ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

انصهر فرج سليمان مع البيانو وأبكانا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فرج سحرنا بلعبه وبمحاولة أن يُفرح الجمهور بما يطلبه منه، وباختيار أغانٍ نحبها. وجمهور بيروت بكى كثيراً وفرح كثيراً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أطلّ الموسيقي الفلسطيني فرج سليمان على بيروت بعد عامين، ليس من الغياب، بل من الحرب والمجازر والتجويع والدمار. عودته إلى المسرح هنا لم تكن مجرّد عودة فنية، بل لحظة ثقيلة محمّلة بذكريات الخسارات اليومية التي عشناها. أن يلعب فرج على البيانو بعد هذه الفترة لم يكن فعل شفاء، بل جرحاً يُفتح مجدداً في زمن هُزمنا فيه، استسلمنا للتجويع، وشاهدنا – وما زلنا نشاهد – هلاكنا. ومع ذلك، امتلأت القاعة بوجوه تبحث عن ملاذ مؤقت، ووجوه بحثت عن الفرح في جوّ حزين ومنكسر. بعزفه بدا فرج كأنه يحفر في صمت المدينة، يخرج أنينها إلى العلن، ويرسم بالموسيقى صورة لمدينتنا كما هي الآن: متعبة، لكنها ما زالت حية.

أطلق فرج حفلته في بيروت هول بأغنية “شارع يافا”، وهي أغنية لها ثقل سياسي، فهي تتكلم عن محو المدن وهويتها العمرانية والاجتماعية، وتهجير سكانها الأصليين، وتغيير ملامح الأحياء لصالح طبقات أكثر ثراءً (gentrification). الأغنية أثرت بي منذ صدور ألبوم “أحلى من برلين”، وعلى رغم أنّها تتكلم عن مدينة مثل حيفا، صعب عليّ الوصول إليها أو معرفة كيف يعيش السكان فيها، لكن هذه أغنية تحمل شعوراً عالمياً عن خسارة الهوية. بكيت حينما بدأ بغنائها، وكأنّني كنت أخرج نوعاً من الصمت وربما الكبت الذي عشته في السنوات الأخيرة مع الخسارة. وعلى رغم أنّ الجمهور كان متحمساً لزيارة فرج، فقد غلب نوع من الحزن على الحفل، ولربما هو انعكاس لمشاعر فرج علينا أو انعكاس لمشاعرنا عليه.

فرج سليمان، شاب فلسطيني يفيض بالكاريزما والموهبة. يعرف البيانو جيداً إلى درجة أنّ بإمكانه أن يصبح واحداً معه ويدهشنا. هو ليس ساحراً بموسيقاه فقط، بل بطريقة تعاطيه مع الجمهور أيضاً. لم يخف فرج مشاعره عن السنتين الأخيرتين، فبعد أغنية “شارع يافا” تحدث مع الجمهور مشيراً إلى كم كانت أليمة الفترة التي مررنا بها، وأنّ علينا أن نتّحد كعرب، من دون كليشيهات ومن دون “شعبوية” فارغة، بل بكل حزن وكأنّه جمع كل ما عايشناه في عامين بحفلة واحدة. فرج، الذي نفهم خلفيته السياسية وهويته المعقدة، ونفهم ما هو الحراك أو الـactivism بالنسبة إليه كشاب عاش الاحتلال بطريقته الخاصة، حمل جمهور بيروت بكل حبّ.

يمثّل فرج سليمان شريحة واسعة من شبابنا؛ أغنياته تحمل طابعاً سياسياً، وأحياناً نكات وجدانية أو عاطفية، ممزوجة بروح الجاز. والجاز نفسه موسيقى نجت من محاولات طمسها، وقاومت التهجير عبر التطوير (gentrification) لتحافظ على هويتها كصوت للطبقة العاملة. وبما أنّ فرج يحمل شيئاً من روح زياد الرحباني، وهو أمر تكلم عنه من قبل، فقد وجّه له تحية خاصة خلال الحفل، لحظة أبكتنا مجدداً. ظهرت صورة زياد في الخلفية، فيما كان فرج على البيانو يقول: “كتير حزين تغني ببيروت وزياد مش هون”. ثم اختار أن يؤدي أغنية المقاومة الوطنية اللبنانية لفيروز، كتحية لزياد، ولأهل الجنوب، وللمقاومة في فترة تاريخية في لبنان أفقدتنا كل ما كنّا نؤمن به. وبكى الجمهور مجدداً على زياد وعلى الجنوب وعلى فكرة المقاومة.

