ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اليونيفيل: بين “فيتو” الجنوب اللبناني و”فيتو” مجلس الأمن 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تسلّم باراك الرد اللبناني الرسمي على المقترح الأميركي الأخير الذي تضمّن التزاماً بحصر السلاح بيد الدولة، وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، والتطبيق الكامل للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي تُعدّ اليونيفيل إحدى ركائزه الأساسية. لكن في مشهد يعكس الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، برزت مشهديات عدائية في مناطق نفوذ “الحزب” في الجنوب اللبناني.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من صفعة تلقاها أحد جنودها في بلدة دير قانون النهر واعتراض دورياتها وزرع علم حزب الله على آلياتها سابقاً، إلى رشق جنودها بالحجارة في عيتيت، وصولاً الى مقتل أحد جنودها في مواجهات سابقة، تواجه قوات الطوارئ الدولية العاملة في لبنان تحديات غير مسبوقة. 

هذه التحديات تبرز مع اقتراب موعد تجديد مجلس الأمن ولايتها في آب/أغسطس المقبل. فهل تحولت اليونيفيل من قوات حفظ سلام إلى طرف غير مقبول به؟ وهل وصلت هذه القوة إلى نهاية دورها في الجنوب اللبناني الذي لا يزال على صفيح ساخن؟ 

بين زيارة باراك والضغط على اليونيفيل

تزامنت صدامات الأهالي المتكررة مع قوات اليونيفيل، والجدل المتجدد حول مستقبلها في الجنوب اللبناني، مع زيارة المبعوث الأميركي توماس باراك إلى بيروت، الذي لم يتطرق إلى “الفيتو الأميركي” المتعلق بقوات حفظ السلام.

وتسلّم باراك الرد اللبناني الرسمي على المقترح الأميركي الأخير، الذي تضمّن التزاماً بحصر السلاح بيد الدولة، وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، والتطبيق الكامل للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي تُعدّ اليونيفيل إحدى ركائزه الأساسية. 

لكن في مشهد يعكس الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، برزت مشهديات عدائية في مناطق نفوذ حزب الله في الجنوب من خلال عراضات منظمة، نُشرت خلالها صور علب حلوى وفاكهة وُزّعت في بعض المناطق خلال مراسم إحياء ذكرى عاشوراء، كُتب عليها: “ما في تسليم سلاح، تعوا كلو كاستر” و”سلاح ما في، تعوا خدوا بطيخ، كيك، وبونجيس”. هذا التعبير الساخر يعكس الهوة بين المقترحات الدولية والمزاج الذي يسعى حزب الله الى الدفع باتجاهه. 

مهام ضمن الصلاحيات

يتزامن الرفض الميداني لنزع سلاح حزب الله مع “فيتو” متكرر على مهام قوات حفظ السلام الدولية، ليصبح التنفيذ الكامل للقرار 1701 نفسه موضع تحدّ على الأراضي الجنوبية. وفيما تواجه قوات اليونيفيل اتهامات إسرائيلية بأنها تحوّلت إلى “درع لحزب الله”، إذ طالبتها إسرائيل مراراً بمغادرة مواقعها خلال الحرب الأخيرة، تتزايد حوادث الاعتراض الشعبي لدوريات اليونيفيل التي بدا جلياً أنها تتم بدفع وتنسيق من حزب الله، وسط تصاعد الخطاب الذي يتّهم القوات الدولية بالانحياز. 

يحصل هذا بينما تتعرض قوات الطوارئ الدولية، إلى جانب سائر منظمات الأمم المتحدة، لهجمات مركزة من إسرائيل والولايات المتحدة. وقد استُهدفت مراكز اليونيفيل بشكل متكرر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف عناصرها.

يحاول من يبرز حركة اعتراض أهلية على دوريات اليونيفيل القوى، الإشارة الى أن هذه القوى تسيِّر دوريات منفردة من دون مرافقة من الجيش اللبناني. غير أن هذه التحركات تأتي في إطار الصلاحيات التي منحها مجلس الأمن للقوة الدولية بموجب القرار 2695 (2023)، والذي عدّل تفويضها بشكل يتيح لها تنفيذ مهامها الميدانية من دون الحاجة إلى إذن مسبق أو مؤازرة من الجيش. 

في مقابلة مع موقع “درج”، أوضح العميد المتقاعد حسن جوني أن “اليونيفيل أصبحت ترى الآن أن الوقت بات مناسِبًا لتفعيل الصلاحية التي لم تستفد منها سابقًا، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة، وانكفاء حزب الله من الجنوب، وتزايد الدعوات الجديّة لتطبيق القرار 1701”. وأضاف: “بعد اتهامها بالفشل، تبدو القوة مصممة على إضفاء مزيد من الجدية على مهمتها عبر تسيير دوريات مفاجئة ومستقلة”. وأشار جوني الى أن “تكرار اعتراض دوريات اليونيفيل وانتشارها في عددٍ كبيرٍ من القرى، وجرأة المواطنين واندفاعهم، ذلك كله يوحي بوجود إيعاز للأهالي لمنعها من الاستفادة من الصلاحية التي مُنحت لها”.

وفي تعليق على حادثة عيتيت، قال الناطق الرسمي باسم اليونيفيل أندريا تيننتي: “كما أوضحت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بإمكان جنود قوات حفظ السلام التحرّك بشكل مستقل في جنوب لبنان لأداء واجباتهم لاستعادة الأمن والاستقرار بموجب القرار 1701، ولا يحتاجون إلى مرافقة جنود لبنانيين”. وفي تعليق سابق لها، قالت اليونيفيل في بيان، إن “حرية التنقل تُعدّ شرطًا أساسيًا لتنفيذ ولايتها. ويشمل ذلك قدرتها على العمل بشكل مستقل ومحايد، كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 1701. ويُعدّ أي تقييد لهذه الحرية، أثناء تنفيذ الأنشطة العملياتية، سواء بمرافقة الجيش اللبناني أو من دونها، انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 1701”.

بدوره، أوضح المحامي نجيب فرحات لـ “درج”، أن “البند 12 من اتفاقية إنشاء مركز قوات الأمم المتحدة في لبنان، التي أقرّها مجلس النواب اللبناني وصادق عليها بالقانون رقم 584/1996، يضمن للقوات الأممية حرية التنقل في البلاد”. وأضاف أن “قرارات تجديد ولاية اليونيفيل، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2695  لعام 2023، تؤكد هذه الصلاحية، مشيرًا إلى أن اليونيفيل “كانت تنفّذ دورياتها المستقلة وتنشئ حواجز تفتيش قبل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب عام 2006”. ولفت إلى أنّ “أي اعتداء على قوات اليونيفيل يُعدّ، وفقاً للبند 45 من اتفاقية مركز قوات حفظ السلام في لبنان، بمثابة اعتداءٍ مباشرٍ على القوى العسكرية اللبنانية”.

على مفترق طرق

بينما تشيد تقارير محلية بدور اليونيفيل التنموي والإنساني من خلال تقديم مساعدات في قرى انتشارها، تكثفت في المقابل الجهود الإسرائيلية لإعادة رسم المشهد الأمني جنوباً. 

في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال عساف أوريون الذي شغل سابقًا منصب رئيس شعبة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، “لقد حان الوقت أمام اليونيفيل: إمّا أن تتكيّف مع الواقع الجديد، أو أن ترحل”. واعتبر أن حزب الله نجح في الالتفاف على النظام الأمني الذي تأسس بعد حرب تموز/ يوليو 2006، والذي كان يقوم على منع اندلاع نزاع مسلّح عبر شراكة بين الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بدعم من اليونيفيل.

وأشار إلى إن “الحرب الأخيرة أسفرت عن بنية أمنية جديدة تقوم مجددًا على دور محوري للجيش اللبناني مدعومًا باليونيفيل، لكن هذه المرة معزّزة بمراقبة أميركية حاسمة وتنفيذ عسكري إسرائيلي صارم في مواجهة خروقات حزب الله”، مضيفاً أن “بيروت والأمم المتحدة افتقرتا إلى الإرادة السياسية لمواجهة الانتشار العسكري الواسع لحزب الله جنوب نهر الليطاني”.

