ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 اليمن قبل حرب غزة وبعدها: تحوّل موازين القوى وإمكانات التسوية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما بعد غزة، لم يعد في اليمن طريق واحد للسلام ولا مركز واحد لإدارة الأزمة؛ ولم تعد هناك ضمانة ثابتة لبقاء المسار السياسي، سوى إدراك هشاشته.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شهد اليمن خلال الأعوام الأخيرة، تحولات عميقة في شكل الصراع وحدود الفاعلية السياسية للجهات المحلية والإقليمية والدولية. فبعد سنوات من الحرب، بدا أن مسار التسوية يقترب من لحظة اختبار مصيرية عقب إعلان نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في نيسان/ أبريل 2022، وما أعقبه من حالة تهدئة سياسية وعسكرية. لكن هذا الانفتاح البطيء نحو السلام لم يكتمل؛ إذ أعادت حرب غزة خلط الأوراق، ودفعت باستحقاقات جديدة على مستوى التوازنات، ما جعل المشهد اليمني ينزاح تدريجيًا نحو وضع مركب تجمعه مفارقة أساسية: تصاعد فرص الحسم العسكري وتزايد قابلية الملف لأن يُعاد تدويله تحت مظلة الصراع الإقليمي/الدولي الأوسع.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية وازنة لمسار الأحداث منذ ما قبل لحظة التهدئة إلى ما بعد حرب غزة، بالاستناد إلى التحولات البنيوية التي طاولت خريطة النفوذ داخل اليمن، وإلى التشابكات الإقليمية التي تم ترحيلها إلى الداخل اليمني. وتستند هذه القراءة إلى محاولة فهم كيفية انتقال الملف اليمني عبر ثلاثة مستويات متتابعة — الدولي، ثم الإقليمي، ثم المحلي — وما ترتب على كل انتقال من إعادة تعريف للفاعلين وحدود أدوارهم.

ما قبل حرب غزة: خفض الصراع من دون إنتاج سلام

مثّل إعلان نقل السلطة من الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي في نيسان/ أبريل 2022، محطة مفصلية في مسار الحرب اليمنية. فهذه الخطوة، التي جاءت نتيجة تفاهمات رعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في مسقط، حملت في جوهرها وعدًا بفتح مسار سياسي جديد، تُحجم فيه إيران وتُمنح فيه السعودية دور الراعي الأول، وصولًا إلى مرحلة انتقالية تستهدف احتواء الصراع وتحويله إلى عملية سياسية قابلة للحياة.

غير أنّ رهان دمج جماعة أنصار الله الحوثيين داخل هذا الإطار الانتقالي تعثر مبكرًا؛ إذ أدرك الحوثيون، الذين دُعوا للحضور والمشاركة في مؤتمر مشاورات الرياض، أن دخولهم في ترتيبات مجلس القيادة الرئاسي لا ينسجم مع رؤيتهم لمرحلة ما بعد الحرب. وقد اختارت الجماعة تموضعًا خارج تلك المنظومة مدفوعة بمقاربة براغماتية ترى أن تكتل المكونات المنضوية في الشرعية تحت مكون واحد سيقود إلى انهيارها من الداخل، ويضمن للحوثيين الانفراد بنصر سياسي من دون تقديم تنازلات حقيقية.

انعكس هذا التموضع على المعادلة الجديدة في مناطق الشرعية؛ إذ أدى إلى اختلال مسار الانتقال في طبيعة رئاسة الدولة وجعله محصورًا فقط ضمن الكيانات المناهضة للحوثيين. ومع مرور الوقت، تحولت معادلة مجلس القيادة الرئاسي – التي كان يُفترض أن تعمل كجسر نحو الحل السياسي – إلى صيغة توازن بين المكونات داخل المناطق المحررة، بدل أن تكون بوابة نحو سلام شامل على مستوى اليمن. وفي هذا السياق، بدا أن الشرعية نفسها تتشكل من وضع يشبه “جمهورية موازية”، تعمل فيها المكونات السياسية العسكرية على حساب الفضاء المدني، وتتعاظم فيها بموجب ذلك سلطات الأمر الواقع في عدن، المخا، مأرب، حضرموت…الخ.

استثمر الحوثيون لحظة الانتقال باتجاه تعميق الاختلال داخل المعسكر المناوئ، ممارسين سياسة تجفيف اقتصادية ضد الشرعية. فمنعوا الشرعية من تصدير النفط، وأوقفوا استيراد الغاز من مأرب، وأعادوا توجيه الحركة التجارية نحو ميناء الحديدة، ومنعوا توريد عائدات طيران اليمنية إلى عدن. هذه الخطوات لم تكن مجرد أدوات ضغط، بل كانت جزءاً من استراتيجية منهجية هدفت من خلالها الجماعة إلى تعظيم موقعها التفاوضي، وتعميق اختلال التوازن بين صنعاء وعدن بما يُضعف المركز السياسي للشرعية.

في الوقت ذاته، ساهمت التهدئة في ذلك الوقت في بروز منافسة داخلية بين مراكز القوة داخل جماعة الحوثيين. فمع غياب الحاجة الى الحرب النشطة، عادت الخلافات الداخلية لتطفو على السطح، خصوصًا مع تصاعد نفوذ قوى صنعاء الاقتصادية المرتبطة بغنائم الحرب، ما أضعف مركز القيادة الروحية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ودفع إلى بروز رغبة في إحداث تغييرات بنيوية لاحقاً لتحجيم القوى الصاعدة داخل الجماعة.

على المستوى الإقليمي، شجّع التقارب السعودي–الإيراني (برعاية صينية) الرياض على تقديم مبادرة سياسية حملت لاحقًا اسم “خارطة الطريق”. وقد قادت الخارطة إلى خفض مستوى الملف اليمني من المستوى الدولي إلى الإقليمي، ثم إلى المحلي، في محاولة لتخفيف الاشتباك الخارجي وتهيئة الميدان لحوار يمني-يمني. غير أن هذه المبادرة لم تلقَ قبولاً دوليًا واسعًا؛ إذ تم النظر إليها باعتبارها صياغة استجابت لمصالح السعوديين والحوثيين وأغفلت مصالح الحلفاء الدوليين، فضلًا عن تهميش دور الأمم المتحدة، وعدم توفير ضمانات كافية لعدم تحول المكاسب الاقتصادية المصاحبة للاتفاق إلى أوراق قوة أحادية بيد الحوثيين في صنعاء.

هكذا، بدا أن لحظة ما قبل حرب غزة شكلت مجالًا مشحونًا بوعود السلام من دون قدرة حقيقية على ترجمتها، إذ لم تُنهِ الهدنة الحرب سياسيًا، ولم تطلق عملية انتقالية صلبة، بل كشفت أن تحويل الملف اليمني إلى الأطراف المحلية لا يمكن أن يتم من دون وجود مظلة توازن دولي وإقليمي واسعة.

حرب غزة: انفتاح الحوثيين على صراعٍ إقليمي أوسع

مع اندلاع حرب غزة، اتجهت جماعة أنصار الله الحوثيين إلى توظيف فائض القوة لديها للاستثمار في لحظة سياسية مواتية. فقد تحولت جبهات القتال الداخلية إلى حالة سكون شبه تام بسبب الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة عبر مبعوثها الى اليمن، ما سمح للجماعة بتحريك أدواتها العسكرية باتجاه البحر الأحمر عبر هجمات متعددة حملت بعداً أيديولوجياً يعتبر القضية الفلسطينية امتداداً لصراع الجماعة مع أعدائها ضمن سردية صنعتها إيران الراعية لـ “محور المقاومة” الذي يعد الحوثي جزءاً منه. 

لكن الحسابات الحوثية تجاوزت الإطار الأيديولوجي؛ إذ هدفت الجماعة أيضاً من انخراطها العسكري في حرب غزة، إلى اكتساب شرعية دولية في اليمن باعتبارها لاعباً إقليمياً فاعلاً في قضايا المنطقة؛ واستثمرت تلك الهجمات في توسيع التيار السياسي الداخلي المؤيد للانفتاح على السعودية والدول العربية، مقابل تحجيم نفوذ التيار العقائدي الأكثر التصاقًا بإيران.

واللافت، أن هجمات الحوثيين في بداية الحرب في غزة خدمت أطرافًا متعددة ومتعارضة: فهي كبحَت سلوك الائتلاف اليميني الإسرائيلي المتطرف الذي قاد الحرب على غزة، والذي كانت إدارة بايدن تنظر إليه بقلق؛ كما عارضت التفوق الإسرائيلي في نظر دول وازنة في المنطقة كالسعودية وقطر وتركيا ومصر وباكستان؛ وساهمت في توسيع نطاق التوتر الدولي، ما أتاح للصين الاحتفاظ بأوراق تفاوضية مع واشنطن في ملف نفوذها البحري؛ وأفادت روسيا بإطالة أمد الأزمة، بما يساهم في تشتيت الانتباه الدولي عن أوكرانيا.

بذلك، تحولت الحرب في غزة إلى لحظة مكثفة الدلالات بالنسبة الى اليمن: فقد أعادت مجدداً مستوى الملف اليمني من المستوى المحلي – الإقليمي إلى الدولي، بعدما وجد المجتمع الدولي أن الحوثيين باتوا لاعبًا مؤثرًا في خطوط الملاحة العالمية، بما يستدعي إعادة هندسة مقاربة الصراع بأدوات تتجاوز داخليته.

وقد تزامن ذلك مع صعود نفوذ التيار السياسي داخل الحوثيين، الذي سعى الى استثمار اللحظة لتثبيت نفسه على حساب العقائديين/الجهاديين داخل الجماعة عبر مخاطبة قوى إقليمية مختلفة، الأمر الذي كشف – ولو جزئيًا – أن الجماعة ليست مجرد تابع إيراني، بل فاعل براغماتي يمتلك هامشاً من الاستقلال. غير أن هذه المرونة لم تترجم إلى مكاسب مستقرة، إذ اصطدمت لاحقاً بواقع دولي متحرك أعاد الجماعة سريعاً إلى موقع دفاعي نتيجة الضربات المكثفة والتضييق الاقتصادي.

تحوّل مركز الثقل داخل الشرعية

ترافق تراجع الحوثيين مع بروز ديناميكيات جديدة داخل معسكر الشرعية. ففي أعقاب تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، شهدت المناطق المحررة حالة استقرار نسبي، لكنها لم تكن ثمرة بناء مؤسسي بقدر ما كانت نتيجة توزيع توافقي للنفوذ بين المكونات العسكرية والسياسية. هذا التوافق الهش ساهم في تأجيل الانقسامات، لكنه لم يعالج جذورها، بل سمح لها بالتضخم بصمت.

عادت التصدعات إلى الواجهة بعد تطورات حرب غزة، وبات واضحًا أن مركز الثقل داخل الشرعية ينجذب تدريجياً من البنية المؤسسية الرسمية نحو القوى العسكرية. أصبحت القدرات الأمنية والعسكرية هي المحدد الرئيسي لتوازنات المناطق المحررة، فيما تراجع دور المؤسسات المدنية، وضعفت قدرتها على صياغة توافق سياسي قابل للحياة. وفي هذا السياق، تحولت الشرعية إلى إطار سياسي يستوعب تناقضات متعددة أكثر منه مركزاً موحداً للقرار.

تسبب هذا الانجراف في أن تتعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع المكونات العسكرية داخل الشرعية باعتبارها أدوات أكثر فاعلية من الأطر الرسمية، ما جعل تلك الأذرع تمتلك قدرة تفاوضية بحكم الأمر الواقع، على حساب وحدة التمثيل السياسي. وفي مرحلة لاحقة، أدى اهتزاز الثقة بين المكونات إلى إحياء هواجس قديمة تتعلق بمستقبل الوحدة السياسية والجغرافية، وتوزيع السلطة، والقدرة على إدارة المرحلة الانتقالية.

هذه الديناميكية الداخلية جعلت الشرعية تتحرك على أرضية مزدوجة: فهي مطالبة باستثمار لحظة تراجع الحوثيين لتعزيز موقعها، وفي الوقت نفسه مجبرة على إدارة تناقضات داخلية يحاول كل منها إعادة تعريف الشرعية وفق مصالحها. وهكذا، باتت الشرعية تقف عند مفترق صعب: إما أن تنجح في ردم الفجوة بين مكوناتها عبر توحيد مركز القرار، أو تستمر في التآكل الداخلي الذي يفتح الباب لجهات أخرى – داخلية أو خارجية – لمحاولة ملء الفراغ.

