ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

باب التبّانة التي ما زالت غريبة ومستثناة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شهدت مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية يوم السبت 8 شباط/ فبراير، كارثة في منطقة باب التبّانة الواقعة إلى شمالها، حين انهار مبنى من عدّة طبقات على سكّانه فقتل 14 شخصاً من القاطنين؛ ثمانية انتُشلوا من تحت الأنقاض، وجرح وشرّد آخرين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

والمأساة في تلك المنطقة المهملة التي تشكّل البوابة الشمالية لطرابلس والمؤسَسة أصلاً على الفقر والهامشية، قد تتكرّر. إذ إن المئات من مبانيها التي يقطنها قرابة 100 ألف شخص نصفهم تقريباً يعانون البطالة، حالتها تشبه حالة المبنى المنهار، وقد تتداعى في أية لحظة، الأمر الذي يتطلّب عمليّات إجلاء للسكّان، وتأمين بعض المآوي المؤقّتة والبيوت البديلة المرتجلة.

آخر وقائع الإخلاء حدثت يوم الاثنين 23 شباط/ فبراير الماضي، حين سمع سكّان أصوات تصدّع صادرة من أعمدة بنايتهم وجدرانها، فسارعوا إلى الخروج منها. 

على أن هذه المأساة في المنطقة الطرابلسية ذات النمط العشوائي، لم تستدعِ الكلام المعتاد في موضوعات تثيرها مأساة مشابهة في مناطق أخرى، خصوصاً في أحياء العمق الطرابلسي، كمسائل الإرث المعماري – الثقافي مثلاً، ومشاريع تصنيفه والمحافظة عليه واستدامته سكنياً ووظيفياً. 

فالواقع في التبّانة يبقى في مرحلة أوّلية وخام، واقع ما زال إلى اليوم سابقاً لأيّ إطار يستدعي تلك الموضوعات، التي قد يبدو طرحها هنا محرجاً، أو حتى مخجلاً، ومن الكماليات غير المنطبقة على المكان. 

ما قبل أيّ تراث أو حداثة: حقّ الإنسان بمسكن يحفظ كرامته

تمثّل المنطقة في الأصل كتلة عمران وعيش لم تنشأ من تخطيط مديني خاصّ لبوّابة عاصمة الشمال اللبناني، بل وُلدت من جماع أحداث ووقائع جيوسياسية وتحرّكات بشرية جرت في سياق تلك الوقائع، وتمّت بمنطق عشوائي – فطري يحاكي تشكّل الأجسام العضوية. 

إذ منذ الحقبة الاستقلالية اللبنانية في مطلع الأربعينيات، حين حُسم أمر “لبنانية” طرابلس بعد ضمّها بشيء من القسرية إلى لبنان الكبير في عام 1920، إثر فترة عاشتها سنجقاً يتبع ولاية بيروت في آخر الحقبة العثمانية، راحت تلك المنطقة تتشكّل وتأخذ موقعها بين بساتين الليمون الطرفية من الشمال، ومقبرة التبّانة والأسواق الشعبية من الجنوب، وجبل الزيتون (لاحقاً جبل محسن) من الشرق، ونهر قاديشا (أبو علي) والزاهرية ومقابر الغرباء من الغرب.

اسمها (التبّانة) يستحضر دورها الأوّل في خدمة الاقتصاد الزراعي – الريفي حولها، في مرحلة ما قبل الانفجار السكّاني والنزوح الجماعي إلى المدينة والسواحل. عدد سكّان مدينة طرابلس في تلك الحقبة كان محدوداً، إذ بحسب دراسة ميدانية أجراها ضابط فرنسي بين العامين 1927 و1930 تحت عنوان “لبنان الشمالي”، بلغ تعداد سكّان المدينة 27 ألف نسمة، شكّل منهم المسلمون السنة 19،300 نسمة، يليهم المسيحيون الموارنة بـ 3400 نسمة، ثم العلويون بـ 600 نسمة، والباقي أقلّيات أخرى ومهاجرون. 

بيد أن الواقع الاجتماعي لطرابلس الداخلة مع استقلال لبنان في الأربعينيات في مشروع وطني جديد، راح يتحرّك دون تخطيط أو ضبط أو رؤى إنمائية مستقبلية، ودليل تلك الحركة السكّانية الأساس كان الأحوال الاقتصادية، والروابط الأهلية الطائفية (ضمن الحدود الجديدة غير المرسّمة وعبرها)، ومراكز العمل، ونقاط الإيواء، وذلك دون أيّ مبادرات كبرى عامّة أو خاصّة من أصحاب القرار ورأس المال، لمواكبة التحوّلات وإدراجها ضمن المشروع الوطني الناشئ. 

وقد راحت الأسواق وتجمّعاتها ومزيج تفاعلاتها تُنتج التكوينات الاجتماعية الأولى لبوّابة طرابلس الشمالية، وهناك عند ذلك الطرف الشمالي الهامشي، وجد شغيّلة الأسواق من فقراء طرابلس والقادمين من أرياف عكّار، وأيضاً من الأرياف السورية القريبة على ضوء هشاشة الحدود الناشئة، ملاذهم ومساحة إقامتهم القريبة من نقاط أعمالهم، وفي العام 1948، انضمّت إلى هؤلاء موجة كبيرة من العائلات الفلسطينية اللاجئة. 

وقد لعبت الرابطة الأهلية الطائفية دوراً محورياً في ذلك التكوين السكّاني، الذي يرى في التكتّل والالتحام بالعمران نوعاً من الحماية والتموضع الدفاعي، فراحت البيوت والأبنية تنشأ بموارد ضئيلة وتكاليف ميّسرة لتعبّر عن ذلك الانصهار الأهلي، الذي تتداخل فيه الأجساد البشرية والأجسام الخرسانية.

الغريمان

دليل محورية الرابطة الأهلية الطائفية في عمليّة التشكّل العمراني الفطري في شمال طرابلس، بدا واضحاً منذ الثلاثينيات. إذ حين أخذ العلويون ينزلون من جبال الشمال ويقصدون المدينة سعياً وراء الرزق والعمل، لم يقصدوا أنحاء باب التبّانة للدخول في نسيجها كغيرهم من طالبي الرزق والعمل، بل هم، وعلى هدي رابطتهم الأهلية الطائفية، اختاروا مواضع أخرى، مثل جبل الزيتون المواجه للتبّانة من الشرق، والذي كان عقاراً يملكه الوجيه العلوي تيسير محسن، الذي دعا أبناء طائفته إلى جبلِه للحلول عمّالاً ومزارعين وشجّعهم على الإقامة فيه، فنشأ جبل محسن “غريم” باب التبّانة الطائفي منذ ذلك الحين. 

