حين تتحول المأساة إلى بند مؤجل على جدول أولويات العالم، تصبح النجاة نفسها رهينة للمساومة، ويغدو الجوع أكثر من مجرد نقص في الغذاء؛ إنه انتزاع منظّم للكرامة. وفي اليمن، حيث تتشابك السياسة بالإغاثة في شبكة معقدة من المصالح والصراعات، يطفو سؤال أخلاقي مرير: متى يفقد الإنسان حقه في الحياة لمجرد أن كلفة إنقاذه لم تُسدَّد بعد؟
ليست هذه مجرد أزمة تمويل عابرة، بل لحظة كاشفة لانهيار المعايير التي يُفترض أن تضبط إيقاع الإنسانية. حين يُربط البقاء على قيد الحياة بالحسابات البيروقراطية، وتُدار المعاناة بمنطق العجز أو التسويف، فإن العالم لا يخذل اليمن فحسب، بل يخذل في الحقيقة فكرته عن نفسه، عن عدالته، وعن جوهر العقد الأخلاقي الذي يُفترض أنه يُلزم القوي برفع الكلفة عن الضعيف.
في الواقع، حين يعجز المجتمع الدولي عن إطعام الجائع، لا يفشل فقط في مهمته الأخلاقية، بل يكشف – في تقديري – عن عجز مريع في منظومة القيم التي يدّعي حراستها. فالأزمات لا تخلق المآسي وحدها، بل تفضح البنى التي تتواطأ في استمرارها، سواء بالصمت أو بالتقصير أو بالانتقائية.
في اليمن، لا يمكن فصل المجاعة عن السياسة، ولا النزوح عن موازين القوى؛ كل رغيف مفقود هو نتيجة قرار، وكل طفل ينام بلا عشاء شاهد على عالم اختار أن يرى ثم أدار ظهره.
اليوم، وقد بلغت الأزمة الإنسانية في اليمن ذروتها، لم يعد الأمر يحتاج إلى بيانات تعاطف عابرة، بل إلى مراجعة جذرية لمفهوم المسؤولية المشتركة.
فحين تُصبح حياة ملايين اليمنيين مرتبطة برقم في جدول التمويل الدولي، تنقلب المأساة – في رأيي – من مجرد أزمة إنسانية إلى فضيحة كبرى في نظام الاستجابة العالمي.
أعلن برنامج الأغذية العالمي (WFP) أخيرًا عن وقف علاج حالات سوء التغذية الحاد في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، بسبب استنفاد السلع الأساسية، والمتوقع نهاية حزيران/ يونيو 2025. ويشمل ذلك برنامج إدارة سوء التغذية الحاد المتوسط (MAM)، وهو من أهم البرامج التي طاولت شريحة واسعة من الأطفال والنساء الأكثر ضعفاً.
يأتي هذا التوقف وسط فجوة تمويلية ضخمة؛ إذ لم يتلقَّ البرنامج سوى نحو 90 مليون دولار، أي ما يعادل 15 في المئة فقط من إجمالي التمويل المطلوب البالغ 602 مليون دولار لفترة الستة أشهر المقبلة (حزيران/ يونيو – تشرين الثاني/ نوفمبر 2025).
وتُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2025 لم تُموّل حتى اليوم سوى بنسبة لا تتجاوز الـ9 في المئة، ما يعني أن أكثر من 90 في المئة من الاحتياجات الأساسية – من غذاء ومأوى ودواء – لا تزال معلّقة على وعود لم تُنفّذ، والتزامات أُفرغت من مضمونها.
وبحسب التقرير الأممي، يتجاوز المبلغ المطلوب الـ 2.48 مليار دولار، في حين لم يتم استلام سوى 213.6 مليون دولار فقط. إنها فجوة تمويلية لا تعني عجزًا في الأرقام فحسب، بل تهدد بتحويل الأزمة اليمنية إلى كارثة مكتملة الأركان، بخاصة مع استمرار التدهور الاقتصادي، وغياب بدائل مؤسسية فعالة في الداخل.
تشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى واقع بالغ القسوة؛ فـ62 في المئة من الأسر النازحة و47 في المئة من اللاجئين باتوا مضطرين لتقليص وجباتهم اليومية. وفي بلد تنهشه الحرب منذ أكثر من عقد، لا يُعدّ تقليص الوجبات خيارًا مؤقتًا، بل مظهرًا دائمًا لمجاعة زاحفة، تُقابل – غالباً – بصمت دولي فادح.
صحيح أنّ الحكومة اليمنية دعت، عبر وزير الخارجية وشؤون المغتربين د. شائع الزنداني، إلى استئناف المساعدات التنموية والإنسانية الأميركية، وهو مسعى إيجابي لوقف هذا الانهيار المتسارع في بنية الحياة؛ غير أنّ هذه الدعوات، على رغم أهميتها، تظلّ ناقصة ما لم تقترن – في تقديري – بخطة وطنية شاملة يتصدرها مجلس القيادة الرئاسي، لإعادة الاعتبار الى مفهوم الدولة، وتحويل الإغاثة من فعل طارئ إلى برنامج تنموي يعالج جذور الحاجة بدلاً من ملاحقتها.
ليست هذه المرة الأولى التي يُحذّر فيها المجتمع الدولي من خطر المجاعة الجماعية في اليمن، لكنها ربما المرة الأوضح التي يُختزل فيها مصير الملايين ببند في تقرير مالي. والأصل – كما أراه – أن تكون الكرامة الإنسانية غير قابلة للمساومة أو التأجيل.
ما لم يُدرك العالم أنّ الحاجة إلى الغذاء ليست مؤقتة، وأن الإغاثة ليست منّة، بل حق في مواجهة اختلالات كبرى لم تفلح الجهود في ردعها أو استعادة الاستقرار، فإن ما يحدث في اليمن لن يكون استثناءً، بل نموذجًا مظلمًا لتخلي العالم عن مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية.
استمرار هذا الإخفاق في تمويل خطة الاستجابة يعني انكشاف الغطاء الإنساني عن ملايين اليمنيين، ويؤسس لواقع أكثر هشاشة تتكسر فيه أي فرص لبناء سلام مستدام. فحين تُترك المجاعة لتتسع، ويصبح النزوح قدرًا، تتوافر البيئة لولادة مزيد من العنف، وانتعاش الجماعات الخارجة عن القانون، وتآكل ما تبقى من الدولة.
إنها ليست فقط أزمة جوع، بل أزمة عالم يختبر قدرته على الإصغاء الى معاناة الآخرين قبل أن تتحول إلى موت جماعي معلن. وكما قال ألبير كامو: “أسوأ ما في الكوارث ليس الألم، بل لا مبالاة الآخرين به”.
واليمن – في هذا السياق – لا يطلب شفقة، بل استجابة عادلة تنقذ الأرواح وتمنح المعنى الحقيقي لفكرة الإنسانية المشتركة. فعندما تصبح الاستجابة لأزمات بهذا الحجم خاضعة لحسابات السياسة الضيقة، أو مرهونة بمزاج الممولين، لا نكون أمام تقصير عرضي، بل أمام انهيار أخلاقي صريح، تتحول فيه حياة البشر إلى أرقام في تقارير، وصرخات الجوع إلى ضوضاء قابلة للتجاهل.
المسألة، في جوهرها، تتجاوز المساعدات والغذاء والدواء؛ إنها اختبار لجوهر العقد الإنساني الذي يُفترض أن يربط المجتمعات ببعضها خارج الجغرافيا واللغة والانتماء. كل تأخير في إنقاذ الجائعين، وكل تلكؤ في تمويل خطة الاستجابة، هو إعلان غير مكتوب بأن بعض الأرواح أقل استحقاقًا للنجاة من غيرها.
وفي عالم يزعم الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان، يصبح تجاهل اليمن جريمة مضاعفة، تُرتكب لا عن جهل، بل عن معرفة وصمت مدوٍّ. لقد آن الأوان أن تُستبدل سياسة إدارة الكوارث بردّ فعل أخلاقي صادق، يُعيد الى الإنسان قيمته، والى العالم بعضًا من ضميره الغائب.
إقرأوا أيضاً:











