كثیراً عمّا تقوم به الجماعات الدینیة الأخرى. ختاماً، أعتقد أنه من الضروري أن أوفي بوعدي لصدیقي، وأن أتفرّغ لقراءة تاریخ حركات الإسلام السیاسي.