وفي فكرة “الغريم” تلك، أو “الندّ”، يكمن شيء من الطفلية الاجتماعية؛ إن جاز القول، التي تسِم هكذا حراكات بشرية غير منخرطة في مشاريع تنمية وطنية واضحة؛ وهي سمة تُفشي جانباً من الطبيعة الفطرية الأوّلية لتلك المناطق ومجتمعاتها، إذ إن “الغريمية”، أو “الندية” في الواقع، تمثّل فعل تنافس طِفلي يسعى من يمارسونه إلى لفت انتباه الرعاة واستمالة أولي الأمر، سواء كان أولئك الرعاة وأولي الأمر أفراداً وجهاء، أو دولاً أو أحزاباً. ومع ذلك التنافس “الغريميّ” “الندّي” يؤكّد المنخرطون فيه، على طبيعتهم الأوّلية كحالة اجتماعية خام وفي طور تكوّن دائم. 

وتلك حالة في الحقيقة تتّسم بهشاشة مزمنة أمام الطبيعة كما أمام العوامل المركّبة، فتكون فريسة سهلة للكوارث الطبيعة، من جهة، كما يسهل التلاعب بها واستغلالها وتجييشها واستخدامها في مشاريع تنافسية للاعبين أكبر منها، من داخل الحدود الوطنية المفترضة وخارجها، من جهة أخرى.

وباب التبّانة وجبل محسن في هذا السياق التكويني الذي قصّر المشروع الوطني اللبناني منذ انطلاقه في الأربعينيات في الوصول إليه، ظلّا غريمين طفليين رغم أن مناطق أخرى ملاصقة ومكتظّة نشأت بينهما، مثل البدّاوي والمنكوبين. 

وقد تكون “غريميّتهما” المستفحلة تأسّست منذ البداية على عقدة سيكولوجية اجتماعية، مفادها أن فقراء العلويين في جبل محسن، وبغياب مشروع الدولة الوطنية الحقيقي المتمدّد إلى أطراف خارطة الدولة، حظوا بدعوة وجيه من بني جلدتهم ورعايته، فيما لم يحظَ فقراء التبّانة بأيّ التفاتة من وجهاء مدينتهم العريقة، التي لا تفتقر إلى الأثرياء والمتموّلين، وهذا في اللاوعي الطرابلسي أمر بالغ الأهمّية، كونه اختُبر في مراحل سابقة خلال العقد الأوّل من القرن العشرين، حين أُهمِلت طرابلس وتدخّل وجهاؤها لإنقاذها. 

فمحطّة قطار طرابلس في عام 1911 لم تُنشئها “الشركة العثمانية الاقتصادية”، ولا “الشركة الفرنسية للسكك الحديد”، التي كانت تشغّل قطارات “خطّ بيروت – دمشق” و”محطّة رياق” التي راحت تصل لبنان بالعالم العربي وأوروبا، بل أنشأها وجهاء عائلات طرابلس الميسورون من أموالهم الخاصّة، إسهاماً منهم في تفعيل الحركة الاقتصادية والتجارية للمدينة، وتأمين فرص العمل للمئات من أبنائها بعد أن شعروا أن خطوط القطار الموجودة استثنت طرابلس وهمّشتها وأخرجتها من خارطة المواصلات ذات الأهمّية الاقتصادية الكبرى. 

وقد غدت محطّة القطار الطرابلسية القريبة من الميناء، بفضل مبادرة الوجهاء الطرابلسيين في عام 1911، واحدة من محطّات “قطار الشرق السريع”، التي تربط طرابلس بحمص وحلب واسطنبول، وصولاً إلى باريس.

بين كارثتين طبيعيتين وإهمال غير طبيعي

على أن الصدمة المباشرة الأولى التي تلقّتها منطقة باب التبّانة الناشئة وغير الموغلة في البؤس بعد، جاءت بفعل كارثة طبيعية تمثّلت بفيضان نهر أبو علي سنة 1955، التي يسمّيها الطرابلسيون “سنة الطوفة”. 

فالنهر المذكور النابع من جبال الأرز والمعروف أيضاً بنهر قاديشا، والذي ينحدر من المرتفعات نحو الساحل مروراً بطرابلس حيث يصبّ في المتوسّط، من عادته الفيضان. نهر عنيد وكان بوسعه أن يكون ثروة طبيعية لطرابلس مانحاً إياها تنوّعاً بيئياً هائلاً، وهو منذ القدم روى بساتين ليمونها وحمضيّاتها وخلق جنائن على ضفتيه اشتهرت بزراعة التوت وأطلقت صناعة الحرير. 

لكن في السابع من أيلول/ سبتمبر العام 1955، أدّى هطول الأمطار الغزيرة والمتواصلة إلى فيضان نهر أبو علي فيضة كاسحة، مغرقاً مدينة طرابلس خصوصاً المناطق الخفيضة الواقعة إلى غرب مجراه الطرابلسي، كباب التبّانة والمنكوبين، وقد أدّت الكارثة إلى مصرع 160 شخصاً وتهجير ألفين وجرف منازل ودكاكين، وتصديع مبانٍ ما زال المئات منها في التبّانة متهالكاً إلى يومنا هذا. 

على أن تلك الكارثة التي تعرفها معظم المدن ذات الأنهار في كلّ مكان من العالم، تأبّدت هنا، عبر طريقة تعامل متخلّفة وغياب أيّ مشاريع خلّاقة من المتموّلين والوجهاء المحلّيين في طرابلس ومن الدولة اللبنانية الفتيّة آنذاك، حتى أن الأخيرة لم تتدخّل إلا في الستينيات، حين جاء ردّها على الطوفان بجرف اعتباطي لمجرى النهر بغية توسعته، ثم صبّ المجرى وإحاطته بدعائم وجدران خرسانية قضت على الضفاف الطبيعية والعمران التاريخي القديم المتداخل معها عبر مواده العضوية، وحوّلته إلى ما يشبه ساقية متهالكة في ممرّ اسمنتي غير متناسب، تتغذّى بالخضروات الفاسدة وجيف الحيوانات وترفد بالمجارير. وهذه الروافد من المواد الملوّثة المختلفة تتضاعف في ذلك الجزء من المجرى العابر غرباً بمحاذاة باب التبّانة، المنطقة المفتقرة إلى البنى التحتية الملائمة وشبكات معالجة مياه الصرف الصحّي.