أكمل فرج الحفل ولعب مقطوعات موسيقية تحمل الكثير من المشاعر، من دون كلمات. كان الحفل يزيد حزناً، ولا أعلم، لربما هذا فقط إسقاط لمشاعري على الحاضرين. فلم أتمكن من أن أشعر بأدرينالين الحفلات، بل كانت الدموع تسبقني في الحفل، وهذه الدموع لا تشبه الشفاء، بل هي دموع طرية وكأنّني في بداية كل ما حصل، وكأنّ هناك جرحاً فُتح ولن يُغلق في الزمن القريب.

فرح جمهور حفلة بيروت بفرج سليمان فرحاً سياسياً، وهذا ما نفتقده، أن نتمكن من أن نفرح في ظل كل ما حصل. في الآونة الأخيرة، لربما هربنا من مشاعرنا بالحفلات، لكن حفلة فرج لم تكن مهرباً، بل كانت لحظة عدم هروب فقدناها، وهي لحظة أن نجلس مع أنفسنا ونفهم ما حدث.

أكمل فرج حفلته في بيروت، وكان يعبّر عن سعادته بكونه هنا، حتى أنّه ذكر أنّ الفرقة ستغادر، لكنّه سيبقى، وكأنّه اشتاق إلينا كما اشتقنا إليه. لفرج في لبنان محبون/ات أوفياء. حتى في لحظات لم يغنِّ هو، بل غنّى الجمهور من قلبه وبأعلى صوته، وعزف هو لنا. ويمكن أن نرى في أعين الفرقة التي عزفت معه للمرة الأولى كيف كانت سعيدة بجمهور يحبّ فناناً بهذا القدر. وعلى رغم أنّ الجمهور ردد أغاني فرج، إلّا أنّه عزف أكثر من معزوفة موسيقية وانصهر مع البيانو وأدخلنا في حالة من الـtrance، رغبت لو كان بإمكاني أن أدخل في قلب كل الحاضرين لأعرف ماذا يشعرون.

بعد ساعة وعشرين دقيقة انتهت الحفلة، وعليّ أن أعترف بأنّها لم تكن كافية. كرّر فرج أغنيتي “إسا جاي” و”في أسئلة براسي” حسب طلب الجمهور، وبقي الجمهور باندفاعه حتى آخر الحفلة ومع الإعادة. فرج سحرنا بلعبه وبمحاولة أن يُفرح الجمهور بما يطلبه منه، وباختيار أغانٍ نحبها. وجمهور بيروت بكى كثيراً وفرح كثيراً. أرغب في أن أعلم ماذا مثلت هذه اللحظات للجميع. أعلم أنّ الجمهور كان يرغب في المزيد من الأغاني التي تحمل طابعاً ساخراً، وفرج كان يرغب في أن يرينا كم هو آخاذ جمال موسيقى الجاز. في كلتَي الحالتين، علاقة الجمهور بفرج وعلاقة فرج بالجمهور كانت قوية جداً، حتى البكاء وحتى الدهشة والفرح، على رغم كل شيء.