واستعرض أوريون ثلاثة سيناريوهات محتملة لنقاشات مجلس الأمن حول اليونيفيل في آب/ أغسطس المقبل. الأول، تمديد تفويضها من دون تعديل؛ والثاني، إطلاق “يونيفيل 3.0″، أي تقليص عددها إلى 2500 عنصر وتحويل جزء من الموارد إلى دعم الجيش اللبناني؛ والثالث، إنهاء مهمتها “المؤقتة” والاستعانة بمراقبي وتنظيمات التنسيق التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، وهو الخيار الذي تسعى إليه إسرائيل.

وسط هذه التحاليل، نقلت صحيفة ” يسرائيل هيوم” الشهر الماضي، أن “الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل اتفقتا على إنهاء مهمة اليونيفيل جنوب لبنان”. في مقابلة مع موقع “درج”، لفت العميد حسن جوني إلى أن “موضوع إنهاء مهمة قوات اليونيفيل طُرح بشكل لافت، ومن زاوية أن التمديد لهذه القوات قد لا يحصل، لأن بقاءها لم يعد مجديًا بحسب وجهة النظر الإسرائيلية”. وأضاف “تبين بحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن هذا الكلام غير صحيح”، مشيراً إلى إن “الطرح متعمّد هدفه الضغط على الدولة اللبنانية لكي تعدّل مهام اليونيفيل وتعطيها مزيداً من الصلاحيات للتصرف في الميدان”. 

وفي حديث لـ EuroNews، أكد المتحدث باسم اليونيفيل أندريا تيننتي “عدم وجود أي نقاشات في الأمم المتحدة حول إنهاء مهمة اليونيفيل”، مشيراً الى أن “مجلس الأمن هو الجهة الوحيدة المخولة اتخاذ قرار كهذا”. ويحدد حق النقض أو “الفيتو” مستقبل القوة الدولية في الجنوب اللبناني، في حال استخدمته إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في آب/ أغسطس المقبل.

تُعدّ واشنطن، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، صاحبة الدور الأبرز في تحديد مستقبل اليونيفيل، وقد سبق أن عبّرت عن عدم رضاها عن أدائها، وهدّدت باستخدام الفيتو في حال لم تُعتمد صيغة جديدة تُلبّي مطالبها. في المقابل، أكدت روسيا والصين دعمهما لاستمرار الولاية، فيما جدّدت فرنسا تمسّكها باليونيفيل باعتبارها الأداة الأساسية لمنع تجدد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، ولا تريد تعديلات على مهامها باستثناء ما يتماشى مع الوضع الميداني. كذلك أدانت بريطانيا الاعتداءات التي تتعرض لها القوة الدولية، وأعربت عن دعمها استمرار مهامها الحالية، ورفضها القاطع لأي طرح لإنهاء مهمتها في الجنوب اللبناني. وتؤيد الدول الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن المشاركين في البعثة تمديد ولايتها، مع اعتماد صيغة تضمن حفظ الاستقرار ومنحها صلاحيات تنفيذية فعّالة.

وبحسب اللواء عبد الرحمن الشحيتلي، ممثل الحكومة اللبنانية الأسبق، فإن “الطلب الإسرائيلي بإنهاء مهمة اليونيفيل هو جزء من عملية ممنهجة لنزع الشرعية الدولية عن الوجود الأممي جنوباً”، معتبراً أن “إسرائيل لا تريد من يراقبها، بل تسعى إلى بيئة أمنية مفرغة تمهّد لتحرك حر في الساحة الجنوبية”. 

ويوضح المحامي نجيب فرحات أن “إنهاء عمل اليونيفيل من الناحية القانونية يعني عمليًا إسقاط القرار 1701، لأنه يستند في جوهره إلى شراكة بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. وإذا أُزيل أحد طرفي هذه المعادلة، فإن القرار يصبح بلا فعالية، ما يفتح المجال أمام إسرائيل للتصرف بحرية من دون أي قيود دولية”. وفي السياق ذاته، يقول العميد جوني “ليس من مصلحة لبنان عموماً، ولا من مصلحة الجنوبيين خصوصاً، إنهاء مهمة اليونيفيل. فهذه القوة تمثل عين المجتمع الدولي في الجنوب، إذ ترصد الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية وتوثّقها”.