أما الكارثة الطبيعية الثانية فقد وقعت قبل ثلاثة أعوام بالضبط، في شباط/ فبراير العام 2023، مع الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا ووصلت ارتجاجاته إلى لبنان، خصوصاً منطقة الشمال. وعلى الرغم من البناء الوحيد الذي تضرّر وانهارت أجزاء منه في لبنان بفعل الزلزال المذكور، كان في منطقة النبعة في ضاحية بيروت الشرقية، التي تحاكي مبانيها مباني باب التبّانة وتنتمي إلى حقبة زمنية متقاربة، فإن العديد من أبنية التبّانة في شرق طرابلس أُصيب بصدوع خطيرة أُضيفت إلى صدوعها القديمة العائدة إلى “سنة الطوفة”، وما تلاها من عقود إهمال وتهميش ومعالجات كارثية متخلّفة. 

والحال فإن زلزال كهرمان مرعش الذي بلغت قوته 7،8 درجات، يعدّ كارثة جيولوجية ضربت جنوب شرق تركيا وامتدّت بعنف إلى سوريا ووصلت آثارها إلى لبنان، وتحديداً شماله، وكان من الواجب التعامل معه كصافرة إنذار في منطقة الشمال، خصوصاً مناطق كباب التبّانة ومحيطها، حيث هناك بحسب بلدية طرابلس مئات المباني المتصدّعة التي بينها مبانٍ مأهولة تتطلّب إخلاءً فورياً. 

لكن تبقى المشكلة المزمنة في هذا الصدد متمثّلة بغياب المسوحات العامّة المتعلّقة بهذا الأمر، التي تقع مسؤولية تأمينها على الدولة والوزارات المعنية، كوزارتي الداخلية والأشغال، كون البلديات وحدها غير قادرة على إنجاز مسوحات شاملة من هذا النوع. وها هي اليوم الأبنية المتصدّعة طوال عقود، بدأت تتهاوى على رؤوس سكّانها.

انتقام التبّانة، الحروب، والعود الأبدي للطفلية الاجتماعية     

لقد كان معبّراً في العام 1962، أن يأتي أوّل فعل مشاكس تقوم به شخصيّة باب التبّانة الأشهر علي عكّاوي، اعتداءً على أحد وجهاء طرابلس عبد المجيد الرافعي. 

في العام 1948، كان عكّاوي طفلاً رضيعاً حين حلّت عائلته الفلسطينية في منطقة باب التبّانة واستوطنت فيها، وهو حين نفّذ اعتداءه على الرافعي كان فتى نشأ في التبّانة ويعمل فراناً بعمر السادسة عشرة، أي تحت السنّ القانونية. لم يكن عكّاوي مسيّساً بوضوح بعد، وقد جاء اعتداؤه على الوجيه الطرابلسي آنذاك، في سياق شعور الطفلية الاجتماعية الذي تحياه منطقته المهملة، وضمن سلوك إثارة اهتمام أولي الأمر الأهليين في غياب الاهتمام الرعوي الرسمي، أي الدولة. 

مكث عكّاوي في السجن إثر الاعتداء على الرافعي ثلاث سنوات، وقد خرج ليبدأ سيرته السياسية مدفوعاً بالمدّ الناصري القومي العربي المسيطر على الشارع الإسلامي الأهلي آنذاك. ثم ما لبث بعد العام 1967، أن التحق بالميليشيات الفلسطينية، فتلقّى تدريباً عسكرياً لفترة، وعاد إلى منطقة باب التبّانة التي كانت “طريق القدس” حينها أيضاً، في ذهنه، تمرّ فيها. 

في العام 1967 سُجن عكّاوي مجدّداً لعام واحد، وخرج من السجن محوّلاً ميوله الناصرية إلى ميول ماركسية، فأسّس من التبّانة “منظّمة الغضب” ذات النمط الفوضوي والنهج التيسييري المحلّي، وراح يبني قاعدة شعبية امتدّت من التبّانة إلى عكّار ومناطق الساحل، وقد تمكّن في تلك المرحلة من إطلاق حركة جماهيرية، معبّئاً فلّاحي عكّار وعمّال المناطق الساحلية ضدّ كبار الملّاكين والعائلات المتنفذّة داخل الدولة، رافعاً شعار “يا فقراء عكّار اتّحدوا”. 

استمرت حركة عكّاوي المتمرّدة على الوجاهات الأهلية ونفوذها في السلطة اللبنانية إلى العام 1972، حين أُلقي القبض عليه ومات في السجن بظروف غامضة. ويُقال إن تدبير موته في السجن جاء من خارج الحدود بعد صعود الأسدية إلى السلطة، والقلق من امتداد “حركة العكّاوي” من التبّانة ومناطق الشمال اللبناني إلى داخل سوريا. 

وقد خلف عكّاوي بعد موته شقيقه خليل (أبو عربي)، الذي طوّر “منظّمة الغضب” إلى “لجان شعبية” متركّزة بالدرجة الأولى في باب التبّانة، بعد انحسار الموجة الشعبية الأعرض التي أسّسها شقيقه الراحل. 

وارتبطت “اللجان الشعبية” في تلك المرحلة ارتباطاً وثيقاً بالمقاومة الفلسطينية، التي رعتها ودرّبتها ومدّتها بالسلاح. وهذا تزامن تقريباً مع تخلّي الدولة اللبنانية عن سيادتها بضغط ناصري عبر اتّفاق القاهرة في العام 1969، ومع صعود الأسدية في سوريا وسلوكها الحاسم المسار الديكتاتوري الأمني، ومع تصلّب “منظّمة التحرير الفلسطينية” في لبنان، وملئها فراغ الدولة اللبنانية في المناطق الشعبية الإسلامية مثل باب التبّانة، ثم انطلاقها لمقاتلة إسرائيل من جهة وفرض قرارها على اللبنانيين من جهة ثالثة، وصراعها مع نظام الأسد من جهة ثالثة. 

تلك العوامل جميعها شكّلت الوصفة المثالية للحروب الأهلية العربية الملبننة والممتدّة، التي دخلت باب التبّانة في نفقها طوال فترة السبعينيات، من خلال “عصبة باب التبّانة” التي بلغ عديد مقاتليها المئات.

وفي مطلع الثمانينيات حين اجتاحت إسرائيل لبنان وطردت “منظّمة التحرير الفلسطينية” من بوّابة بيروت، حاولت المنظّمة العودة بنموذجها المسلّح إلى لبنان من بوّابة طرابلس، وباب التبّانة كانت البؤرة الأمثل. وكان جيش النظام السوري يتغلغل في الشمال اللبناني أيضاً من بوّابة طرابلس، محيياً الغريمية التاريخية الطائفية بين جبل محسن وباب التبّانة بالسلاح والدم. 