ترامب نتانياهو
هاني عضاضة- كاتب وصحافي لبناني | 16.07.2026

ترامب ونتانياهو من التكامل إلى الخلاف: هل تتغيّر قواعد اللعبة؟

كان بإمكان إسرائيل أن تلتزم بأطر التعاون الثنائي في علاقتها مع الولايات المتحدة، وأن تكتسب موقعاً استراتيجياً متقدماً لا يتعارض مع السياسة الخارجية الأميركية بل يستند إلى التكامل الاستراتيجي معها، إلا أن اليمين المتطرّف يسعى إلى تحقيق الاستقلالية عن القرار الأميركي بسرعةٍ قياسية، وهو ما يبدو أنه سيؤدّي إلى ردة فعلٍ أميركية قاسية، لا تزال…
12.08.2025
زمن القراءة: 4 minutes

فرج سحرنا بلعبه وبمحاولة أن يُفرح الجمهور بما يطلبه منه، وباختيار أغانٍ نحبها. وجمهور بيروت بكى كثيراً وفرح كثيراً.

أطلّ الموسيقي الفلسطيني فرج سليمان على بيروت بعد عامين، ليس من الغياب، بل من الحرب والمجازر والتجويع والدمار. عودته إلى المسرح هنا لم تكن مجرّد عودة فنية، بل لحظة ثقيلة محمّلة بذكريات الخسارات اليومية التي عشناها. أن يلعب فرج على البيانو بعد هذه الفترة لم يكن فعل شفاء، بل جرحاً يُفتح مجدداً في زمن هُزمنا فيه، استسلمنا للتجويع، وشاهدنا – وما زلنا نشاهد – هلاكنا. ومع ذلك، امتلأت القاعة بوجوه تبحث عن ملاذ مؤقت، ووجوه بحثت عن الفرح في جوّ حزين ومنكسر. بعزفه بدا فرج كأنه يحفر في صمت المدينة، يخرج أنينها إلى العلن، ويرسم بالموسيقى صورة لمدينتنا كما هي الآن: متعبة، لكنها ما زالت حية.

أطلق فرج حفلته في بيروت هول بأغنية “شارع يافا”، وهي أغنية لها ثقل سياسي، فهي تتكلم عن محو المدن وهويتها العمرانية والاجتماعية، وتهجير سكانها الأصليين، وتغيير ملامح الأحياء لصالح طبقات أكثر ثراءً (gentrification). الأغنية أثرت بي منذ صدور ألبوم “أحلى من برلين”، وعلى رغم أنّها تتكلم عن مدينة مثل حيفا، صعب عليّ الوصول إليها أو معرفة كيف يعيش السكان فيها، لكن هذه أغنية تحمل شعوراً عالمياً عن خسارة الهوية. بكيت حينما بدأ بغنائها، وكأنّني كنت أخرج نوعاً من الصمت وربما الكبت الذي عشته في السنوات الأخيرة مع الخسارة. وعلى رغم أنّ الجمهور كان متحمساً لزيارة فرج، فقد غلب نوع من الحزن على الحفل، ولربما هو انعكاس لمشاعر فرج علينا أو انعكاس لمشاعرنا عليه.

فرج سليمان، شاب فلسطيني يفيض بالكاريزما والموهبة. يعرف البيانو جيداً إلى درجة أنّ بإمكانه أن يصبح واحداً معه ويدهشنا. هو ليس ساحراً بموسيقاه فقط، بل بطريقة تعاطيه مع الجمهور أيضاً. لم يخف فرج مشاعره عن السنتين الأخيرتين، فبعد أغنية “شارع يافا” تحدث مع الجمهور مشيراً إلى كم كانت أليمة الفترة التي مررنا بها، وأنّ علينا أن نتّحد كعرب، من دون كليشيهات ومن دون “شعبوية” فارغة، بل بكل حزن وكأنّه جمع كل ما عايشناه في عامين بحفلة واحدة. فرج، الذي نفهم خلفيته السياسية وهويته المعقدة، ونفهم ما هو الحراك أو الـactivism بالنسبة إليه كشاب عاش الاحتلال بطريقته الخاصة، حمل جمهور بيروت بكل حبّ.