تاريخ اليونيفيل

تبنى مجلس الأمن عام 1978 القرار 425 الذي دعا إسرائيل إلى وقف الأعمال العدائية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية. وحفاظاً على الأمن والسلام وحماية للمدنيين في منطقة الجنوب اللبناني، أُنشئت قوات الطوارئ الدولية  بموجب القرار 426 ووصلت إلى  الجنوب اللبناني في 23 آذار/ مارس من العام 1978. ومذاك يتم التجديد لمهمتها بطلب من الحكومة اللبنانية. 

ولا يقتصر وجود قوات اليونيفيل على المهمة العسكرية فحسب، بل يتعداها إلى شراكة فاعلة في حفظ الاستقرار الهش في الجنوب. فعلى الصعيد المحلي، ساهمت هذه القوات في نزع الألغام التي خلفتها الاجتياحات الإسرائيلية، كما لعبت دوراً محورياً بعد الحرب الأخيرة في تأمين المناطق المتضررة وتسهيل عودة الأهالي إلى قراهم بأمان. إلى جانب مهامها الأمنية، تضطلع اليونيفيل بأدوار إنسانية ولوجستية واجتماعية واقتصادية بارزة، سواء عبر دعم المشاريع التنموية في القرى أو من خلال تقديم المساعدات المباشرة للسكان المحليين.

فعلى سبيل المثال، في عام 2023، نُفِّذ مشروع إنشاء محطة لتكرير المياه المخصصة للشرب، بدعم من قوات اليونيفيل وبالتعاون مع بلدية بدياس. ونفذت بلدية بلاط مشروع إنارة على الطاقة الشمسية بالتعاون مع الكتيبة الإسبانية عام 2017. وساهمت البعثات في مشاريع إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية وفقاً للقرار 1701 الذي ينص على دعم المجتمعات المحلية من خلال الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية.

ومع تعليق معظم المشاريع التنموية التي كانت تنفذها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، والتي كانت للجنوب حصة بارزة فيها، تبرز مساحة أوسع أمام قوة اليونيفيل لتوسيع دورها في المرحلة المقبلة، لا سيما في إعادة تأهيل البنى التحتية وتأمين المساعدات الإنسانية للسكان المحليين.

ترحيل اليونيفيل تمهيداً للتطبيع؟

لطالما حاولت إسرائيل التضييق على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني. وخلال الحرب الأخيرة، استهدفت مواقعها عمداً، ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وقد يرتقي إلى جرائم حرب. وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه البعثة في منع اندلاع المواجهات مجدداً على طول الخط الأزرق، روجت تل أبيب لفكرة التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني بديلًا كافيًا لليونيفيل، في خطوة تمهّد لإقصائها وتهيئة الأرضية لمفاوضات بين الجيشين.

وصرح مسؤول إسرائيلي أخيراً، بأن بلاده تعتزم إطلاق جولة جديدة من المباحثات مع لبنان بهدف “إحراز تقدّم نحو التطبيع الكامل” في الأشهر المقبلة، مشيراً إلى دعم أميركي لهذه الخطوة. وبحسب صحيفة “هسرائيل هيوم”، تعتقد “اسرائيل أن التنسيق مع الجيش اللبناني فعال الى درجة تجعل وجود قوات اليونيفيل غير ضروري”. 

وفي رده على هذا الطرح، اعتبر العميد حسن جوني أن إشارة الإسرائيلي إلى أن الجيش اللبناني بات أكثر فعالية في الجنوب خبيثة، إذ يتحدث عنه وكأنه جيش صديق وحليف، وهذا ليس واقع الحال؛ فلو وثق الجانب الإسرائيلي بالجيش اللبناني لنسّق مع لجنة المراقبة التي تحيل بدورها الأمور إلى الجيش بشأن مزاعمه بوجود أهداف مشبوهة، لكنه يواصل الحرب من طرف واحد”. 