وحينها مع احتدام التنافس بين النظام الأسدي و”منظّمة التحرير الفلسطينية” على الشمال اللبناني من بوّابة مخيّمات الشمال الفلسطينية والمناطق الشعبية ذات الأغلبية الإسلامية السنّية، ومنذ مطلع الثمانينيات تشكّلت حركة “التوحيد الإسلامية” التي مثّلت انشقاقاً متشدّداً قاده سعيد شعبان عن “الجماعة الإسلامية الإخوانية” لصاحبها فتحي يكن، وقد ضمّت حركة “التوحيد الإسلامي” عدّة فصائل في طرابلس، واجتذبت خليل عكّاوي ولجانه الشعبية في باب التبّانة، تحت مظلّة إسلامية ومسمّى جديد هو “لجان المساجد والأحياء”.

وفي العام 1983 ضرب الأسد حصاره على عرفات وطرابلس وقصف المدينة من جبل محسن عبر قوّات فلسطينية منشقّة مثل “الجبهة الشعبية” و”الصاعقة”، لينتهي الحصار في أواخر العام 1983 بجلاء عرفات للمرّة الأخيرة عن لبنان. لم يدخل جيش الأسد طرابلس إثر تلك المعركة، وبقيت طرابلس تحت سيطرة حركة “التوحيد”، وقد ظلّت الاشتباكات بين هذه الحركة وقوّات جبل محسن حتى العام 1985، حين أُنجز وقف نار برعاية إيرانية.

على أن تركّز حركة “التوحيد” في باب التبّانة ظلّ هاجساً بالنسبة إلى جيش الأسد، وذلك ما قاد لاغتيال خليل عكّاوي ومذبحة التبّانة في العام 1987، التي قامت بها قوّات الوحدات الخاصّة السورية تساندها عناصر من “الحزب العربي الديمقراطي/ الفرسان الحمر” في جبل محسن، وقوّات من حزبي “البعث” و”السوري القومي” وفصائل فلسطينية موالية لسوريا، مجزرة تعرّض فيها باب التبّانة لمصير حماة السورية في العام 1981، فقُتل المئات من أبناء المنطقة ودُفن كثيرون منهم في مقابر جماعية. 

ويرى البعض أن المصير الذي انتهى إليه خليل عكّاوي جاء نتيجة تواطؤ من حركة “التوحيد” التي انتمى إليها في آخر تحوّلاته، وهي حركة مدّت خطوط علاقات مع النظام الإيراني، كما أن الأحداث التي شهدتها التبّانة في تلك الفترة الدموية أسّست لفصل جديد من مأساتها وغريميّتها الطائفية مع جبل محسن، قادت إلى صدامات تكرّرت في الأعوام 2008 و2012 و2013. 

وتطرح هذه المسارات القاتلة التي دخلت بها منطقة باب التبّانة الشمالية اللبنانية ولم تخرج منها بعد، مسألتين متداخلتين، الأولى تتعلّق بشخصيّتي المنطقة التاريخيتين البارزتين، أي الأخوين عكّاوي. فما كان ثابتاً عند هاتين الشخصيّتين تمثّل بالهمّ الاجتماعي، وهذا هو المهمّ، أما ما كان متحوّلاً وعابراً عندهما فتمثّل بالأيديولوجيا والولاء السياسي، وهما الأمران غير المهمّين كثيراً في سيرتيهما. 

بالنسبة إلى المسألة الثانية التي تطرحها المسارات القاتلة لباب التبّانة وأيضاً جبل محسن، المنطقتين اللتين تآكلتهما الكوارث الطبيعية من جهة، والحروب المتناسلة من جهة أخرى، فهي مسألة الطفلية الاجتماعية التي قد تحياها المناطق المهمّشة ما دامت مستثناة من المشروع الوطني الواضح الذي هو الدولة، إذ إن السيناريو المروّع الذي عاشته هاتان المنطقتان في غياب مشروع طوارئ تخصّصه الدولة لهما، معوّضة به عن عقود تهميشهما واستغلالهما من داخل الحدود ومن خلفها، قد يتكرّر إلى ما لا نهاية، وذلك أمر بالغ الحساسية اليوم، لا سيّما على ضوء تشكّل نظام جديد خلف الحدود الشمالية والشرقية لا يقلّ تخلّفاً وطائفية والتواءً عن النظام البائد الذي سبقه، لا بل أن هذا النظام الجديد يحظى بما لم يحظَ به النظام البائد في عقده الأخير، ألا وهو الدعم العربي والدولي، والتسويق الإعلامي العربي على وجه التحديد، فيما هو إلى الآن نظام يقوم على التقنّع والغدر والغزو والسبي والنهب. 

وتلك الطفلية الاجتماعية التي ما زالت تحيا بها المناطق المستبعدة من مشروع الدولة الحقيقية، القائم على صون الحدود وترسيمها واحتكار السلاح وتوطيد الأمن الرسمي وإطلاق التنمية الاجتماعية – العمرانية المستدامة والشفّافة والنزيهة، ستظلّ قائمة في الشمال كما في الجنوب. 

إن وصول الدولة اليوم إلى تلك الأطراف الوطنية المشرّعة أمام التلاعب والاستغلال لهو أهمّ بكثير من قيام الدولة بإثبات حضورها في المناطق المركزية الأكثر تماسكاً، وما دامت هذه المبادرة الجوهرية أكثر تعقيداً عند الحدود الجنوبية راهناً، كون الدولة المجاورة هناك تعدّ إلى الآن دولة معادية، فإن البداية الملحّة والمنطقية تكمن هنا في منطقة الشمال، حيث ثمّة قنوات اتّصال يومية مع الدولة الجارة خلف الحدود، ورابطتنا بها هي جامعة الدول العربية. 

إن تخصيص مشروع تنمية شامل وطارئ وشفّاف ومحكم لباب التبّانة وجبل محسن، واستدراج الدعم والتمويل العربي والغربي له/ لهما، أهمّ بمئة مرّة من تخصيص ملايين الدولارات لترميم مبنى في قلب بيروت من أجل تحوير وظيفته الأصلية كي يغدو مركزاً ثقافياً. 

فبيروت لا تفتقر إلى المراكز الثقافية، بل تحوي عشرات المراكز الثقافية والفنّية، فيما البيوت والأبنية تنهار على رؤوس ساكنيها في باب التبّانة وغيرها من المناطق الطرفية، التي تنتظر الدولة منذ عشرات السنين كي تطوي صفحة الحروب والمقاتل.  

