“عندما اتصلتِ بي، لا أعرف لماذا… لكنني ظننتُ أنكِ ستخبرينني أنكم وجدتم أخي لا يزال على قيد الحياة”، بهذه الجملة بدأت هابي حديثها. منذ الرابع من آب/أغسطس 2020، يوم الانفجار الذي هزّ مرفأ بيروت، لم تغادر صورة مهدي ذاكرة العائلة. إلى منزلهم في قرية فقيرة في بنغلادش، عاد جثمانه بعد شهر تقريباً داخل تابوت زجاجي، وما زال هناك منذ ذلك الحين. تقول هابي، شقيقة الضحيّة مهدي حسن: “أعيش مع تابوت أخي منذ خمس سنوات. في البداية كنتُ أخاف، ثم صار جزءاً من البيت… اعتدتُه”.
في الأحياء القريبة من المرفأ مثل الكرنتينا، مار مخايل، الجميزة، الجعيتاوي، وأجزاء من الأشرفية، تضرّرت المناطق المكتظّة بالسكّان، وبينهم عمّال مهاجرون ولاجئون وأسر محدودة الدخل؛ فالكرنتينا مثلاً، هي حاضنة تاريخية للاجئين والعمّال المهاجرين، وعلى تماس مباشر مع موقع الانفجار.
أسفر الانفجار عن مقتل ما لا يقلّ عن 240 شخصاً وإصابة أكثر من 7,000، بينهم أجانب من 22 دولة: ستّة بنغال (ونحو 160 مصاباً) وأربعة فلبينيين (و42 مصاباً) وثلاثة مصريين، وقتيل إثيوبي واحد، إضافة إلى 43 سورياً ضمن حصيلة الوفيات المُعلنة.

منذ خمس سنوات، يواصل أهالي الضحايا النزول إلى الشارع بانتظام، ينظّمون الوقفات ويضغطون في كلّ مناسبة، رغم العراقيل التي واجهت التحقيق القضائي، تحقيق وُعِدوا بأن يُنجز خلال خمسة أيّام فقط، لكن أكثر من خمس سنوات مرّت دون عدالة… مسار المحاسبة تحوّل إلى مسار طويل ممتلئ بالتجميد والتسييس والمماطلة، بسبب التدخّلات السياسية التي عرقلت التحقيقات. أنشأ الأهالي لجاناً ومجموعات لمتابعة الملفّ، فصار لهم حضور بارز في المشهد العامّ، ولو بدرجات متفاوتة بين عائلة وأخرى.
في المقابل، يغيب تماماً صوت الضحايا الأجانب؛ فلا تمثيل لهم في الساحات، ولا تواصل واضح مع عائلاتهم في الخارج، ولا ذكر لتعويضات خُصّصت لهم حتى الآن. بعد بحث طويل، لم يكن ممكناً سوى الوصول إلى عائلتين من بنغلادش: عائلة مهدي حسن وعائلة راسل ميا. شهادات تكشف الوجه الآخر للجريمة.
في قرية فقيرة في بنغلادش، تعيش عائلة مهدي منذ خمس سنوات مع تابوته الزجاجي الذي عاد إليهم بعد شهر من انفجار بيروت. لم يتركوه في المسجد كما هي العادة في قريتهم، خشية أن يضع المصلّون أحذيتهم عليه، فوضعته شقيقته هابي في غرفة المنزل، وحوّلته مع الوقت إلى خزانة عرض زجاجية، رتّبت داخله بعض أغراضه الشخصية: فرشاة أسنانه، ما تبقّى من ثيابه، زجاجة العطر التي كان يستخدمها، ماكينة حلاقة صغيرة، وعملات معدنية أُرسلت لاحقاً عبر أصدقائه إلى العائلة. تقول هابي: “أعيش مع تابوت أخي منذ خمس سنوات. في البداية كنت أخاف، ثم صار جزءاً من البيت… اعتدتُه”.
مهدي حسن، أكبر الإخوة الأربعة، كان عمود البيت وسند العائلة. نشأ وسط ظروف اقتصادية صعبة، وأبوه عامل بسيط أمضى حياته في أعمال شاقّة. تراكمت الديون، وصار البيت القديم الذي ورثوه عن الجدّ، مأوى هشّاً لا يصلح للسكن. في عام 2015، اقترضت العائلة نحو 500 ألف تاكا بفوائد ليتمكّن مهدي من السفر إلى لبنان، حيث وُعِد براتب قدره 40 ألف تاكا شهرياً، لكنّه لم يتقاضَ أكثر من نصف المبلغ. رغم ذلك، ظلّ يرسل كلّ ما يجنيه إلى عائلته، وساعد في تزويج أخته هابي وإعالتها حين زُوّجت لاحقاً.