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
15.07.2025
زمن القراءة: 8 minutes

تسلّم باراك الرد اللبناني الرسمي على المقترح الأميركي الأخير الذي تضمّن التزاماً بحصر السلاح بيد الدولة، وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، والتطبيق الكامل للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي تُعدّ اليونيفيل إحدى ركائزه الأساسية. لكن في مشهد يعكس الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، برزت مشهديات عدائية في مناطق نفوذ “الحزب” في الجنوب اللبناني.

من صفعة تلقاها أحد جنودها في بلدة دير قانون النهر واعتراض دورياتها وزرع علم حزب الله على آلياتها سابقاً، إلى رشق جنودها بالحجارة في عيتيت، وصولاً الى مقتل أحد جنودها في مواجهات سابقة، تواجه قوات الطوارئ الدولية العاملة في لبنان تحديات غير مسبوقة. 

هذه التحديات تبرز مع اقتراب موعد تجديد مجلس الأمن ولايتها في آب/أغسطس المقبل. فهل تحولت اليونيفيل من قوات حفظ سلام إلى طرف غير مقبول به؟ وهل وصلت هذه القوة إلى نهاية دورها في الجنوب اللبناني الذي لا يزال على صفيح ساخن؟ 

بين زيارة باراك والضغط على اليونيفيل

تزامنت صدامات الأهالي المتكررة مع قوات اليونيفيل، والجدل المتجدد حول مستقبلها في الجنوب اللبناني، مع زيارة المبعوث الأميركي توماس باراك إلى بيروت، الذي لم يتطرق إلى “الفيتو الأميركي” المتعلق بقوات حفظ السلام.

وتسلّم باراك الرد اللبناني الرسمي على المقترح الأميركي الأخير، الذي تضمّن التزاماً بحصر السلاح بيد الدولة، وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، والتطبيق الكامل للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي تُعدّ اليونيفيل إحدى ركائزه الأساسية. 

لكن في مشهد يعكس الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، برزت مشهديات عدائية في مناطق نفوذ حزب الله في الجنوب من خلال عراضات منظمة، نُشرت خلالها صور علب حلوى وفاكهة وُزّعت في بعض المناطق خلال مراسم إحياء ذكرى عاشوراء، كُتب عليها: “ما في تسليم سلاح، تعوا كلو كاستر” و”سلاح ما في، تعوا خدوا بطيخ، كيك، وبونجيس”. هذا التعبير الساخر يعكس الهوة بين المقترحات الدولية والمزاج الذي يسعى حزب الله الى الدفع باتجاهه. 

مهام ضمن الصلاحيات

يتزامن الرفض الميداني لنزع سلاح حزب الله مع “فيتو” متكرر على مهام قوات حفظ السلام الدولية، ليصبح التنفيذ الكامل للقرار 1701 نفسه موضع تحدّ على الأراضي الجنوبية. وفيما تواجه قوات اليونيفيل اتهامات إسرائيلية بأنها تحوّلت إلى “درع لحزب الله”، إذ طالبتها إسرائيل مراراً بمغادرة مواقعها خلال الحرب الأخيرة، تتزايد حوادث الاعتراض الشعبي لدوريات اليونيفيل التي بدا جلياً أنها تتم بدفع وتنسيق من حزب الله، وسط تصاعد الخطاب الذي يتّهم القوات الدولية بالانحياز. 

يحصل هذا بينما تتعرض قوات الطوارئ الدولية، إلى جانب سائر منظمات الأمم المتحدة، لهجمات مركزة من إسرائيل والولايات المتحدة. وقد استُهدفت مراكز اليونيفيل بشكل متكرر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف عناصرها.

يحاول من يبرز حركة اعتراض أهلية على دوريات اليونيفيل القوى، الإشارة الى أن هذه القوى تسيِّر دوريات منفردة من دون مرافقة من الجيش اللبناني. غير أن هذه التحركات تأتي في إطار الصلاحيات التي منحها مجلس الأمن للقوة الدولية بموجب القرار 2695 (2023)، والذي عدّل تفويضها بشكل يتيح لها تنفيذ مهامها الميدانية من دون الحاجة إلى إذن مسبق أو مؤازرة من الجيش. 