شهدت مدينة طرابلس اللبنانية الشمالية يوم السبت 8 شباط/ فبراير، كارثة في منطقة باب التبّانة الواقعة إلى شمالها، حين انهار مبنى من عدّة طبقات على سكّانه فقتل 14 شخصاً من القاطنين؛ ثمانية انتُشلوا من تحت الأنقاض، وجرح وشرّد آخرين.

والمأساة في تلك المنطقة المهملة التي تشكّل البوابة الشمالية لطرابلس والمؤسَسة أصلاً على الفقر والهامشية، قد تتكرّر. إذ إن المئات من مبانيها التي يقطنها قرابة 100 ألف شخص نصفهم تقريباً يعانون البطالة، حالتها تشبه حالة المبنى المنهار، وقد تتداعى في أية لحظة، الأمر الذي يتطلّب عمليّات إجلاء للسكّان، وتأمين بعض المآوي المؤقّتة والبيوت البديلة المرتجلة.

آخر وقائع الإخلاء حدثت يوم الاثنين 23 شباط/ فبراير الماضي، حين سمع سكّان أصوات تصدّع صادرة من أعمدة بنايتهم وجدرانها، فسارعوا إلى الخروج منها. 

على أن هذه المأساة في المنطقة الطرابلسية ذات النمط العشوائي، لم تستدعِ الكلام المعتاد في موضوعات تثيرها مأساة مشابهة في مناطق أخرى، خصوصاً في أحياء العمق الطرابلسي، كمسائل الإرث المعماري – الثقافي مثلاً، ومشاريع تصنيفه والمحافظة عليه واستدامته سكنياً ووظيفياً. 

فالواقع في التبّانة يبقى في مرحلة أوّلية وخام، واقع ما زال إلى اليوم سابقاً لأيّ إطار يستدعي تلك الموضوعات، التي قد يبدو طرحها هنا محرجاً، أو حتى مخجلاً، ومن الكماليات غير المنطبقة على المكان. 

ما قبل أيّ تراث أو حداثة: حقّ الإنسان بمسكن يحفظ كرامته

تمثّل المنطقة في الأصل كتلة عمران وعيش لم تنشأ من تخطيط مديني خاصّ لبوّابة عاصمة الشمال اللبناني، بل وُلدت من جماع أحداث ووقائع جيوسياسية وتحرّكات بشرية جرت في سياق تلك الوقائع، وتمّت بمنطق عشوائي – فطري يحاكي تشكّل الأجسام العضوية. 

إذ منذ الحقبة الاستقلالية اللبنانية في مطلع الأربعينيات، حين حُسم أمر “لبنانية” طرابلس بعد ضمّها بشيء من القسرية إلى لبنان الكبير في عام 1920، إثر فترة عاشتها سنجقاً يتبع ولاية بيروت في آخر الحقبة العثمانية، راحت تلك المنطقة تتشكّل وتأخذ موقعها بين بساتين الليمون الطرفية من الشمال، ومقبرة التبّانة والأسواق الشعبية من الجنوب، وجبل الزيتون (لاحقاً جبل محسن) من الشرق، ونهر قاديشا (أبو علي) والزاهرية ومقابر الغرباء من الغرب.

اسمها (التبّانة) يستحضر دورها الأوّل في خدمة الاقتصاد الزراعي – الريفي حولها، في مرحلة ما قبل الانفجار السكّاني والنزوح الجماعي إلى المدينة والسواحل. عدد سكّان مدينة طرابلس في تلك الحقبة كان محدوداً، إذ بحسب دراسة ميدانية أجراها ضابط فرنسي بين العامين 1927 و1930 تحت عنوان “لبنان الشمالي”، بلغ تعداد سكّان المدينة 27 ألف نسمة، شكّل منهم المسلمون السنة 19،300 نسمة، يليهم المسيحيون الموارنة بـ 3400 نسمة، ثم العلويون بـ 600 نسمة، والباقي أقلّيات أخرى ومهاجرون. 

بيد أن الواقع الاجتماعي لطرابلس الداخلة مع استقلال لبنان في الأربعينيات في مشروع وطني جديد، راح يتحرّك دون تخطيط أو ضبط أو رؤى إنمائية مستقبلية، ودليل تلك الحركة السكّانية الأساس كان الأحوال الاقتصادية، والروابط الأهلية الطائفية (ضمن الحدود الجديدة غير المرسّمة وعبرها)، ومراكز العمل، ونقاط الإيواء، وذلك دون أيّ مبادرات كبرى عامّة أو خاصّة من أصحاب القرار ورأس المال، لمواكبة التحوّلات وإدراجها ضمن المشروع الوطني الناشئ. 

وقد راحت الأسواق وتجمّعاتها ومزيج تفاعلاتها تُنتج التكوينات الاجتماعية الأولى لبوّابة طرابلس الشمالية، وهناك عند ذلك الطرف الشمالي الهامشي، وجد شغيّلة الأسواق من فقراء طرابلس والقادمين من أرياف عكّار، وأيضاً من الأرياف السورية القريبة على ضوء هشاشة الحدود الناشئة، ملاذهم ومساحة إقامتهم القريبة من نقاط أعمالهم، وفي العام 1948، انضمّت إلى هؤلاء موجة كبيرة من العائلات الفلسطينية اللاجئة. 

وقد لعبت الرابطة الأهلية الطائفية دوراً محورياً في ذلك التكوين السكّاني، الذي يرى في التكتّل والالتحام بالعمران نوعاً من الحماية والتموضع الدفاعي، فراحت البيوت والأبنية تنشأ بموارد ضئيلة وتكاليف ميّسرة لتعبّر عن ذلك الانصهار الأهلي، الذي تتداخل فيه الأجساد البشرية والأجسام الخرسانية.

الغريمان

دليل محورية الرابطة الأهلية الطائفية في عمليّة التشكّل العمراني الفطري في شمال طرابلس، بدا واضحاً منذ الثلاثينيات. إذ حين أخذ العلويون ينزلون من جبال الشمال ويقصدون المدينة سعياً وراء الرزق والعمل، لم يقصدوا أنحاء باب التبّانة للدخول في نسيجها كغيرهم من طالبي الرزق والعمل، بل هم، وعلى هدي رابطتهم الأهلية الطائفية، اختاروا مواضع أخرى، مثل جبل الزيتون المواجه للتبّانة من الشرق، والذي كان عقاراً يملكه الوجيه العلوي تيسير محسن، الذي دعا أبناء طائفته إلى جبلِه للحلول عمّالاً ومزارعين وشجّعهم على الإقامة فيه، فنشأ جبل محسن “غريم” باب التبّانة الطائفي منذ ذلك الحين. 