كانت أحلامه متواضعة لكن صعبة المنال: أن يرمم البيت المتهالك، أن يشتري سريراً جديداً لوالده المريض، أن يدفع ديون العائلة، ثم أن يتزوّج ويؤسّس عائلة ويعود إلى بلده. في بيروت، كان يقضي ساعات عمل طويلة في سوبرماركت “سبينيس” في الأشرفية، يقتطع منها دقائق ليطمئن عائلته. كثيراً ما كان يتّصل بهم وهو يبكي، يؤكّد لهم أن أزمتهم المالية لن تدوم طويلاً، ويطلب منهم الصبر. تقول هابي: “كان يرسل المال لكنّه يبقى قلقاً. كان يتمنّى أن يعود يوماً ليرى أبي وأمّي المريضين، وليجلس معنا بسلام”.
في صباح 4 آب/ أغسطس 2020 جرت آخر مكالمة بينه وبين العائلة: طلب من والدته أن تذهب إلى بيت شقيقته هابي، لكنّها رفضت بسبب سوء تفاهم مع عائلة نسيبها، وأثناء النقاش عبّر عن غضبه بسبب رفضها، ثم انقطع الاتّصال فجأة. دقائق قليلة بعد هذه الكلمات وقع الانفجار، وانقطع صوته إلى الأبد.
تقول هابي: “لم نكن نعرف أن تلك الكلمات ستكون الأخيرة، قضيت الليل أصلّي أن يكون بخير… أن يكون قد أصيب ليس أكثر”. بعد ساعات طويلة من القلق والانتظار، وصل الخبر: مهدي قضى في الانفجار، وتضيف: “كنت أتمنّى لو عاش قليلاً بسلام… لكنّه رحل وهو مثقل بالديون والهموم”.
بعد رحيله، لم تتلقَّ العائلة أي دعم، بل تضاعف عبء فقدان معيلها الوحيد، تقول هابي: “تحمّلنا كلّ التكاليف وحدنا، حتى ونحن مثقلون بالديون”، وتضيف أن السفارة نفسها طلبت من العائلة تجهيز أوراق ومستندات لمتابعة التعويضات، فاضطرّت الأسرة إلى دفع مبالغ إضافية لتحضير هذه الأوراق وإرسالها إلى الجهات المعنية، لكنّها لم تحصل على أي ردّ أو نتيجة.
وبعد نحو سنة، تلقّت العائلة من الحكومة البنغالية مبلغ 300 ألف تاكا (نحو 3,000 دولار) لكنّ الحصول عليه استلزم دفع 50 ألف تاكا كرسوم ومعاملات. تقول هابي: “بهذا المبلغ سدّدنا جزءاً من فوائد الديون، وحتى الآن ما زال والدي يعمل وهو يحمل عبء الدين على كتفيه”. ومنذ ذلك الحين، تدهورت صحّة الأب أكثر، أما الأمّ فما زالت تبكي كلّ يوم وتستيقظ على ذكرى ابنها الأكبر الذي كان حياتها.
راسل الذي زوّر عمره
في قرية أخرى في مقاطعة براهمانباريا، لا يزال بيت عائلة راسل ميا يفتقد أصغر أبنائه بعد خمس سنوات على الانفجار. كان راسل، المولود في عائلة بسيطة تضمّ ثلاثة إخوة وثلاث أخوات، الأقرب إلى قلب الجميع.
يقول شقيقه لايكات: “أصغرنا، والأحب إلى الجميع، كان راسل. منذ طفولته كان موهوباً ولديه شغف كبير بالدراسة، لكن بسبب وضعنا المالي لم يستطع أن يواصل تعليمه”. في التاسعة عشرة من عمره قرّر السفر إلى لبنان بحثاً عن عمل، فاضطرّ إلى تزوير شهادة ميلاده ليصبح عمره 24 عاماً ويحصل على جواز سفر. هناك عمل في محطّة وقود وأصبح سند العائلة.
كان يتّصل بهم باستمرار، يرسل كلّ ما يكسبه، ويعد والديه بأن الأزمة المالية لن تدوم طويلاً، لم يكن متزوّجاً بعد. حلمه كان واضحاً: بناء منزل جديد من الطوب، ثم الزواج. كان يحبّ زراعة الأشجار واعتنى بحديقة صغيرة بجانب سكنه في لبنان كأنها قطعة من قريته، لكنّ الرابع من آب/ أغسطس أوقف كلّ شيء. حاولت العائلة الاتّصال به بعد سماع خبر الانفجار عبر نشرات الأخبار، لكن دون جدوى. وبعد 48 ساعة من الانتظار، جاء الخبر الذي حطّمهم: راسل بين الضحايا. يقول لايكات: “تحطّمت العائلة بأكملها. وحتى اليوم لم نتمكّن من تجاوز هذه الفاجعة”.