يمثّل فرج سليمان شريحة واسعة من شبابنا؛ أغنياته تحمل طابعاً سياسياً، وأحياناً نكات وجدانية أو عاطفية، ممزوجة بروح الجاز. والجاز نفسه موسيقى نجت من محاولات طمسها، وقاومت التهجير عبر التطوير (gentrification) لتحافظ على هويتها كصوت للطبقة العاملة. وبما أنّ فرج يحمل شيئاً من روح زياد الرحباني، وهو أمر تكلم عنه من قبل، فقد وجّه له تحية خاصة خلال الحفل، لحظة أبكتنا مجدداً. ظهرت صورة زياد في الخلفية، فيما كان فرج على البيانو يقول: “كتير حزين تغني ببيروت وزياد مش هون”. ثم اختار أن يؤدي أغنية المقاومة الوطنية اللبنانية لفيروز، كتحية لزياد، ولأهل الجنوب، وللمقاومة في فترة تاريخية في لبنان أفقدتنا كل ما كنّا نؤمن به. وبكى الجمهور مجدداً على زياد وعلى الجنوب وعلى فكرة المقاومة.

أكمل فرج الحفل ولعب مقطوعات موسيقية تحمل الكثير من المشاعر، من دون كلمات. كان الحفل يزيد حزناً، ولا أعلم، لربما هذا فقط إسقاط لمشاعري على الحاضرين. فلم أتمكن من أن أشعر بأدرينالين الحفلات، بل كانت الدموع تسبقني في الحفل، وهذه الدموع لا تشبه الشفاء، بل هي دموع طرية وكأنّني في بداية كل ما حصل، وكأنّ هناك جرحاً فُتح ولن يُغلق في الزمن القريب.

فرح جمهور حفلة بيروت بفرج سليمان فرحاً سياسياً، وهذا ما نفتقده، أن نتمكن من أن نفرح في ظل كل ما حصل. في الآونة الأخيرة، لربما هربنا من مشاعرنا بالحفلات، لكن حفلة فرج لم تكن مهرباً، بل كانت لحظة عدم هروب فقدناها، وهي لحظة أن نجلس مع أنفسنا ونفهم ما حدث.

أكمل فرج حفلته في بيروت، وكان يعبّر عن سعادته بكونه هنا، حتى أنّه ذكر أنّ الفرقة ستغادر، لكنّه سيبقى، وكأنّه اشتاق إلينا كما اشتقنا إليه. لفرج في لبنان محبون/ات أوفياء. حتى في لحظات لم يغنِّ هو، بل غنّى الجمهور من قلبه وبأعلى صوته، وعزف هو لنا. ويمكن أن نرى في أعين الفرقة التي عزفت معه للمرة الأولى كيف كانت سعيدة بجمهور يحبّ فناناً بهذا القدر. وعلى رغم أنّ الجمهور ردد أغاني فرج، إلّا أنّه عزف أكثر من معزوفة موسيقية وانصهر مع البيانو وأدخلنا في حالة من الـtrance، رغبت لو كان بإمكاني أن أدخل في قلب كل الحاضرين لأعرف ماذا يشعرون.

بعد ساعة وعشرين دقيقة انتهت الحفلة، وعليّ أن أعترف بأنّها لم تكن كافية. كرّر فرج أغنيتي “إسا جاي” و”في أسئلة براسي” حسب طلب الجمهور، وبقي الجمهور باندفاعه حتى آخر الحفلة ومع الإعادة. فرج سحرنا بلعبه وبمحاولة أن يُفرح الجمهور بما يطلبه منه، وباختيار أغانٍ نحبها. وجمهور بيروت بكى كثيراً وفرح كثيراً. أرغب في أن أعلم ماذا مثلت هذه اللحظات للجميع. أعلم أنّ الجمهور كان يرغب في المزيد من الأغاني التي تحمل طابعاً ساخراً، وفرج كان يرغب في أن يرينا كم هو آخاذ جمال موسيقى الجاز. في كلتَي الحالتين، علاقة الجمهور بفرج وعلاقة فرج بالجمهور كانت قوية جداً، حتى البكاء وحتى الدهشة والفرح، على رغم كل شيء.