وفي فكرة “الغريم” تلك، أو “الندّ”، يكمن شيء من الطفلية الاجتماعية؛ إن جاز القول، التي تسِم هكذا حراكات بشرية غير منخرطة في مشاريع تنمية وطنية واضحة؛ وهي سمة تُفشي جانباً من الطبيعة الفطرية الأوّلية لتلك المناطق ومجتمعاتها، إذ إن “الغريمية”، أو “الندية” في الواقع، تمثّل فعل تنافس طِفلي يسعى من يمارسونه إلى لفت انتباه الرعاة واستمالة أولي الأمر، سواء كان أولئك الرعاة وأولي الأمر أفراداً وجهاء، أو دولاً أو أحزاباً. ومع ذلك التنافس “الغريميّ” “الندّي” يؤكّد المنخرطون فيه، على طبيعتهم الأوّلية كحالة اجتماعية خام وفي طور تكوّن دائم. 

وتلك حالة في الحقيقة تتّسم بهشاشة مزمنة أمام الطبيعة كما أمام العوامل المركّبة، فتكون فريسة سهلة للكوارث الطبيعة، من جهة، كما يسهل التلاعب بها واستغلالها وتجييشها واستخدامها في مشاريع تنافسية للاعبين أكبر منها، من داخل الحدود الوطنية المفترضة وخارجها، من جهة أخرى.

وباب التبّانة وجبل محسن في هذا السياق التكويني الذي قصّر المشروع الوطني اللبناني منذ انطلاقه في الأربعينيات في الوصول إليه، ظلّا غريمين طفليين رغم أن مناطق أخرى ملاصقة ومكتظّة نشأت بينهما، مثل البدّاوي والمنكوبين. 

وقد تكون “غريميّتهما” المستفحلة تأسّست منذ البداية على عقدة سيكولوجية اجتماعية، مفادها أن فقراء العلويين في جبل محسن، وبغياب مشروع الدولة الوطنية الحقيقي المتمدّد إلى أطراف خارطة الدولة، حظوا بدعوة وجيه من بني جلدتهم ورعايته، فيما لم يحظَ فقراء التبّانة بأيّ التفاتة من وجهاء مدينتهم العريقة، التي لا تفتقر إلى الأثرياء والمتموّلين، وهذا في اللاوعي الطرابلسي أمر بالغ الأهمّية، كونه اختُبر في مراحل سابقة خلال العقد الأوّل من القرن العشرين، حين أُهمِلت طرابلس وتدخّل وجهاؤها لإنقاذها. 

فمحطّة قطار طرابلس في عام 1911 لم تُنشئها “الشركة العثمانية الاقتصادية”، ولا “الشركة الفرنسية للسكك الحديد”، التي كانت تشغّل قطارات “خطّ بيروت – دمشق” و”محطّة رياق” التي راحت تصل لبنان بالعالم العربي وأوروبا، بل أنشأها وجهاء عائلات طرابلس الميسورون من أموالهم الخاصّة، إسهاماً منهم في تفعيل الحركة الاقتصادية والتجارية للمدينة، وتأمين فرص العمل للمئات من أبنائها بعد أن شعروا أن خطوط القطار الموجودة استثنت طرابلس وهمّشتها وأخرجتها من خارطة المواصلات ذات الأهمّية الاقتصادية الكبرى. 

وقد غدت محطّة القطار الطرابلسية القريبة من الميناء، بفضل مبادرة الوجهاء الطرابلسيين في عام 1911، واحدة من محطّات “قطار الشرق السريع”، التي تربط طرابلس بحمص وحلب واسطنبول، وصولاً إلى باريس.

بين كارثتين طبيعيتين وإهمال غير طبيعي

على أن الصدمة المباشرة الأولى التي تلقّتها منطقة باب التبّانة الناشئة وغير الموغلة في البؤس بعد، جاءت بفعل كارثة طبيعية تمثّلت بفيضان نهر أبو علي سنة 1955، التي يسمّيها الطرابلسيون “سنة الطوفة”. 

فالنهر المذكور النابع من جبال الأرز والمعروف أيضاً بنهر قاديشا، والذي ينحدر من المرتفعات نحو الساحل مروراً بطرابلس حيث يصبّ في المتوسّط، من عادته الفيضان. نهر عنيد وكان بوسعه أن يكون ثروة طبيعية لطرابلس مانحاً إياها تنوّعاً بيئياً هائلاً، وهو منذ القدم روى بساتين ليمونها وحمضيّاتها وخلق جنائن على ضفتيه اشتهرت بزراعة التوت وأطلقت صناعة الحرير. 

لكن في السابع من أيلول/ سبتمبر العام 1955، أدّى هطول الأمطار الغزيرة والمتواصلة إلى فيضان نهر أبو علي فيضة كاسحة، مغرقاً مدينة طرابلس خصوصاً المناطق الخفيضة الواقعة إلى غرب مجراه الطرابلسي، كباب التبّانة والمنكوبين، وقد أدّت الكارثة إلى مصرع 160 شخصاً وتهجير ألفين وجرف منازل ودكاكين، وتصديع مبانٍ ما زال المئات منها في التبّانة متهالكاً إلى يومنا هذا. 

على أن تلك الكارثة التي تعرفها معظم المدن ذات الأنهار في كلّ مكان من العالم، تأبّدت هنا، عبر طريقة تعامل متخلّفة وغياب أيّ مشاريع خلّاقة من المتموّلين والوجهاء المحلّيين في طرابلس ومن الدولة اللبنانية الفتيّة آنذاك، حتى أن الأخيرة لم تتدخّل إلا في الستينيات، حين جاء ردّها على الطوفان بجرف اعتباطي لمجرى النهر بغية توسعته، ثم صبّ المجرى وإحاطته بدعائم وجدران خرسانية قضت على الضفاف الطبيعية والعمران التاريخي القديم المتداخل معها عبر مواده العضوية، وحوّلته إلى ما يشبه ساقية متهالكة في ممرّ اسمنتي غير متناسب، تتغذّى بالخضروات الفاسدة وجيف الحيوانات وترفد بالمجارير. وهذه الروافد من المواد الملوّثة المختلفة تتضاعف في ذلك الجزء من المجرى العابر غرباً بمحاذاة باب التبّانة، المنطقة المفتقرة إلى البنى التحتية الملائمة وشبكات معالجة مياه الصرف الصحّي.