اليمن بعد غزة بين مستويي التنافس: الداخلي والإقليمي

تقاطعت أبعاد التنافس الداخلي والإقليمي في اليمن بصورة غير مسبوقة. فالجغرافيا اليمنية تتحول بعد غزة شيئاً فشيئاً إلى ساحة تشابك بين مراكز قوى محلية صاعدة داخل بنيتي الشرعية والحوثي نفسها، وبين دول تسعى الى إعادة تعريف حصتها من النفوذ في الإقليم بعد حرب غزة. هذه البنية المتعددة الأقطاب ألغت إمكانية السيطرة الكاملة لأي طرف، وخلقت حالة “توازن هشّ” يتغذى على التقاطع أكثر من التصادم.

على المستوى الداخلي، تتنازع مكونات الشرعية – في عدن ومأرب وتعز وحضرموت – على إعادة تعريف السلطة وأولوية القرار. فالمكونات السياسية لا تتحرك بوصفها أذرعَ مدنية تماماً، بل بوصفها شبكات سلطة تمتلك أدواتها العسكرية، ما يجعل التسويات الداخلية مشروطة دائماً بالحسابات العسكرية. هذا التداخل ولّد بيئة سياسية لا تعترف بالمركز السياسي الواحد، بل بمجموعة مراكز تدار عبر توازنات ميدانية متغيّرة.

ولأن الشرعية لا تزال تحاول إنتاج مؤسسات قادرة على إدارة هذا التنوّع من دون أن تنجح بعد، فإن مسار استعادة الدولة لا يزال محكوماً بقواعد القوة الصلبة، لا بقواعد الشرعية القانونية. ولذلك بقيت السلطة في اليمن سواء في مناطق الحوثي أو الشرعية أسيرة لوجستيات الميدان، حيث تصبح القوة شرطًا للسياسة لا نتيجة لها.

لكن داخليا في الشق الآخر، أعادت حرب غزة جماعة الحوثي إلى نقطة حرجة. أصبحت قدراتها اللوجستية مقيدة، وتراجعت قدرتها على التمويل، وازدادت الانشقاقات داخل بنيتها مع صعود تيارات ترى في البراغماتية السياسية طريقاً لضمان البقاء مقابل التيارات العقائدية/الجهادية التي تسعى الى الحفاظ على بنيتها شبه الثيوقراطية.

هذا التباين داخل الجماعة انعكس في شكل إعادة تموضع داخلي. إذ أدت الضربات العسكرية ضد الحوثيين، وعمليات تجفيف مصادر التمويل، وتشديد الرقابة على الحركة التجارية، إلى إضعاف مراكز القوى الاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ما سمح للتيار الجهادي ـ بقيادة زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي ـ بإعادة الإمساك بالمفاصل العليا للسلطة تحت يافطة “التغييرات الجذرية”. لكن هذا التماسك البنيوي الظاهر يخفي حالة صراع داخلي يتخذ أشكالاً متعددة: من تسابق على الموارد، إلى صراع على السلطة الرمزية، إلى توجس متبادل داخل قيادات الخط الأول نفسها خصوصاً بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة وما أنتجته من اغتيالات طاولت القادة الحكوميين والعسكريين في صنعاء.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أعادت حرب غزة تحريك خطوط التماس بين القوى المتنافسة. فالسعودية وقطر وتركيا ومصر وجدت في لحظة ما بعد الحرب فرصة للعودة إلى لعب أدوار أكثر استقلالية، في حين حاولت الإمارات الحفاظ على موقعها داخل المعادلة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ووسط هذه الشبكة ظهرت إسرائيل، التي عززت حضورها الاستخباراتي بعدما وجدت في البحر الأحمر امتداداً طبيعياً لمعركتها الإقليمية.

نتج من هذا التوسع الإقليمي وضع جديد جعل من اليمن عقدة ارتكاز في الصراع على توازن القوى في المشرق العربي. باتت الأطراف المحلية تدرك أن رفع شروط التفاوض أو خفضها لا يتحدد بناء على الأداء العسكري فحسب، بل على موقعها داخل شبكة الاصطفاف الإقليمي. وقد أدى ذلك إلى “تسييل” أوراق القوة داخل اليمن على مستوى خارجي، بحيث أصبحت بعض القوى المحلية تمثل امتدادًا لمشاريع إقليمية، مثل تمثيل المجلس الانتقالي لمصالح الإمارات في اليمن، متوازية تتقاطع مصالحها حيناً وتتنافر حيناً آخر.

والنتيجة أن التنافس الداخلي لم يعد مجرد صراع على سلطة محلية، بل أصبح انعكاساً لصراع بين رؤى إقليمية تتنازع على تشكيل مستقبل اليمن. هذه الجدلية وضعت الحوثيين والشرعية أمام معضلة مشتركة: فك الارتباط بين الملفات الداخلية والملفات الإقليمية من دون خسارة سند خارجي، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل غياب هيكل مركزي قادر على إدارة التوازنات.

تدويل الملف اليمني ونشوء معادلات جديدة

مع اتساع رقعة الارتباك الإقليمي الناتج من حرب غزة، لم يعد الملف اليمني شأناً محصورًا بين الأطراف المحلية أو بين الرياض وصنعاء، بل أخذ يتحول مجددًا إلى ملف دولي متعدد الفواعل. فالهجمات الحوثية على خطوط الملاحة في البحر الأحمر دفعت القوى الدولية الى التعامل مع اليمن من منظور الأمن البحري العالمي، لا من زاوية الصراع الداخلي. وبذلك تحولت الحالة اليمنية من نزاع ذي طابع محلي/إقليمي إلى عقدة أمنية داخل شبكة التجارة العالمية.

تكثفت التحركات الدبلوماسية الغربية والإقليمية باتجاه اليمن، ليس بنيّة استئناف مفاوضات السلام حصراً، بل بحكم وجود مصالح اقتصادية واستراتيجية باتت “ملحّة” خصوصا بعد انكفاء الحضور الإيراني، وتنامي المخاوف من عودة جماعة الإخوان المسلمين مجدداً الى الواجهة، الى جانب تحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مفتوح. انعكس هذا الأمر على طبيعة الأدوار؛ إذ ظهرت أطراف لم يكن لها حضور سابق مباشر في الملف اليمني، كإسرائيل وروسيا. ودول تدير علاقة مرنة تستثمر الاضطراب في اليمن لكن من دون الانخراط الكامل مثل الصين، مصر، تركيا، باكستان، والهند. 

هذا التدويل أعاد تعريف الأطراف المؤثرة داخل اليمن. فلم يعد الحوثيون مجرد فاعل محلي أو ذراع إقليمية، بل لاعباً له تأثير ملموس على سلاسل الإمداد الدولية. وأصبحت الشرعية جزءاً من شبكة أوسع تحاول القوى الدولية استخدامها لتقويض تهديد الملاحة. وبين هذين القطبين ظهرت قوى محلية وجدت في هذه اللحظة فرصة لانتزاع اعتراف أو ترسيخ نفوذ، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد. مثل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي قدّم نفسه شريكًا في أمن البحر الأحمر، وقوات العمالقة وطارق صالح التي طرحت نفسها قوة قادرة على حماية الساحل الغربي، إلى جانب قوى قبلية وسياسية في حضرموت والمهرة ومأرب وجدت في لحظة الاضطراب فرصة لتوسيع هامش حركتها السياسية.

يشكل هذا التحول ضغطاً إضافياً على المملكة العربية السعودية التي باتت محكومة بالتحرك في اليمن ضمن سياق دولي لا يمكنها التحكم فيه منفردة. فكل محاولة لتهدئة الملف اليمني باتت مشروطة بأخذ مصالح دول جديدة في الاعتبار، وبخاصة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التحول ألغى إمكانية استمرار مسار “خفض التصعيد”، الذي حاولت الرياض هندسته قبل حرب غزة عبر خارطة الطريق، وفتح الباب أمام إعادة هندسة المسار وفق موازين جديدة.

وهكذا، وجد اليمن نفسه محاصرًا بين ثلاث دوائر:

دائرة محلية مفككة.

دائرة إقليمية لا تستقر على توازن واضح.

دائرة دولية تحاول ربط أمن البحر الأحمر بالأمن العالمي.

ومع اتساع هذه الدوائر، بدا أن أي تسوية مستقبلية لن تكون محض يمنية، بل مشروطة بمقايضات جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن كدولة، وتجعل منه ساحة توازن بين قوى تستخدمه كمساحة تصريف للصراع الأكبر.

إعادة التموضع السعودي في اليمن بعد حرب غزة

مثّلت حرب غزة نقطة انعطاف مؤثرة دفعت المملكة العربية السعودية إلى إعادة تقييم مقاربتها الملف اليمني. فقبل اندلاع الحرب، كانت الرياض تعمل على هندسة مسار سياسي يفضي إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد مع الحوثيين، بما يسمح لها بالانتقال إلى أولويات استراتيجية داخلية تتعلق بالتحوّل الاقتصادي وفق رؤية 2030. غير أنّ شكل اتفاق إنهاء الحرب في غزة دفع المملكة إلى إعادة النظر في الترتيبات القائمة، بعدما أظهر الواقع اليوم هشاشة المعادلة التي حاولت المملكة سابقاً بناؤها بين صنعاء والرياض عن طريق مسقط، وأعادت تظهير الاحتياجات الأمنية للمملكة بصورة أكثر وضوحاً.

ينعكس ذلك في تحرك سعودي متسارع لإغلاق الثغرات التي أفرزها الانكفاء النسبي عن إدارة الملف اليمني نتيجة الانشغال بحرب غزة وتفاعلاتها الإقليمية والدولية. لم تعد الرياض تنظر إلى الصراع في اليمن باعتباره صراعًا يمكن احتواؤه عبر تفاهم ثنائي مع الحوثيين، بل باتت أكثر اقتناعاً بأن ترك الملف من دون معالجة شاملة قد يفتح الباب أمام أطراف إقليمية ودولية للتدخل بطرق يصعب التحكم بها، خصوصاً مع ارتفاع مستوى الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر، وعودة واشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب إلى استخدام المقاربة العسكرية كأداة إدارة للأزمة في اليمن بخلاف الرئيس بايدن الذي كانت إدارته تميل الى اتباع نهج الاحتواء في الملف اليمني. 

لذلك، يلحظ اليوم أن المملكة تسعى إلى الإمساك مجددًا بناصية المسار السياسي في اليمن، لا عبر تجاوز خارطة الطريق السابقة، بل عبر إعادة إدراجها في منظومة مصالح أوسع تتضمن مطالب أمنية واضحة، وإعادة تعريف خطوط النفوذ داخل المناطق المحررة. في هذا السياق، لم تعد السعودية تعامل الشرعية كحليف متقدم في مواجهة الحوثيين بقدر ما أعادت النظر إليها كفاعل ضمن شبكة توزيع أدوار معقدة، ينبغي ضبط حدودها كي لا يتحول تعددها إلى مدخل لفوضى أمنية يمكن أن تستغلها قوى مناوئة. ظهرت ملامح هذا التوجّه الجديد عبر محاولة المملكة موازنة علاقتها بمكونات الشرعية على نحو لا يسمح لأي طرف بالانفراد بقرار الحرب أو السلام. فالإبقاء على مستوى معين من التوازن داخل مناطق الشرعية كان يُنظر إليه كضمانة لمنع عودة سيناريوهات انهيار السلطة المركزية داخل “الجزء المحرّر” من اليمن، وهو انهيار لو وقع سيمنح الحوثيين فرصة للتمدّد من دون تكلفة تذكر. ولذلك، بدا أن السياسة السعودية تعمل على قاعدة مزدوجة: تعزيز حضور الشرعية بما يكفي لصد الحوثيين لكن من دون تمكينها بما يسمح لها بتشكيل نفوذ أحادي قد يتعارض مع مصالح الرياض النهائية.

هذا التوازن الحساس يحمل في الوقت نفسه مفارقة أصيلة: فتعزيز حضور الشرعية في مواجهة الحوثيين يعني بالضرورة تقوية مراكز القوى داخلها، وهو ما قد يدفع تلك المراكز نفسها إلى إعادة إنتاج صراع داخلي حول النفوذ، بخاصة في مناطق مثل حضرموت، تعز، وعدن. وهذه المفارقة لم تكن خافية على الرياض؛ بل بدت أقرب إلى محاولة إدارة مركبة لقوى مشتتة، تُحافظ على حيوية الصراع من دون انفجاره، وذلك لكي تضمن إبقاء الملف بيد المملكة من دون أن ينقلب إلى حرب شاملة لا يمكن احتواؤها.

هكذا، أعادت حرب غزة السعودية إلى موقع الفاعل الرئيسي في الملف اليمني، لكن من بوابة أمنية – استراتيجية أكثر صرامة، ترى في إعادة بناء موازين القوى داخل اليمن ضرورة وقائية تمنع ترتيبات إقليمية ودولية غير محسوبة قد تنتج منها تهديدات مباشرة لأمن المملكة.