المأساة لم تتوقّف عند غياب راسل. صادق، الأخ الأكبر الذي كان برفقته يوم الانفجار، أصيب إصابة بالغة في الرأس، ومنذ ذلك الحين يعاني اضطراباً نفسياً أفقده قدرته على العمل. أما الأمّ، فقد انهارت صحّتها وصارت ترتجف خوفاً كلما سمعت كلمة “لبنان”. يقول لايكات: “بعد أن فقدت ابنها، صارت أمّي مريضة جدّاً، مجرّد سماع كلمة لبنان يجعلها تبكي”، ويضيف أن دولة بنغلادش قدّمت دعماً مالياً لمرّة واحدة فقط لعائلات الضحايا. بعد أسابيع من المأساة، تواصلت السفارة اللبنانية عبر وزارة خارجية بنغلادش طالبة وثائق، متعهّدة بتعويض. سلّمت العائلة كلّ الأوراق المطلوبة وانتظرت، لكن خمس سنوات مرّت ولم يصلها أيّ شيء.
تعويضات الضحايا ؟
على الصعيد الرسمي، نصّ القانون 196 للعام 2020 على مساواة جميع المدنيين الضحايا بشهداء الجيش اللبناني، بما يمنح ذويهم تعويضات مالية ومعاشاً تقاعدياً، ويمكّن المصابين من الاستفادة من التقديمات الصحّية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لكنّ التطبيق شهد تعثّراً شديداً، إذ جرى تسجيل بعض المصابين لدى صندوق الضمان الاجتماعي المنهار بدلاً من وزارة الصحّة، ما قلّص فعلياً من تغطيتهم. كذلك خصّصت الهيئة العليا للإغاثة مساعدة مالية مقدارها 30 مليون ليرة لبنانية لورثة كلّ ضحيّة يزيد عمرها عن عشر سنوات، و15 مليوناً لورثة من هم دون العاشرة، لكنّ التنفيذ استثنى ورثة الضحايا الأجانب رغم أن القانون لم يحدّد الجنسيّة.
وفي حزيران/ يونيو 2023، تقدّم النائب جورج عطا الله بمقترح قانون يستثني أهالي الضحايا الأجانب من أيّ تعويضات، مفترضاً أن يُعوَّضوا من شركات التأمين أو المؤسّسات التي كانوا يعملون لصالحها. المقترح ما زال قيد الدراسة.
المحامي علي عباس يوضح أن المرجع الوحيد للبتّ بالتعويضات هو المجلس العدلي، لا المحقّق العدلي: “بعد صدور القرار الاتّهامي يُحال الملفّ إلى المجلس العدلي، وعند إدانة الأشخاص المتّهمين، يصدر الحكم بالتعويضات الشخصية للأشخاص الذين تقدّموا بادّعاء شخصي داخل الملفّ”.
قنصل بنغلادش في بيروت محمّد أنور قال لـ”درج ميديا” إن السفارة تحرّكت منذ اللحظة الأولى: “فريقنا وصل إلى موقع الانفجار خلال نصف ساعة بسياراتنا الخاصّة، نقلنا المصابين بأنفسنا وتابعنا حالتهم في المستشفيات. قدّمنا ملفّات الضحايا مثل اللبنانيين لكنّنا لم ندعَ لأيّ اجتماع رسمي. قدّمنا شكوى ضدّ مجهول بعد الانفجار مباشرة، لكن كلّ شيء معلّق”. وأضاف أن العائلات لم تحصل على أيّ تعويض من الحكومة اللبنانية أو من منظّمات دولية: “قدّمنا دعماً مالياً لمرّة واحدة، وأمّنا إجلاء بعض المصابين إلى بنغلادش حيث ساعدتهم الحكومة البنغالية. لكن لاحقاً لم يُقدَّم أيّ دعم مالي مستمر”.
تُبرز هذه الوقائع أيضاً هشاشة نظام الكفالة في لبنان، الذي يربط الوضع القانوني للعامل بالكفيل ويجعل حقوقه رهينة له. وديع الأسمر من “المركز اللبناني لحقوق الإنسان” يقول إن الكفالة عقّدت أوضاع الضحايا الأجانب وأخّرت إدراج أسمائهم، وأنه “لم يحصل أيّ عامل أجنبي على تعويض أو مساعدة من الدولة اللبنانية”.
إلى جانب ذلك، برزت مبادرة توثيق عبر كتاب وموقع “الرماد الحي” الصادرين عن جمعية “معاً”. جمع الفريق سِيَر الضحايا وأسماءهم لتثبيت ذاكرتهم. لكن بالنسبة إلى الضحايا الأجانب، تُركت صفحات كثيرة فارغة بسبب صعوبة الوصول إلى عائلاتهم أو حاجز اللغة. يقول أحمد مروّة: “حاولنا الضغط لإشراك الدول التي فقدت ضحايا في التحقيق، لكنّ الاستجابة اقتصرت على بعض الدول الأوروبية، فيما بقيت السفارات العربية غائبة”.

