أما الكارثة الطبيعية الثانية فقد وقعت قبل ثلاثة أعوام بالضبط، في شباط/ فبراير العام 2023، مع الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا ووصلت ارتجاجاته إلى لبنان، خصوصاً منطقة الشمال. وعلى الرغم من البناء الوحيد الذي تضرّر وانهارت أجزاء منه في لبنان بفعل الزلزال المذكور، كان في منطقة النبعة في ضاحية بيروت الشرقية، التي تحاكي مبانيها مباني باب التبّانة وتنتمي إلى حقبة زمنية متقاربة، فإن العديد من أبنية التبّانة في شرق طرابلس أُصيب بصدوع خطيرة أُضيفت إلى صدوعها القديمة العائدة إلى “سنة الطوفة”، وما تلاها من عقود إهمال وتهميش ومعالجات كارثية متخلّفة. 

والحال فإن زلزال كهرمان مرعش الذي بلغت قوته 7،8 درجات، يعدّ كارثة جيولوجية ضربت جنوب شرق تركيا وامتدّت بعنف إلى سوريا ووصلت آثارها إلى لبنان، وتحديداً شماله، وكان من الواجب التعامل معه كصافرة إنذار في منطقة الشمال، خصوصاً مناطق كباب التبّانة ومحيطها، حيث هناك بحسب بلدية طرابلس مئات المباني المتصدّعة التي بينها مبانٍ مأهولة تتطلّب إخلاءً فورياً. 

لكن تبقى المشكلة المزمنة في هذا الصدد متمثّلة بغياب المسوحات العامّة المتعلّقة بهذا الأمر، التي تقع مسؤولية تأمينها على الدولة والوزارات المعنية، كوزارتي الداخلية والأشغال، كون البلديات وحدها غير قادرة على إنجاز مسوحات شاملة من هذا النوع. وها هي اليوم الأبنية المتصدّعة طوال عقود، بدأت تتهاوى على رؤوس سكّانها.

انتقام التبّانة، الحروب، والعود الأبدي للطفلية الاجتماعية     

لقد كان معبّراً في العام 1962، أن يأتي أوّل فعل مشاكس تقوم به شخصيّة باب التبّانة الأشهر علي عكّاوي، اعتداءً على أحد وجهاء طرابلس عبد المجيد الرافعي. 

في العام 1948، كان عكّاوي طفلاً رضيعاً حين حلّت عائلته الفلسطينية في منطقة باب التبّانة واستوطنت فيها، وهو حين نفّذ اعتداءه على الرافعي كان فتى نشأ في التبّانة ويعمل فراناً بعمر السادسة عشرة، أي تحت السنّ القانونية. لم يكن عكّاوي مسيّساً بوضوح بعد، وقد جاء اعتداؤه على الوجيه الطرابلسي آنذاك، في سياق شعور الطفلية الاجتماعية الذي تحياه منطقته المهملة، وضمن سلوك إثارة اهتمام أولي الأمر الأهليين في غياب الاهتمام الرعوي الرسمي، أي الدولة. 

مكث عكّاوي في السجن إثر الاعتداء على الرافعي ثلاث سنوات، وقد خرج ليبدأ سيرته السياسية مدفوعاً بالمدّ الناصري القومي العربي المسيطر على الشارع الإسلامي الأهلي آنذاك. ثم ما لبث بعد العام 1967، أن التحق بالميليشيات الفلسطينية، فتلقّى تدريباً عسكرياً لفترة، وعاد إلى منطقة باب التبّانة التي كانت “طريق القدس” حينها أيضاً، في ذهنه، تمرّ فيها. 

في العام 1967 سُجن عكّاوي مجدّداً لعام واحد، وخرج من السجن محوّلاً ميوله الناصرية إلى ميول ماركسية، فأسّس من التبّانة “منظّمة الغضب” ذات النمط الفوضوي والنهج التيسييري المحلّي، وراح يبني قاعدة شعبية امتدّت من التبّانة إلى عكّار ومناطق الساحل، وقد تمكّن في تلك المرحلة من إطلاق حركة جماهيرية، معبّئاً فلّاحي عكّار وعمّال المناطق الساحلية ضدّ كبار الملّاكين والعائلات المتنفذّة داخل الدولة، رافعاً شعار “يا فقراء عكّار اتّحدوا”. 

استمرت حركة عكّاوي المتمرّدة على الوجاهات الأهلية ونفوذها في السلطة اللبنانية إلى العام 1972، حين أُلقي القبض عليه ومات في السجن بظروف غامضة. ويُقال إن تدبير موته في السجن جاء من خارج الحدود بعد صعود الأسدية إلى السلطة، والقلق من امتداد “حركة العكّاوي” من التبّانة ومناطق الشمال اللبناني إلى داخل سوريا. 

وقد خلف عكّاوي بعد موته شقيقه خليل (أبو عربي)، الذي طوّر “منظّمة الغضب” إلى “لجان شعبية” متركّزة بالدرجة الأولى في باب التبّانة، بعد انحسار الموجة الشعبية الأعرض التي أسّسها شقيقه الراحل. 

وارتبطت “اللجان الشعبية” في تلك المرحلة ارتباطاً وثيقاً بالمقاومة الفلسطينية، التي رعتها ودرّبتها ومدّتها بالسلاح. وهذا تزامن تقريباً مع تخلّي الدولة اللبنانية عن سيادتها بضغط ناصري عبر اتّفاق القاهرة في العام 1969، ومع صعود الأسدية في سوريا وسلوكها الحاسم المسار الديكتاتوري الأمني، ومع تصلّب “منظّمة التحرير الفلسطينية” في لبنان، وملئها فراغ الدولة اللبنانية في المناطق الشعبية الإسلامية مثل باب التبّانة، ثم انطلاقها لمقاتلة إسرائيل من جهة وفرض قرارها على اللبنانيين من جهة ثالثة، وصراعها مع نظام الأسد من جهة ثالثة. 

تلك العوامل جميعها شكّلت الوصفة المثالية للحروب الأهلية العربية الملبننة والممتدّة، التي دخلت باب التبّانة في نفقها طوال فترة السبعينيات، من خلال “عصبة باب التبّانة” التي بلغ عديد مقاتليها المئات.

وفي مطلع الثمانينيات حين اجتاحت إسرائيل لبنان وطردت “منظّمة التحرير الفلسطينية” من بوّابة بيروت، حاولت المنظّمة العودة بنموذجها المسلّح إلى لبنان من بوّابة طرابلس، وباب التبّانة كانت البؤرة الأمثل. وكان جيش النظام السوري يتغلغل في الشمال اللبناني أيضاً من بوّابة طرابلس، محيياً الغريمية التاريخية الطائفية بين جبل محسن وباب التبّانة بالسلاح والدم. 