واشنطن بين بايدن وترامب: تبدّل أدوات النفوذ وحدود القدرة

في موازاة التحولات السعودية، كشفت حرب غزة عن ارتباك في المقاربة الأميركية تجاه اليمن، ارتباك لا يعود إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة بقدر ما ينجم عن تباين عميق في الأدوات التي تستخدمها الإدارات الأميركية المتعاقبة، وتعدد دوائر المصالح التي تحاول واشنطن إدارتها في الإقليم.

ففي عهد إدارة بايدن، بدا أن الولايات المتحدة تحاول إعادة تموضعها في المنطقة عبر خفض الانخراط العسكري المباشر، وتشجيع مسار سياسي يؤدي إلى إنهاء الحرب اليمنية بأقل تكلفة. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بعقبات عدة، أهمها غموض موقف الحوثيين من العملية السياسية، وانكفاء السعودية نسبيًا عن قيادة الشرعية بصورة مباشرة، مقابل فتح قنوات تواصل مع صنعاء. أدى هذا التوازن غير المستقر إلى لحظة فراغ تحولت فيها إدارة بايدن من موقع الوسيط إلى موقع المراقب، قبل أن تتورط مجددًا في عمليات عسكرية مباشرة نتيجة تصاعد تهديد الحوثيين في البحر الأحمر.

ومع دخول الرئيس ترامب إلى المشهد مجددًا، تبدلت معادلة القوة. التقطت الإدارة الجديدة خلفية الحرب في غزة بوصفها سياقًا يسمح بإعادة تشكيل ميزان القوى، ليس فقط في فلسطين، بل في المنطقة ككل. ولذلك، تحولت المقاربة الأميركية من إدارة النزاع عبر التهدئة السياسية إلى محاولة تطويق الحوثيين عسكريًا واقتصاديًا، بالتوازي مع محاولات إعادة إدراج إيران ضمن إطار تفاوضي يعيدها إلى قلب المعادلة الإقليمية، ولكن بشروط أميركية صريحة تتعلق بضمان التفوق الإسرائيلي، وكبح التعاون الإيراني – الروسي – الصيني.

ومع أن هذه المقاربة لم تنجح في انتزاع تنازلات جوهرية من إيران، إلا أنها نجحت في دفع الحوثيين إلى نقطة تراجع نسبي، عبر الضغط على مصادر تمويلهم، واستهداف بنيتهم العسكرية، وتنشيط شبكات استخباراتية في مناطق مختلفة من اليمن. أدى ذلك إلى اختلال داخلي للجماعة، سمح بعودة القيادة العقائدية/الجهادية إلى الواجهة في صنعاء بعدما كانت محاصرة بنفوذ الأجنحة الاقتصادية والسياسية داخل الجماعة.

لكنّ هذا التحول الأميركي لم يُترجم إلى معادلة حسم لصالح الشرعية؛ إذ تؤدي السياسات الأميركية إلى مفاقمة حالة الازدواج في إدارة الملف بين المسارين العسكري والسياسي، من دون توحيدهما داخل إطار تفاوضي يمنح الشرعية قدرة حقيقية على ترجمة المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية. وهكذا، بقيت الضربات الأميركية مجرد خطوة تكتيكية تستهدف كبح النفوذ الحوثي، من دون القدرة على تحويلها إلى مسار استراتيجي يفضي إلى سلام مستدام.

ما أنتجته هذه الازدواجية هو واقع جديد: الحوثيون أضعف مما كانوا عليه قبل حرب غزة، لكن الشرعية ليست أقوى بما يكفي لفرض معادلة تفاوض متوازنة. وبين هذا وذاك، تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: تعزيز الشرعية من دون تمكينها، والضغط على الحوثيين من دون إسقاطهم، في لحظة إقليمية مضطربة لا تمنح رفاهية تعريف نهائي للخصوم ولا للحلفاء. فالولايات المتحدة الأميركية تتبنّى نهجاً يسعى إلى دعم شرعية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من دون تمكينها كاملاً، وفي الوقت ذاته تضغط على أنصار الله (الحوثيون) من دون السعي إلى إسقاطهم، لأنّ إسقاطهم يحتمل أن يؤدي إلى فراغ أمني كبير، وتمكين كامل للشرعية يحمل مخاطر قبول أطراف داخلية غير مرغوب فيها إقليمياً؛ لذا فواشنطن تختار سياسات “كبح” أكثر منها سياسات “تحوّل جذري”.

عودة روسيا وتوازنات البحر الأحمر

في خضم التحولات المتسارعة، برز الدور الروسي كأحد أكثر المتغيرات لفتًا للنظر. فبعد سنوات من الحضور الدبلوماسي المحدود، عادت موسكو لتكثّف نشاطها في الملف اليمني، مدفوعة بقراءتها الخاصة للتوازنات الناشئة في الإقليم بعد حرب غزة. وقد ظهر أن روسيا تنظر إلى اليمن، ليس من زاوية الأمن البحري فقط، بل بوصفه ساحة توازن داخل معركة نفوذ أوسع مع الغرب.

يمثّل الانخراط الروسي الاستباقي في اليمن محاولة لمنع أي تحول جذري في موازين القوى قد ينعكس سلبًا على موقع روسيا في المنطقة. فموسكو تدرك أن انهيار الحوثيين بصورة كاملة أو حصول الشرعية على انتصار نوعي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سلطة يمنية أقرب إلى الفلك الغربي، وهو ما لا ينسجم مع مصالح روسيا فيما تخوض حربًا في أوكرانيا وتواجه حصارًا اقتصاديًا واسعًا.

كما أن الحفاظ على حالة “التوازن السلبي” بين الحوثيين والشرعية يوفر لموسكو بيئة مرنة تسمح لها بالتعامل مع الطرفين بما يضمن مصالحها. ولذلك، أبدت روسيا اهتمامًا لافتًا بالتواصل مع المكونات السياسية اليمنية بما في ذلك جماعة الحوثي، وفتحت سفارتها في عدن، وأبدت استعدادًا لدعم مشاريع داخل قطاع الطاقة، مثل محطة الحسوة في عدن، بما يمكّنها من حفظ موطئ قدم في البنية التحتية الاستراتيجية.

هذا الانفتاح الروسي لا يمكن فصله عن التنافس الدولي على النفوذ في الشرق الاوسط. فالمنطقة تشكل اليوم محورًا مركزيًا للصراع بين القوى الكبرى، إذ تمثل بابًا لتدفقات الطاقة وبوابة عبور تجارية عالمية. ومع تصاعد التوتر في الممرات البحرية، ظهرت خطوط تماس واضحة بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، ما دفع موسكو إلى توسيع حضورها في البحر العربي والقرن الأفريقي لتأمين خطوط إمدادها وفتح قنوات نفوذ إضافية.

بالنسبة الى روسيا، يمنح اليمن فرصة لاستثمار هشاشة التوازنات في المنطقة عبر تقديم نفسها كوسيط أو راعٍ لمعادلات فضفاضة يمكن أن يستفيد منها الجميع. ومن هنا، بدت الحركة الروسية متزامنة مع محاولات سعودية لضبط الإيقاع الأمني في اليمن بطريقة لا تسمح لإسرائيل ولا للولايات المتحدة بالانفراد بإدارة الملف، بخاصة بعدما أظهرت حرب غزة أن تل أبيب باتت تتحرك داخل المجال الحيوي السعودي بطريقة مقلقة.

وهكذا، باتت اليمن ساحة مركبة لمعادلة ثلاثية:

احتياج سعودي لإغلاق الملف من دون خسارة أمنية.

رغبة أميركية في تطويق الحوثيين من دون الانجرار الى حرب شاملة.

سعي روسي – صيني لاستثمار الصراع بما يضمن بقاء حالة التوازن بدون حسم.

وبين هذه الأطراف، تجد القوى المحلية نفسها جزءًا من شبكة توازنات لا يمكنها السيطرة عليها كلياً، ولا يمكنها الفكاك منها بسهولة.

إمكانية السلام في اللحظة الراهنة

على الرغم من تزايد التعقيد في بنية الصراع اليمني بعد حرب غزة، حملت لحظة ما بعد الحرب مفارقة لافتة: فبينما توسع عدد الفاعلين وتشابكت المصالح وتداخلت الجغرافيات، بدا أن النافذة المتاحة للسلام أصبحت – بما تحمله من هشاشة – أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لا يعود ذلك إلى تراجع الرغبة في القتال بقدر ما يعكس تحوّلًا أعمق في موازين القوة: الحوثيون باتوا أضعف من أن يفرضوا معادلة سياسية أحادية، والشرعية ليست في موقع يسمح لها بفرض شروطها، فيما تحاول القوى الإقليمية والدولية احتواء التوتر عند مستويات مقبولة، من دون توسيعه إلى حرب مفتوحة.

هذا التوازن السلبي بين عدم القدرة على الحسم وعدم الرغبة في الانهيار هو ما يمنح اللحظة الراهنة صفتها “الانتقالية”؛ إذ يتيح حيزًا سياسيًا يمكن البناء عليه، لكنه لا يوفر ضماناته. فالحوثيون، على رغم تراجعهم العسكري والاقتصادي، ما زالوا يحتفظون بقدرة على التعطيل، والشرعية لا تزال محكومة بتوازنات داخلية ناتجة من تداخل الأدوار بين المكونات، تجعلها عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل.

هنا تبدو الحاجة ملحة إلى صياغة مسار سياسي لا يقوم فقط على تصميم اتفاق لتقاسم السلطة، بل على إنتاج آليات تنفيذ متدرجة تراعي هشاشة الأرضية، وتمنع انهيارها عند أول اختبار.

كما أن البيئة الإقليمية تحمل في طياتها إمكانية دعم مسار سياسي. فالسعودية – وهي محور جوهري في هذا السياق – تبدو أكثر اهتمامًا اليوم بإغلاق الساحات المفتوحة حولها، ما يضع اليمن في مقدمة الملفات التي ترغب في تحييدها بهدف استكمال عملية التحول الداخلي.

غير أن هذه الرغبة السعودية تواجه معادلة معقدة: فتح السلام سيفضي إلى مكاسب ملموسة للحوثيين، وتأمينه يتطلب بقاء مسافة آمنة بين الجماعة وإيران. ومن هنا يأتي حضور سلطنة عُمان بوصفها “الموزّع الأمني” الذي يسمح بترتيبات سياسية لا تضع الحوثيين في موقع التهديد، ولا تسمح في الوقت نفسه بإعادة إنتاج السيطرة الإيرانية بصورة مباشرة.

لذلك، يمكن القول إن إمكانية السلام في اللحظة الراهنة هي إمكانية مشروطة تتطلب ضبطاً دقيقاً لمعادلات الداخل، واتساقاً في مواقف القوى الإقليمية، وتوافقاً على الإطار الدولي الناظم للمسار السياسي. من دون ذلك، ستتحول هذه الإمكانية إلى مجرد “فرصة عابرة” لا تنتج سوى ما تنتجه الهدنة التكتيكية: استراحة لا تغير اتجاه الحرب.

مستقبل الحوثيين والشرعية: إعادة تأسيس أم انكفاء متبادل؟

تبدو جماعة الحوثي اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه قبل حرب غزة. فخلال ما قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تمتعت الجماعة بقدر واسع من الحيوية العسكرية والسياسية، وراكمت شبكة من المصالح الاقتصادية منحَتها قدرة على إدارة المجال الذي تسيطر عليه بطريقة مستقلة نسبيًا عن داعميها.

غير أن سلسلة التحولات اللاحقة – من تجميد الهدنة الأممية إلى تصاعد الهجمات في البحر الأحمر ثم الردود الدولية – أعادت الجماعة إلى نقطة حرجة. أصبحت قدراتها اللوجستية مقيدة، وتراجعت قدرتها على التمويل، وازدادت الانشقاقات داخل بنيتها، مع صعود تيارات ترى في البراغماتية السياسية طريقاً لضمان البقاء، مقابل تيارات عقائدية تسعى الى الحفاظ على بنيتها شبه الثيوقراطية.

هذا التباين داخل الجماعة انعكس في شكل إعادة تموضع داخلي، إذ أدت الضربات العسكرية، وعمليات تجفيف مصادر التمويل، وتشديد الرقابة على الحركة التجارية، إلى إضعاف مراكز القوى الاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ما سمح للتيار العقائدي بقيادة عبد الملك الحوثي بإعادة الإمساك بالمفاصل العليا للسلطة، كما ظهر في بنية “حكومة البناء والتغيير” التي شكلت في صنعاء عام 2024.