في مقابلة مع موقع “درج”، أوضح العميد المتقاعد حسن جوني أن “اليونيفيل أصبحت ترى الآن أن الوقت بات مناسِبًا لتفعيل الصلاحية التي لم تستفد منها سابقًا، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة، وانكفاء حزب الله من الجنوب، وتزايد الدعوات الجديّة لتطبيق القرار 1701”. وأضاف: “بعد اتهامها بالفشل، تبدو القوة مصممة على إضفاء مزيد من الجدية على مهمتها عبر تسيير دوريات مفاجئة ومستقلة”. وأشار جوني الى أن “تكرار اعتراض دوريات اليونيفيل وانتشارها في عددٍ كبيرٍ من القرى، وجرأة المواطنين واندفاعهم، ذلك كله يوحي بوجود إيعاز للأهالي لمنعها من الاستفادة من الصلاحية التي مُنحت لها”.

وفي تعليق على حادثة عيتيت، قال الناطق الرسمي باسم اليونيفيل أندريا تيننتي: “كما أوضحت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بإمكان جنود قوات حفظ السلام التحرّك بشكل مستقل في جنوب لبنان لأداء واجباتهم لاستعادة الأمن والاستقرار بموجب القرار 1701، ولا يحتاجون إلى مرافقة جنود لبنانيين”. وفي تعليق سابق لها، قالت اليونيفيل في بيان، إن “حرية التنقل تُعدّ شرطًا أساسيًا لتنفيذ ولايتها. ويشمل ذلك قدرتها على العمل بشكل مستقل ومحايد، كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 1701. ويُعدّ أي تقييد لهذه الحرية، أثناء تنفيذ الأنشطة العملياتية، سواء بمرافقة الجيش اللبناني أو من دونها، انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 1701”.

بدوره، أوضح المحامي نجيب فرحات لـ “درج”، أن “البند 12 من اتفاقية إنشاء مركز قوات الأمم المتحدة في لبنان، التي أقرّها مجلس النواب اللبناني وصادق عليها بالقانون رقم 584/1996، يضمن للقوات الأممية حرية التنقل في البلاد”. وأضاف أن “قرارات تجديد ولاية اليونيفيل، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم 2695  لعام 2023، تؤكد هذه الصلاحية، مشيرًا إلى أن اليونيفيل “كانت تنفّذ دورياتها المستقلة وتنشئ حواجز تفتيش قبل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب عام 2006”. ولفت إلى أنّ “أي اعتداء على قوات اليونيفيل يُعدّ، وفقاً للبند 45 من اتفاقية مركز قوات حفظ السلام في لبنان، بمثابة اعتداءٍ مباشرٍ على القوى العسكرية اللبنانية”.

على مفترق طرق

بينما تشيد تقارير محلية بدور اليونيفيل التنموي والإنساني من خلال تقديم مساعدات في قرى انتشارها، تكثفت في المقابل الجهود الإسرائيلية لإعادة رسم المشهد الأمني جنوباً. 

في تحليل نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال عساف أوريون الذي شغل سابقًا منصب رئيس شعبة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، “لقد حان الوقت أمام اليونيفيل: إمّا أن تتكيّف مع الواقع الجديد، أو أن ترحل”. واعتبر أن حزب الله نجح في الالتفاف على النظام الأمني الذي تأسس بعد حرب تموز/ يوليو 2006، والذي كان يقوم على منع اندلاع نزاع مسلّح عبر شراكة بين الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بدعم من اليونيفيل.

وأشار إلى إن “الحرب الأخيرة أسفرت عن بنية أمنية جديدة تقوم مجددًا على دور محوري للجيش اللبناني مدعومًا باليونيفيل، لكن هذه المرة معزّزة بمراقبة أميركية حاسمة وتنفيذ عسكري إسرائيلي صارم في مواجهة خروقات حزب الله”، مضيفاً أن “بيروت والأمم المتحدة افتقرتا إلى الإرادة السياسية لمواجهة الانتشار العسكري الواسع لحزب الله جنوب نهر الليطاني”.