وحينها مع احتدام التنافس بين النظام الأسدي و”منظّمة التحرير الفلسطينية” على الشمال اللبناني من بوّابة مخيّمات الشمال الفلسطينية والمناطق الشعبية ذات الأغلبية الإسلامية السنّية، ومنذ مطلع الثمانينيات تشكّلت حركة “التوحيد الإسلامية” التي مثّلت انشقاقاً متشدّداً قاده سعيد شعبان عن “الجماعة الإسلامية الإخوانية” لصاحبها فتحي يكن، وقد ضمّت حركة “التوحيد الإسلامي” عدّة فصائل في طرابلس، واجتذبت خليل عكّاوي ولجانه الشعبية في باب التبّانة، تحت مظلّة إسلامية ومسمّى جديد هو “لجان المساجد والأحياء”.

وفي العام 1983 ضرب الأسد حصاره على عرفات وطرابلس وقصف المدينة من جبل محسن عبر قوّات فلسطينية منشقّة مثل “الجبهة الشعبية” و”الصاعقة”، لينتهي الحصار في أواخر العام 1983 بجلاء عرفات للمرّة الأخيرة عن لبنان. لم يدخل جيش الأسد طرابلس إثر تلك المعركة، وبقيت طرابلس تحت سيطرة حركة “التوحيد”، وقد ظلّت الاشتباكات بين هذه الحركة وقوّات جبل محسن حتى العام 1985، حين أُنجز وقف نار برعاية إيرانية.

على أن تركّز حركة “التوحيد” في باب التبّانة ظلّ هاجساً بالنسبة إلى جيش الأسد، وذلك ما قاد لاغتيال خليل عكّاوي ومذبحة التبّانة في العام 1987، التي قامت بها قوّات الوحدات الخاصّة السورية تساندها عناصر من “الحزب العربي الديمقراطي/ الفرسان الحمر” في جبل محسن، وقوّات من حزبي “البعث” و”السوري القومي” وفصائل فلسطينية موالية لسوريا، مجزرة تعرّض فيها باب التبّانة لمصير حماة السورية في العام 1981، فقُتل المئات من أبناء المنطقة ودُفن كثيرون منهم في مقابر جماعية. 

ويرى البعض أن المصير الذي انتهى إليه خليل عكّاوي جاء نتيجة تواطؤ من حركة “التوحيد” التي انتمى إليها في آخر تحوّلاته، وهي حركة مدّت خطوط علاقات مع النظام الإيراني، كما أن الأحداث التي شهدتها التبّانة في تلك الفترة الدموية أسّست لفصل جديد من مأساتها وغريميّتها الطائفية مع جبل محسن، قادت إلى صدامات تكرّرت في الأعوام 2008 و2012 و2013. 

وتطرح هذه المسارات القاتلة التي دخلت بها منطقة باب التبّانة الشمالية اللبنانية ولم تخرج منها بعد، مسألتين متداخلتين، الأولى تتعلّق بشخصيّتي المنطقة التاريخيتين البارزتين، أي الأخوين عكّاوي. فما كان ثابتاً عند هاتين الشخصيّتين تمثّل بالهمّ الاجتماعي، وهذا هو المهمّ، أما ما كان متحوّلاً وعابراً عندهما فتمثّل بالأيديولوجيا والولاء السياسي، وهما الأمران غير المهمّين كثيراً في سيرتيهما. 

بالنسبة إلى المسألة الثانية التي تطرحها المسارات القاتلة لباب التبّانة وأيضاً جبل محسن، المنطقتين اللتين تآكلتهما الكوارث الطبيعية من جهة، والحروب المتناسلة من جهة أخرى، فهي مسألة الطفلية الاجتماعية التي قد تحياها المناطق المهمّشة ما دامت مستثناة من المشروع الوطني الواضح الذي هو الدولة، إذ إن السيناريو المروّع الذي عاشته هاتان المنطقتان في غياب مشروع طوارئ تخصّصه الدولة لهما، معوّضة به عن عقود تهميشهما واستغلالهما من داخل الحدود ومن خلفها، قد يتكرّر إلى ما لا نهاية، وذلك أمر بالغ الحساسية اليوم، لا سيّما على ضوء تشكّل نظام جديد خلف الحدود الشمالية والشرقية لا يقلّ تخلّفاً وطائفية والتواءً عن النظام البائد الذي سبقه، لا بل أن هذا النظام الجديد يحظى بما لم يحظَ به النظام البائد في عقده الأخير، ألا وهو الدعم العربي والدولي، والتسويق الإعلامي العربي على وجه التحديد، فيما هو إلى الآن نظام يقوم على التقنّع والغدر والغزو والسبي والنهب. 

وتلك الطفلية الاجتماعية التي ما زالت تحيا بها المناطق المستبعدة من مشروع الدولة الحقيقية، القائم على صون الحدود وترسيمها واحتكار السلاح وتوطيد الأمن الرسمي وإطلاق التنمية الاجتماعية – العمرانية المستدامة والشفّافة والنزيهة، ستظلّ قائمة في الشمال كما في الجنوب. 

إن وصول الدولة اليوم إلى تلك الأطراف الوطنية المشرّعة أمام التلاعب والاستغلال لهو أهمّ بكثير من قيام الدولة بإثبات حضورها في المناطق المركزية الأكثر تماسكاً، وما دامت هذه المبادرة الجوهرية أكثر تعقيداً عند الحدود الجنوبية راهناً، كون الدولة المجاورة هناك تعدّ إلى الآن دولة معادية، فإن البداية الملحّة والمنطقية تكمن هنا في منطقة الشمال، حيث ثمّة قنوات اتّصال يومية مع الدولة الجارة خلف الحدود، ورابطتنا بها هي جامعة الدول العربية. 

إن تخصيص مشروع تنمية شامل وطارئ وشفّاف ومحكم لباب التبّانة وجبل محسن، واستدراج الدعم والتمويل العربي والغربي له/ لهما، أهمّ بمئة مرّة من تخصيص ملايين الدولارات لترميم مبنى في قلب بيروت من أجل تحوير وظيفته الأصلية كي يغدو مركزاً ثقافياً. 

فبيروت لا تفتقر إلى المراكز الثقافية، بل تحوي عشرات المراكز الثقافية والفنّية، فيما البيوت والأبنية تنهار على رؤوس ساكنيها في باب التبّانة وغيرها من المناطق الطرفية، التي تنتظر الدولة منذ عشرات السنين كي تطوي صفحة الحروب والمقاتل.