لكن هذا التماسك البنيوي الظاهر يخفي حالة صراع داخلي يتخذ أشكالًا متعددة: من تسابق على الموارد، إلى صراع على السلطة الرمزية، إلى توجّس متبادل داخل قيادات الخط الأول نفسها.

فالسياسة التي سمحت للحوثيين بالبقاء حتى هذه اللحظة (سياسة تعدد المراكز) قد لا تكون اليوم صالحة لاستيعاب الضغوط الجديدة التي تهدد بإعادة ترتيب بنية الجماعة نفسها.

في المقابل، تبدو الشرعية اليوم في موقع مزدوج، فهي تستثمر لحظة ضعف الحوثيين لتوسيع هامش حركتها ميدانيًا وسياسيًا، لكنها تفشل في تحويل هذا التقدم إلى رؤية موحدة بشأن المستقبل. تتحرك الشرعية داخل معادلة هشّة: مكوّناتها متداخلة، رؤاها متعارضة، أدواتها متباينة. تملك بعض قواها نفوذًا عسكريًا واسعًا، لكنها تفتقر إلى عمق سياسي جامع مثل قوات العمالقة في شبوة وكذلك المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، فيما تمتلك أطراف أخرى خبرة سياسية أوسع لكنها تفتقر إلى أدوات القوة في الميدان مثل الدبلوماسية الحكومية وحزب الإصلاح. هذه المفارقة تُعيد إنتاج مشكلة الشرعية بحد ذاتها، فهي “شرعية داخلية متعدّدة” أكثر منها سلطة موحدة؛ شرعية تعتمد على التوافق بدل القرار، وعلى إدارة الهواجس أكثر من إدارة الحلول.

وتتعمق الإشكالية حين نضع الطرفين ـ الحوثي والشرعية ـ داخل بنية إقليمية مضطربة: إسرائيل تسعى الى لعب دور أوسع، إيران تفتش عن موطئ قدم من دون الدخول في صدام مع القوى الغربية؛ السعودية تعمل على ضبط مسار توازن دقيق؛ الولايات المتحدة تعيد تعريف أدوات انخراطها؛ بينما تحاول روسيا والصين استثمار اللحظة من دون الدخول في التزامات صلبة.

نتيجة هذه المعادلة، لا يقف مستقبل الحوثيين والشرعية على عتبة “غلبة أحدهما على الآخر”، بل على كيفية دخول كليهما في مرحلة إعادة تأسيس:

الحوثيون أمام لحظة اختبار داخلي حول شكل الجماعة ومركزية القرار.

الشرعية أمام ضرورة إعادة تنظيم بنيتها السياسية والمؤسسية بما يجعلها طرفًا قادرًا على تمثيل المشروع الوطني.

من دون هذه “الولادة الثانية”، سيظل الطرفان يتحركان داخل مسار الانكفاء المتبادل: لا أحد ينتصر، ولا أحد يسقط.

أخيراً: السيناريوهات المحتملة بين إعادة تموضع القوى وتفكك البنى

ضمن هذا المشهد المعقد، يمكن استشراف مجموعة من المسارات المحتملة، لكن ليس بوصفها مسارات يقينية، بل خطوطًا عامة تتحكم فيها دوالّ متعددة تتقاطع عند مستوى واحد: غياب بنية مركزية قادرة على التحكم في التطورات.

تتشكل السيناريوهات حول ثلاثة محددات رئيسية:

اتساع  الدور الإقليمي أو انكماشه

تطور التوازنات داخل الشرعية

قدرة الحوثيين على تجاوز أزمتهم الداخلية

داخل هذه المحددات، يمكن تصور ستة مسارات رئيسية:

السيناريو الأول: إعادة تدوير خارطة الطريق: 

قد تسعى السعودية الى استثمار لحظة ضعف الحوثيين لإعادة إحياء خارطة الطريق ضمن إطار تفاوضي جديد يأخذ في الاعتبار مخاوفها الأمنية ومواقف القوى الدولية. لكن نجاح هذا المسار مشروط بحدوث 3 تحولات:

قدرة الرياض على تحصين نفسها بحيث تكون: قادرة على تأمين نفسها وردع أي هجوم محتمل عليها مع خلق تفاهمات مع إدارة ترامب بخصوص الملف اليمني، تحييد الفاعلين الجدد والقدامى داخل البحر الأحمر. 

إعادة بناء مركز القرار داخل الشرعية.

تراجع سقف الحوثيين التفاوضي.

بدون ذلك، سيظل هذا المسار مجرد محاولة لإعادة الحياة إلى مبادرة وُلدت غير مكتملة وغير متوافق عليها.

السيناريو الثاني: اتساع التنافس الخارجي داخل اليمن: 

قد يتحول اليمن إلى ساحة تنافس دولي أوسع من ذي قبل، لا بوصفه ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا، بل بوصفه بابًا جيوسياسيا في المحيط الهندي والبحر الأحمر. هذا السيناريو يفتح الباب أمام تحالفات متقاطعة، ويزيد احتمالية تطور صدام داخلي بين القوى اليمنية نفسها. فالتنافس الدولي إذا ما تزامن مع واقع الانقسام، قد يفتح الباب أمام موجات عنف ذات طابع محلي/إقليمي في آن واحد.

السيناريو الثالث: عمليات عسكرية محدودة:

في حال رفعت أطراف داخل الشرعية سقف مطالبها، أو حاول الحوثيون تحسين موقعهم عبر سياسة الإرباك للشرعية، فقد تتجه الأطراف إلى تنفيذ عمليات عسكرية محدودة تستهدف إعادة ضبط ميزان القوى. عمليات كهذه قد تشكل مدخلًا لإعادة التفاوض، لكنها تحمل مخاطر توسع الصراع إذا لم تحظ بإجماع إقليمي وضوء أخضر دولي.

السيناريو الرابع: الانهيار الداخلي للحوثيين: 

إذا استمرت الضغوط الدولية، وتفاقمت الانقسامات، وضعفت قدرة الجماعة الاقتصادية، فقد يقترب الحوثيون من لحظة انهيار داخلي. لن يكون هذا الانهيار لحظة سقوط هرمية من الأعلى، بل تفككاً تدريجياً داخل بنية الجماعة، يعيد إنتاج سلطة محلية متعددة المراكز داخل مناطق سيطرتها. وهذا المسار يحمل أخطاراً كبرى لأنه ينقل اليمن من معادلة “صراع بين كتلتين” إلى معادلة “تفكك شامل” قد ينتشر عبر الجغرافيا من دون ضابط.

السيناريو الخامس: تداعي الشرعية وتفككها: 

يستند هذا السيناريو إلى فرضية أن التنافس الداخلي بين مكونات الشرعية قد يتفاقم بفعل المتغيرات التي أعقبت حرب غزة. فضعف جماعة الحوثيين وتراجع زخمها الميداني والسياسي قد يدفع الأطراف المنضوية في معسكر الشرعية إلى إعادة ترتيب توازناتها بصورة حادة، إذ تسعى كل قوة إلى توسيع نطاق نفوذها في الفراغ الناتج من التراجع الحوثي. يرافق ذلك دخول أطراف إقليمية ودولية تزيد من استثماراتها في الملف اليمني، ما يضيف طبقات جديدة من التعقيد ويغذّي التنافس داخل معسكر الشرعية نفسه. مع ذلك، وعلى الرغم من إمكانية هذا السيناريو، إلا أنه من غير المرجّح أن يُسمح بحدوثه، إذ تدرك الأطراف الإقليمية الفاعلة أن انهيار الشرعية بصورة كاملة سيقوّض حالة التوازن التي تضمن استمرار قابلية إدارة الملف اليمني، وهو ما لا يخدم مصالح أيٍّ من القوى الرئيسية. لذلك، تبقى احتمالية انهيار الشرعية قائمة نظريًا، لكنها مقيدة عمليًا بضوابط إقليمية ودولية تسعى إلى إبقاء الوضع تحت السيطرة ضمن توازن هشّ، يضمن بقاء كل الأطراف داخل المشهد من دون حسم أو انهيار.

السيناريو السادس: حدوث تغييرات سياسية في هرم السلطة لدى طرفي الصراع: 

التنافس الداخلي المتصاعد داخل كل من الشرعية وجماعة أنصار الله الحوثيين قد يؤدي إلى تحوّلات في هياكل القيادة لدى الطرفين. ففي معسكر الشرعية، قد تؤدي الضغوط السياسية والاقتصادية والتباينات في الرؤى إلى بروز قيادات جديدة تحاول إعادة تعريف مسارها السياسي بما يتناسب مع مرحلة ما بعد غزة، خصوصًا في ظل إعادة توزيع النفوذ الإقليمي داخل اليمن. أما في الجانب الحوثي، فإن التصدّعات التي ظهرت في العلاقة بين القيادة العقائدية ومراكز النفوذ الاقتصادية قد تمهد الطريق لصعود شخصيات جديدة داخل الجماعة، سواء عبر إعادة تشكيل مواقع القيادة، أو من خلال تحولات داخلية تتخذ طابعًا تصحيحيًا.

يصبح هذا السيناريو أكثر قابلية للتحقق في حال تصاعد التوتر الإقليمي والدولي حول الملف اليمني، واشتداد التنافس على النفوذ في البحر الأحمر ومحيطه، من دون أن ترافق ذلك إرادة حقيقية لدفع العملية السياسية إلى الأمام. في مثل هذا المناخ، يمكن لتغيّر الأشخاص في القمة أن يكون وسيلة لإعادة تكييف مواقف القوى المختلفة، سواء من داخل الشرعية أو من داخل الجماعة، استعدادًا لمرحلة جديدة غير محسومة المعالم بين الحرب والسلام.

ما يجمع هذه السيناريوهات الست هو أن لحظة ما بعد حرب غزة لا توفر طريقًا واحدًا للحل، بل شبكة طرق معقدة لا يمكن السير فيها من دون إعادة بناء الفاعلية السياسية داخل اليمن، إعادة توحيد مركز القرار داخل الشرعية، وتنازل الحوثيين عبر تقديم عرض سياسي مقبول لهم.

خاتمة

المشهد اليمني اليوم يقف عند تقاطع نادر في التاريخ السياسي الحديث للبلد: جماعة صاعدة ميدانيًا تتآكل من الداخل؛ وشرعية معترف بها دوليًا تتصادم وتتآكل من الداخل كذلك؛ وكلاهما يتحرك في فراغ إقليمي تحاول القوى الكبرى ملأه من دون تحمّل كلفته.

حرب غزة، بما أحدثته من تحولات، لم تكن حدثًا خارجيًا بالنسبة الى اليمن، بل نقطة انعطاف أظهرت حقيقة بنية الصراع الذي لم يعد مسألة حكم داخلي فحسب، بل أصبح جزءًاً من مشهد إقليمي يتشكل على إيقاع صراع بحري – سياسي أكبر مما يمكن لطرف يمني واحد احتواؤه.

في هذا الفضاء، سيصبح السلام ممكنًا لا عندما تتوقف الحرب، بل عندما يُعاد تعريف السياسة داخل اليمن بوصفها عملية بناء لا عملية مراكمة قوة. وسيصبح بناء الدولة ممكنًا عندما تتحول الشرعية من سلطة معترف بها دولياً إلى سلطة معترف بها داخلياً، وعندما تتحول الجماعة الحوثية من بنية مغلقة إلى بنية سياسية خاضعة للمساءلة.

هذه ليست مهمة مبادرة واحدة، ولا اتفاق واحد، ولا حكومة واحدة. بل عملية طويلة المدى تبدأ بتثبيت توازن داخلي يسمح بتوزيع السلطة، ثم بإعادة بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد، ثم بانخراط فاعلين مدنيين يعيدون تعريف العمل السياسي وإدارة البلد بوصفهما فضاء للمشاركة لا ساحة للاحتكار.

ما بعد غزة، لم يعد في اليمن طريق واحد للسلام ولا مركز واحد لإدارة الأزمة؛ ولم تعد هناك ضمانة ثابتة لبقاء المسار السياسي، سوى إدراك هشاشته. فالمشهد موزّع بين مسارات متوازية: حوثيون يوسّعون نفوذهم البحري، وشرعية منقسمة بين قوى تملك السلاح بلا رؤية، وأخرى تملك الرؤية بلا قوة؛ وبينهما فاعلون محليون—كالمجلس الانتقالي وقوات الساحل الغربي—يبحثون عن اعتراف ونفوذ. في لحظة تتعدد فيها الأطراف وتتناقض فيها المشاريع، لا يبقى أمام اليمن سوى نافذة هشّة تحتاج إلى رؤية صلبة حتى لا تُغلق بالكامل.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
11.12.2025
زمن القراءة: 24 minutes

ما بعد غزة، لم يعد في اليمن طريق واحد للسلام ولا مركز واحد لإدارة الأزمة؛ ولم تعد هناك ضمانة ثابتة لبقاء المسار السياسي، سوى إدراك هشاشته.