واستعرض أوريون ثلاثة سيناريوهات محتملة لنقاشات مجلس الأمن حول اليونيفيل في آب/ أغسطس المقبل. الأول، تمديد تفويضها من دون تعديل؛ والثاني، إطلاق “يونيفيل 3.0″، أي تقليص عددها إلى 2500 عنصر وتحويل جزء من الموارد إلى دعم الجيش اللبناني؛ والثالث، إنهاء مهمتها “المؤقتة” والاستعانة بمراقبي وتنظيمات التنسيق التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، وهو الخيار الذي تسعى إليه إسرائيل.

وسط هذه التحاليل، نقلت صحيفة ” يسرائيل هيوم” الشهر الماضي، أن “الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل اتفقتا على إنهاء مهمة اليونيفيل جنوب لبنان”. في مقابلة مع موقع “درج”، لفت العميد حسن جوني إلى أن “موضوع إنهاء مهمة قوات اليونيفيل طُرح بشكل لافت، ومن زاوية أن التمديد لهذه القوات قد لا يحصل، لأن بقاءها لم يعد مجديًا بحسب وجهة النظر الإسرائيلية”. وأضاف “تبين بحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن هذا الكلام غير صحيح”، مشيراً إلى إن “الطرح متعمّد هدفه الضغط على الدولة اللبنانية لكي تعدّل مهام اليونيفيل وتعطيها مزيداً من الصلاحيات للتصرف في الميدان”. 

وفي حديث لـ EuroNews، أكد المتحدث باسم اليونيفيل أندريا تيننتي “عدم وجود أي نقاشات في الأمم المتحدة حول إنهاء مهمة اليونيفيل”، مشيراً الى أن “مجلس الأمن هو الجهة الوحيدة المخولة اتخاذ قرار كهذا”. ويحدد حق النقض أو “الفيتو” مستقبل القوة الدولية في الجنوب اللبناني، في حال استخدمته إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في آب/ أغسطس المقبل.

تُعدّ واشنطن، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، صاحبة الدور الأبرز في تحديد مستقبل اليونيفيل، وقد سبق أن عبّرت عن عدم رضاها عن أدائها، وهدّدت باستخدام الفيتو في حال لم تُعتمد صيغة جديدة تُلبّي مطالبها. في المقابل، أكدت روسيا والصين دعمهما لاستمرار الولاية، فيما جدّدت فرنسا تمسّكها باليونيفيل باعتبارها الأداة الأساسية لمنع تجدد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، ولا تريد تعديلات على مهامها باستثناء ما يتماشى مع الوضع الميداني. كذلك أدانت بريطانيا الاعتداءات التي تتعرض لها القوة الدولية، وأعربت عن دعمها استمرار مهامها الحالية، ورفضها القاطع لأي طرح لإنهاء مهمتها في الجنوب اللبناني. وتؤيد الدول الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن المشاركين في البعثة تمديد ولايتها، مع اعتماد صيغة تضمن حفظ الاستقرار ومنحها صلاحيات تنفيذية فعّالة.

وبحسب اللواء عبد الرحمن الشحيتلي، ممثل الحكومة اللبنانية الأسبق، فإن “الطلب الإسرائيلي بإنهاء مهمة اليونيفيل هو جزء من عملية ممنهجة لنزع الشرعية الدولية عن الوجود الأممي جنوباً”، معتبراً أن “إسرائيل لا تريد من يراقبها، بل تسعى إلى بيئة أمنية مفرغة تمهّد لتحرك حر في الساحة الجنوبية”. 

ويوضح المحامي نجيب فرحات أن “إنهاء عمل اليونيفيل من الناحية القانونية يعني عمليًا إسقاط القرار 1701، لأنه يستند في جوهره إلى شراكة بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. وإذا أُزيل أحد طرفي هذه المعادلة، فإن القرار يصبح بلا فعالية، ما يفتح المجال أمام إسرائيل للتصرف بحرية من دون أي قيود دولية”. وفي السياق ذاته، يقول العميد جوني “ليس من مصلحة لبنان عموماً، ولا من مصلحة الجنوبيين خصوصاً، إنهاء مهمة اليونيفيل. فهذه القوة تمثل عين المجتمع الدولي في الجنوب، إذ ترصد الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية وتوثّقها”.