شهد اليمن خلال الأعوام الأخيرة، تحولات عميقة في شكل الصراع وحدود الفاعلية السياسية للجهات المحلية والإقليمية والدولية. فبعد سنوات من الحرب، بدا أن مسار التسوية يقترب من لحظة اختبار مصيرية عقب إعلان نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في نيسان/ أبريل 2022، وما أعقبه من حالة تهدئة سياسية وعسكرية. لكن هذا الانفتاح البطيء نحو السلام لم يكتمل؛ إذ أعادت حرب غزة خلط الأوراق، ودفعت باستحقاقات جديدة على مستوى التوازنات، ما جعل المشهد اليمني ينزاح تدريجيًا نحو وضع مركب تجمعه مفارقة أساسية: تصاعد فرص الحسم العسكري وتزايد قابلية الملف لأن يُعاد تدويله تحت مظلة الصراع الإقليمي/الدولي الأوسع.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية وازنة لمسار الأحداث منذ ما قبل لحظة التهدئة إلى ما بعد حرب غزة، بالاستناد إلى التحولات البنيوية التي طاولت خريطة النفوذ داخل اليمن، وإلى التشابكات الإقليمية التي تم ترحيلها إلى الداخل اليمني. وتستند هذه القراءة إلى محاولة فهم كيفية انتقال الملف اليمني عبر ثلاثة مستويات متتابعة — الدولي، ثم الإقليمي، ثم المحلي — وما ترتب على كل انتقال من إعادة تعريف للفاعلين وحدود أدوارهم.

ما قبل حرب غزة: خفض الصراع من دون إنتاج سلام

مثّل إعلان نقل السلطة من الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي في نيسان/ أبريل 2022، محطة مفصلية في مسار الحرب اليمنية. فهذه الخطوة، التي جاءت نتيجة تفاهمات رعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في مسقط، حملت في جوهرها وعدًا بفتح مسار سياسي جديد، تُحجم فيه إيران وتُمنح فيه السعودية دور الراعي الأول، وصولًا إلى مرحلة انتقالية تستهدف احتواء الصراع وتحويله إلى عملية سياسية قابلة للحياة.

غير أنّ رهان دمج جماعة أنصار الله الحوثيين داخل هذا الإطار الانتقالي تعثر مبكرًا؛ إذ أدرك الحوثيون، الذين دُعوا للحضور والمشاركة في مؤتمر مشاورات الرياض، أن دخولهم في ترتيبات مجلس القيادة الرئاسي لا ينسجم مع رؤيتهم لمرحلة ما بعد الحرب. وقد اختارت الجماعة تموضعًا خارج تلك المنظومة مدفوعة بمقاربة براغماتية ترى أن تكتل المكونات المنضوية في الشرعية تحت مكون واحد سيقود إلى انهيارها من الداخل، ويضمن للحوثيين الانفراد بنصر سياسي من دون تقديم تنازلات حقيقية.

انعكس هذا التموضع على المعادلة الجديدة في مناطق الشرعية؛ إذ أدى إلى اختلال مسار الانتقال في طبيعة رئاسة الدولة وجعله محصورًا فقط ضمن الكيانات المناهضة للحوثيين. ومع مرور الوقت، تحولت معادلة مجلس القيادة الرئاسي – التي كان يُفترض أن تعمل كجسر نحو الحل السياسي – إلى صيغة توازن بين المكونات داخل المناطق المحررة، بدل أن تكون بوابة نحو سلام شامل على مستوى اليمن. وفي هذا السياق، بدا أن الشرعية نفسها تتشكل من وضع يشبه “جمهورية موازية”، تعمل فيها المكونات السياسية العسكرية على حساب الفضاء المدني، وتتعاظم فيها بموجب ذلك سلطات الأمر الواقع في عدن، المخا، مأرب، حضرموت…الخ.

استثمر الحوثيون لحظة الانتقال باتجاه تعميق الاختلال داخل المعسكر المناوئ، ممارسين سياسة تجفيف اقتصادية ضد الشرعية. فمنعوا الشرعية من تصدير النفط، وأوقفوا استيراد الغاز من مأرب، وأعادوا توجيه الحركة التجارية نحو ميناء الحديدة، ومنعوا توريد عائدات طيران اليمنية إلى عدن. هذه الخطوات لم تكن مجرد أدوات ضغط، بل كانت جزءاً من استراتيجية منهجية هدفت من خلالها الجماعة إلى تعظيم موقعها التفاوضي، وتعميق اختلال التوازن بين صنعاء وعدن بما يُضعف المركز السياسي للشرعية.

في الوقت ذاته، ساهمت التهدئة في ذلك الوقت في بروز منافسة داخلية بين مراكز القوة داخل جماعة الحوثيين. فمع غياب الحاجة الى الحرب النشطة، عادت الخلافات الداخلية لتطفو على السطح، خصوصًا مع تصاعد نفوذ قوى صنعاء الاقتصادية المرتبطة بغنائم الحرب، ما أضعف مركز القيادة الروحية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ودفع إلى بروز رغبة في إحداث تغييرات بنيوية لاحقاً لتحجيم القوى الصاعدة داخل الجماعة.

على المستوى الإقليمي، شجّع التقارب السعودي–الإيراني (برعاية صينية) الرياض على تقديم مبادرة سياسية حملت لاحقًا اسم “خارطة الطريق”. وقد قادت الخارطة إلى خفض مستوى الملف اليمني من المستوى الدولي إلى الإقليمي، ثم إلى المحلي، في محاولة لتخفيف الاشتباك الخارجي وتهيئة الميدان لحوار يمني-يمني. غير أن هذه المبادرة لم تلقَ قبولاً دوليًا واسعًا؛ إذ تم النظر إليها باعتبارها صياغة استجابت لمصالح السعوديين والحوثيين وأغفلت مصالح الحلفاء الدوليين، فضلًا عن تهميش دور الأمم المتحدة، وعدم توفير ضمانات كافية لعدم تحول المكاسب الاقتصادية المصاحبة للاتفاق إلى أوراق قوة أحادية بيد الحوثيين في صنعاء.

هكذا، بدا أن لحظة ما قبل حرب غزة شكلت مجالًا مشحونًا بوعود السلام من دون قدرة حقيقية على ترجمتها، إذ لم تُنهِ الهدنة الحرب سياسيًا، ولم تطلق عملية انتقالية صلبة، بل كشفت أن تحويل الملف اليمني إلى الأطراف المحلية لا يمكن أن يتم من دون وجود مظلة توازن دولي وإقليمي واسعة.

حرب غزة: انفتاح الحوثيين على صراعٍ إقليمي أوسع

مع اندلاع حرب غزة، اتجهت جماعة أنصار الله الحوثيين إلى توظيف فائض القوة لديها للاستثمار في لحظة سياسية مواتية. فقد تحولت جبهات القتال الداخلية إلى حالة سكون شبه تام بسبب الهدنة التي أعلنتها الأمم المتحدة عبر مبعوثها الى اليمن، ما سمح للجماعة بتحريك أدواتها العسكرية باتجاه البحر الأحمر عبر هجمات متعددة حملت بعداً أيديولوجياً يعتبر القضية الفلسطينية امتداداً لصراع الجماعة مع أعدائها ضمن سردية صنعتها إيران الراعية لـ “محور المقاومة” الذي يعد الحوثي جزءاً منه. 

لكن الحسابات الحوثية تجاوزت الإطار الأيديولوجي؛ إذ هدفت الجماعة أيضاً من انخراطها العسكري في حرب غزة، إلى اكتساب شرعية دولية في اليمن باعتبارها لاعباً إقليمياً فاعلاً في قضايا المنطقة؛ واستثمرت تلك الهجمات في توسيع التيار السياسي الداخلي المؤيد للانفتاح على السعودية والدول العربية، مقابل تحجيم نفوذ التيار العقائدي الأكثر التصاقًا بإيران.

واللافت، أن هجمات الحوثيين في بداية الحرب في غزة خدمت أطرافًا متعددة ومتعارضة: فهي كبحَت سلوك الائتلاف اليميني الإسرائيلي المتطرف الذي قاد الحرب على غزة، والذي كانت إدارة بايدن تنظر إليه بقلق؛ كما عارضت التفوق الإسرائيلي في نظر دول وازنة في المنطقة كالسعودية وقطر وتركيا ومصر وباكستان؛ وساهمت في توسيع نطاق التوتر الدولي، ما أتاح للصين الاحتفاظ بأوراق تفاوضية مع واشنطن في ملف نفوذها البحري؛ وأفادت روسيا بإطالة أمد الأزمة، بما يساهم في تشتيت الانتباه الدولي عن أوكرانيا.

بذلك، تحولت الحرب في غزة إلى لحظة مكثفة الدلالات بالنسبة الى اليمن: فقد أعادت مجدداً مستوى الملف اليمني من المستوى المحلي – الإقليمي إلى الدولي، بعدما وجد المجتمع الدولي أن الحوثيين باتوا لاعبًا مؤثرًا في خطوط الملاحة العالمية، بما يستدعي إعادة هندسة مقاربة الصراع بأدوات تتجاوز داخليته.

وقد تزامن ذلك مع صعود نفوذ التيار السياسي داخل الحوثيين، الذي سعى الى استثمار اللحظة لتثبيت نفسه على حساب العقائديين/الجهاديين داخل الجماعة عبر مخاطبة قوى إقليمية مختلفة، الأمر الذي كشف – ولو جزئيًا – أن الجماعة ليست مجرد تابع إيراني، بل فاعل براغماتي يمتلك هامشاً من الاستقلال. غير أن هذه المرونة لم تترجم إلى مكاسب مستقرة، إذ اصطدمت لاحقاً بواقع دولي متحرك أعاد الجماعة سريعاً إلى موقع دفاعي نتيجة الضربات المكثفة والتضييق الاقتصادي.

تحوّل مركز الثقل داخل الشرعية

ترافق تراجع الحوثيين مع بروز ديناميكيات جديدة داخل معسكر الشرعية. ففي أعقاب تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، شهدت المناطق المحررة حالة استقرار نسبي، لكنها لم تكن ثمرة بناء مؤسسي بقدر ما كانت نتيجة توزيع توافقي للنفوذ بين المكونات العسكرية والسياسية. هذا التوافق الهش ساهم في تأجيل الانقسامات، لكنه لم يعالج جذورها، بل سمح لها بالتضخم بصمت.

عادت التصدعات إلى الواجهة بعد تطورات حرب غزة، وبات واضحًا أن مركز الثقل داخل الشرعية ينجذب تدريجياً من البنية المؤسسية الرسمية نحو القوى العسكرية. أصبحت القدرات الأمنية والعسكرية هي المحدد الرئيسي لتوازنات المناطق المحررة، فيما تراجع دور المؤسسات المدنية، وضعفت قدرتها على صياغة توافق سياسي قابل للحياة. وفي هذا السياق، تحولت الشرعية إلى إطار سياسي يستوعب تناقضات متعددة أكثر منه مركزاً موحداً للقرار.

تسبب هذا الانجراف في أن تتعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع المكونات العسكرية داخل الشرعية باعتبارها أدوات أكثر فاعلية من الأطر الرسمية، ما جعل تلك الأذرع تمتلك قدرة تفاوضية بحكم الأمر الواقع، على حساب وحدة التمثيل السياسي. وفي مرحلة لاحقة، أدى اهتزاز الثقة بين المكونات إلى إحياء هواجس قديمة تتعلق بمستقبل الوحدة السياسية والجغرافية، وتوزيع السلطة، والقدرة على إدارة المرحلة الانتقالية.

هذه الديناميكية الداخلية جعلت الشرعية تتحرك على أرضية مزدوجة: فهي مطالبة باستثمار لحظة تراجع الحوثيين لتعزيز موقعها، وفي الوقت نفسه مجبرة على إدارة تناقضات داخلية يحاول كل منها إعادة تعريف الشرعية وفق مصالحها. وهكذا، باتت الشرعية تقف عند مفترق صعب: إما أن تنجح في ردم الفجوة بين مكوناتها عبر توحيد مركز القرار، أو تستمر في التآكل الداخلي الذي يفتح الباب لجهات أخرى – داخلية أو خارجية – لمحاولة ملء الفراغ.

اليمن بعد غزة بين مستويي التنافس: الداخلي والإقليمي

تقاطعت أبعاد التنافس الداخلي والإقليمي في اليمن بصورة غير مسبوقة. فالجغرافيا اليمنية تتحول بعد غزة شيئاً فشيئاً إلى ساحة تشابك بين مراكز قوى محلية صاعدة داخل بنيتي الشرعية والحوثي نفسها، وبين دول تسعى الى إعادة تعريف حصتها من النفوذ في الإقليم بعد حرب غزة. هذه البنية المتعددة الأقطاب ألغت إمكانية السيطرة الكاملة لأي طرف، وخلقت حالة “توازن هشّ” يتغذى على التقاطع أكثر من التصادم.

على المستوى الداخلي، تتنازع مكونات الشرعية – في عدن ومأرب وتعز وحضرموت – على إعادة تعريف السلطة وأولوية القرار. فالمكونات السياسية لا تتحرك بوصفها أذرعَ مدنية تماماً، بل بوصفها شبكات سلطة تمتلك أدواتها العسكرية، ما يجعل التسويات الداخلية مشروطة دائماً بالحسابات العسكرية. هذا التداخل ولّد بيئة سياسية لا تعترف بالمركز السياسي الواحد، بل بمجموعة مراكز تدار عبر توازنات ميدانية متغيّرة.

ولأن الشرعية لا تزال تحاول إنتاج مؤسسات قادرة على إدارة هذا التنوّع من دون أن تنجح بعد، فإن مسار استعادة الدولة لا يزال محكوماً بقواعد القوة الصلبة، لا بقواعد الشرعية القانونية. ولذلك بقيت السلطة في اليمن سواء في مناطق الحوثي أو الشرعية أسيرة لوجستيات الميدان، حيث تصبح القوة شرطًا للسياسة لا نتيجة لها.

لكن داخليا في الشق الآخر، أعادت حرب غزة جماعة الحوثي إلى نقطة حرجة. أصبحت قدراتها اللوجستية مقيدة، وتراجعت قدرتها على التمويل، وازدادت الانشقاقات داخل بنيتها مع صعود تيارات ترى في البراغماتية السياسية طريقاً لضمان البقاء مقابل التيارات العقائدية/الجهادية التي تسعى الى الحفاظ على بنيتها شبه الثيوقراطية.

هذا التباين داخل الجماعة انعكس في شكل إعادة تموضع داخلي. إذ أدت الضربات العسكرية ضد الحوثيين، وعمليات تجفيف مصادر التمويل، وتشديد الرقابة على الحركة التجارية، إلى إضعاف مراكز القوى الاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ما سمح للتيار الجهادي ـ بقيادة زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي ـ بإعادة الإمساك بالمفاصل العليا للسلطة تحت يافطة “التغييرات الجذرية”. لكن هذا التماسك البنيوي الظاهر يخفي حالة صراع داخلي يتخذ أشكالاً متعددة: من تسابق على الموارد، إلى صراع على السلطة الرمزية، إلى توجس متبادل داخل قيادات الخط الأول نفسها خصوصاً بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة وما أنتجته من اغتيالات طاولت القادة الحكوميين والعسكريين في صنعاء.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أعادت حرب غزة تحريك خطوط التماس بين القوى المتنافسة. فالسعودية وقطر وتركيا ومصر وجدت في لحظة ما بعد الحرب فرصة للعودة إلى لعب أدوار أكثر استقلالية، في حين حاولت الإمارات الحفاظ على موقعها داخل المعادلة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ووسط هذه الشبكة ظهرت إسرائيل، التي عززت حضورها الاستخباراتي بعدما وجدت في البحر الأحمر امتداداً طبيعياً لمعركتها الإقليمية.

نتج من هذا التوسع الإقليمي وضع جديد جعل من اليمن عقدة ارتكاز في الصراع على توازن القوى في المشرق العربي. باتت الأطراف المحلية تدرك أن رفع شروط التفاوض أو خفضها لا يتحدد بناء على الأداء العسكري فحسب، بل على موقعها داخل شبكة الاصطفاف الإقليمي. وقد أدى ذلك إلى “تسييل” أوراق القوة داخل اليمن على مستوى خارجي، بحيث أصبحت بعض القوى المحلية تمثل امتدادًا لمشاريع إقليمية، مثل تمثيل المجلس الانتقالي لمصالح الإمارات في اليمن، متوازية تتقاطع مصالحها حيناً وتتنافر حيناً آخر.

والنتيجة أن التنافس الداخلي لم يعد مجرد صراع على سلطة محلية، بل أصبح انعكاساً لصراع بين رؤى إقليمية تتنازع على تشكيل مستقبل اليمن. هذه الجدلية وضعت الحوثيين والشرعية أمام معضلة مشتركة: فك الارتباط بين الملفات الداخلية والملفات الإقليمية من دون خسارة سند خارجي، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل غياب هيكل مركزي قادر على إدارة التوازنات.

تدويل الملف اليمني ونشوء معادلات جديدة

مع اتساع رقعة الارتباك الإقليمي الناتج من حرب غزة، لم يعد الملف اليمني شأناً محصورًا بين الأطراف المحلية أو بين الرياض وصنعاء، بل أخذ يتحول مجددًا إلى ملف دولي متعدد الفواعل. فالهجمات الحوثية على خطوط الملاحة في البحر الأحمر دفعت القوى الدولية الى التعامل مع اليمن من منظور الأمن البحري العالمي، لا من زاوية الصراع الداخلي. وبذلك تحولت الحالة اليمنية من نزاع ذي طابع محلي/إقليمي إلى عقدة أمنية داخل شبكة التجارة العالمية.

تكثفت التحركات الدبلوماسية الغربية والإقليمية باتجاه اليمن، ليس بنيّة استئناف مفاوضات السلام حصراً، بل بحكم وجود مصالح اقتصادية واستراتيجية باتت “ملحّة” خصوصا بعد انكفاء الحضور الإيراني، وتنامي المخاوف من عودة جماعة الإخوان المسلمين مجدداً الى الواجهة، الى جانب تحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مفتوح. انعكس هذا الأمر على طبيعة الأدوار؛ إذ ظهرت أطراف لم يكن لها حضور سابق مباشر في الملف اليمني، كإسرائيل وروسيا. ودول تدير علاقة مرنة تستثمر الاضطراب في اليمن لكن من دون الانخراط الكامل مثل الصين، مصر، تركيا، باكستان، والهند. 

هذا التدويل أعاد تعريف الأطراف المؤثرة داخل اليمن. فلم يعد الحوثيون مجرد فاعل محلي أو ذراع إقليمية، بل لاعباً له تأثير ملموس على سلاسل الإمداد الدولية. وأصبحت الشرعية جزءاً من شبكة أوسع تحاول القوى الدولية استخدامها لتقويض تهديد الملاحة. وبين هذين القطبين ظهرت قوى محلية وجدت في هذه اللحظة فرصة لانتزاع اعتراف أو ترسيخ نفوذ، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد. مثل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي قدّم نفسه شريكًا في أمن البحر الأحمر، وقوات العمالقة وطارق صالح التي طرحت نفسها قوة قادرة على حماية الساحل الغربي، إلى جانب قوى قبلية وسياسية في حضرموت والمهرة ومأرب وجدت في لحظة الاضطراب فرصة لتوسيع هامش حركتها السياسية.

يشكل هذا التحول ضغطاً إضافياً على المملكة العربية السعودية التي باتت محكومة بالتحرك في اليمن ضمن سياق دولي لا يمكنها التحكم فيه منفردة. فكل محاولة لتهدئة الملف اليمني باتت مشروطة بأخذ مصالح دول جديدة في الاعتبار، وبخاصة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التحول ألغى إمكانية استمرار مسار “خفض التصعيد”، الذي حاولت الرياض هندسته قبل حرب غزة عبر خارطة الطريق، وفتح الباب أمام إعادة هندسة المسار وفق موازين جديدة.

وهكذا، وجد اليمن نفسه محاصرًا بين ثلاث دوائر:

دائرة محلية مفككة.

دائرة إقليمية لا تستقر على توازن واضح.

دائرة دولية تحاول ربط أمن البحر الأحمر بالأمن العالمي.

ومع اتساع هذه الدوائر، بدا أن أي تسوية مستقبلية لن تكون محض يمنية، بل مشروطة بمقايضات جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن كدولة، وتجعل منه ساحة توازن بين قوى تستخدمه كمساحة تصريف للصراع الأكبر.

إعادة التموضع السعودي في اليمن بعد حرب غزة

مثّلت حرب غزة نقطة انعطاف مؤثرة دفعت المملكة العربية السعودية إلى إعادة تقييم مقاربتها الملف اليمني. فقبل اندلاع الحرب، كانت الرياض تعمل على هندسة مسار سياسي يفضي إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد مع الحوثيين، بما يسمح لها بالانتقال إلى أولويات استراتيجية داخلية تتعلق بالتحوّل الاقتصادي وفق رؤية 2030. غير أنّ شكل اتفاق إنهاء الحرب في غزة دفع المملكة إلى إعادة النظر في الترتيبات القائمة، بعدما أظهر الواقع اليوم هشاشة المعادلة التي حاولت المملكة سابقاً بناؤها بين صنعاء والرياض عن طريق مسقط، وأعادت تظهير الاحتياجات الأمنية للمملكة بصورة أكثر وضوحاً.

ينعكس ذلك في تحرك سعودي متسارع لإغلاق الثغرات التي أفرزها الانكفاء النسبي عن إدارة الملف اليمني نتيجة الانشغال بحرب غزة وتفاعلاتها الإقليمية والدولية. لم تعد الرياض تنظر إلى الصراع في اليمن باعتباره صراعًا يمكن احتواؤه عبر تفاهم ثنائي مع الحوثيين، بل باتت أكثر اقتناعاً بأن ترك الملف من دون معالجة شاملة قد يفتح الباب أمام أطراف إقليمية ودولية للتدخل بطرق يصعب التحكم بها، خصوصاً مع ارتفاع مستوى الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر، وعودة واشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب إلى استخدام المقاربة العسكرية كأداة إدارة للأزمة في اليمن بخلاف الرئيس بايدن الذي كانت إدارته تميل الى اتباع نهج الاحتواء في الملف اليمني. 

لذلك، يلحظ اليوم أن المملكة تسعى إلى الإمساك مجددًا بناصية المسار السياسي في اليمن، لا عبر تجاوز خارطة الطريق السابقة، بل عبر إعادة إدراجها في منظومة مصالح أوسع تتضمن مطالب أمنية واضحة، وإعادة تعريف خطوط النفوذ داخل المناطق المحررة. في هذا السياق، لم تعد السعودية تعامل الشرعية كحليف متقدم في مواجهة الحوثيين بقدر ما أعادت النظر إليها كفاعل ضمن شبكة توزيع أدوار معقدة، ينبغي ضبط حدودها كي لا يتحول تعددها إلى مدخل لفوضى أمنية يمكن أن تستغلها قوى مناوئة. ظهرت ملامح هذا التوجّه الجديد عبر محاولة المملكة موازنة علاقتها بمكونات الشرعية على نحو لا يسمح لأي طرف بالانفراد بقرار الحرب أو السلام. فالإبقاء على مستوى معين من التوازن داخل مناطق الشرعية كان يُنظر إليه كضمانة لمنع عودة سيناريوهات انهيار السلطة المركزية داخل “الجزء المحرّر” من اليمن، وهو انهيار لو وقع سيمنح الحوثيين فرصة للتمدّد من دون تكلفة تذكر. ولذلك، بدا أن السياسة السعودية تعمل على قاعدة مزدوجة: تعزيز حضور الشرعية بما يكفي لصد الحوثيين لكن من دون تمكينها بما يسمح لها بتشكيل نفوذ أحادي قد يتعارض مع مصالح الرياض النهائية.

هذا التوازن الحساس يحمل في الوقت نفسه مفارقة أصيلة: فتعزيز حضور الشرعية في مواجهة الحوثيين يعني بالضرورة تقوية مراكز القوى داخلها، وهو ما قد يدفع تلك المراكز نفسها إلى إعادة إنتاج صراع داخلي حول النفوذ، بخاصة في مناطق مثل حضرموت، تعز، وعدن. وهذه المفارقة لم تكن خافية على الرياض؛ بل بدت أقرب إلى محاولة إدارة مركبة لقوى مشتتة، تُحافظ على حيوية الصراع من دون انفجاره، وذلك لكي تضمن إبقاء الملف بيد المملكة من دون أن ينقلب إلى حرب شاملة لا يمكن احتواؤها.

هكذا، أعادت حرب غزة السعودية إلى موقع الفاعل الرئيسي في الملف اليمني، لكن من بوابة أمنية – استراتيجية أكثر صرامة، ترى في إعادة بناء موازين القوى داخل اليمن ضرورة وقائية تمنع ترتيبات إقليمية ودولية غير محسوبة قد تنتج منها تهديدات مباشرة لأمن المملكة.

واشنطن بين بايدن وترامب: تبدّل أدوات النفوذ وحدود القدرة

في موازاة التحولات السعودية، كشفت حرب غزة عن ارتباك في المقاربة الأميركية تجاه اليمن، ارتباك لا يعود إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة بقدر ما ينجم عن تباين عميق في الأدوات التي تستخدمها الإدارات الأميركية المتعاقبة، وتعدد دوائر المصالح التي تحاول واشنطن إدارتها في الإقليم.

ففي عهد إدارة بايدن، بدا أن الولايات المتحدة تحاول إعادة تموضعها في المنطقة عبر خفض الانخراط العسكري المباشر، وتشجيع مسار سياسي يؤدي إلى إنهاء الحرب اليمنية بأقل تكلفة. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بعقبات عدة، أهمها غموض موقف الحوثيين من العملية السياسية، وانكفاء السعودية نسبيًا عن قيادة الشرعية بصورة مباشرة، مقابل فتح قنوات تواصل مع صنعاء. أدى هذا التوازن غير المستقر إلى لحظة فراغ تحولت فيها إدارة بايدن من موقع الوسيط إلى موقع المراقب، قبل أن تتورط مجددًا في عمليات عسكرية مباشرة نتيجة تصاعد تهديد الحوثيين في البحر الأحمر.

ومع دخول الرئيس ترامب إلى المشهد مجددًا، تبدلت معادلة القوة. التقطت الإدارة الجديدة خلفية الحرب في غزة بوصفها سياقًا يسمح بإعادة تشكيل ميزان القوى، ليس فقط في فلسطين، بل في المنطقة ككل. ولذلك، تحولت المقاربة الأميركية من إدارة النزاع عبر التهدئة السياسية إلى محاولة تطويق الحوثيين عسكريًا واقتصاديًا، بالتوازي مع محاولات إعادة إدراج إيران ضمن إطار تفاوضي يعيدها إلى قلب المعادلة الإقليمية، ولكن بشروط أميركية صريحة تتعلق بضمان التفوق الإسرائيلي، وكبح التعاون الإيراني – الروسي – الصيني.

ومع أن هذه المقاربة لم تنجح في انتزاع تنازلات جوهرية من إيران، إلا أنها نجحت في دفع الحوثيين إلى نقطة تراجع نسبي، عبر الضغط على مصادر تمويلهم، واستهداف بنيتهم العسكرية، وتنشيط شبكات استخباراتية في مناطق مختلفة من اليمن. أدى ذلك إلى اختلال داخلي للجماعة، سمح بعودة القيادة العقائدية/الجهادية إلى الواجهة في صنعاء بعدما كانت محاصرة بنفوذ الأجنحة الاقتصادية والسياسية داخل الجماعة.

لكنّ هذا التحول الأميركي لم يُترجم إلى معادلة حسم لصالح الشرعية؛ إذ تؤدي السياسات الأميركية إلى مفاقمة حالة الازدواج في إدارة الملف بين المسارين العسكري والسياسي، من دون توحيدهما داخل إطار تفاوضي يمنح الشرعية قدرة حقيقية على ترجمة المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية. وهكذا، بقيت الضربات الأميركية مجرد خطوة تكتيكية تستهدف كبح النفوذ الحوثي، من دون القدرة على تحويلها إلى مسار استراتيجي يفضي إلى سلام مستدام.

ما أنتجته هذه الازدواجية هو واقع جديد: الحوثيون أضعف مما كانوا عليه قبل حرب غزة، لكن الشرعية ليست أقوى بما يكفي لفرض معادلة تفاوض متوازنة. وبين هذا وذاك، تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: تعزيز الشرعية من دون تمكينها، والضغط على الحوثيين من دون إسقاطهم، في لحظة إقليمية مضطربة لا تمنح رفاهية تعريف نهائي للخصوم ولا للحلفاء. فالولايات المتحدة الأميركية تتبنّى نهجاً يسعى إلى دعم شرعية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من دون تمكينها كاملاً، وفي الوقت ذاته تضغط على أنصار الله (الحوثيون) من دون السعي إلى إسقاطهم، لأنّ إسقاطهم يحتمل أن يؤدي إلى فراغ أمني كبير، وتمكين كامل للشرعية يحمل مخاطر قبول أطراف داخلية غير مرغوب فيها إقليمياً؛ لذا فواشنطن تختار سياسات “كبح” أكثر منها سياسات “تحوّل جذري”.

عودة روسيا وتوازنات البحر الأحمر

في خضم التحولات المتسارعة، برز الدور الروسي كأحد أكثر المتغيرات لفتًا للنظر. فبعد سنوات من الحضور الدبلوماسي المحدود، عادت موسكو لتكثّف نشاطها في الملف اليمني، مدفوعة بقراءتها الخاصة للتوازنات الناشئة في الإقليم بعد حرب غزة. وقد ظهر أن روسيا تنظر إلى اليمن، ليس من زاوية الأمن البحري فقط، بل بوصفه ساحة توازن داخل معركة نفوذ أوسع مع الغرب.

يمثّل الانخراط الروسي الاستباقي في اليمن محاولة لمنع أي تحول جذري في موازين القوى قد ينعكس سلبًا على موقع روسيا في المنطقة. فموسكو تدرك أن انهيار الحوثيين بصورة كاملة أو حصول الشرعية على انتصار نوعي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سلطة يمنية أقرب إلى الفلك الغربي، وهو ما لا ينسجم مع مصالح روسيا فيما تخوض حربًا في أوكرانيا وتواجه حصارًا اقتصاديًا واسعًا.

كما أن الحفاظ على حالة “التوازن السلبي” بين الحوثيين والشرعية يوفر لموسكو بيئة مرنة تسمح لها بالتعامل مع الطرفين بما يضمن مصالحها. ولذلك، أبدت روسيا اهتمامًا لافتًا بالتواصل مع المكونات السياسية اليمنية بما في ذلك جماعة الحوثي، وفتحت سفارتها في عدن، وأبدت استعدادًا لدعم مشاريع داخل قطاع الطاقة، مثل محطة الحسوة في عدن، بما يمكّنها من حفظ موطئ قدم في البنية التحتية الاستراتيجية.

هذا الانفتاح الروسي لا يمكن فصله عن التنافس الدولي على النفوذ في الشرق الاوسط. فالمنطقة تشكل اليوم محورًا مركزيًا للصراع بين القوى الكبرى، إذ تمثل بابًا لتدفقات الطاقة وبوابة عبور تجارية عالمية. ومع تصاعد التوتر في الممرات البحرية، ظهرت خطوط تماس واضحة بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، ما دفع موسكو إلى توسيع حضورها في البحر العربي والقرن الأفريقي لتأمين خطوط إمدادها وفتح قنوات نفوذ إضافية.

بالنسبة الى روسيا، يمنح اليمن فرصة لاستثمار هشاشة التوازنات في المنطقة عبر تقديم نفسها كوسيط أو راعٍ لمعادلات فضفاضة يمكن أن يستفيد منها الجميع. ومن هنا، بدت الحركة الروسية متزامنة مع محاولات سعودية لضبط الإيقاع الأمني في اليمن بطريقة لا تسمح لإسرائيل ولا للولايات المتحدة بالانفراد بإدارة الملف، بخاصة بعدما أظهرت حرب غزة أن تل أبيب باتت تتحرك داخل المجال الحيوي السعودي بطريقة مقلقة.

وهكذا، باتت اليمن ساحة مركبة لمعادلة ثلاثية:

احتياج سعودي لإغلاق الملف من دون خسارة أمنية.

رغبة أميركية في تطويق الحوثيين من دون الانجرار الى حرب شاملة.

سعي روسي – صيني لاستثمار الصراع بما يضمن بقاء حالة التوازن بدون حسم.

وبين هذه الأطراف، تجد القوى المحلية نفسها جزءًا من شبكة توازنات لا يمكنها السيطرة عليها كلياً، ولا يمكنها الفكاك منها بسهولة.

إمكانية السلام في اللحظة الراهنة

على الرغم من تزايد التعقيد في بنية الصراع اليمني بعد حرب غزة، حملت لحظة ما بعد الحرب مفارقة لافتة: فبينما توسع عدد الفاعلين وتشابكت المصالح وتداخلت الجغرافيات، بدا أن النافذة المتاحة للسلام أصبحت – بما تحمله من هشاشة – أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لا يعود ذلك إلى تراجع الرغبة في القتال بقدر ما يعكس تحوّلًا أعمق في موازين القوة: الحوثيون باتوا أضعف من أن يفرضوا معادلة سياسية أحادية، والشرعية ليست في موقع يسمح لها بفرض شروطها، فيما تحاول القوى الإقليمية والدولية احتواء التوتر عند مستويات مقبولة، من دون توسيعه إلى حرب مفتوحة.

هذا التوازن السلبي بين عدم القدرة على الحسم وعدم الرغبة في الانهيار هو ما يمنح اللحظة الراهنة صفتها “الانتقالية”؛ إذ يتيح حيزًا سياسيًا يمكن البناء عليه، لكنه لا يوفر ضماناته. فالحوثيون، على رغم تراجعهم العسكري والاقتصادي، ما زالوا يحتفظون بقدرة على التعطيل، والشرعية لا تزال محكومة بتوازنات داخلية ناتجة من تداخل الأدوار بين المكونات، تجعلها عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل.

هنا تبدو الحاجة ملحة إلى صياغة مسار سياسي لا يقوم فقط على تصميم اتفاق لتقاسم السلطة، بل على إنتاج آليات تنفيذ متدرجة تراعي هشاشة الأرضية، وتمنع انهيارها عند أول اختبار.

كما أن البيئة الإقليمية تحمل في طياتها إمكانية دعم مسار سياسي. فالسعودية – وهي محور جوهري في هذا السياق – تبدو أكثر اهتمامًا اليوم بإغلاق الساحات المفتوحة حولها، ما يضع اليمن في مقدمة الملفات التي ترغب في تحييدها بهدف استكمال عملية التحول الداخلي.

غير أن هذه الرغبة السعودية تواجه معادلة معقدة: فتح السلام سيفضي إلى مكاسب ملموسة للحوثيين، وتأمينه يتطلب بقاء مسافة آمنة بين الجماعة وإيران. ومن هنا يأتي حضور سلطنة عُمان بوصفها “الموزّع الأمني” الذي يسمح بترتيبات سياسية لا تضع الحوثيين في موقع التهديد، ولا تسمح في الوقت نفسه بإعادة إنتاج السيطرة الإيرانية بصورة مباشرة.

لذلك، يمكن القول إن إمكانية السلام في اللحظة الراهنة هي إمكانية مشروطة تتطلب ضبطاً دقيقاً لمعادلات الداخل، واتساقاً في مواقف القوى الإقليمية، وتوافقاً على الإطار الدولي الناظم للمسار السياسي. من دون ذلك، ستتحول هذه الإمكانية إلى مجرد “فرصة عابرة” لا تنتج سوى ما تنتجه الهدنة التكتيكية: استراحة لا تغير اتجاه الحرب.

مستقبل الحوثيين والشرعية: إعادة تأسيس أم انكفاء متبادل؟

تبدو جماعة الحوثي اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه قبل حرب غزة. فخلال ما قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تمتعت الجماعة بقدر واسع من الحيوية العسكرية والسياسية، وراكمت شبكة من المصالح الاقتصادية منحَتها قدرة على إدارة المجال الذي تسيطر عليه بطريقة مستقلة نسبيًا عن داعميها.

غير أن سلسلة التحولات اللاحقة – من تجميد الهدنة الأممية إلى تصاعد الهجمات في البحر الأحمر ثم الردود الدولية – أعادت الجماعة إلى نقطة حرجة. أصبحت قدراتها اللوجستية مقيدة، وتراجعت قدرتها على التمويل، وازدادت الانشقاقات داخل بنيتها، مع صعود تيارات ترى في البراغماتية السياسية طريقاً لضمان البقاء، مقابل تيارات عقائدية تسعى الى الحفاظ على بنيتها شبه الثيوقراطية.

هذا التباين داخل الجماعة انعكس في شكل إعادة تموضع داخلي، إذ أدت الضربات العسكرية، وعمليات تجفيف مصادر التمويل، وتشديد الرقابة على الحركة التجارية، إلى إضعاف مراكز القوى الاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، ما سمح للتيار العقائدي بقيادة عبد الملك الحوثي بإعادة الإمساك بالمفاصل العليا للسلطة، كما ظهر في بنية “حكومة البناء والتغيير” التي شكلت في صنعاء عام 2024.

لكن هذا التماسك البنيوي الظاهر يخفي حالة صراع داخلي يتخذ أشكالًا متعددة: من تسابق على الموارد، إلى صراع على السلطة الرمزية، إلى توجّس متبادل داخل قيادات الخط الأول نفسها.

فالسياسة التي سمحت للحوثيين بالبقاء حتى هذه اللحظة (سياسة تعدد المراكز) قد لا تكون اليوم صالحة لاستيعاب الضغوط الجديدة التي تهدد بإعادة ترتيب بنية الجماعة نفسها.

في المقابل، تبدو الشرعية اليوم في موقع مزدوج، فهي تستثمر لحظة ضعف الحوثيين لتوسيع هامش حركتها ميدانيًا وسياسيًا، لكنها تفشل في تحويل هذا التقدم إلى رؤية موحدة بشأن المستقبل. تتحرك الشرعية داخل معادلة هشّة: مكوّناتها متداخلة، رؤاها متعارضة، أدواتها متباينة. تملك بعض قواها نفوذًا عسكريًا واسعًا، لكنها تفتقر إلى عمق سياسي جامع مثل قوات العمالقة في شبوة وكذلك المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، فيما تمتلك أطراف أخرى خبرة سياسية أوسع لكنها تفتقر إلى أدوات القوة في الميدان مثل الدبلوماسية الحكومية وحزب الإصلاح. هذه المفارقة تُعيد إنتاج مشكلة الشرعية بحد ذاتها، فهي “شرعية داخلية متعدّدة” أكثر منها سلطة موحدة؛ شرعية تعتمد على التوافق بدل القرار، وعلى إدارة الهواجس أكثر من إدارة الحلول.

وتتعمق الإشكالية حين نضع الطرفين ـ الحوثي والشرعية ـ داخل بنية إقليمية مضطربة: إسرائيل تسعى الى لعب دور أوسع، إيران تفتش عن موطئ قدم من دون الدخول في صدام مع القوى الغربية؛ السعودية تعمل على ضبط مسار توازن دقيق؛ الولايات المتحدة تعيد تعريف أدوات انخراطها؛ بينما تحاول روسيا والصين استثمار اللحظة من دون الدخول في التزامات صلبة.

نتيجة هذه المعادلة، لا يقف مستقبل الحوثيين والشرعية على عتبة “غلبة أحدهما على الآخر”، بل على كيفية دخول كليهما في مرحلة إعادة تأسيس:

الحوثيون أمام لحظة اختبار داخلي حول شكل الجماعة ومركزية القرار.

الشرعية أمام ضرورة إعادة تنظيم بنيتها السياسية والمؤسسية بما يجعلها طرفًا قادرًا على تمثيل المشروع الوطني.

من دون هذه “الولادة الثانية”، سيظل الطرفان يتحركان داخل مسار الانكفاء المتبادل: لا أحد ينتصر، ولا أحد يسقط.

أخيراً: السيناريوهات المحتملة بين إعادة تموضع القوى وتفكك البنى

ضمن هذا المشهد المعقد، يمكن استشراف مجموعة من المسارات المحتملة، لكن ليس بوصفها مسارات يقينية، بل خطوطًا عامة تتحكم فيها دوالّ متعددة تتقاطع عند مستوى واحد: غياب بنية مركزية قادرة على التحكم في التطورات.

تتشكل السيناريوهات حول ثلاثة محددات رئيسية:

اتساع  الدور الإقليمي أو انكماشه

تطور التوازنات داخل الشرعية

قدرة الحوثيين على تجاوز أزمتهم الداخلية

داخل هذه المحددات، يمكن تصور ستة مسارات رئيسية:

السيناريو الأول: إعادة تدوير خارطة الطريق: 

قد تسعى السعودية الى استثمار لحظة ضعف الحوثيين لإعادة إحياء خارطة الطريق ضمن إطار تفاوضي جديد يأخذ في الاعتبار مخاوفها الأمنية ومواقف القوى الدولية. لكن نجاح هذا المسار مشروط بحدوث 3 تحولات:

قدرة الرياض على تحصين نفسها بحيث تكون: قادرة على تأمين نفسها وردع أي هجوم محتمل عليها مع خلق تفاهمات مع إدارة ترامب بخصوص الملف اليمني، تحييد الفاعلين الجدد والقدامى داخل البحر الأحمر. 

إعادة بناء مركز القرار داخل الشرعية.

تراجع سقف الحوثيين التفاوضي.

بدون ذلك، سيظل هذا المسار مجرد محاولة لإعادة الحياة إلى مبادرة وُلدت غير مكتملة وغير متوافق عليها.

السيناريو الثاني: اتساع التنافس الخارجي داخل اليمن: 

قد يتحول اليمن إلى ساحة تنافس دولي أوسع من ذي قبل، لا بوصفه ملفًا إنسانيًا أو سياسيًا، بل بوصفه بابًا جيوسياسيا في المحيط الهندي والبحر الأحمر. هذا السيناريو يفتح الباب أمام تحالفات متقاطعة، ويزيد احتمالية تطور صدام داخلي بين القوى اليمنية نفسها. فالتنافس الدولي إذا ما تزامن مع واقع الانقسام، قد يفتح الباب أمام موجات عنف ذات طابع محلي/إقليمي في آن واحد.

السيناريو الثالث: عمليات عسكرية محدودة:

في حال رفعت أطراف داخل الشرعية سقف مطالبها، أو حاول الحوثيون تحسين موقعهم عبر سياسة الإرباك للشرعية، فقد تتجه الأطراف إلى تنفيذ عمليات عسكرية محدودة تستهدف إعادة ضبط ميزان القوى. عمليات كهذه قد تشكل مدخلًا لإعادة التفاوض، لكنها تحمل مخاطر توسع الصراع إذا لم تحظ بإجماع إقليمي وضوء أخضر دولي.

السيناريو الرابع: الانهيار الداخلي للحوثيين: 

إذا استمرت الضغوط الدولية، وتفاقمت الانقسامات، وضعفت قدرة الجماعة الاقتصادية، فقد يقترب الحوثيون من لحظة انهيار داخلي. لن يكون هذا الانهيار لحظة سقوط هرمية من الأعلى، بل تفككاً تدريجياً داخل بنية الجماعة، يعيد إنتاج سلطة محلية متعددة المراكز داخل مناطق سيطرتها. وهذا المسار يحمل أخطاراً كبرى لأنه ينقل اليمن من معادلة “صراع بين كتلتين” إلى معادلة “تفكك شامل” قد ينتشر عبر الجغرافيا من دون ضابط.

السيناريو الخامس: تداعي الشرعية وتفككها: 

يستند هذا السيناريو إلى فرضية أن التنافس الداخلي بين مكونات الشرعية قد يتفاقم بفعل المتغيرات التي أعقبت حرب غزة. فضعف جماعة الحوثيين وتراجع زخمها الميداني والسياسي قد يدفع الأطراف المنضوية في معسكر الشرعية إلى إعادة ترتيب توازناتها بصورة حادة، إذ تسعى كل قوة إلى توسيع نطاق نفوذها في الفراغ الناتج من التراجع الحوثي. يرافق ذلك دخول أطراف إقليمية ودولية تزيد من استثماراتها في الملف اليمني، ما يضيف طبقات جديدة من التعقيد ويغذّي التنافس داخل معسكر الشرعية نفسه. مع ذلك، وعلى الرغم من إمكانية هذا السيناريو، إلا أنه من غير المرجّح أن يُسمح بحدوثه، إذ تدرك الأطراف الإقليمية الفاعلة أن انهيار الشرعية بصورة كاملة سيقوّض حالة التوازن التي تضمن استمرار قابلية إدارة الملف اليمني، وهو ما لا يخدم مصالح أيٍّ من القوى الرئيسية. لذلك، تبقى احتمالية انهيار الشرعية قائمة نظريًا، لكنها مقيدة عمليًا بضوابط إقليمية ودولية تسعى إلى إبقاء الوضع تحت السيطرة ضمن توازن هشّ، يضمن بقاء كل الأطراف داخل المشهد من دون حسم أو انهيار.

السيناريو السادس: حدوث تغييرات سياسية في هرم السلطة لدى طرفي الصراع: 

التنافس الداخلي المتصاعد داخل كل من الشرعية وجماعة أنصار الله الحوثيين قد يؤدي إلى تحوّلات في هياكل القيادة لدى الطرفين. ففي معسكر الشرعية، قد تؤدي الضغوط السياسية والاقتصادية والتباينات في الرؤى إلى بروز قيادات جديدة تحاول إعادة تعريف مسارها السياسي بما يتناسب مع مرحلة ما بعد غزة، خصوصًا في ظل إعادة توزيع النفوذ الإقليمي داخل اليمن. أما في الجانب الحوثي، فإن التصدّعات التي ظهرت في العلاقة بين القيادة العقائدية ومراكز النفوذ الاقتصادية قد تمهد الطريق لصعود شخصيات جديدة داخل الجماعة، سواء عبر إعادة تشكيل مواقع القيادة، أو من خلال تحولات داخلية تتخذ طابعًا تصحيحيًا.

يصبح هذا السيناريو أكثر قابلية للتحقق في حال تصاعد التوتر الإقليمي والدولي حول الملف اليمني، واشتداد التنافس على النفوذ في البحر الأحمر ومحيطه، من دون أن ترافق ذلك إرادة حقيقية لدفع العملية السياسية إلى الأمام. في مثل هذا المناخ، يمكن لتغيّر الأشخاص في القمة أن يكون وسيلة لإعادة تكييف مواقف القوى المختلفة، سواء من داخل الشرعية أو من داخل الجماعة، استعدادًا لمرحلة جديدة غير محسومة المعالم بين الحرب والسلام.

ما يجمع هذه السيناريوهات الست هو أن لحظة ما بعد حرب غزة لا توفر طريقًا واحدًا للحل، بل شبكة طرق معقدة لا يمكن السير فيها من دون إعادة بناء الفاعلية السياسية داخل اليمن، إعادة توحيد مركز القرار داخل الشرعية، وتنازل الحوثيين عبر تقديم عرض سياسي مقبول لهم.

خاتمة

المشهد اليمني اليوم يقف عند تقاطع نادر في التاريخ السياسي الحديث للبلد: جماعة صاعدة ميدانيًا تتآكل من الداخل؛ وشرعية معترف بها دوليًا تتصادم وتتآكل من الداخل كذلك؛ وكلاهما يتحرك في فراغ إقليمي تحاول القوى الكبرى ملأه من دون تحمّل كلفته.

حرب غزة، بما أحدثته من تحولات، لم تكن حدثًا خارجيًا بالنسبة الى اليمن، بل نقطة انعطاف أظهرت حقيقة بنية الصراع الذي لم يعد مسألة حكم داخلي فحسب، بل أصبح جزءًاً من مشهد إقليمي يتشكل على إيقاع صراع بحري – سياسي أكبر مما يمكن لطرف يمني واحد احتواؤه.

في هذا الفضاء، سيصبح السلام ممكنًا لا عندما تتوقف الحرب، بل عندما يُعاد تعريف السياسة داخل اليمن بوصفها عملية بناء لا عملية مراكمة قوة. وسيصبح بناء الدولة ممكنًا عندما تتحول الشرعية من سلطة معترف بها دولياً إلى سلطة معترف بها داخلياً، وعندما تتحول الجماعة الحوثية من بنية مغلقة إلى بنية سياسية خاضعة للمساءلة.

هذه ليست مهمة مبادرة واحدة، ولا اتفاق واحد، ولا حكومة واحدة. بل عملية طويلة المدى تبدأ بتثبيت توازن داخلي يسمح بتوزيع السلطة، ثم بإعادة بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد، ثم بانخراط فاعلين مدنيين يعيدون تعريف العمل السياسي وإدارة البلد بوصفهما فضاء للمشاركة لا ساحة للاحتكار.

ما بعد غزة، لم يعد في اليمن طريق واحد للسلام ولا مركز واحد لإدارة الأزمة؛ ولم تعد هناك ضمانة ثابتة لبقاء المسار السياسي، سوى إدراك هشاشته. فالمشهد موزّع بين مسارات متوازية: حوثيون يوسّعون نفوذهم البحري، وشرعية منقسمة بين قوى تملك السلاح بلا رؤية، وأخرى تملك الرؤية بلا قوة؛ وبينهما فاعلون محليون—كالمجلس الانتقالي وقوات الساحل الغربي—يبحثون عن اعتراف ونفوذ. في لحظة تتعدد فيها الأطراف وتتناقض فيها المشاريع، لا يبقى أمام اليمن سوى نافذة هشّة تحتاج إلى رؤية صلبة حتى لا تُغلق بالكامل.