تاريخ اليونيفيل

تبنى مجلس الأمن عام 1978 القرار 425 الذي دعا إسرائيل إلى وقف الأعمال العدائية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية. وحفاظاً على الأمن والسلام وحماية للمدنيين في منطقة الجنوب اللبناني، أُنشئت قوات الطوارئ الدولية  بموجب القرار 426 ووصلت إلى  الجنوب اللبناني في 23 آذار/ مارس من العام 1978. ومذاك يتم التجديد لمهمتها بطلب من الحكومة اللبنانية. 

ولا يقتصر وجود قوات اليونيفيل على المهمة العسكرية فحسب، بل يتعداها إلى شراكة فاعلة في حفظ الاستقرار الهش في الجنوب. فعلى الصعيد المحلي، ساهمت هذه القوات في نزع الألغام التي خلفتها الاجتياحات الإسرائيلية، كما لعبت دوراً محورياً بعد الحرب الأخيرة في تأمين المناطق المتضررة وتسهيل عودة الأهالي إلى قراهم بأمان. إلى جانب مهامها الأمنية، تضطلع اليونيفيل بأدوار إنسانية ولوجستية واجتماعية واقتصادية بارزة، سواء عبر دعم المشاريع التنموية في القرى أو من خلال تقديم المساعدات المباشرة للسكان المحليين.

فعلى سبيل المثال، في عام 2023، نُفِّذ مشروع إنشاء محطة لتكرير المياه المخصصة للشرب، بدعم من قوات اليونيفيل وبالتعاون مع بلدية بدياس. ونفذت بلدية بلاط مشروع إنارة على الطاقة الشمسية بالتعاون مع الكتيبة الإسبانية عام 2017. وساهمت البعثات في مشاريع إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية وفقاً للقرار 1701 الذي ينص على دعم المجتمعات المحلية من خلال الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية.

ومع تعليق معظم المشاريع التنموية التي كانت تنفذها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، والتي كانت للجنوب حصة بارزة فيها، تبرز مساحة أوسع أمام قوة اليونيفيل لتوسيع دورها في المرحلة المقبلة، لا سيما في إعادة تأهيل البنى التحتية وتأمين المساعدات الإنسانية للسكان المحليين.

ترحيل اليونيفيل تمهيداً للتطبيع؟

لطالما حاولت إسرائيل التضييق على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني. وخلال الحرب الأخيرة، استهدفت مواقعها عمداً، ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وقد يرتقي إلى جرائم حرب. وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه البعثة في منع اندلاع المواجهات مجدداً على طول الخط الأزرق، روجت تل أبيب لفكرة التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني بديلًا كافيًا لليونيفيل، في خطوة تمهّد لإقصائها وتهيئة الأرضية لمفاوضات بين الجيشين.

وصرح مسؤول إسرائيلي أخيراً، بأن بلاده تعتزم إطلاق جولة جديدة من المباحثات مع لبنان بهدف “إحراز تقدّم نحو التطبيع الكامل” في الأشهر المقبلة، مشيراً إلى دعم أميركي لهذه الخطوة. وبحسب صحيفة “هسرائيل هيوم”، تعتقد “اسرائيل أن التنسيق مع الجيش اللبناني فعال الى درجة تجعل وجود قوات اليونيفيل غير ضروري”. 

وفي رده على هذا الطرح، اعتبر العميد حسن جوني أن إشارة الإسرائيلي إلى أن الجيش اللبناني بات أكثر فعالية في الجنوب خبيثة، إذ يتحدث عنه وكأنه جيش صديق وحليف، وهذا ليس واقع الحال؛ فلو وثق الجانب الإسرائيلي بالجيش اللبناني لنسّق مع لجنة المراقبة التي تحيل بدورها الأمور إلى الجيش بشأن مزاعمه بوجود أهداف مشبوهة، لكنه يواصل الحرب من طرف واحد”. 

15.07.2025
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية